الرئيسية » مقالات



التطبيع مع إسرائيل يعني تطويع المسلمين للخروج عن تعاليم دينهم ومرتكزات عقيدتهم

بقلم العالم الجليل: عبد اللطيف جسوس

تجتاز الأمة الإسلامية اليوم مرحلة من أسوأ مراحلها وأخطرها على حاضرها ومستقبلها، فرغم ما مر بالمسلمين من أزمات، وما تجرعته في بعض الأحيان من انهزامات ترجع كلها أساسا لابتعادها عن تعاليم وتوجيهات كتاب ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وآله وسلم، فإن الإسلام في نفوس المسلمين حكاما وشعوبا لم يكن قط موضع نقاش أو جدل بوصفه عقيدة وشريعة ينبثق منه نظام حكمهم ومنهاج حياتهم، ولا يتصورون أبدا في دوام كيانهم، وتصحيح مقوماتهم وتصويب مسيرتهم، وتقوية نفوذ وهيبة دولتهم، إلا عبر استمرار ممارسة فريضة الجهاد في سبيل الله، حيث كان المسلمون يشعرون حتى وهم منهزمون أمام أعدائهم بازدراء شديد لهؤلاء الأعداء، وبنفور وبغض متمكن من أنظمة حكمهم، ومن مناهج حياتهم الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية وغيرها في كل مجالات الحياة، لكونها لا تتفق جملة وتفصيلا مع ما تقتضيه تعاليم الإسلام، ومقتضيات الإيمان..
أما أزمة أغلب المسلمين اليوم، فهي أخطر من سابقاتها، وأدهى وأمر منها، ومرجع ذلك أنها تتمثل في إصرارهم على الانحراف عن تعاليم الإسلام وتوجيهاته المعروفة في الدين بالضرورة، انحرافات لم تتوقف عند السلوك فقط، ولكنها تجاوزت ذلك حتى وصلت إلى لتصور، فغزت منطقة العقيدة لكثير منهم الذين تشربوا منذ نشأتهم بثقافات غربية مادية صرفة، وبتقاليد جاهلية، تعاكس وتناقض مبادئ الإسلام بكل تعاليمه وقيمه، كما تتناقض مع عقيدته ومنظوره الرباني في مختلف مجالات الحياة، وما تلزمه عقيدته من مواقف واضحة وثابتة في مواجهة أعدائه، وكيفية معاملتهم في السلم والحرب وفق قواعده الشرعية التي لا تتغير في كل زمان ومكان طبقا لآيات الله المحكمات في كتابه الكريم، ووفقا لما بينته سنة رسول الله صلى اله عليه وآله وسلم قولا وتطبيقا.

