الرئيسية » الأدب المَمْدَري



سلسلة الجيرة الإلكترونية

 ......................

الليالي العارية (أقصوصات صحافية من الأدب المَمْدَري)

========

 

.............

الفهرس: ـ حرب الجنابة ـ جينات الكلبنة ـ صوت الحمراء ـ اغتيال معرفي ـ الكلب اللّحاس ـ ديمقراطية اللّحس ـ البناء الماهر ـ لحاسة الأعضاء ـ الشموخ الزائف ـ بنات متدعِّرات ـ بنات جْوانْتيات ـ بائعوا النساء ـ المستشارون الرُّويْبِضات ـ أيّ منا الإرهابي أنا أم بوش؟ ـ خُنفسة الدَّفن ـ بوش دخل الحمام فهل سيخرج؟ ـ اللص الزرقاوي ـ خصومة الأمعاء ـ حرب الأفكار ـ بوش ورايس في قانا الثانية ـ الديمقراطية فوبيا ـ الديمقراطية فاشية ـ عقدة الشهيد ـ الرجل الذي باض ـ الدرهم إرهابي بيئي ـ Por Favor No Tocar.

....................

حرب الجنابة

في انتظار الانسحاق الكبير، ربض الخيال في بُعدٍ معقوص، لم يشأ أن يستبدله، تركه هناك ينساب بانسياب الزمن. وعبر مجازفات ومخاطرات. وسط خضم لا يقاوم. حملوا أحلاما وآمالا بللتها مياهه. نزلوا طريفة بمطاردة، ثم حملوا إلى غر ناطة بمقايضة. وجاء موسم جني الزيتون. في ربوع الأندلس تنبت الشجرة المباركة. في طنجة وربـوع المغرب الأقصـى تجنى في أكتوبر. وفي غرناطة وربوع إسبانيا تجنى في يناير وفبراير.. يسكنون أرميا Armilla، ولاس غابياسLas Gabias ، وسانطافي Santa Fe . مراد ورابح من قسنطينة. فلاديمير وفردريك من موسكو. جاك وخافيير من أرخينتنا. قدور وعلي وعياد من بادية العروبية، ومحمد مرشاني من طنجة. كارلوس Carlos بدوي ثري. يملك مستودعات للثوم والبصل. يملك حقولا شاسعة واسعة يقف فيها شجر الزيتون حريصا مسايرا. يقف عباد الشمس خجولا يعدل من هيئته؛ ويتبع الشمس قبل نضوجه. وإذا نضج نكرها. لا يقدسها أو يعبدها.. خلفوا وراءهم ذرية ضعافا خافوا عليهم ضيم حكوماتهم. يخشون إمعانها في إفقارهم وتجويعهم. ينتظرنهم على أحرَّ من محرِّك (بجو Peujout) قضى ليلتين دافعا. ينتظرون أمتعة تُغنم في حرب الجنابة. يودون زحزحة الفخر حتى لا يظل مراوحا مكانه. ينتظرن القدوم الموفق والعود الحميد حتى يتعالين على جيرانهن.. على رماد جمر الغضا لابن عربي أقيمت قرية سكنية، وقفت ثابتة وجذور الأشجار لا تزال تتحسس طريقا تحتها إلى ضوء الشمس، منها ما لا تزال تتغذى على مواد عضوية للرحالة ابن جرير. حلت قرية لاس غابياس محل شجر الزيتون والتفاح والإجاص والكروم.. في الأفق البعيد على مرمى البصر يقف شجر الزيتون ولا يضاهيه في الرؤية غير السماء.. ينطلقون من مستودع. يركبون عربة يجرها التراكتور. كارلوس لا يسمح للبهائم بركوبها. يحب اتخاذها مطية من طرف المهاجرين. تتحرك بهم وسط حقول وهي تهتز كأنها جان يرج الأرض والفضاء، يقف المهاجر السري وهو ممسك بقوة يتحرك في كل الجهات، ويجلس الآخر ولا تكاد إليته تتحسس أرضية العربة لتطمئن حتى تهتز، يقضون ساعة حتى يصلوا. يبدأون عملهم بجدية ونشاط، يرشدهم شيخ نحيف بعينين زرقاويتين تحملان جينات هرقل. باكوPaco شيخ أعجف بقلب أجوف يسع نصف كيلو غرام من الحقد، وطنين من العنصرية، يوجهه ولي نعمته فيلبي. يحضر الباطرون فيحل محل باكو. إذا رآه العمال انفعلت قلوبهم وبلغت حناجرهم، تكاد تنطلق إلى الأكف لولا ما يمسكها من المهج. ترج جوارحهم خوفا وهلعا منه، يسبهم، ينهرهم، يدفعهم بيديه ورجليه وهم يجنون الزيتون؛ يجنونه في ركض تلو ركض يتلوه ركض. دفع ممتلئ الجسم مرادا يقول له: (( لا أريد أن تضيع ثانية واحدة من جهد أحدكم، لا تظنن أنك في المغرب، في بلد الفراغ، الفرد منكم يقف إلى الحيطان ثلاثين سنة ينتظر فرصة للعمل، وإذا جازف في قوارب الموت ووصل حقولنا فليلق بأوساخه في البحر، أو يتركها في بر المغرب )).. لا يراجعه أحد في كلامه أو يرد على إهاناته. ينعتهم بالحمير والبغال والخنازير، ويتجنب الإساءة إلى المرشاني.. قدما إلى كارلوس، وما كاد يقيئ عنصريته ويتلذذ بقسمات الوجوه وهي تذل وتذل حتى أشبعاه سبا وشتما، نعتاه بأقبح النعوت، ووصفاه بأبشع الصفات. حاول أن يمثل دور الشهم الشجاع فعوجل بلكمة أيقظته من سباته وغروره. يقف بينهما محمد حتى إذا حاول كار لوس فعل شيء دفعه بقوة ينهره، وإذا رفع يديه يسقطها له ببذاء. يسبانه ويشتمانه وينعتانه بالحمار والخنزير والبغل وهو يدخل جلده ويتضاءل كهوائي راديو إلى أن استسلم للذل والصغار على مرأى ومسمع من باكو وأنطونيو وأليخاندرو، ثم راحا وشيء من الإحساس بالكرامة يصطحبهما، وشيء من رد الاعتبار إلى بدو العروبية يثني عليهما.

....................

 ـ 1 ـ كاطيطو: إسبانية وتعني الجبلي والريفي أو البدوي . غرناطة في: 09 فبراير 2002

جينات الكلبنة

 عند إفراز جسمه لهرمون الأدرينالين غضبا على العنصرية، وفي يوم نبت بعد ضياع ثلاثة ملايين وستمائة ألف عصبة من جسمه، جلس في مقهى " ليسبوا" عند شارع الملوك الكاثوليك. مقهى يلتقي فيه المغاربة والسوريون والجزائريون.. الحبيب من "جبل الحبيب"، كاد يسعد لولا اعتداؤه على لولا العربية، يقيم بغرناطة ينتظر الانتظار، تخلف عنه قليلا ولكنه يلحق به، يراسله بشأن الإمعان في الانتظار ولا حرج، ينتظر وهو جزء من شعب ينتظر منذ خمسين عاما ولم يزل، ينتظر خيرا سرقه السراق وعجز عن اللحاق بهم وانتزاع المسروق منهم، لطالما التمس لهم أعذارا، ولكنهم لا يعفون أبدا.. نبت له صبي مع غجرية عوان كأنها طاجين مراكشي، تشبه الجرة والحاوية، إذا سارت سمع أنين الأرض، وإذا نطقت ارتبكت لها ذرات الأثير، طفلها الجميل مشاكس علم، بني من جينات دواب بادية جبل الحبيب، هاجرت إلى طنجة و"تطنجوت" جراء ضيم في السياسة الفلاحية والزراعية، تنهجها الحكومة منذ زمن ولم تزل، هجرة من البوادي إلى المدن، وهجرة من المدن إلى حواضر إسبانيا وقراها، في غر ناطة يبنى الأطفال ببروتين " الصردو " وتعاليم " البادري ".. وفي طنجة ومثيلاتهتا يبنى الأطفال ببروتين " الأنيميا " وفيتامين الدجل.. أجسام تسير وكأنها لا تحمل قلوبا. أدمغة تقيس وتزن ولكن وفق بيئة لا تقيم وزنا للقيم والمثل. تقام "إسطاطوا Estatua" في كل عقل، يقدسونها ويعبدونها، إسطاطوا للقيمة المادية ليس غير، فأن يمرغ الصدق والأمانة والعفة والغيرة والإيثار والعفو والحلم والرفق والإشفاق في حظيرة الخنازير ومزابل العهر فلا ضير، وأن يخلط الكل بخراء الكلاب وفضلات الجيف الأحياء، فلا ضير أيضا.. ينضج يوسف بسرعة، في العادة والدين والملة يتبع الطفل أباه ويختم بخاتمه، يتبع الطفل اليهودي أمه في دينها وملتها. يوسف مسلم من أب مسلم. أمه "خيطا نية" نصرانية تسير به نحو دينها وملتها. أبو يوسف غيّاب خيّاب، إذا حضر فرح لحضوره الصبي، يأخذ أمه بعيدا كما لو كانا عاشقين يتخفيان.. هل يضيع الضياع وسط عالم لا نعرفه ؟ أم يضيع الناس وسط عالمنا ؟ للكلب أب وأم. يقضي حاجته من أنثاه فتحمل منه. يمنحها جيناته، ثم يتركها ولا يبالي، ولكن الأم الكلبة لا تنشئ جروها على غير تعاليم الكلاب. لا تبتئس لغياب الأب ورعايته. ترعى جروها في تشدد وتزمت وانغلاق تام على الكلبنة. لا تقبل إلا تكون كلبة، ولا تريد إلا أن تظل كذلك. لا تقبل إلا أن ينشأ جروها كلبا، حتى إذا ضل في الكبر ظل كلبا ولم يتحول إلى حمار أو بغل.. في عالمهم يطوف طواف لا يعرف الحدود، يصطاد بطعم لا يستساغ من المعد، يلقي به عند أول رؤية للمحرومين، يحمل الانبهار ويدقه في روع المهاجرين دقّا، منهم من ينتخبهم من البدو الخلص والبدو المهجن، ينتقي بعضهم من مدن بها عفن ساقط من عقول نتنة، حتى البدوية الجبلية والريفية والسوسية والعروبية ممن سكنهن الشيب، وأقبل عليهن الهرم لا تنفلت من قبضته، يعريها ويلبسها أزياء الموضة الشاكية، يجملها بالمساحيق والمراهم وأدوات الزينة حتى تبدو على أعلى مستوى من الفتنة والجمال يفتتن له الضرير.. أذواق ضائعة تدرك هنا، وأساليب مجهولة تركب هنا وهناك، في كل شيء وعند كل شيء يحصل العلم ويتم التعلم، جميل للمسنين أن يتعلموا، وجميل للمسنات أن يتعلمن، ولكن ماذا تعلموا؟ وماذا تعلمن؟. قدم مثال في طنجة يقول: " حاول اللقلاق أن يقلد مشية الطاووس المتبخترة فعجز، ولكنه حين أراد العودة إلى مشيته وجد نفسه قد نسيها، فلا هو بمشية الطاووس ولا هو بمشيته )).. هل نسوا من هم؟ وإلى من ينتسبون؟ هل نسوا مشيتهم الجميلة؟ هل لم يعودوا يرونها أحلى وأجمل وأبهى..؟.

...............

 ـ1 ـ جبل الحبيب : مدشر يقال تسمى باسم صحابي، يقع بين تطوان وطنجة والعرائش . - 2 - الصردو : الخنزير . - 3 - البادري : رتبة دينية ، قس . - 4 - إ سطاطوا : تمثال . - 5 - خيطانية : غجرية . غرناطة في: 20 فبراير 2002

 صوت الحمراء

 يمشي على رفات أجداده، يطأ أرضا شربت عطرا نديا، يسير سير العليم بحتفه دون أن يتبين أوانه، يهيم أحيانا ويشرد، ثم يتذكر علة مجيئه وسبب هجرته.. يطوف مستجمعا قرونا. يبحث عن آثار كليمة. وجد الحمراء تقف قبالة سييرا نفادا. وقفتها متواضعة، ولكنها متوجعة. لا تزال حجارتها ولبناتها تتحسس الأكف والأنامل التي بنتها وشيدتها. ريحها لا تزال على حالها، وطعمها لم يتسنه. معلمة خالدة تقف شامخة تحكي قصة المعاناة. لا تقرض شعرا ولكنها تتذوقه. يزورها السياح من أصقاع المعمور ويعجبون لآثار أجداده فيها. عمارة رائعة. فن جميل، ونقش أخّاذ.. دخلها بذهنه وسيدخلها بحامله، يطل منها على غرناطة ويلقي بنظره منحدرا نحو "سانطافي ، بويبلو" يؤرخ لنهاية بئيسة ويوم مشهود، يوم سلمت فيه مفاتيحها فسخط له النبات والجماد، سقطت كفرس لا فارس يمتطي صهوته.. يتحسس بقايا وآثار من بقوا فيها ولم يرحلوا أو يرحلوا، لم يقتلوا أو يقتلوا، مكثوا إشفاقا على بلادهم وهم يحسنون الظن بقدرتهم على التمسك بدينهم، نسوا أبناءهم وأحفادهم وشيئا فشيئا، جيلا بعد جيل تنصر الجميع حتى كاد يتنصر لتنصرهم الطوب والحجر.. عاد كمن بعث من قبره، يتذكر عيش الأجداد وعبث العباد، لم تستغرب له مياه غرناطة وهواؤها، لم يتأفف له إلا الصردو، وأحفاد راسبوتين، حتى إله الإسبان لم يتنبه لما يدبر، أو يحفل بما يفعل، يأمر من بلاد العم سام فيطاع في بلاد العم موسى.. هام يحمل الحمراء في حقيبته وتركها في عليائها، يتجسس على الأرواح عله يحظى بسر الأسرار، يركب الخطوب إلى العز والسؤدد، يبحث عنه في كل مكان، يستدعي الماضي ويترجاه، يريد أن يبعث من في القبور ليشاركوه فكره وتفكيره، مل الأحياء وسئم دونيتهم، تعطل عنده التفكير، يحاول إصلاحه وإطلاق عنانه، يفكر ويفكر ولم ينتج عزا وسؤددا، يصر ويصر ويصرح: (( سأنتجه وسيطالكم )). فجأة سكن سمعه صوت الحمراء، لقد اطلعت على نواياه وحضرت: _ أراك تحمل هما ما بعده هم، أراك مكلوم القلب جريح الذهن لم ؟ - لست أدري إن كنت سأوفق أم لا ؟ - يلحق العلا بأهله وأنت أهله، ثم إنك أصلب من أصلب ما في جسمك، فلا تهن. - أريد تحقيق ما أراه . - ماذا ترى ؟ - أرى ما لا أحب كشفه حتى أوانه. - مع التوفيق، ولا تنسى تحريري . يطوف بغر ناطة ثاحبا عن مخرج إلى التحرير، يبحث عن زِعٍّ مفقود، وشَيْعٍ كريم منشود، ولا ينسى الحمراء ورغبتها، والقارئ وتيْلسته.

