الرئيسية » تحاليل سياسية



مجلس الأمن عنصري ووسيلة لاستحمار الشعوب

 

قبل التطرق إلى ما فعلته روسيا في مجلس الأمن اليوم باستعمال الفيتو لا بأس من إلقاء نظرة تاريخية على هذا المجلس.

نعلم جميعا أن الحرب العالمية الأولى قد أفرزت عصبة للأمم واستمرت إلى غاية الانتهاء من الحرب العالمية الثانية فظهرت بعدها هيئة الأمم المتحدة وهي امتداد لعصبة الأمم، وقد كان في الحرب العظمى الأولى دولة الخلافة وكانت مقصودة بالهدم فنجح الغرب في هدمها سنة 1924م بعد التمهيد لذلك عن طريق فرنسا وبريطانيا في التوطئة بسايكس بيكو، ثم فسح له المجال لتشريع القانون الدولي المسيحي واستمر الغرب يعدِّل فيه ويعدِّل إلى أن اطمئن على تمزيق الشعوب العربية والإسلامية وإقامة كيانات تحكمها وكلها عميلة للغرب دو استثناء ولو أن بعضا منها قد حمل لون الاشتراكية كعبد الناصر مثلا.

والمشهد السياسي الذي أفرزته الحرب العالمية الثانية هو هزيمة هتلر وحلفاؤه كموسوليني، وبهزيمة الحرب تم إفراز منتصرين ومنهزمين، والمنتصرون هيمنوا على العالم وتقاسموا النفوذ فيه وبرز أكثر المستفيدين؛ الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي، صحيح أن غيرهما قد كانا في المشهد السياسي ولا يزالون كالصين وفرنسا وبريطانيا، والمهم في هذا المشهد ما أفرزه من عنصرية تمتلك حق النقض ويُحْرم منه كل العالم، بل إن اليابان وألمانيا لا تزالان تعانيان من آثار نتيجة الحرب العالمية الثانية، فهم محرومون من التسلح الذي يرقى إلى مستوى التسلح عند أصحاب الفيتو، والعالم العربي على وجه الخصوص لا يزال تحت الاستعمار الاقتصادي والسياسي ومنه من عاد إلى الاستعمار العسكري كالعراق وسوريا..

واليوم وبعد جريمة بشار الأسد في مدينة خان شيخون السورية وهي مسبوقة بمجازر كيماوية فاقت العشرين منذ سنة 2013م، وضربة أمريكا التي كانت تمثيلية لأنها أفرزت 7 قتلى سقطوا بواسطة 50 صاروخ توماهوك الشيء الذي يؤكد التمثيل الخبيث الذي تلعبه أمريكا وروسا، ثم ظهرت تصريحات تصعيدية من طرف روسيا يفهم منها الاختلاف على إدارة الملف السوري علما بأنه تمثيل مجرد تمثيل القصد منه الحفاظ على ماء وجه بوتين، ثم ذهب وزير الخارجية الأمريكية إلى روسيا للقاء ببوتين ولكن بوتين امتنع عن الالتقاء به الشيء الذي لم يكن يفعله مع كيري أيام حكومة باراك أوباما، وكل ذلك يُظْهر التصعيد من جهة، ويظهر من جهة أخرى عنصر التوافق في الأدوار التي يلعبونها في سوريا إلى أن جاء وقت التصويت على مشروع قرار يتعلق بالسلاح الكيماوي الذي استعمله بشار في بريف إدلب في خان شيخون، والقرار عند تأمله يتبن أنه قرار تافه لأنه يماطل ويشارك في الجريمة ولم لا مادا يسعى إلى التحقيق في المجزرة وكأن المجزرة جديدة وغير مسبوقة.

لقد ذهبت أمريكا إلى العراق لضربه دون الرجوع إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ولكنها حين تريد تصحيح المسار والتغطية على الأخطاء التي اقترفها المجرمون الأمريكان يسعون إلى التعاون والاستفادة من الحلفاء ولا ضير ولا خوف لأن منطقتنا في الشرق الأوسط تحديدا من المجال الحيوي للولايات المتحدة الأمريكية، وليس للروس فيها أي شيء إلا إذا سمح لهم به وقد حصل، فالولايات المتحدة الأمريكية استعانت بروسيا ولم تزل، وهذه الاستعانة تفرز صورا كثيرة من السلوكيات تتنافى مع ما يتم الإعلان عنه رسميا، وعندها يتم الذهاب إلى ما من شأنه التغطية على العيوب أو استبدال مخطط بمخطط.