انفصام في منطقة العقيدة

لكن اليوم نتيجة للتصدع والاهتزاز الذي أدى إلى انفصام في منطقة العقيدة لدى كثير من (المسلمين) المتغربين المتأمركين والمتمركسين، فقد أصبحت أحوال هؤلاء طبعا وحتما على غير حال مسلمي سلفنا الصالح رضوان الله عليهم الذي كان لا يفارقهم شعورهم الإسلامي، وحسهم الإيماني بأنهم الأعلون وإن كانوا مهزومين على صعيد المعركة العسكرية، ((وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين)) آل عمران، الآية: 139.
ذلك لأن الاعتزاز بالإسلام، والاستعلاء بالإيمان هو الذي كان يكيف حياتهم ويضبط سلوكهم ويثبت أقدامهم، ويجعلهم في حصن منيع من الاضطراب في الفكر والخذلان في العمل، أو الزيغ عن النهج القويم، والخروج عن الصراط المستقيم فيملي عليهم قراراتهم ويجمع كلمتهم جاعلا من شعوبهم ولو تباعدت ديارهم صفا واحدا كالبنيات المرصوص يشد بعضه بعضا، فيوحد مواقفهم في أصعب الظروف وأخطرها فتكون دائما متسمة بعزة المؤمنين، وبكرامة وشرف المسلمين فتمنعهم مقتضيات عقيدتهم من الاستسلام للأعداء مهما صالوا وجالوا وتكالبوا عليهم، بل يجعلون من انتصار الأعداء عليهم أبلغ موعظة، وخير درس للاعتبار، ويردون ما أصابهم من هزيمة لأنفسهم مستحضرين جواب الله تعالى في مجال المسؤولية عن تفويت النصر والوقوع في الهزيمة: ((أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) آل عمران، الآية: 165. فيدركون بذلك أن الخلل فيهم، وأن التقصير والتفريط منهم، وأن لا لوم إلا على سوء تصرفهم بما أعرضوا عن تربية الإسلام، وما عطلوا من تكاليف الإيمان، فيسارعون إلى مغفرة من الله بمحاسبة نفوسهم، مقلعين عن ذنوبهم، وتائبين إليه سبحانه وتعالى توبة نصوحا عما كسبت أيديهم، يعدون للأعداء ما استطاعوا من قوة، ولا يلتمسون العون والنصر إلا من الله، ولا يستعينون إلا به، ولا مكان في مجال إيمانهم بالله في الاستعانة بالأعداء على الأعداء، لا يغفلون لحظة عن أمره تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)) المائدة، الآية: 51.
وبذلك لا يسالمون العدو لحظة، ويرفضون أي ابتعاد عن مقاتلته جهادا في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كغروت السفلى، ( وكلمة الله هي: الالتزتم بتطبيق ضرعهـ والامتثال عند أمره ونهيه ) ولا هيار لهم بين أمرين لا ثالث لهما: إما نصر وظفؤ، أو الشعادة في سبيل الله التي يتمناها ويحرص عليها كلكسلم صادق الإيمان ليختم بها الله أجله في هذه العاجلة ابتغاء الله ورسوله والدار الآخرة، فيكون جواب المؤمنين دائما وأبدا لمن يقاتلهم هو قوله تعالى: ((قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ)) التوبة، الآية: 52.
فسلفنا الصالح رضوان الله عليهم ـ بحقيقة إسلامهم ـ وصدق إيمانهم الذي جعل من حبهم لله ولرسوله وللجهاد في سبيله أسمى مراتب الحب تفوق محلة الآباء والأبناء والأزواج والأموال، وكل ما تركن إليه النفس من أحوال، هو الذي حقق لهم النصر من الله بعد أن أصاخوا لإنذار الله وهو يقول للمسلمين في كل زمان ومكان: ((قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)) التوبة، الآية: 24.
وبذلك آثروا حب الله ورسوله والجهاد في سبيله على كل ما تحبه قلوبهم، وتهواه نفوسهم، وتميل إليه شهواتهم، فخرجوا عن ذلك كله طيبة نفوسهم، راضية قلوبهم، مستبشرين ببيعهم الذي بايعوا الله به عندما قال سبحانه وتعالى للمؤمنين في كل زمان ومكان: ((إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) التوبة، الآية: 111.
ولنتذكر بوعي وتدبر ما قاله صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد نزول هذه الآية: (( ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل )) فاستبشروا بالتزامهم هذا البيع، وسعدوا بهذا العهد من الله، وآمنوا بأن هذا البيع  هو الطريق الوحيد الذي جعله الله يؤدي بمن سلكه من المؤمنين إلى العز، والنصر، والسيادة والتمكين في الدنيا والدين، وهو وحده الذي يقود إلى الفوز العظيم في هذه العاجلة وفي الدار الآخرة.
هكذا كان حال سلفنا الصالح ـ رضوان الله عليهم ـ في مواجهتهم للهزيمة وتحليلهم وتقييمهم لها انطلاقا من تعاليم الإسلام ـ وإيجابيات الإيمان ـ فيحولونها إلى انتصارات باهرة على الأعداء بعدما يقومون بتجديد أمر دينهم والحرص على تطبيق شريعتهم ككل في جميع مجالات الحياة التزاما ووفاء بعهد البيع مع الله تعالى الذي كفل لهم النصر على عدوهم ما استقاموا على شريعة الله، والتزموا بمنهاج الله، وأعدوا كل ما استطاعوا من قوة لمقاتلة أعدائهم تنفيذا لأمر الله.
أما أغلب الخف قادة وشعوبا المتجلي اليوم في كثير من المتغربين الذين اكتفوا من الإسلام بالاسم فقط دون التزام بشريعته، ولا انقياد لتعاليمه، ولا انضباط مع أحكامه وفق ما خطط لهم الغرب الصليبي الحقود، والعداء اليهودي الصهيوني العالمي الخبيث الذي حتى غزا أفكارهم، وزلزل عقيدتهم وجردها من فعاليات الإيمان، فتصدعت وانفصمت، وصارت لا ترى الحق حقا لتتوحد على إتباعه، ولا الباطل باطلا لتتفق على اجتنابه، وتناقضت بذلك مع ما نصت عليه في دساتيرها بأن الإسلام دين الدولة عندما لم تطبق في واقع أمرها شيئا من أحكام الإسلام وقواعد سياسته الشرعية، ولم تسلم في سياستها ونظام حياتها إلا ما يخدم مصالح الغرب مما يجعل أغلب الدول العربية والإسلامية تعيش تحت هيمنة السياسة الغربية، ويتمثل فيها أمة الاستهلاك مما ينتجه الغرب رغم غناها الذي لم تحسن إدارته، ولا التصرف فيه، بينما الغرب يرفع من صناعاته، وإنتاجاته بما يستورده من ثروات نفطية وغيرها من مختلف البلاد العربية والإسلامية كسلاح مدمر يشهره في وجهها كلما دعت مصلحته الاستعمارية إلى ذلك ليبقى العالم العربي والإسلامي ـ بطريقة أو أخرى ـ ينقتاد للفكر الغربي ـ اليهودي ـ انقيادا في كل ما يخطط ويبرمج له في كل المجالات سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا وغير ذلك ليتم ارتباطه به في جميع مناحي حياته، يدور في فلكه حيثما دار، ويعمل بكل آلياته لتنفيذ ما يرسم من قرار.
ومن أخطر ما قرر الغرب بزعامة وقيادة أمريكا وحلفائها تطبيع علاقات الأمة العربية والإسلامية مع إسرائيل إمعانا في إذلال العرب والمسلمين دونما أي اعتبار للقيم الإسلامية ومقدسات الأمة استخفافا بعقيدة وشريعة أمة القرآن ـ في محاولة يائسة ـ تستهدف تطبيع الهزيمة في نفوس المسلمين وفكرهم، وترسيخ التبعية والانقياد لغيرهم ليهون عليهم الخروج عن تعاليم دينهم ومرتكزات عقيدتهم.
((... وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)) يوسف، الآية: 21.
وحسبنا الله ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين.