....................

 غرناطة في : 17 / 3 / 2002 .

اغتيال معرفي

استخرج من دماغه أعصابه الجمجمية، ثم عرضها للبيع، وحين وقف بين يديه أندلسي يسأله عن ثمنها، قال: الأعصاب الجمجمية ثمنها ثناء على الله بعدد أزواجها. جلس إلى جانبه يفكر، فهمس في أذنه: من تكون ؟ وممن تكون؟ فأجابه: جدي الثامن اسمه عبد الله، وأنا من أصل عربي مسلم. ترك له دماغه كله وهرب. هرب حتى لا يقع فيما وقع فيه جده. أرخى بصره يطوف في سمائها، حولها جبال شاهقة، يكسوها الشيب فتتجمل به شتاء. بها معلمة عزّ نظيرها في الحواضر، ريح أبو عبديل لاتزال لاصقة بصخورها وحجارتها، بأحيائها القديمة وأزقتها، صدى كلام أمه: (( ابك مثل النساء ملكا مضاعا لم تحافظ عليه مثل الرجال )) لا يزال يتردد في جبالها وأوديتها. بناياتها العتيقة شاهدة عيان، تتندى بدمع ليس حلوا أو مالحا، تعتصره من رفات ساكنة رقدت تحت ثراها منذ قضت سنة ألف وأربعمائة واثنين وتسعين. سحنات أبنائها متصلة بجينات جنوبية، انسلخوا من قيمهم كما تنسلخ الحية من جلدها، تقطعت بهم الأسباب فلم يعودوا يرون غير ما يرون، جماجمهم فارغة إلا من اللّحم والدّم، فقههم بالحياة كفقه المنغوليان .. تخللهم، وجاس محيطهم، جالسهم واستمع إليهم، حاضر في حضرتهم بكلية العلوم السياسية ليجد مستوى من الرقي المعرفي لا يبزون به بائع مارلبورو بالتقسيط في مدينة طنجة.. قوم مسلوبون، صنمهم المقدس أمريكا، ليسوا بدوا في مستوى بدو فحص طنجة في السذاجة، إذ يقصون شعورهم ويرتدون ألبسة على مقاس آخر صيحات الموضة. إذا جلست إليهم في مقهى أو ناد نظروا إليك من طرف خفي، ينظرون بأعين سارقة حتى لحركات بعضهم بعضا، ولكن بملء الانبهار والغفلة والغباء.. قوم تنقصهم الخبرة بالحياة، يحيون القرون الوسطى في القرن الحادي والعشرين، إذا سابقوا الطفل ضرارا، والطفلة هالة في النباهة والمعلومات والرصيد المعرفي سبقاهم، يثيرون الإشفاق كما يثيرون الحنق والامتعاض.. هم قوم ونحن قوم، هم المظلومون، ولكن من الظلمة؟ نحن الظلمة، فخيرهم من خيرنا، ولكن خيرنا ليس من خيرهم، يحتاجون إلينا لرفعهم فكريا وثقافيا، ولكننا منحطون، نحتاج إليهم، إلى ديمقراطيتهم، نتطلع إلى بحبوحتهم، إلى العمل عندهم بغية التخلص من الفقر والعوز.. هم قوم محكومون بقوانين تسود الجميع، ونحن محكومون بقوانين نقفز عليها كالضفادع، ونتجاوزها كالظل، كل يفعل بحسب الطلب، ولكن ما المطلوب ؟ المحسوبية، الزبونية، العلاقات المشبوهة، الانتماءات السلطوية، الولاء المنافق.. تبا للسخيف وليس للسخافة، تبا للحقير وليس للحقارة.. تبا للكذب، للدجل، للخداع، للنفاق، وهل ليس تبا وخسئا ويبابا للكذاب والدجال والـخدّاع والمنافق؟ ألا بعدا لسيادة الناس كل الناس، ألا قربا لسيادة القانون، ففي سيادته يتحقق العدل ويتساوى الناس في الحقوق والواجبات، وفي سيادة الناس سيادة لمنطق المراحيض.

...................

. - 1 - الديطاي : عامية ، البيع بالتقسيط .

 الكلب اللحاس

 يجلس على هيأة التمثال، يقارب بودا في قعدته، محصور في المكان ، متحرر في الزمان، يجري ذهنه في الأطوال ويفوق البراق، لا يأبه للضوء حتى يركبه، يسابقه فيسبقه.. يدفع الأرض إلى حتفها فتسير، يرى سيرها بطيئا وهو مخلوق من عجل، التفكير في العجلة، والأهداف في العجلة، ومصائر المخلوقات في آجال لها كتاب. ماذا يريد؟ وماذا يراد؟ رأى ساع يسعى بين يديه والسعي جميل، رآه عاريا والعري قبيح، بدت عورته واستعلنت افرة، عرى زوجته وفضحها، يقول أنها تساعده على هموم العيش ووعثاء النكد، قديما قالت العرب : تجوع الحرة ولا تأكل بثديها، وحديثا يقول العرب: تجوع الحرة وتأكل بثديها ويزيدون: وبفمها ولسانها ودبرها أيضا. تظل ساعات طوال تستنهض حكاك "الكوار" – 1- إنه عمل شريف، قالت هذا السيدة "طامو الزغبية" تتلهى بأعضائهم العقيمة حتى يقدم الصيف ، تعود إلى بيتها غانمة، غنيمتها من معركة الشرف، ولكنه شرف مقلوب، وهل هو مقلوب فعلا؟ تساءلت هكذا السيدة المحافظة، قد لا يكون مقلوبا، لأن المقلوب أنا، أجل المقلوب أنا ولا تنسى أنك مقلوب مثلي، وإذا استسغت حياة كهذه فلست مقلوبا، بل أنت المستقيم ، يقول هذا أحد الغيورين. يسألنها عن عملها في أوروبا فتقول مرة أنها تعمل نادلة، وتقول أخرى أنها تعمل في بيت عجوز طاعنة، تعنى بشيخوختها، كما تعنى بكلبها المحظوظ، عجوز لا ترجو نكاحا، لأنها تجاوزته. رأت ذات مرة سيدتها تفعل فعلا حسنا فقررت تقليدها، ولكن بعد حين، تجلب لها دهانا طعمه حلو جذاب، تضعه على فرجها وتدلكه لها ، تثير رائحته الكلب طوني فيركض مسرعا إلى الفراش يسبق العجوز. تيتم البيت فخلا الجو للشابة ولطوني ، Toni لم تعد تعنى بالإثنين ، تعنى بالكلب في ساعة متأخرة من اليل ، تعمل لحاسة مصاصة لحكاك " الكوار "، ثم تأمر طوني فيلحس لها ، يفعل مثلما كان يفعل مع العجوز الراحلة . يظن أن الكلب يتلذذ بلحسه وقد يكون؟ يظن أنه يتلذذ بطعم الدهان ومذاقه الحلو وقد يكون؟ كلما زال أثره أضافت إلى فرجها دهانا جديدا حتى تقضي وطرها، وأي وطر هو؟ ربما تعلمه الخبيرات، يقول هذا مستغرب غريب. وفقت في الزواج من" أليخاندرو" Alejandro تعرفت إليه في "ديسكوطيكا" Descotica بغرناطة، يحتجون عليها بآية من القرآن الكريم تحرم زواجها من نصراني فلا تبالي، تقول أنه شهد شهادة الإسلام، شهادة أعلنها العديدون ممن شهدوا أمام عدول طنجة الباكية، يشترطون إسلام عبد القادر، وأي إسلام هو؟ يستفسر عنه الكثيرون، أنجبت منه طفلين فلمن ينسبان؟ وبم ينعتان؟ وأي دين يلصق بهما؟. لم تستطع التخلص من عادة العجوز إلا بعضة من طوني، عضة تركت جرحا عميقا لم يندمل فصار سرطانا خبيثا، يتداخل الكل في الكل، الحيوان في الإنسان، والإنسان في الحيوان فهل نحن حيوانات؟.

........................

 ـ1 – الكوار : جمع كوري ، عامية ، العجمي . غرناطة في: 16 فبراير 2002.

ديمقراطية اللحس

 لمع في أو يلفا (Huelva ) وهو في العقد الثالث من عمره ، ممتلئ الجسم كثير الشحم، يطيل الجلوس إلى المرآة، يضع المساحيق مثلما تضعها مونيكا لوينسكي، مستدير الوجه عظيم الرأس و"بوحنايك" –1-، وجنتاه بناها "الصردو" ببروتين كثيف فصارت في عين رفيقه نضرة، تكادان تفوران دما، لا يقارن بينها وبين وجنتي بدويتنا الريفية والجبلية والسوسية والعروبية.. تحت سقف كنيسة يقوم فيهم خطيبا، يعظ الناس ويحثهم على فعل الخيرات، يرغبهم في الخصال الرفيعة ويدعوهم إلى الأخلاق الحميدة، أحبوه ورفعوه، بجلوه وعظموه.. فجأة تفاجأ من تفاجأ، وأهمل الأمر من أهمل، وتلبد إحساس من تلبد، انقسم الناس إلى قسمين، قسم يرى شرا في المفاجأة، وقسم يرى حقا لصاحبها فيه .. في رحاب الكنيسة، وعند تماثيل ينسبونها للعذراء الطاهرة مريم ، وابنها الصادق عيسى، وفوق الكراسي وفي المحراب يداعب صديقه كما تداعب الزوجة زوجها ، يضمه ، يعانقه ، يقبله من شفتيه، يلحس ريقه ، يمتص لسانه، وفي الفراش ينبطح له فيجامعه .. صديق الفقيه شاب محبوب، أعلن الفقيه محبته له في التلفزيون، أبدى حقه الديمقراطي في جلب شهوته منه، يصرح أمام الكاميرات يقول: (( أحبه ، أنا وله به ، أنا مغرم بحبيبي )) .. إنه " كورا" –2- الحي والحومة و "البويبلو" –Pueblo 3- والمدينة. الشذوذ عنده حالة عادية، والحالة العادية عنده شذوذ، يحل لنفسه في غفلة عن عيسى ما حرمه الرسول على أتباعه، يصر على حقه ويركب القانون والديمقراطية. استفتى الصحفيون الشارع ، سألوا عن رأي الناس في ظاهرة ليست غريبة ،ولكنها غريبة ، غرابتها كونها تأتي بتصريح من البادري أمام القنوات الإعلامية ، وليست غريبة لأن الكبت في الكنائس ومخالفة الفطرة يولدها ، فما معنى خلق الميل في الذكر إلى الأنثى؟ وما معنى خلق الميل في الأنثى إلى الذكر ؟ أليس معناه اتباع السنن ونواميس الطبيعة ؟ هذه تصريحات بعضهم ، وما الضير في ميل الذكر إلى الذكر والزواج به، وتحقيق الشهوة في دبره؟ إنها شهوة، وهي تشبه الشهوة في المرأة، بل هي أفضل، هذا رأي المدافعين عنه، وتلك ديمقراطية كما يقولون، فهل صدقوا؟. له أنصار ينصرونه، وأشياع يتبعونه، ومدافعون يذودون عنه، فهنيئا له، أعلنها "مار يكون" – 4 - مثله ولكنه غير محظوظ إذ لا حفار له.. شذ عن الرهبان والقساوسة، انتشر خبره ووصل روما، تلقاه بولس الوالد المتستر ولم يعلق عليه إلا في الكنيسة ومع الفقهاء، فهل حيوه؟ وهل سن فيهم سنة حسنة؟ ربما.. غريب من يستغرب الشذوذ، ومحارب من ينعته بالسوء والقباحة، هذه بيئة ينبت فيها كل شيء على غير عادة الإنبات. الإنبات لا يحاكي الاستنساخ، لم تعد النباتات تنبت بالبذور، ثم تكون لها جذور، ثم تظهر الجذوع.. عجبا لأمر الطبيعة تتشقلب في عيني وبسرعة ، فهل هي متشقلبة عندكم في طنجة الغاضبة؟. فقيه لحاس مصاص لحكاك صديقه مثل لحاستنا الطباخة، ولحاسنا بوبي الملعبن، عجبا للحاسين واللحاسات، والمصاصين والمصاصات، فهل صارت الدنيا دنيا الكلاب؟ هل ننتظر بروز أذناب في مؤخرتنا حتى نتكلبن؟ هل اللحس والمص موضة؟ هل هما من العولمة؟ . عند بوابة أوروبا كتبت يافطة ضخمة علقت في الفضاء تستعلن كالقمر، مكتوب فيها: من لا يرغب أن يكون لحاسا مصاصا مثلنا، ومن لا ترغب أن تكون لحاسة مصاصة مثلنا أيضا، فلا أهلا ولا سهلا. فهل نستسيغ اللحس والمص؟ ربما . وهل لا ربما؟ ربما.

