الرئيسية » تعاليق سياسية



سخافة الاستفتاء على الدستور في تركيا

 

اليوم يجري استفتاء في تركيا بشأن تعديل في الدستور يشمل ثمانية عشر فصلا أهمها إلغاء الحكم البرلماني والانتقال إلى الحكم الرئاسي، والاستفتاء على الدستور يشمل 50 مليون تركي بـ 81 محافظة تركية و31 معبرا حدوديا كما يشمل أتراك ألمانيا وهولاندا وفرنسا..

وإذن فإن بيت القصيد؛ في هذا الفصل الهام الذي ينظر إليه معارضوه من العلمانيين واليساريين بأنه سوف يهيئ الظروف لحكم الفرد الواحد، ويرى فيه آخرون خصوصا من العدالة والتنمية رافعة للنهضة في شتى المجالات.

مساكين من يخشون من العدالة والتنمية، مساكين من لا يرون في حزب العدالة والتنمية حزبا علمانيا، مساكين من لم يدركوا أن دستور تركيا وقوانينها وحتى ما سيأتي من خلال الاستفتاء كلها غير منبثقة عن العقيدة الإسلامية الشيء الذي يضفي عليها طابعا علمانيا.

إن حزب العدالة والتنمية يريد الانتقال إلى الحكم الجمهوري نظرا لما يجده من عراقل في طريقه، فالشكل البرلماني المعتمد في تركيا يجعل إلى جانب رئيس الجمهورية رئيسا للوزراء، وتكون صلاحية الحكم في الشكل البرلماني لمجلس الوزراء وليس لرئيس الجمهورية مثل جمهورية ألمانيا، والانتقال إلى النظام الجمهوري غير البرلماني يجعل لرئيس الجمهورية صلاحيات رئيس الدولة ورئيس الوزراء ولا يجعل معه مجلسا للوزراء بل يجعل معه وزراء تتشكل بهم الحكومة ولكنها لا تملك صلاحيات إلا من خلال رئيس الجمهورية كالولايات المتحدة الأمريكية.

والحقيقة أن حزب العدالة والتنمية يريد من خلال ذلك أن يفرض ما يريد مما تتم عرقلته من طرف البرلمان التركي، والسؤال الكبير هو:

هل حقا أن حزب العدالة والتنمية يسعى فعلا إلى اعتماد شكل من أشكال الحكم لا يوجد أفضل منه؟

هل يسعى بذلك إلى التمكين للحضارة الإسلامية والشريعة الإسلامية؟

أولا يجب أن نعي على أنظمة الحكم في العالم ونقارن بينها وبين نظام حكم فريد لا ترقى جميع أنظمة الحكم قديما وحديثا إلى مستواه في تحقيق العدل والتنمية والكرامة الإنسانية.. فنظام الحكم الديمقراطي قال عنه رئيس وزراء بريطانيا في الحرب العظمى الثانية ونستون تشرشل قائلا: ((إن أسوأن أنظمة الحكم في العالم هو نظام الحكم الديمقراطي)).

يجب أن نقارن بين جميع أنظمة الحكم في العالم وبين نظام الحكم في الإسلام، فغيره من الأنظمة عبارة عن أشكال لنظام حكم واحد هو حكم الإنسان العاجز الناقص المحتاج والمحدود الذي لا يمكنه أن يستغني بذاته، وعليه ما ينتجه يتبع حتما صفاته.

إن أنظمة الحكم في العالم هي النظام الرئاسي كالذي تعتمده فرنسا بحيث يملك الحكم رئيس الجمهورية ومرد كل شيء فيه إلى الشعب فالسيادة للشعب وسن القوانين للشعب وهكذا، والنظام الرئاسي الوزاري كالذي يوجد في إسرائيل بحيث يملك الحكم رئيس الوزراء ولو كان في الدولة ملكا كإسبانيا، والنظام الملكي بحيث يملك الملك الحكم ويورثه لأبنائه ويجعل الملك شخصا مقدسا ويعطيه امتيازات ليست لسائر أفراد الرعية ويجعله فوق القانون كالسعودية والأردن والمغرب.. والنظام السلطاني بحيث يملك الحكم السلطان ويورثه كما في عمان، والأميري كما في قطر والإمارات..