 

 التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


  المشاركة السابقة : المشاركة التالية

إضافة تعليق سريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *
 
TO  cool  dry 
عربي  mad  ohmy 
huh  sad  smile 
wub 

طول النص يجب ان يكون
أقل من : 30000 حرف
إختبار الطول
تبقى لك :



 

   ابحث في الموقع


 

   اصدارات الجيرة


 

   مرئيات

دعوة إلى الانتقال إلى قناة الإشراق الفكريwww.youtube.com/@MohammedBakkach
https://youtu.be/upfd4wHdEoo
أيهم أولى بالتعديل مدونة الأسرة؟ أم مدونة المجتمع؟ أم مدونة الدولة؟

 

   تسجيل الدخول


المستخدم
كلمة المرور

إرسال البيانات؟
تفعيل الاشتراك

 
 

الأولى . أخبار متنوعة . قسم خاص بالأدب المَمْدَري . القسم الإسباني . الكتابات الاستشرافية في السياسة والفكر والأدب . ثقافة وفنون
كتب وإصدارات . تحاليل سياسية . تعاليق سياسية . بريد القراء . سجل الزوار . من نحن . اتصل بنا

المواضيع والتعليقات المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي الموقع، و إنما تمثل وجهة نظر كاتبيها. ولن يتحمل الموقع أي تبعة قانونية أو أخلاقية جرّاء نشرها.

جميع الحقوق محفوظة © 2009 - 2010 طنجة الجزيرة

تصميم وتطوير شبكة طنجة

ArAb PoRtAl