................

 - 1 – بوحنايك : فصيحة محرفة عامية : صاحب الحنك الضخم . – 2 – كورا : رجل دين . - 3 - بويبلو : قرية متمدنة - 4 - ماريكون : إسبانية وتعني الذي يلاط به ويُركب شهوة .

 البناء الماهر

 قيدوم الأربع بجلد الأصلع ، شفاف جلده كحياء العشيقة، يرى من خلاله اللحم والدم ، بناء ماهر بأدوات بدائية.. يحسن البناء ويتقن الإخراج.. يعشق العمل مع النساء والفتيات، يجمع الدهون ويكدس البروتين حتى يظهر المولود والخارج .. في البر والبحر تستولد الهضاب والجبال من الأسفل، تحتنا بناء عالي الإخراج وقوي قاهر، وفي الأعلى دواب بناءون باثنتين وأربعة.. تظهر الهضاب في المؤخرات، تحجب الرؤية عن الآفاق، وتتحرك كحافلة ذات عربتين وهي تلوي على المنعرجات.. يسكن الأذواق، يتناولنه باعتزاز وافتخار، يقولون عنه جميل حتى في مشيته، يروون عنه حكاية تفاخره مع ذئب صعلوك سأله ذات مرة عن النظافة قائلا: ـ متى كان آخر يوم اغتسلت فيه فصرت نظيفا أنيقا؟ . فأجابه الذئب قائلا : ـ أو و و و و و – 1 - ثم جاء دور الذئب ليسأل عالي الشأن عزيز الفخر قائلا: ـ وأنت متى كان آخر يوم اغتسلت فيه وتخلصت من أوساخك؟ فأجابه على الفور : ـ أي أي hoy hoy – 2 - تنبعث منه روائح زكية، قالت هذا السيدة: إيزابيلا، تشبه رائحته المنعشة روائح غازات منبعثة من جيفة حارة، إنها زكية تقول هذا الآنسة من أذنيها: آنا.. سبحان الله حتى الأنوف لا تتحسس بالشم مثل بعضها، يحصل ذلك عند وجـود خلل في الحاسة، أو عند وجود خلل في الذوق، هذا ما يقال.. كان يشم رائحة التفاح العفن ليكتب فلسفته، كذلك كان سيد الثورة الفرنسية، لم يكن يتبرم منها، كانت تعجبه وكان يتلذذ منتشيا بها . في المنتزهات والحدائق العمومية روائح وروائح، ليست مقرفة هكذا قال: أنطونيو وبيبي وخورخي معتقدين، وليست نتنة، هكذا قالت: ناطانيا وبيلا وكريستينا معتقدات.. غازات يخلفها خراء الكلاب، تقتحم الأنوف هاتكة ستارها، وتخترق الصدور محركة غشاءها، ولكنها في النهاية زكية، إذا قورن بينها وبين روائح البناء بإخراجه وإفرازاته كانت دونه في اللذة والطيب. للناس مراحيض في بيوتها، وأخرى لهم في الأماكن العمومية تديرها البلديات، وحسنا فعلت حين خصصت من غير ترخيص مراحيض للكلاب في الحدائق الخضراء، حدائق غناءة، وأفضية واسعة لم يبتلعها مستشارو غر ناطة مثلما فعل مستشاروا طنجة التي أسمع سبها لهم من سييرا نيفادا وقصر الحمراء، نباتها جميل مخضر أخاذ فاتن عبق، مختلط الأريج بخراء الكلاب، غازات متسكعة في كل مكان هو من حمى الحدائق، ولكن كراسيها للجلوس ليست على مقاس إليات الكلاب وعوراتها، صرح بذلك بوبي الملعبن الذي يلحس ثغر سيدته فيها ، تخرج له لسانها فيلتقي بلسانه ويمتـص ريقها كما تمتص ريقه العبق الفواح، يريد مقعدا مريحا على مقاس مؤخرته التي بناها مثلما بنى مؤخرات الناس، تخرج في المرشريير كما لو كانت مؤخرات قردة خاسئة.. يصنع الفضلات في بطنه ولا تجد طريقها إلى الحدائق العمومية، إلى مراحيض الكلاب، غضب لذلك غضبا شديدا فابتدأ يطالب بخدمات أكبر وأجل مقابل بنائه لأبدان الناس، يجد في تخزين الدهون وتكديس البروتين لتحريره عبر المعد، رجال يخطئ كثيرا معهم ، رسمه لأبدان بعضهم غير متقن، ولكنه لا يلام عليه، رسوماته الهندسية شذت قليلا عن القاعدة فكانت استثناء، تريد من الأخيرة جعلها أصلا، شكلهم على صورة قنينة أورانجينا، ولكن بحجم وحيد القرن.. بنى امرأة بنفس الشكل، سقطت مرة على الشاطئ وعجزت عن تحريك نفسها وإنهاض بدنها، حملوها على الوقوف بصعوبة بالغة، لو سقطت في حوض ماء يصل ماؤه إلى ركبتيها لغرقت فيه عن عجز لا يلام عليه البناء، رقص لذلك فرحا ، هام منتشيا بصناعته الرائجة ، يتحسر قليلا على فشله في بناء جميع الأبدان مثلما وصلت إليه ضخامة بدن المرأة المتلفزة .

....................

ـ 1 ـ أوووو : يكنى بها عن المدة الطويلة ، وهي مستعملة عندنا نحن أيضا في طنجة بنفس المعنى .- 2 - hoy hoy : إسبانية ، معناها اليوم .

لحاسة الأعضاء

على الضفاف ينجلي بريق وجهها، يتدفق من ثغرها الماء العذب، ينساب صافيا رقراقا يجري ويجري حتى يقترن بمياه الصرف إلى مصب في معد نتنة.. قدما بها من بادية نائية، قذفوها في بيت تستباح فيه، على الضفاف وقفت عبقة كالياسمين، على أرضية عارية تجلس كالسجين، فوق حمار اعتدلت تسمع حوافره، على خدمة بيت تقوم ولا تسمع إلا أوامره، غدت وراحت كالوردة الفواحة العطرة، تغدو في المدينة وتروح مشغولة وهي ذابلة، لا يقللون الأدب بحقها لأنهم أدباء مؤدبون، يتلهون بأعضائها التناسلية، يدفعهم حب المعرفة مجرد معرفة، يستفزهم الفضول مجرد فضول، ولكنهم حالمون .. نشيطة رشيقة، نادلة في غياب ربة البيت، تقدم الشاي والقهوة لسيدها، تحظى بمداعبة منه تنتهي بها على فراش زوجته.. تتقدم بعمرها في بيت سيدتها فقضمت منه طرفا، كان على مقاس عمر الطفل محمد الدُّرة، والطفلة إيمان حِجّو، ثم غادرت إلى حمام عمومي تشتغل فيه (( طباخة –1-)) ، تزيح الأوساخ من على ظهور النساء والفتيات والطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء . كبر أملها، واتسع نهمها حتى وفقت في هجرة سرية،ثم عادت غانمة وقد حصلت على أوراق الإقامة من إسبانيا. بنى زوجها أحلاما جميلة، لم يقم بنيانه على قرار، نسي قواعده، أقامه على شفا جرف هار، بناه بلبنات أحاطت بالفضاء كله فكانت سجنا له، نسي البناءون (( الريفيون-2- )) باب مسجدهم الذي بنوه، ولكنهم في آخر النهار خرقوا الحائط، وهدموا جزءا من الجدار، استحدثوا فيه ثقبا صنعوا منه بابا نسوه أول أمرهم فتحرروا، لم يقو على فتح باب إلى عالم جميل لا يداعب الأغبياء والسفلة.. وافق على سفرها، أعانها على الهجرة السرية، وبعد عودتها سالمة غانمة وافق أيضا، وعلى مضض، ولكن هذه المرة على طلاقها منه كرها. تبدلت مقاييسها ، واستبدلت أذواقها بمجرد تذوق لحس أعضاء الإسبان. رحلت مع ((كَوْري)) إلى ((الكْوار)) مصطحبة ابنيها، تركت له الابن الثالث ليرعاه، أو دعته عنده ريثما تتدبر أمره، بقي مع أبيه وقد يحمله على العهر كما حمل أمه . .............. 1 – الطباخة : فصيحة عربيا ولكنها في لهجة أهل طنجة عامية إذ تعني المرأة التي تشتغل في الحمام العمومي تنظف أجساد النساء . – 2 – الريفيون: نسبة إلى الريف المغربي ، والريفي معناها الجبلي ، أي البدوي. وهم جماعة خاصة من البناءين جرى معهم ما ذكر كما ترويه الألسن كحكاية شعبية. طنجة في. 08 نونبر 2001. ====== الشموخ الزائف في فضاء لا يحجب السماء، وصحو لا يستر زرقتها، يقفان في شموخ مهزوز، رمزان لشعب في الخلاعة مأزوز، قدمت راكبة مركوبة، ثم اشتعلت وأشعلت، خراب.. خراب.. أأمريكيون هم؟ ربما. أصِرْبيون هم؟ ربما . أبُسْنيون هم؟ ربما . أيهود هم؟ ربما، أو لا ربما.. ما دُكّت الأرض والجبال بعد، ولكن دكت نيويورك، ما زلزلت الأرض بعد، ولكن زلزلت واشنطن.. أخرجت جرذانها وخنافسها وصراصيرها ، خرجت إناثهم يبغين نشر بيان يشجبن فيه ويدن .. كانت آمنة قبل بياتها، كان شاردا عند قيلولته، يجري فزعا، وتتدحرج مجتثة، روتين ادّارأوا فيه، ونكال استوقدوا ناره فاصطلوا بسعيره، أواره دخان ورماد، يأكلون رغدا حيثما شاءوا، ويرقصون حبورا متى فرغوا، يستسقون في كل مكان خمرا، ويدعرون حيثما وجدوا، خلاعة.. خلاعة.. تمتلأ بطونهم بطعام مسروق، وتظهر بحبوحتهم متوجة بقهر وسلب ونهب.. الآهات تسمع .. الأنين يقرع .. والصياح يدوي، والضحية الضعاف الكلول، ولا منصف أو مخلص.. زعيمة تتزعم ، فهل كان أولى أن تضحى حمارة تركب ؟ أَأُمَيْرِكَة هي ؟ .. انعقدت محكمة ((غيصية 1))، قضى القاضي فيها بحكمه على مجهول معلوم، نظر في الحيثيات فلم يجد غير مدان واحد من غير جلدته، ولكنه يحظى بحمايته، استحدث مدانا جرّمه بسبب إطلاق لحيته.. جبين مقطب، تجاعيد بارزة، عينان جاحظتان تكادان تنطلقان خارجا.. لسان ألثغ يتأمرك، وقلب مفجع يتنطع، دهشة وانبهـار.. ترويع وإرهاب.. دواه ظاهرة، وأخرى باطنة.. فاق من غروره ثم عاد إليه وتجاهله.. ممقوتة دولته، مكروهة سياسته، جبان طاغية، وظربان داهية.. يدير مستعمرة عند العرب تتعهر، ويسكب في جماجم حكامهم ذلا يتقعّر ، يجرهم ، يجرجرهم ، يسحبهم، يستبطحهم ويغرز علم النصر في إستهم .. ذهب إلى الشيطان ليستشيره فوجده مرابطا قد أطلق لحيته، اندهش لمظهره وسأله: لم تطلق لحيتك؟، فأجابه: لتتعلق بها، أوما علمت أنها تنبت من خلايا ميتة؟ ساكنه فنصحه وأملى عليه قائلا: (( اضرب من لم يضرب بعد، وإذا لم تجد اضرب نفسك )). لم تجف الأرحام، ولم تذهل المرضعات، ولم تخرج الأرض الأثقال، ولكن جف الحياء، وأذهلت العقيمات، وهاهم يستولدون البغال.. تستعد الدواهي، وتتأهب.. تهيأت وشرعت تعد على قاعدة: أفومارك Avomarc ، بري Pret ... يتقدم أبو الأسود.. جبار إذا بطش.. قهار إذا أمسك.. حليم إذا عاقب.. عادل يعبق ذهنه بفكر نظيف، ورحيم ينشد رحمته المظلوم والضعيف. ................

 - 1 – غيصية : عامية نسبة إلى الغيص ، وهو الوحل في لهجة أهل طنجة .