وخلاصة القول أن مجلس الأمن مجرد أداة بيد العنصريين والظَّلَمَة يستعملونها حين يريدون أن لا يسود رأي كما هو الشأن الآن، فالذهاب ببشار إلى المحاكمة ليس أوانه، والقول الروسي بأن التخلي عنه يعني مساعدة الإرهاب، والتشديد الأمريكي على رحيل الأسد، والتهديد الإيراني من تكرار القصف على سوريا وما شاكل ذلك كلام مجرد كلام ينتظر نضوج الحل، وحين يأتي أوان الحل فإن نفس المجلس سوف يصوت ليس على الذهاب ببشار إلى المحاكمة فحسب، بل إلى المقصلة ولن يبكي عليه، ولا يقال أن اللجوء إلى مجلس الأمن استهداف للفصل السابع الذي يجيز التدخل العسكري، لا يقال ذلك لأن روسيا تعلم أن سوريا ليست من مجالها الحيوي، فهي إرث استعماري غربي وتحديدا أمريكي، فإذا أرادت أمريكا حسم الموقف لحساب غير بشار فإنها ستسعى إليه في تجاوز تام لروسيا غير أن الأمر ليس بهذه الصفاقة، فالسياسة تقضي أن يلعب كل دوره، وحين يتم التوافق على إخراج الحل (التوافق هنا ليس معناه التوافق بالمعنى اللفظي، بل معناه التفرد بالحل والدفع به إلى التطبيق عن طريق إشراك وكيل عاهر هو الأجير الرخيص بوتين) عندها تصنع ظروف الحل ولا بأس حينئذ أن تمتنع روسيا عن التصويت، هذا إذا  تقرر الذهاب إلى مجلس الأمن، أما إذا لم يتقرر ذلك فإن الحل سيأتي بعيدا عن مجلس الأمن كما حصل في العراق مثلا، صحيح أن الحصار والنفط مقابل الغذاء قد كان في الأمم المتحدة وقد أفضى إلى قتل مليوني طفل عراقي، ولكن الهجمة الوقحة على الشعب العراقي واحتلاله عسكريا أتى دون الرجوع إلى أي كان إلا من جهة الاستعانة بإيران وشيعة العراق.

هذا هو مجلس الأمن ولا يختلف هذا المجلس اللئيم عن الأمم المتحدة التي يبدو أنها أوسع من مجلس الأمن، فهي نفسها تافهة وهي أداة للاستعمال من طرف نفس العنصريين وتحديدا هي عبارة عن ملحق بالخارجية الأمريكية، وإذا استغلها غيرهم كما هو الشأن العربي مثلا في موضوع فلسطين فإن النتيجة دائما وأبدا مربوطة بإرادة العنصريين في مجلس الأمن، ولا يختلف مجلس الأمن عن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وغيره من المؤسسات الغربية الخبيثة، كل هذه المؤسسات وضعت لاستحمار الشعوب واستغلالها وإبقائها تحت الهيمنة والسيطرة، وعليه فالحر الأبي لا يمكن أن يقبل بوجودها فكيف يقبل بالمشاركة فيها؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد محمد البقاش أديب مغربي

طنجة في: 12 أبريل 2017م

 

 

 

 التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


  المشاركة السابقة

إضافة تعليق سريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *
 
TO  cool  dry 
عربي  mad  ohmy 
huh  sad  smile 
wub 

طول النص يجب ان يكون
أقل من : 30000 حرف
إختبار الطول
تبقى لك :



 

   ابحث في الموقع


 

   اصدارات الجيرة


 

   مرئيات

تجاهل الآخر
حوار مع محمد محمد البقاش
حركة 20 فبراير - محمد محمد البقاش

 

   تسجيل الدخول


المستخدم
كلمة المرور

إرسال البيانات؟
تفعيل الاشتراك

 
 

الأولى . أخبار متنوعة . قسم خاص بالأدب المَمْدَري . القسم الإسباني . الكتابات الاستشرافية في السياسة والفكر والأدب . ثقافة وفنون
كتب وإصدارات . تحاليل سياسية . تعاليق سياسية . بريد القراء . سجل الزوار . من نحن . اتصل بنا

المواضيع والتعليقات المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي الموقع، و إنما تمثل وجهة نظر كاتبيها. ولن يتحمل الموقع أي تبعة قانونية أو أخلاقية جرّاء نشرها.

جميع الحقوق محفوظة © 2009 - 2010 طنجة الجزيرة

تصميم وتطوير شبكة طنجة

ArAb PoRtAl