وجميع هذه الأنظمة تلتقي في كونها رئاسة عامة لكل الذين يحيون ويعيشون في البلد أو الدولة التي يوجد بها شكل من أشكال الحكم تلك، وإذا نظرنا إلى الإسلام نجده يعتمد هو أيضا نوعا من أنواع الحكم وهو الخلافة وهي رئاسة عامة لكل المسلمين وليس لشعب مسلم دون آخر وهذا يقضي أن تُجْمع تلك الشعوب في دولة واحدة وتستظل بظل حكم واحد، والحكم في الدولة الإسلامية لا يخص الخليفة بأي امتيازات أو يجعل له حقوقا خاصة، فليس له إلا ما لأي فرد من أبناء الأمة وليس هو رمزا للأمة يملك ولا يحكم كما في الملكيات الأوروبية، ولا هو يملك ويحكم ويتصرف بالبلاد والعباد كما يرى ويتشهّى، بل هو مُقَيَّدٌ في التصرف في كل شيء؛ بشرع الله، هذا هو الشكل لنظام الحكم في الإسلام والأهم فيه ليس شكله بل مضمونه الذي جاء من عند الله تعالى، وهنا تحصل المفارقة العظيمة بينه وبين جميع أنظمة الحكم بحيث يتفرَّد ويتميَّز عن غيره بكونه جاء من الذي لا يخطئ ولا يصيبه عجز ولا يلحقه احتياج الشيء الذي ينتج الكمال في الأنظمة والتناسق في التشريعات لأنها قد سُنَّت من طرف الذي خلق الإنسان وغرز فيه غرائز وحاجات عضوية لا بد من إشباعها فجاء الإشباع بقوانين من شريعة سمحة منسجما تماما مع فطرته الشيء الذي يستحيل أن يحققه نظام حكم غيره كيفما كان شكله ونوعه، فهل هذا النوع من الحكم هو الذي يسعى إلى تحقيقه حزب العدالة والتنمية في تركيا؟ كلا، وعليه فمن التفاهة أن تُعطى أهمية لذلك الاستفتاء من طرف الشعب التركي مادام بعيدا عن تحقيق العدل والتنمية والكرامة الإنسانية، ولا يقال أن أنظمة الحكم  الديمقراطية مثلا تحقق ذلك، لا يقال ذلك لأن تحقيقها يأتي وفق مقياس بشري يخطئ حتما، وفي الخطأ وقوع الظلم الاقتصادي والسياسي والتعليمي والاجتماعي وعلى مستوى الحكم والداخلية والخارجية.. ولذلك لا يُستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير وقد اسْتُبْدِل للأسف، وحتى الذي يسعى إلى إيجاده في واقع الحياة يُستهدف أيضا بالحرب والنعوت المغلوطة كأن يقال عنه أنه إرهابي وكأن المُسْتَهْدِف لا تضطره أمعاؤه إلى الذهاب حيث تعرف حضرة القارئ المحترم، فمن كان بهذه الصفة الدونية كيف ينصب نفسه إلها يشرع للناس ويضع لهم الأنظمة؟، وكيف يحارب الذي يسعى إلى تحكيم شرع الله؟ كيف يعمى ويتعامى الذين يحاربون الحضارة الإسلامية وهي سكة معبده تؤدي إلى سعادة الدنيا والآخرة؟ كيف يستميت المضبوعون في محاربة الله ورسوله ويحولون بين حضارة الإسلام ويستبدلونها بالحضارة الغربية التي هي مصنع يتم فيه مسخ الإنسانية، أو بأخرى اشتراكية وهي عبارة عن عربة يجرها خنزير أعمى؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد محمد البقاش أديب مغربي

طنجة في: 16 أبريل 2017م

 

 التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


  المشاركة السابقة

إضافة تعليق سريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *
 
TO  cool  dry 
عربي  mad  ohmy 
huh  sad  smile 
wub 

طول النص يجب ان يكون
أقل من : 30000 حرف
إختبار الطول
تبقى لك :



 

   ابحث في الموقع


 

   اصدارات الجيرة


 

   مرئيات

تجاهل الآخر
حوار مع محمد محمد البقاش
حركة 20 فبراير - محمد محمد البقاش

 

   تسجيل الدخول


المستخدم
كلمة المرور

إرسال البيانات؟
تفعيل الاشتراك

 
 

الأولى . أخبار متنوعة . قسم خاص بالأدب المَمْدَري . القسم الإسباني . الكتابات الاستشرافية في السياسة والفكر والأدب . ثقافة وفنون
كتب وإصدارات . تحاليل سياسية . تعاليق سياسية . بريد القراء . سجل الزوار . من نحن . اتصل بنا

المواضيع والتعليقات المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي الموقع، و إنما تمثل وجهة نظر كاتبيها. ولن يتحمل الموقع أي تبعة قانونية أو أخلاقية جرّاء نشرها.

جميع الحقوق محفوظة © 2009 - 2010 طنجة الجزيرة

تصميم وتطوير شبكة طنجة

ArAb PoRtAl