بنات مُتَدَعِّرات

 وسط ظلام الأنفاق علا صوت البشير يرجو العلا، خفت قليلا ثم اعتلى صوت النعي يبغي العزا، هوى إلى انحطاط منشود، ثم صعد مرة أخرى واستحال إلى ذات الحالة.. اصطف خلف المصطفين، سلسلة طويلة تسير سيرا زاويا، ثم تنتهي الى دائرة صفرية، كل يضع يده على عورة صديقه ويتمسك بها، منهم من يضعها على عورة أمه، أخته، أو ابنته.. عند سلم في درجات يقف ذووا الامتيازات الممسوخين، خلقوا لغتهم، استحدثوا أساليبهم، استبدلوا تعابيرهم.. يتصدر أعلى السلم الدجال، يليه الغشاش، يعقبه (( القواد -1- ))، يتبعه المصاص، يتلوه اللحاس، يقتفيه الداعر، ويجانبه ((التّشيباطو -2- )).. متثيقفون.. مُتَسَيْسِسون.. يعشقون الانبطاح، وينشدونه كالمتدعرات الفاضلات.. يسرن راجلات، جميلات، فاتنات، مراهقات، حالمات، منشآت في المدينة كالأعلام، يحملن شحنات من العواطف الجياشة أشد نسفا من الديناميت. عند دهاليز الثانويات ، قلب حجرات مهجورة، في حصص غير مرغوبة، بأساتذة متغيبين، يقفن في فراغ يضطرهن للبقاء في الفناء، لايحبذن الجلوس إلى المكتبات، يجلسن مائلات إلى عتبات المنازل، في الأحياء والأزقة ، يخرجن المرايا وحمر الشفاه والمشط، يتطلعن إلى سلوك تعلمنه في الأفلام المدبلجة، يشاهدن على الفضائيات والإنترنت ما يشتهين تذوقه.. على صفاء وعفاف جلسن، في أحضان مراهقين حالمين ينقذفن.. يتعلم الحمل كيف يعلو ظهر أمه فيركبها حين نضوجه ولا حرج.. أساتذة يشربون الشاي في الأقسام، يدور فيها الحديث الماجن، وتقرأ التلميذات في نفس الأقسام.. ينجحن في آخر السنة أو يرسبن . يتخطين الى الشارع، إلى التعليم الجامعي، ولكن ببكارات مفضوضة، وخبرات عالية حصلن عليها من (( سلاكيط - 3 - )).. تقرأ ابنتي .. تتعلم ابنتي .. تقرأ ابنتك .. تتعلم ابنتك .. فهل تنجو ناجية من المتدعرين والمتدعرات ؟

 ....................

1 – القواد : محرفة وتعني الذي يسمسر النساء للرجال . – 2 – تشيباطو : إسبانية ، وتعني النمام ، والجاسوس . – 3 – السلاكيط :عامية ، وتعني الأوباش وكل موصوف بقبح سلوكي . غرناطة في: 16 نونبر 2001.

 بنات جوانتيات ـ 1 ـ

 خمسة قرون وعشر سنوات مضت، سقطت غر ناطة وبسقوطها سقط الأندلس كله، استعصت بإبائها عن الاغتصاب، لم يغتصبوها، لا تزال بكرا جميلة فاتنة، لم يعرف أحد سبيلا إلى عرضها حتى يدنسه، إنها مدينة متكلمة، مدينة ساخطة ناقمة، ترجو التحرير وتنتظره.. سألت زائرها الحديث عن عمر أجداده، قضوا فيها قرونا قبل تهجيرهم قسرا إلى " تلانبوط " و طنجة، تسأل وهي تخاصم هائجة منفعلة: (( لماذا تدفعون بناتكم للتعليم الجامعي؟ هل هان عليكم عرضكم؟ هل ترضونهن ركابا لأحفاد من طردوا أجدادكم؟ هل لم يعد ينبض في أذهانكم نبض محاكم التفتيش؟ هل استسغتم العنصرية واستمرأتموها؟ هل عظم عليكم تغيير أنظمتكم العفنة حتى تمجدوا؟ هل أنتم كلاب؟ هل أنتم قردة؟)) أحدثت صياحا مدويا باعتراضها وشجبها، أبت أن تسمع ذوي الإحساس الملبد، تصيح محتجة على جامعيات جميلات فاتنات و"جوانتيات" يقدمن إليها للتعليم الجامعي، يتعلمن أول ما يتعلمن الميوعة والخلاعة، ميوعة بلادهن وخلاعة بيئتهن رجعية متخلفة مرفوضة هنا، إذا جلست إلى صالون وكن فيه مرافقات لـ "النوبيوس " - 2 - أو "الأميكوس" - 3 - خنقتك روائح الجوانات، بارعات في تدخينه يفقن " الباطاجين "والباكرمان"، حديثهن ماجن فاحش، ساقط سافل.. تقدم الجامعية من مدننا وقد هجرت الإشفاق، يدفعها أبواها إلى التعليم العالي بإحساس جميل، تدفع البنت بغية التحصيل وأن تكون شيئا يذكر، تختلط وتتلون فتحس بدونية ينتفض " الحبابي "في قبره، تتجرعها رويدا رويدا حتى تستسيغها، إنها من قوم كبار ذوي قيمة وشأن، قوم منتجين ومصدرين، ينتجون الموضة ويصدرونها، يصنعون أخلاقا ميكانيكية غليظة، اخترعوا قلوبا ملأوها بالحقد والكراهية، ملأوها بالغلظة والحيوانية، ثم شرعوا يوزعونها على المهاجرين والمهاجرات، يسخرون ممن يغسل عورته بالماء العذب، يحبذون مسح السوءات بالكاغد ويتلفون رائحة الغائط بالكولونيا، يبدعون قيمة واحدة ولا ينتجون غيرها لانعدامها، لا قيمة لأي شيء غير مادي.. وقف الزائر مرغما وتلفظ: - هل تجهلين من يكون آباء أولئك؟ - من يكونوا؟ - إنهم غشاشوا الدولة والشعب، بياعو الحلال بالحرام . - وهل هن جميعا من ذرياتهم؟ - لا. - فأبناء من إذن؟ - هن أبناء مديرين وقواد ومخاتير ورجالات في الأمن والجمرك والمالية.. ترك الحوار وراح يحمل قلبه في كفه خوفا على جامعيات قادمات، فيهن من ذريته وأسرته الكثيرات..

 ...............

 1 – جوانتيات : نسبة إلى الجوانة، وهي لفافة تبغ محشوة بالحشيش أو نبات الشيرا المخدر تشرب مثل الدخان . – 2 – النوبيوس : إسبانية وتعني الخطاب. – 3 – الأميكوس : إسبانية ومعناها الأصدقاء. غرناطة في: 12 مارس 2002.

بائعوا النساء

اشتكت بوالديها فهرع إلى إنجادها، حملوها إلى " سينطرو دي مينوريس Centro de minores – 1 –" للمكوث فيه، بيتها الجديد وعشها الحديث ملجأ للأطفال، فيه يرعينها ويحرسنها، لاتغادر من وإلى المدرسة إلا رفقة مربية .. قصتها أنها طفلة صغيرة أراد أبواها بيعها ، هكذا روجت وسائل الإعلام الإسبانية ، على هذا النحو صورت الحادثة ورويت القصة، زار الصحفيون بيت والدتها واستجوبوها ، تقف أمام الكاميرا خجولة ذليلة، تكذب ما قيل ، تقول أنها كانت تداعب ابنتها بشأن بيعها فخافت الطفلة لذلك ، ثم هرعت إلى الشكوى وطلب النجدة .. انتشر الخبر وعم البلد، يقولون أن المغاربة يبيعون بناتهم، يقبض الأبوان أو كلاهما ثمن البيع، إنها تجارة، ولكنها غير مربحة، بيع البنات لا يتأتى إلا مرة واحدة، أو مرتين في العمر، نادرا ما تجد من بيعت أكثر من ثلاث مرات.. عيب عليكم أيها المغاربة بيع بناتكم، عيب علينا بيع بناتنا، يسخرون منا، يمجون أفعالنا ويحتقروننا، كل المغاربة بياعوا بناتهم. أنا ابن أمة، وأنت ابن أمة، أمهاتنا إماء، جدي من أُمٍّ أَمَة ، وجدك من أُمٍّ أَمَة، عمك وخالك من شعب الإماء.. إماء في القرن الحادي والعشرين، ولكن في بيت الزوجية، إماء عفيفات محافظات ينتقلن من بيت آبائهن إلى بيت بعولتهن، يصبح البيت الجديد بيتهن، يصرن رباته وصاحبات الشأن فيه، ينجبن فيه الأطفال، يرعينهم بمنتهى الحب والحنان، ترضى الأمة على فعلة عمها وخالها، ترضى باغتباط وسعادة على فعلة أبيها حين باعها وتذكرها بمنتهى الفخر والاعتزاز، تخرج صور الذكرى وتقلبها وهي فرحانة سعيدة، تتمنى أن يعجل ببيع الفتيات حتى يقضى على العنوسة، بيع لا عرض فيه إلا لمن أراد رؤية عروسه زمن الخطبة، بيع لسلعة غالية، ما من رجل شهم يرضى لأمه أن تكون عديمة العرض، يأبى أن تكون عاهرة، ويشفق على المدفوعة إلى العهر دفعا، يرفض أن تكون ساقطة ، يحبها بعد حبهما المقدس ، يجلها ويعظمها ، هي أم تحت أقدامها الجنان، وفي أحشائها الرجال والأبطال، هي أم وأي أم ! هي ربة بيت وأي ربة ! هي عرض وأي عرض ! .. زواجنا بالخطبة عندهم شيء عتيق ، مهرنا المدفوع للبنت يعتبرونه بيعا ، تبتاع البنات عندنا، حتى رجالهم بدأوا ينزلون إلى المغرب لشراء النساء والفتيات، يقولون أنهم يبتاعونهن بمال مدفوع سلفا، تطيع المرأة المغربية زوجها وتعتبرها جزءا من أنوثتها، تفخر بطاعة زوجها وتسعد بإشفاقه وحنانه، تشرب حبه وعطفه وتتعلق برجولته، تحقق له رغباته في الفراش كما يحققها لها، تنافسه في ذلك وتأبى أن يركبها غيره.. المرأة الإسبانية فاترة ناشز أبدا، تتعالى على زوجها وعلى رفيقها، لا تعطيه إلا ما تريده هي، لا يظهر عليها شيء من الأنوثة إلا كونها أنثى.. زواج هو أم بيع؟ تبدآن من السنوات الأولى للبلوغ، تجهد بنتهم حتى تكون سباقة إلى فض بكارتها، تشحن بتعاليم خاصة، تتعلم كيف تمارس وسائل منع الحمل، ينصحونها بذلك فتتعلم بسرعة، وبسرعة فائقة ترتمي في الأحضان، ذواقة لمئات العشاق، تبدأ مستعملة وتنتهي مستعملة، نساء أوكازيون من البداية، تستمر على حالها من حضن إلى حضن، ومن عاشق إلى عاشق، منهن من ترتبط وتنجب وهي عاشقة لأن زوجها المتوفى بحادثة قد تسبب في منحة مالية تأخذها، وإذا ارتبطت بالزواج ضاعت منها المنحة. زواج هو أم بيع ؟ تبدآن بحصد ما زرع من قيم رفيعة ومثل عليا ، يشحن ذهن البنت بفكر نظيف وثقافة رصينة، يلقنانها أن العرض شيء ثمين ومسألة شرف، الحفاظ عليه حفاظ على " الدوبل في W "، والمطية الجديدة خير من الأوكازيون وفي كل خير بالقيم المتميزة.. زواج هو أم بيع؟. تزوجن وتزوجن واحفظن الأصول والعرض والعقود، عندهم سيان ما بين الأوكازيون والدوبل في W، وعندنا لا سيان وألف لا .

 ..................

 1 – سينطرو دي منوريس : إسبانية ومعناها ملجأ الأحداث.

 غرناطة في: 15 مارس 2002.

 

المستشارون الرُّوَيْبِضات

على حين غفلة من زمن الرجال ظهر الرويبضات، نبتوا في الدهر من غير يخضور، حرثوا أرضهم، رعوا أغنامهم، يسخرون بناتهم، يدعرون نساءهم، بياعوا الحروف ولا يزالون، يستملحون مخاتير الأحياء ويرزقونهم، يصدفون عن فقراء الحي والحومة ويحقرونهم.. تحوطهم الأمية، يغشاهم التخلف، يتلبسهم الغرور إذا سادوا، ويسْتَشْفِقُهم التزلُّف إذا احتاجوا، وصوليون منحدرون، متطلعون مَمْطورون.. ظهر المستشار كمن ولد، نبت في مؤخرة الزمان في فصل التواضع الموسمي، مؤدب ( تبارك الله عليه ) بشوش إذا أقبل، سمح إذا أدبر، كريم إذا أعطى، سخي إذا أنفق، يداعب الأطفال، يرتاد التجمعات، لا تفارقه الابتسامة، يتعالى على قدميه لافتا، يمشي خافضا جناحيه.. نصحوه بوضع نهدين اصطناعيين على صدره بحلمتين تستبزلان كثيرا عند المص ، يضعهما للإشارة ، ثم يعتذر لمن اشتبه فيه ، أو رغب في اللواط ، أو أراد الرضاعة .. نصحوه بزرع الدراهم في تربة فقيرة ، مكوناتها لا تمد النبات بالنضارة ، لا تغذيه عند النمو والإنبات ، ولكنها تجدي إلى حد ما ، ينبت نباتها فيكون نكدا ، يخبث فيضحى كالظربان .. ذهب إلى الجراح، ثم زرع له ست عضلات في وجهه يستعين بها على الابتسامة، عطل عضلات العبوس حتى حين، دار ودار في الشوارع والأزقة والديار، يستدرج ويملي، يستهدف أصوات الناس بنفس الوعود، يغري بنفس الأساليب، يعطي بذات اليد التي يسرق بها، وحين يتمكن بعدما يكون قد تواضع وتمسكن، يبطش ويبطش.. ظهر المستشار كمن ولد، سأمنحه صوتي، خبروه، طمئنوه، ولكن حينما أصير بغلا.

أيٌّ منا الإرهابي: أنا أم بوش؟

 بوش رقيق رفيق. حليم كريم، ورؤوف رحيم. تتعالى طبقات الأرض مزاحمة قشرتها؛ من أجل أن تنبسط لقدميه طلبا للتبرك.. يسكن قلوب الطير، وعقول البهائم. تهتف باسمه الخنافس والجعل، وتذوب ولها في محجر عينيه الجراثيم والميكروبات.. يتسابق طويل القوائم قفزا نحو إيثاره . وتشتد المنافسة بين الصراصير والجداجد بغية نوال حظوة عنده. محبوب الملايين لدى الثقلين. ما يفعله في إدارة العالم يرضى عنه الحجر والصخر.. أي أب منا حين يريد أن يبعد ابنه عن الخطر، يرهبه . من أمهاتنا من تحمي سلكا معدنيا حتى يحمر، لإرهاب ابنها، توهمه برغبتها في وضعه على كفه زجرا له عن السرقة.. جاري اللصيق ببيتي فعلها بملعقة وضعها على شفتي ابنه زجرا له عن التدخين.. وبوش حين يريد سرقة بترول شعب العراق، يحتله باسم مكافحة الإرهاب، لطالما تذرع باحتضان ثرى المأمون لأسلحة العز الكامل. قدم أهلا ونزل سهلا يتحدى رفات المعتصم ، بحث عن قبره ليقول له قولة ألنبي لصلاح الدين ، فأخطأ ضريحه . أواخر السبعينات من القرن الماضي عقدت ندوات عن الإرهاب ، شاركت فيها أمريكا لتحديد مفهوم الإرهاب، فقالوا هو : " استعمال العنف ضد أهداف مدنية لتحقيق أغراض سياسية " شهد الوضع عندها بعض التوازنات مما عطل أهداف أمريكا مؤقتا .. أنا أرفع حزامي الجلدي لإرهاب طفلي ، فتارة أضربه به، وتارة أعفو عنه. وبوش يرفع عقيرته لتلويث الإعلام أكثر مما هو ملوث، ثم يحرق البشر بسلاحه الفتاك . يرهب الحكام العرب إن هم تجرءوا على مغادرة خدورهم . سد عن بعضهم بيبان أصدافهم وقواقعهم لكي لا يخرجوا قرونهم ، حتى الذي طالما " طزطز " على دولة بوش لم يعد رأسه ينبت ما ينطح به ، غزاه القرع ، واستوطنه الجرب .. في ليلة هادئة ، وبينما أنا أتأمل خلط ما بعد الحداثة للتراب والشعير علفا لجحش النيل، اندهشت لحمحمته ، ثم تبينت أنه جائع جدا، وازدادت دهشتي حين انكب على علفه كما انكب حوت يونس على طعامه ، اعتقدت أنه أكل التراب مخلوطا بالشعير، فتبين لي أنه قد ترك ما لا يؤكل، فقلت: كيف يعزل الحمار التراب عن الشعير، ولا يعزل الناس حمارا واحدا من بين ملايين البشر؟ تنبهت لما أنا عليه فوجدتني مستلقيا على فراش الذل أحلم، وتحت رأسي وسادة العار عن العز تحجم. نهضت مسرعا وقلبي يكاد يجف للبخر في دمه، يممت نحو الكتاب والصحفيين أتحسس وعيا منهم، فلم أجد غير فهم سقيم، وتواطؤ خسيس مع أعداء الشعب والأمة على حلمي .. على أملي .. على حقي.. فصرختُ: لا يحق لي أن أحلم نفسي عزيزا يجلد الظالم ، فذلك إرهاب . إن الحلم إرهاب. وإن الحالم إرهابيّ. فأي منا الإرهابيّ: أنا، أم بوش ؟

خنفسة الدفن

بعد رحيل سحلية الكومودور، وتعاقب "سلاّسْكولين" على الخارجية الأمريكية، تسلمتها بعده خنفسة الدفن . افتتحت عهدها فوسعته بفلج عهرها. سيقت ابنة القس المتعصب إلى البيت الأبيض بعد مسابقة لافتة لاختيار ملكة جمال الكون ، استحقتها عن جدارة . معشوقة رئيسها، وموظفته المطواعة. يقرأ بوش الإنجيل يوميا في البيت الأبيض، فتقرأ معه. يصلي للخشبة، فتصلي معه. يتطرف في تدينه ، فتتطرف معه. قدوتها هو، وفقيه مذهبها . لا تفتهما صلاة ولو على متن طائرة مدنية ، أو مروحية عسكرية . تنشط خنفسة الدفن مع وزير العدل في جماعة دينية حيث ينشط . تسمر مع سيدة دين محترمة هي زوج كبير موظفي البيت الأبيض . لا تنقطع عن زيارة وزير التجارة دون إفانز زميل بوش في دراسة الإنجيل بتكساس . المتطرفون دون لحى قادمون. الإرهابيون المروعون للشعوب المستضعفة باسم محاربة الإرهاب نشيطون. فرانكلين جرام قائد اليمين المتطرف وابن القس الصليبي بيلي جرام يعتبر الإسلام دينا غير مسالم، ينعت من قاموا بالطيران لنطح البرجين بأنهم ليسوا طائفة مسيحية، لم يهتد بعد لغبائه أن البدينتين وجهتا بالطيليكدي، وكانتا خاليتـين من المسافرين، ومن الطاقم، فكيف يتأتى له السؤال عمن وجههما؟ تستجنح الحسناء الفاتنة نيابة عن اليل، لا تتأذى إليتاها بالجلوس على جثامين الأطفال والشيوخ والنساء . قلبها كلون جلدها ، لا يمكن أن تستوطنه الرحمة . ووجهها المشرق كجلد كلب مجياف فوق جبل مرقالة، تبدو وكأنها مستنسخة من نفس الخلية التي استنسخ منها بيغين ورابين وشارون .. بقدر ما الفاتنة فاتنة ، بقدر ما يتعلق بها العشاق. إذا طلعت أشرقت عن سحابة صنعها جبل طائر مرتطم بالأرض؛ كذلك الذي انقرضت له الدينصورات، وإذا أنارت أضرب عن مد قنديلها بالزيت مخاطها الفواح. في محكمة بغابة كينيا انتصب الشمبانزي وسط الجموع يدافع عن موكلته . حفيدة جدة مسترقة مجلوبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، ابنة قس يحمل في صلبه جينات ورثها له قتلة الأنبياء . هم الإرهابيون. هي ورئيسها قائداهم، حاجهم العدل فحجهم، شكتهم دماء الأطفال، ودموع الأيامى، فلا منصف، أو منتقم. فهل: (( هم العدو ، قاتلهم الله ، أنى يوفكون )) ؟

.................

 12 يوليو 2005

 بوش دخل الحمام فهل سيخرج؟

"عندما احتل الاسكندر الأكبر الشرق، أمر القطط أن تصطف جانبي النهر ليلا، كي لا يسقط الفرسان في الماء ، ومن يومها وعيون القطط تصطف بأدب جم كطلاب الصف الخامس ( أ ) على جانبي الشوارع، كي لا نسقط". وعندما احتل بوش الأصغر الشرق أمر الكلاب أن تحاصر ثرى الرشيد في انتظار سقوط بغداد، ليدخلها دخول الفاتحين ، أمرها أن تشغر جميعا، تصنع بشغرها سياجا بريط رجل برجل بغية منع تسرب الحياة إلى رفات المعتصم. وسقطت بغداد، سقطت وما كانت لتسقط لولا تكبيل الشعوب بمؤامرات خسيسة، ودخل، دخل على قومه في تطاوس هش ينشر الإهانة وينثر المهانة، تتصايح الأرض تحت قدميه مبعثرة رفات المثنى وتود لو يبعث حيا، احتفى به قوم من غير جلدته ، يزعمون البغدادية ، والانتساب إلى المعتصم ، وما هم إلا شِياطة الشياطة. اهتزت الأرض تحت أقدام حكام ، خيزرانيين على شعوبهم ؛ قزم على آمريهم ، طفقوا يتهامسون ، وقد بللوا شعر رؤوسهم في انتظار الحلاق الأزرق ، تقوست لها هاماتهم حتى بدت وكـأنها زانات قفز في رياضة الجمباز ، ليسوا قليلي الحياء ، ولا صفيقي الوجوه؛ الفضلاء . مستعطفا يسأل حاكما مقربا من رعيان البقر، يستفسر عن مصيره، لطالما " طَزْطَزَ " على الرعاة في الفضائيات، ولا يزال يطزطز، ولكن هذه المرة على نفسه، أسرع مطواعا يدلْدِل. قدّم البلايين من أموال الشعب رشوة، زفّ باخرة مثخنة بأسباب العزة ؛ عربونا على ولائه، يستبدل بها أسباب الذلة، وانبطح، انبطح كفقيه كنيسة أويلفا Huelva فلم يرض الظربان على انبطاحه. أنبت العراق الشوك تحت أقدام المستعمرين، عبد الطرق بالسم الزعاف، ورش الثرى بالموت الزؤام. خرج الميريكان من الفييتنام بخمسين ألف قتيل مقابل ثلاثة ملايين من الفيتناميين ، ولكنهم لن يخرجوا من العراق إلا جثامين نتنة، أو يدفنوا في مز ابله "كذلك قالت لي الكائنات، وحدثني روحها المستتر"، ومن يهرب، يخرج جارا معيه كما لو كان جرذا داسته قدم عيسى ، يقسم على ذلك النخيل، وتقسم الأجنة، فليس الدخول إلى الحمام كالخروج منه.

 اللص الزرقاوي

 ـ "قف ثكلتك أمّك". لم تستقر ساقاه فوق الأديم حتى اصطكت أسنانه خوفا وهلعا . أسرته المباغتة كما لو كان ضفدعا دون مخ . أدخل الزرقاوي يده في جيبه يسوح في جنباته، يبحث عن قرص مهلوس يتخفى في ركن منه ، أو قطعة هش مخدر طاب لها المقام في ظلمتـه. استخرج كفه ودفع بها إلى الجيب الخلفي، فعلقت بأصابعها ورقة استفزت غدته اللعابية، تحمل لونه، ولكنها تفوق قيمته، أسرع في دسها، ثم خطا نحو رئيسه يهمس: "(( لْمُّوهْ مْعاهْ مِيتينْ درهم))". تبادل دوره معه ، ثم فتشه ثانية، واستخرج من جيبه الفالْيومْ و إِلْ إِسْ دي وقطعة هشٍّ مخدِّر، وصرخ في وجهه: " بيّاعْ الحْشيشْ لْمُّوكْ" . دفعه من الخلف بكف قذرة، وهو ممسك بقميصه، يوخزه بـ ((زرواطته))، ممعنا في دفعه حتى حاذيا السيارة. ارتبك المسكين وهو يرتعد لما نزل عليه. كيف يعثر في جيبه على المخدرات، وهو لا يدخن، ولا يتعاطى المهلوسات، أو يبيعها؟ كيف يستخرج الزرقاوي الثاني ما عجز عن استخراجه الزرقاوي الأول؟ أوقفاه بعيدا عن العيون الفضولية يتسللان لواذا، ثم غيرا معه لهجة الخطاب حتى انتظمت الحروف في كلماتها، والكلمات في جملها، وأحسن التعبير للجواب على: " أَشْنو دابا " فقال: "الّي بْغيتوا" بادر الزرقاوي الأول يقول له برأس مدار نحو رفيقه: "خصّو كتار من ميتينْ درهم" فثنى الرئيس بغضب منزلق من قلبه الجاف: "طلقو، مرة أخرى غدي تزيد ولّلا ؟" ابتاعوا خمورا من بقالة سان فرانسيسكو، تتقابل ووكر التجسس، تتراصّ منكّسة لإذلال طالبي التأشيرة. توجهوا نحو شاطئ مرقالة. انتشوا بسكرهم حتى ثملوا قلب سيارة تعود ملكيتها للشعب، وقد حطت فوق قادوس ضخم يجري فيـه ما هـو أزكى ريحـا من ربحهـم ، وأطيب طعمـا من بذيء كلامهم ، ثم انحدروا إلى مقاهي صفيحية، "تشابولات" كأنها عرائش البربر على ضفتي اللوكوس. ساحوا منتشرين بلداء كأنهم "بوخرارو" ضاق به باطن الأرض فطروح به على السطح . سيقانهم قصب ملطوم بكف الرياح الشرقية. تنبعث من أفواههم ريح كأنها غاز محبوس في جيفة كلب قضى منذ قرن ونيف . على زلاقة يتربصون كالقطط الإفريقية، ولكن بالفيلة، يظنون أن التربص كفيل بإنجاح المباغتة، ولكن إن كانت لغير النوم، ودخلوا، واقتحموا، انسلوا، وصالوا، هووا وهجموا.. لم يعتبر بهم رواد المقهى، لم يحفل بهم قطه، أو ينبح عليهم كلبه.. على الخوان كؤوس الشاي الأخضر، والقهوة النيجيرية، تمتد عليها عيدان من شجيرة الزيتون والدفلى، مخروطة يقف على فم كل منها "الشقاف" و "سباسا" وشفرات قص عشبة الكيف، وربيطات .. - " آي هاي هاي، أشنو هاذا ، نْتومْ عصابات" . انتزع أحدهم سبسيا من أحد الرواد يريد أن يمسكه من طرفيه، فلم تسعفه يده وقد هم بتكسيره، فانتزعه منه صاحبه وقد لمعت عيناه من البطالة والضياع، تدفعان بشررها فيخترق قلبه عبر عينيه وهو يقول له: "قبل قليل كنا في حديث عن أولاد "السوق" من بعض سائقي سيارات الأجرة، والآن معك ومع زملائك "باعاد مني ألسكيري"، الزرقاوي في العراق يسعى إلى إعزاز شعبه مع إرهاب أمريكا له، وأنت ترهبنا لحساب من؟". اهتز المقهى لاستنكار أحد روادها، ثم تنحى الزرقاويون عنهم، وقصدوا أرباب المقاهي يساومونهم على ما في مقاهيهم من ممنوعات ومحظورات، يبتزونهم بصفاقة العاهرات، ووقاحة المستشارين الرويبضات، ثم حددوا لهم مبلغا ماليا صار ضريبة تدفع لهم في غفلة عن وزير المالية، ولكن هل بعلم السلطات العمومية، لعلم المقدمين، أم لا ؟.

رامسفلد عند موسوليني

حطت باخرة الإرهاب على مرفأ الفاشية , رسى مركب بوش على مرفأ موسولوني , لم يغير مرساه إلا تحت ضغط الصفاقة حيث لا حياء ينبت في مرسى الإرهاب , ولا في مرسى السادية الأمريكية . وقف الأعور أمام الكاميرات يكشف عن رغبة الإدارة الأمريكية في تغيير قميصها المخضب بالكريات الحمر، يرتادونه ورائحة الصبيان والأطفال والنساء والشيوخ والأبرياء تفوح منه . الإرهاب.. الإرهاب.. الإرهاب.. أغنية بالية وسيمفونية مقيتة تتأذى لها الآذان، وتزكم لها الأنوف، يكاد ينتبه العالم المخدوع للاستذراع السخيف، يقفز نحوه رامسفيلد كما يقفز ضفدع البيت الأسود في المستنقعات. الفاشية.. الفاشية.. الفاشية.. أغنية جديدة لن تعمر طويلا لفقدانها أصالتها، وسيمفونية ضجيجية حببت إلى بوش ولرامسفيلد كما حبب لشارون وألمرت مص الدماء، يبشر بها، يعلن صمتا ويصمت إعلانا: ـ الفاشيون مسلمون، والمسلمون فاشيون . ويعقب عليه : ـ أحرار العالم فاشيون، والفاشيون أحرار العالم. ـ الإمبرياليون عدول والعدول إمبرياليون . يأثم العالم عندما لا يخضع لإرادة الإدارة الأمريكية، يزداد إثما كلما مارس صدا، أو أعلن رفضا، يهدد بعجرفة زمجرية، ويعاقب بسادية زفزافية. تلك كلمات لازال يرددها محمد وأحمد ومصطفى، أضحت أسامِهِم إرهابا، آباؤهم وأمهاتهم إرهابيون، وإلا لماذا سموهم بأسماء طه؟ أعلن بوش وتبعه رامسفيله ورايس وتشيني قائلين: ـ العرب والمسلمون وأحرار العالم لا يستحقون الحياة. سأل مصطفى أحمد قائلا: ـ العمى الرامسفيلدي لا يبصر به صاحبه إلا تحت ضغط الخنق ؛ حتى الجلد لا ينفعه. ـ هل تتمنى له موت لسان الدين بن الخطيب؟ ـ لا , لا مقارنة بين نفايات بشرية وبين الشاعر لسان الدين بن الخطيب. انضم إليهم المحمدلون والمعبدلون، ساندهم المظلمون والمقهورون رافعين صوت التظلم، يأسفون لطيش البشرية وانخداعها بهم، ويسخرون من جبناء لا هم لهم إلا تثبيط الهمم والتخويف من الساديين..

خصومة الأمعاء

أسير مجلودا من سوطين، كلاهما مؤلم فظيع. أسرع في خطاي باحثا عن دفئ دونه الموت، أو طعام دونه التجمد . أحاذي في سيري مطعم "كويباس" ووجهي إلى داخله أبحث عن أصدقاء فيه، تتصيد عيناي ابن حيي، أبطئ قليلا حتى يراني، فإذا نادى علي دخلت، وإذا غض الطرف عني أدبرت. يحرص لإكرامي ألا يكون صاحب المحل حاضرا . أطوف في الشوارع والأزقة، ثم أصعد لمحاذاة المطعم مرة ثانية، فإذا تجاهلني صديقي مرة أخرى عرفت أن معدتي لن تستدفئ بطعام ليلتها . طفت متسكعا، ثم صعدت إلى حيث أقيم، كلما نظر إلي أحد أدرت وجهي تحت ضغط حمام ساخن لخدي، أسرع وأسرع حتى أستلقي على جلد كبش مدبوغ، لطالما تمنيت أن أكونه، ثم أشرع في وقاد القلب والروح، وأتوجه إلى ربي الذي أنساه كثيرا، أخشى بطشه، ولا آمن مكره، أرتمي في حضنه لحنوِّه ورِقَّته، إذا أقبلت عليه أقبل، وإذا أدبرت لا يدبر. أتعلق بجواره لعفوه وكرمه، ولا شيء أقدم له سوى حبي. أوقدت السخان قبل حضور رب البيت. الدار مسكونة بالزمهرير، أضع عليه يداي ورجلاي؛ ثم إليتاي بغية الاستدفاء حتى لا تسكنني القفقفة . بينما أنا كذلك سمعت الباب يفتح فأطفأت السخان، ولما دخل رب المحل ألقى إلي بتحية باردة. وهو يتوسط الفناء وضع يداه على السخان فتحسس حرارته فأطفأه وهو منطفئ، ثم نزع عنه التيار الكهربائي وأدخله غرفته وسد عن الجليس في الفناء بابها .

......................

غرناطة في: 17 نونبر 2005

 حرب الأفكار

بينما هو جالس على صخرة معمرة، يرمي بصنارته عند مصطاد الدار الحمراء نزلت عليه سكينة مستأذنة، تفرش له بساطا على سطح البحر وتغريه بركوبه نحو نصف الكرة الجنوبي. لبد على بساطه ظنا منه أن المحيط سيهزه، لم يكن يعي عندما وعى ، ولما تعمق في اللاوعي ساقته غفلته إلى الوعي على ركاب أسرع قليلا من بساطه، لم يستأذن في امتطائه، أسرع به إلى حيث مصنع للغباء، إلى حيث ينشط مخ كما تنشط الخلايا الحمقاء . دخل بيتا يسكنه صمويل هينتنكتون HENTENGTON SAMUELوكان غاصا مليئا ساعتها، أخذه من تكته حتى أوقفه فبادره قائلا: " من صراع الحضارات إلى حرب الأفكار؟ " فرد عليه: ـ لا جديد في ذلك، فصراع الحضارات هو عينه حرب الأفكـار، الحضارات أفكار ومفاهيم تتولد عنها قناعات ومقاييس. ـ صدقت، ولكن ألم يقل بصراع الحضارات برتراند BRETRAND RESLرسل في محاضرات له في أربعينيات القرن الماضي؟ لماذا لم تشر إلى ذلك؛ فالناس والمثقفون يفهمون أنك صاحب فكرة صراع الحضارات؟ التلفت إلى فوكوياما، لم يشأ أن ينهضه حتى لا يرتفع على قزميته، فنهاية التاريخ بسيادة المبدأ الرأسمالي هي نفسها في الطرف المقابل ديكتاتورية البروليتاريا، كلاهما يعتمد للوقوف أرجل القطاريس. تركهما وانتقل إلى حيث ذهنية عجوز لا تمتلك عروقا للإنبات، تقيم رأسها على كتفين من جذع رملي مبلل، أخذه من أذنه وصاح به: " لماذا أعلنت حرب الأفكار؟ ". ـ وماذا في ذلك ؟ إنها حيلة أخرى وأسلوب للتخفي . ـ بل هو غباء مدرسة، وبلاهة منظر. انتقص الزمن من عمره شيئا ومنحه له، ثم طوى عهد الجبروت وضغطه في علبة ثم قدمه مشترطا أن يرمي به في وجه الغبي، فلم يتردد.

...............

 06 شتنبر 2006

 بوش ورايس في قانا الثانية

 ـ الظروف غير مواتية لوقف إطلاق النار.

وينتحر الوقت

 ـ الوقت قد حان لوقف إطلاق النار .

تصرح ملكة جمال الكون للصحفيين؛ فينتشر مع تصريحها رذاذ نتن، يخرج عبر فلج كأنه شق تلقى منه النفايات، تنتشي ابنة القس الصليبي لقتل الأطفال، لا يبيض وجهها لسواد قلبها، لون قلبها من لون جلدها، تدخل عالمها مغتبطة منتشية، وكلما اعتزلت رئيسها جلست على فخذيه تتحسس أنامله وهي تلمس رأسا أذكى من القنابل الغبية. تخرج للحكام العرب قرون الحلزون، يتفحصون محيطهم كما لو كانوا جرذانا يؤزها الجرب أزّاً، وحين يطمئنون يشرعون في استدعاء كلمات سابة لهم، يتعسفون على الجمل والفقرات حتى تخرج خافية خداعهم وتآمرهم . يجالس أولمرت ملكة جمال الكون مبتسما لها، يتأسفان معا ويكادان يذرفان دموع التماسيح على الأطفال والرضع، يتوجعان لمذبحة قانا الألمرتية، قانا الشمعونية لا تعنيهما، لم يحقق أولمرت بعد أهدافه كما يزعم، يحتاج إلى مص مزيد من الدماء كالوطواط. لقد حقق ما يصلح أن يكون أرضية لسيناريو سادي قادم. أنا هنا في طنجة أجلس متفرجا، تدمع عيناي لصبيان قتلى وأشلاء ممزقة، فهل تبكون مثلي؟ أفضل ألا تجيبوني، فسأتهمكم في رجولتكم؛ لأني متهم في رجولتي، وكيف لا أتهم وأنا ابكي مثل النساء كما لو كنت الملك الطريد من غرناطة، أغدو وأروح دون أن أقاتل أو حرض عليه حتى لا أتهم بالإرهاب. العرب والمسلمون لا يستحقون الحياة. تلك مقولة أمريكية في قصة ظليلة يرددها جنود بوش، تتجاوب معها وزيرة خارجيته قائلة: أجل إن حربنا حرب حضارية، أحيانا تنوب عنا فيها إسرائيل كهذه الحرب، ولكن يجب ألا نظهر وجهها الحقيقي. ألو ألو رئيسي رئيسي. نعم نعم كوندليزا. المدنيون يقتلون. لا تأخذك فيهم رأفة أو رحمة, لم يصل الرقم إلى عشرين ألف قتيل كما كان في سنة ألف وتسعمائة واثنين وثمانين. إلى الجحيم إلى الجحيم . العرب والمسلمون وأحرار العالم إلى الجحيم إلى الجحيم.

 ...................

 طنجة في 30 يوليو 2006

 الديمقراطية فوبيا

يطوف عطار واشنطن بحمار أعرج أجرب، يحمل فوق ظهره سلعة لا يفتر عن تحريك يديه مراوح لها. جاب الشرق والغرب يعرضها على شعوب وأمم لا ترضى بديلا عن سلعتها، يستميت في الصياح دعاية لها، تكاد عيناه تخرجان من محجريها لولا ما يمنعها من مغناطيسية مائها الآسن، وحين استقر على قناعة رفض الناس لها اعتقد أن مرد ذلك إلى شدة نتنها؛ فقطع ذيل حماره البئيس ليضيفه إلى المراوح , ينشط كما لص الصفقات أنان عند محاصرة العراق، لم ييأس، نشط ولكن حماره لم ينشط، يتعثر في سيره، يتحرك كسيارة انفجرت إحدى عجلاتها، رسغه لا يسعفه في السير، دميت أطرافه فأخرج العطار نصل رمح صدئ وشرع يغرزه في كل بدنه، ينغز وينخس ويحذر من إيذائه , يسيل لذلك دمه ويفور وهو عند رحمته به يقف، وعند شفقته عليه يستقر، لم ييأس الأزرق وقد أمَّل في رعد أن يخلِّصه من الفارس رمّاح؟ نزل بلاد الأفغان ساخرا من عمائمها، يرميها بسهام خارجة من عينيه بعدما غمسها في مستنقع الإرهاب, وصبغها بطلاء السادية، ثم ما لبث أن ولى وجهه شطر بلاد يريد أهل ضفتيها على الماء الأحمر، ساق حماره إلى الشاطئ حتى أدخله البحر، ثم دفعه لخوضه بعدما حمل عنه سلعته، فسبح إلى جواره، لا يفتر عن الدعاية، يسمع السمك والحيتان، ويقرع آذان القواقع والرخويات، يعتقد أن سلعته مرغوبة حتى لقاطني القيعان. خرج البحر وشق طريقه في تهامة ففاح لسلعته الحجر والصخر. هاجت لها أمعاء الحبيبات الذهبية، ثم اهتز كيانه خوفا ورهبا فأسرع إلى بلاد الرافدين، لم يذق حماره طول رحلتهما علفا، لم يستسغ التبن لمنافسته له فيه فعافه. استقر به المقام حيث رفات المعتصم، فانطلقت ذراته تقاتل نيابة عن عرب اليوم ومسلمي اللحظة؛ فهم بإنزال سلعته فنفرت منه دابته لظلمه، لساديته، لطغيانه، لعدالتها، نهرته حتى أفصحت، فخاطبها قائلا: ـ ويحك، تتكلمين؟ فهل أنت أيضا إرهابية؟ تريدين تصديق ما سمعت؟ ألم يقل قرآنهم بإخراج دابة للناس تكلمهم؟ هل أنت هي؟ هاج واشتعل غيظا فشرع يسبها ويركلها، يلكمها ويصفعها، وحين عيي اقتاده عياؤه إلى تلبس الرأفة والرحمة فتناول نصل رحمته وقرر غرزه في عين دابته , عندها ركضت لا تلوي على شيء، فصاح بها: ـ سلعتي.. سلعتي.. لم تلتفت الدابة , تركته يندب حظه على ضياع سلعته , هرب بها حماره , لم تكن سلعته سوى ديمقراطية فوبيا ينوء بها وهو عنها ساه .

...............

 05 شتنبر 2006

الديمقراطية فاشية

ظل يسطو على أموال الناس وما شبع، ابتدأ يسطو على عقولهم وما قدر، ظن أن سلطانه يمتد حتى العقول والقلوب، وسوس له بذاك شيطانه الغبي. يملك سلعة واحدة يتفنن في عرضها، وكلما عرضها ولاقت بعض الرواج أعاد عرضها حتى تفهت فملت ونفرت لها النفوس، فجلب طلاء يحمل ماركة ألمرتية وخلطه بجينات السامري وشرع يدهنها، ثم يعرضها، وفي العرض الموالي تغير لونها وتلفت معالمها وهكذا إلى أن فطن لها الناس باستثناء شعبه المخدوع.

ـ أيها التافه هل تذكر تصريحك في أيلول سنة ألفين وواحد عند زيارتك للمركز الإسلامي تنعت الإسلام فيه أنه دين سلام؟

ـ أذكر.

ـ والآن صار فاشيا؟

ـ هل تذكر هذا وحدك أم يذكره معك قومك؟

 ـ يذكرون أيضا أن شركتك البترولية آريو ستو كانت في سنة 1983 تحمل ر قم 993 في الرتبة بين شركات إنتاج النفط في ولاية تكساس وتسألك الآن عن رتبتها بعد سرقتك بترول شعب العراق؟ تناول حبلا لواه على عنقه ونادى على حَمّالة الحطب، هكذا لقبها في مقاهي أم المدن المغربية، فناولها الحبل وطالبها بقيادة رئيسها إلى حيث الجلاد الرحيم. وقفت بين يديه خنفسة الدفن وتسمَّر على يسارها الجعل الأشقر وقد تغير لونه إلى السواد بسبب خصومة بين جينين كلاهما خبيث، أخذ سوطه وقرأ التهم الموجهة إلى الرئيس وهم بتطبيق العقوبات لولا وخز التأني والتثبت فخاطبه قائلا:

"لماذا تستقدمون قواتكم إلى بلدان شعوب استيأست من إنصافكم ورفضت حضوركم، رفضتكم ورفضت ديمقراطيتكم السادية " .

 ـ يا سيدي القاضي مبدؤنا الرأسمالي يقضي في طريقة حمله إلى الغير؛ الاستعمار، فطريقة عيشنا وأسلوب حياتنا لا تقبلون به أنتم المسلمون لأن لكم غيره في إسلامكم ونحن لا نسمح لكم بذلك. ـ وإذن تتعمدون سرقة خيرات الشعوب واستغلالها واستعمارها، لقد حكمت المحكمة عليك بما يلي: أومأ القاضي إلى جليس في قاعة المحكمة ممن يمثلون شعوب الدنيا يطلب منه الوقوف على الخشبة للنطق بالحكم ، سلمه صك الإدانة فقال:

تقسم مكونات بوش ورايس من الذرات، ثم توزع على شعوب الأرض لجلدها، ثم يجمع نصفها ويدخل في صناعة قواديس المياه الحارة لصرفها، وما تبقى منها يوضع تحت أرجل الكلاب للظلة. ظنت الشعوب أن خيار محاكمة الرئيس لا يتأتى إلا بتغيير يشهده الموقف الدولي، ولكنها لم تصبر على بطء الزمن، ولم ترتح لعقم الأمة في إنبات المحررين فحاكمت ديمقراطية فاشية يتزعمها سادي عتيّ.

 طنجة في: 13 شتنبر 2006

عقدة الشهيد

انتخبت ذات الثمانية والأربعين جينا من طرف الضبع البليد، اختارها لظلمة قلبها، جمعها بمدير عُقدة الشهيد، فقال لها: ـ ما بال هؤلاء الحمقى يندفعون إلى الموت؛ يرجون الشهادة في رائعة الشباب؟ فردت عليه: ـ القضاء عليهم سيدي الرئيس مستحيل مادام قرآنهم يحثّ على الجهاد ويأمر بالقتال ويرغِّب في الشهادة. ـ وما العمل؟ فحضارتنا مُهدّدة. وإذا عادت حضارتهم إلى الواجهة واقتعدت موضعا لها في الموقف الدولي كما كانت منذ عهد قريب؛ ذابت لعدالتها كل الحضارات. استقلّوا وهْم التفوّق، ركبوا خواء الغطرسة، وسافروا عبر ناصية يسْعفها مُورِّث مُعْتلّ، قادهم إلى مواضع تتكسّر عليها مخططاتهم، أقاموا بها مصنعا لعجن الحكام العرب وتذويبهم بغية إعادة تركيبهم على صورة سندان لدنّي؛ تساوي بين الانبطاح والاستقامة، وتخلط بين القيم والمثل، أريد لهم أن يكونوا ما بعد حداثيين. أقاموا مصنعا آخر للمثقفين بغية إحالتهم إلى مطارق، ثم وضعوا بينهما إسلاما سعوديا وإسلاما أفغانيا، تنوّع فيها الإسلام فصار إسلاما سوريا وإيرانيا وتونسيا وعراقيا.. صبغوه بطلاء لا يحفظه من التآكل، تآكلت له كل أنواع الصباغة، واختلطت ألوانه فلم تعط لوحة تشكيلية رومانسية ’مؤمّلة. أنفقوا بلايين الدولارات كسبوا بها عيونا من فقهاء وعلماء وسياسيين وكتّاب وأدباء وعمّال وموظفين وطلبة وأساتذة وصحفيين.. دون جدوى. استنجدوا بعيسى فلم ينجدهم، استنصروه فلم ينصرهم، يعتقدون عونه لهم، لقد غاظهم محمّد بدينه وأتباعه. ازدادوا حيرة حتى تفهت في نظرهم رهبة سلاحهم فقرروا إنشاء فرع جديد لعلم النفس؛ أسموه: عقدة الشهيد، ولكنهم لم يحظوا إلى الآن بمريض واحد يدخل عيادتهم، لم ييأسوا، ولن ييأسوا حتى وإن سرقوا جثامين الشهداء، لقد أعلنوا عن جائزة القرن ’تمنح لطبيب أو باحث أو أديب أو مفكر يستطيع تحديد عقدة الشهيد في ذهن الشهداء.

......................

 طنجة في : 25 أكتوبر 2006

 الرجل الذي باض

حلَّقت طائرته حيث ستهوي طائرة البطوطي، ثم حطَّت في بلاد العمَّيْن. ركب طمعه ينقاد له حتى وقف على باب البيت الأسود. عند بابه العاري وقف يستجدي البوّاب أن يتوسط له لمقابلة الرئيس، سأله إن كان له موعد وإذن مسبق، فرد: (( لا )).أعاد المحاولة مستشفعا يتذلّل ويتذلّل، عرَّف بنفسه: (( أنا التحتيُّ الأول للرئيس المؤمن ))، عندها تحرّك البوّاب نحو مكتب رئيسه وتركه ينتظر. في رحلته عبر الممرات الساقطة إلى مكتب الرئيس توقّع العزيز أن يرفضه صانع الثورة الخومينية، ظل الأخرق يدير في ذهنه ما يدير وهو مُتْخم باليأس حتى عاد البوّاب ليضع على تُخمته خاتم الرئاسة. اعتذر إليه وخاطبه: (( من فضلك تحرّك وغادرْ غير مطرود، فلقد دُسْت على البروتوكولات، وتجاوزت حدود الّلباقة )). أصرّ في حاجته مدفوعا بشهوة الحكم، وهَوَس الزعامة، فبادره البوّاب ـ ماذا تريد من الرئيس؟ ـ أستحلفك بمعبودك أن تكتم أمري؛ لأنه سِرّ، أر يد خلافة الرئيس. عندها اهتم وبالغ فيه، فمصلحة بلده فوق كل مصلحة، استوقفه والعزيز مغادر، ثم أسرع إلى رئيسه يخبره، لم يكترث لذلك رئيسه، فابتدره: ـ أليس الأمر مهما؟ ـ بلى، ولكن لدينا ما يناسب مواصفاتنا، فليذهب إليه وليناقش. عاد إلى بلده ساخطا ينقم على مخلّفات هرقل، طال به ظنه نوّاما غير لوّام حتى هذه اللحظة، ظن أنه الوحيد المختار للاستخلاف، لم يكن يرى بديلا له وقد كان موجودا؛ غفل عنه، ولو قدر على إزاحته وتحدي البيت الأسود لفعل، ولكنه قعد أسفل رأسه كذالك الذي اقتعد صورة مثال في الرواية الممدرية : نساء مستعملات، قعد أسفل رأسه مرة أخرى، ثم طرق باب المستخلَف. دار بينهما حديث مطوَّل، كلاهما متمسِّك بالحكم، غير أن تمسك عبد الحليم تمسك اليد المشلولة، أحس بذلك ذو البديهة البزّاقة فانفتحت شهيته أكثر، ورجح لديه أن أمله لم يزل في ملكيته، تركه ليعيد اللقاء به مرة أخرى وأخرى حتى استقر أمر المستخلَف على قيادة العسكر، ثم سفيرا لبلاده لدى حمّالة الحطب، بعد ذلك اهتم بمصالحه وتبع شهواته ونزواته بعيدا عن الحكم والسلطة. وحضر الموت لا يستأذن فقطف الرئيس من على منصة تجمعه به، لم ينبطح حينها ’موفِّرا جهد الانبطاح وروعته لكلا العَمَّيْن. ظل ظِرْبانا متطاوسا لا يدرك أنه يحضن بيضة تكبر في كيانه وستنفجر إن لم تنزل من مبيضها سالمة، لم يخش أن تعْلق في مبيضه كبيضة خنفسة الدفن لجهله بالحمل، عاش مطمئنا يبدن فيه الشر إلى حين بروز أثر غريب لحمله، تعجّب من المبيض حين ظهر، لم يتحسسه وهو ينبت مثلما كانت تنبت أطرافه في رحم أمه، تعجّب منه وتساءل: ((المبيض لا يكون في الرأس، فهل رأسي يعادل ألف رأس؟ هلا نظير له؟ أجل، فأنا السياسي العبقري، لقد قضى من كان ينازعني فيها بالمغرب، فوجب أن يكون الحكام العرب تبع لي، نعم أنا هو، لست "المطزطز" في الفضائيات، ولست ...)). بينما هو في نشوة الإعجاب يغوص في جمع غفير يشهده المقرَّبون ويشاهده المبعدون شرع يجلد صوته، ويفخِّم حروفه حرفا حرفا يكوِّن منها جملة واحدة مقتضبة عبقرية رائعة حداثية بليغة حكيمة راقية ما بعد حداثية فانطلقت: ((علينا بالتعقل )). صارت سلعة يسوِّقها عند كل رُزْء، ويروِّج لها عند كل مصيبة تلمُّ بالعرب والمسلمين، وأخيرا كانت بيضته التي باضها وهو يخطب في المتملِّقين.

......................

طنجة في 08 شتنبر 2006 الساعة الثانية صباحا ( ليلا ) بتوقيت طنجة الذي يوافق توقيت غرينتش.

 الدرهم إرهابي بيئي

 شکت طنجة أبناء يزعمون الانتساب إليها. شکتهم وطالت شکاواها حتی يئست من إنصافهم . ولت وجهها شطر الأجنة تختار منها ما کان خالصا من الخبث، سليما من الدس، استنجدت بها وقد دوی صياحها؛ وهي تتشاکی، ترشح منها مستجيبا جين نقي يحمل مورثات لأبناء من سلالة ابن بطوطة. انتصب الجين شخصية محبوبة عادلة لا تعرف إلی الإرهاب البيئي سبيلا؛ فشرع يبحث عن إرهابيين بيئيّين للانتقام لطنجة . اندهش لکثرتهم، وازدادت دهشته للدرهم المثقوب، ألقی عليه القبض ثم حمله إلی الربع الخالي حيث الصحراء کفرن المعلم التويتو في زنقة المعدنوس، سيج له أرضا بحجم بني مکادة والدرادب، اختار منها بقعة يبابا خرابا کأنها من شرق القمر، لم يسيجها بحائط إسمنتي، أو سلک معدني، أو نبات شائک... بل سيجها بفراغ أحاطه بها وجعل منه هاوية سحيقة، فإذا تجاوزها الدرهم وتخلص من الصحراء المحرقة سقط في هاوية يشتعل قاعها .. منع عنه کل شيء جالب للظلة، استعطفه أن يلبس طربوشا يقيه لفحات الشمس الجالدة؛ فنهره، ترجاه أن يحمل شجيرة يابسة کما کان يحمل قابيل جثة هابيل يستظل بها ولو ظل ينوء بها ما ظل؛ فمنعه، عندها شرعت تذوب صلعته، وشرع يجف له قلبه حتی خف له عقله ... تخلص من الدرهم المثقوب وترک الشمس تجلده في الربع الخالي، ثم عاد إلِی شمس المغرب. نادِی علی المخلصين من أبناء البوغاز واستنهض همم المهاجرين إليها من الشرفاء ، فطالبهم بجمع الإرهابيين البيئيين کما لو کانوا کلابا جرباء مصابة بداء السعار، کدسهم في غمولکات وساقهم إلی ساحة السوق البراني مستعجلا حتی لا تحفرالساحة مرة أخری فتهدر لحفرها الأموال العامة لإقامة مستودع للسيارات تحتها، سيجه حتی صار قفصا فألقی بهم کما لو کانوا حيوانات مفترسة، أو لبنات لإقامة الأبنية ... رمی بهم بعدما جردهم من ألبستهم تارکا خرقا صغيرة تغطي عوراتهم؛ ليس إشفاقا عليهم، بل حياء من الجمهور المتفرج، فالحياء لا يزال ينبت في الشمال .. صاروا يصرخون متذمرين، يطالبون بوضعهم في سجن عزاريطو ناسين أنهم فوتوا البقعة التي کان رابضا عليها کديدنهم الخسيس، يترجون الناس ويسْتَشْفِقونهم، لم يطالبوا بطعام أو شراب، لا يطالبون إلا بالظل ، لم ينفعهم ظل إسمنتهم ، لم ترحمهم بناياتهم وعماراتهم، ما کان من غابات خربوه، وما کان من أشجار أعدموه، طال تذمرهم من الحر، طال اشتياقهم للظل، کبرت حاجتهم للحیاة، کونوا تراکيب بهمهمات تقول: الظل الظل.. الشجر الشجر.. النبات النبات.. الإرهاب إرهاب بيئي.. ثم يصيحون صياحا يجوب صداه مسمعا فضاء طنجة : درهمنا المثقوب رأس الإرهاب البيئي . لقد ذابت صلعته ، وتعفن ذهنه حتی فاح نتنه . نحن هنا نصف إرهابيين بيئيين ، فلا يزال بينکم نصفنا الآخر، تعالوا نکشفهم لکم فلا يعقل أن ينجوا من العقاب

.........

طنجة في: 07 يوليو 2006

 Por Favor No Tocar

خرجتُ من رقم خمسة في زنقة كالديريريا نيويفا Caldereria Nueva أقصد مقر جمعية الجيرة الإسبانية، أمشي مثقلا بالهموم، وئيدا لا آمن مكر الله، الليلة شحيحة المطر، والجو منعش تتخلّله أنسام تقذف بها نجوم قصر الحمراء وأشجارها. لم أكم جائعا مرتين. البارحة ألفيت فرقا موسيقية تملأ مقر الجمعية، والباب موصد فتحولت عنها. والليلة أحمل كُتيِّبا به حكم أنوي نسخها للخطاط البارع عبد الحق؛ يكتبها بخط عربي جميل على ورق ملون ويترجمها، ثم يعرضها للبيع في حي البائسين السياحي. خرجتُ من أجل ما خرجت وأنا مبطن حاجات أخرى لا أبغي كشفها حتى لا يُشمت بي. مرة دخلتُ مقر الجمعية، وعند المغادرة حملت معي فوما يفتقده مطبخي، ومشروبا غازيا. خرجت هذه المرة ناويا أخذ ما أحتاج إليه لانعدامه في المطبخ، ولفراغ جيبي من مال أشتريه به، أنوي حمل أي شيء لاستعماله أو بيعه عدا قنينات جالبات للعنات. دخلت المقر وانهمكت أنسخ الكُتيِّب وأحاول طبع ما حملت في الديسكيت، وعندما انتهيت وكنت قد أحكمت قفل الباب حتى لا يقتحم علي أحد فيفاجئني؛ نزلت ثلاث درجات وجبت القاعة، ثم دخلت المطبخ غير الجاهز.. مطبخا سُيِّج بلوح خشبي في طول وعرض خمسة أمتار مربعة، وُضعت فيه الثلاجات ولوازم الطهي وأواني الطعام والشراب... حال بيني وبين تبين تغييرات حاصلة فيه رؤيتي لزيت المائدة، استمالني إليه لفراغ مطبخي منه، ولحاجتي الملحة إليه، كانت قنينتان مستعملتان. رفعت رأسي أفكر في أخذ واحدة منها ففاجأتني أقفال وسلاسل سُدّت بها أبواب الثلاجات.. لقد تبينوا أخذي للثوم وقمينة فانتا. تبينوا سرقتي في المرة الفائتة لرأسين ونصف الرأس من الثوم ومشروبا غازيا، فغضبتُ لذلك بعدما أحسست الإهانة، وهمت بالخروج لولا كتابة لافتة على ورقة فوق صندوق استوقفتني تقول: Favor No Tocar Por، رددتها ومزجتها بالسب والشتم، أهمهم بها عربيا وعجميا، دُرتُ في القاعة مثل خذروف ضرار أردد: من فضلك لا تمسµ، وأعيدها مع همهمات لا تبين لها تراكيبها. خرجتُ أسبّ وأشتم ولا أدري إن كنت لصّاً حقيقيا أم لا؟ غضتُ في الماضي لوّاما لأبي عبديل وحاشية أبي عبديل على تفريطهم في غرناطة. انحدرتُ في الحي أجر المهانة بقدمين تنوءان بها. انحدرتُ أجرها في بلاد لم تعد لي، وهي بلادي.

....................

بيانات عن صاحب الكتاب

محمد محمد البقاش أديب باحث وصحافي من مواليد طنجة سنة 1954. عمل مدير ورئيس تحرير مجلة (الجيرة) التي كانت تصدر في طنجة، وتوقفت بسبب انشغالاتها في طباعة الكتب الثقافية التي تخرجها على شكل سلسلة. عمل رئيسا للقسم الثقافي بمجلة (المهاجر)، و جريدة (صوت المهاجر) اللتين كانتا تصدران في غرناطة بإسبانيا... أستاذا محاضرا في المؤسسات الثقافية بغرناطة في المعهد الأوروعربي، والكليات منها محاضرة عن الإرهاب في كلية العلوم السياسية بغرناطة بتاريخ: 14 / 12 / 2001 . حاضر في المؤسسات الثقافية بطنجة منها محاضرة خاصة للأساتذة الإسبان الذين يقدمون من شتى المدن الإسبانية يتطوعون في جمعية الأمل المغربية لتعليم اللغة الإسبانية.. كانت المحاضرة عن الهجرة السرية في المعهد الوطني للعمل الاجتماعي INAS بتاريخ: 13 غشت سنة 2008م بمناسبة صدور كتابه الهجرة السرية (مجموعة قصصية) مترجما إلى اللغة الإسبانية في نفس السنة. ومحاضرة عن الأدب الممدري في غرفة التجارة والصناعة والخدمات بطنجة في: 13 مارس 2009. عمل معدا ومقدما لبرنامج: دنيا المرأة، وبرنامج: أدبيات بإذاعة مدي أنطر (إذاعة المنار اليوم) ببروكسيل سنة 1987 – 1988. وأستاذا بالمدرسة العربية ببروكسيل سنة 1987 – 1988 . ومعلقا سياسيا بإذاعة ميدي 1 ببروكسيل سنة 1987 – 1988. فاز بجائزة أحسن رسالة صحفية بجريدة الشرق الأوسط سنة 1988 . فاز بجائزة المربد للقصة القصيرة سنة 2006. فاز بجائزة ناجي نعمان للإبداع سنة 2007. منحت له مطلع سنة 2009 الدكتوراه الفخرية وهي درجة تمنحها الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب للشخصيات العربية التي قدمت إسهامات بارزة في ميادين الترجمة والعلوم اللغوية واللغة العربية والثقافة والإبداع، وذلك بهدف تكريم وإبراز الشخصيات الأكثر عطاءً وإبداعا وتأثيرا في حركة الثقافة العربية. نشرت له أعمال بكل من جريدة الشرق الأوسط، والسياسة، والحياة الجديدة، وحق العودة، ومجلة الناقد، والمهاجر، والوعي، ومعظم الصحف المحلية والجهوية الصادرة في طنجة.. ـ يعمل حاليا مدير سلسلة الكتب الثقافية لمنشورات مجلة الجيرة. ـ يعمل رئيس جمعية الجيرة للتفاعل الثقافي. ـ مدير ورئيس تحرير طنجة الجزيرة ( جريدة إلكترونية ). نشرت للمؤلف الكتب التالية ـ1ـ تائية الانتفاضة. (ديوان شعر بقصيدة واحدة في ألف بيت) الطبعة الأولى سنة 1998. والطبعة الثانية 2002. ـ2ـ الكلام الذهبي. (مجموعة حكم) الطبعة الأولى سنة 1998. والطبعة الثانية 1999. ـ3ـ حكومة الجرذان . (قصة بالكاريكاتير للأطفال) الطبعة الأولى سنة 1998. ـ4ـ الديك المترشح. (قصة بالكاريكاتير للأطفال) الطبعة الأولى 1998. ـ5ـ الهجرة السرية (مجموعة قصصية) الطبعة الأولى سنة 1998 والطبعة الثانية سنة 2003 والنشرة الإلكترونية الأولى وقد صارت فيها المجموعة من الأدب المَمْدَري سنة: 2007 والطبعة الأولى بالإسبانية سنة:2008. ـ6ـ انتفاضة الجياع (رواية) الطبعة الورقية الأولى سنة 1999، والنشرة الإلكترونية الأولى 18 فبراير 2008م، وقد صارت من الأدب المَمْدَري. ـ7ـ التفكير بالنصوص. (بحث أكاديمي) الطبعة الأولى سنـة: 1999. ـ8ـ وجـه العـالم في القـرن الحادي والعشرين. (دراسة مستقبليـة للمؤسسات الدولية المالية والاقتصادية والسياسية) الطبعة الأولى سنة 1999. ـ9ـ الإعلام والطبيعة. (الجزء الأول) الطبعة الأولى سنة 2001. ـ10ـ الأقصوصة الصحفية (تقنية الكتابة والبناء) منشورات المهاجر غرناطة فبراير 2002. ـ11ـ الليالي العارية (أقصوصات صحافية) الطبعة الأولى سنة 2008. ـ12ـ ظلال الطفولة (مجموعة قصصية من الأدب المَمْدَري للصغار والكبار) النشرة الإلكترونية الأولى نوفمبر سنة: 2008، والنشرة الورقية الأولى 2009. ـ13ـ طنجة الجزيرة (رواية من الأدب المَمْدَري) الطبعة الورقية الأولى: 2009. ـ14ـ نساء مستعملات (رواية من الأدب المَمْدَري) الطبعة الورقية الأولى 2010. وله أعمال جاهزة، تنتظر دورها في الطباعة مثل: النظرية المَمْدَرية (في الفكر والأدب والفلسفة..) والإعلام والطبيعة (الجزء الثاني) والألق المتمرد (شعر). للاتصال بالمؤلف العنوان بالمملكة المغربية: محمد محمد البقاش حي الزودية ـ زنقة : 10 ـ رقم : 16 ـ طنجة ـ المغرب. Mohammed Mohammed Bakkach Quartier: Zaoudia – Rue 10 - N: 16 Tanger – Maroc. Site : mohammed_bakkach_(at)_hotmail.com Asociacion.aljyra_(at)_hotmail.com الهاتف النقال: 212671046100 +www.tanjaljazira.com www.bakkach.c.la www.aljyra.c.la Email: mohammed_bakkach_(at)_hotmail.com Asociacion.aljyra_(at)_hotmail.com الهاتف النقال: 212671046100 +>

 

 التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


 : المشاركة التالية



 

   ابحث في الموقع


 

   اصدارات الجيرة


 

   مرئيات

الأحزاب الوطنية قمامة يجب كنسها
التطبيع مع إسرائيل لا مصداقية له وهو باطل وخيانة
من كوفيد -19 إلى كوفيد -20 فإلى أين؟

 

   تسجيل الدخول


المستخدم
كلمة المرور

إرسال البيانات؟
تفعيل الاشتراك

 
 

الأولى . أخبار متنوعة . قسم خاص بالأدب المَمْدَري . القسم الإسباني . الكتابات الاستشرافية في السياسة والفكر والأدب . ثقافة وفنون
كتب وإصدارات . تحاليل سياسية . تعاليق سياسية . بريد القراء . سجل الزوار . من نحن . اتصل بنا

المواضيع والتعليقات المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي الموقع، و إنما تمثل وجهة نظر كاتبيها. ولن يتحمل الموقع أي تبعة قانونية أو أخلاقية جرّاء نشرها.

جميع الحقوق محفوظة © 2009 - 2010 طنجة الجزيرة

تصميم وتطوير شبكة طنجة

ArAb PoRtAl