الرئيسية » مقالات


فاسفة الإسلام بخصوص الخلافة

الثلاثاء 27-02-2018 01:38 صباحا


فلسفة الإسلام بخصوص الخلافة:

الخلافة هي قيام الشيء مقام الشيء، والحكم لله تعالى، وقد جعله الله للخلق  على العموم بقوله ﷺ: «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ  مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ» رواه مسلم عن أبي  سعيد الخدري، مصداقا لقوله تعالى ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي  الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ يونس 14، أي أن تطبقوا أحكام الله، ومنهج الله فيما بينكم وعلى أنفسكم في كل شأن، والخلافة على الخصوص في الحكم، من قبل الحاكم يحكم بما أنزل الله، إذ أن هذا المنهج هو الذي يميز بين أن يكون المستخلف في الأرض مفسدا فيها،  سافكا للدماء، أو أن يكون خليفة يعصمه ذلك المنهج عن ذلك الزلل، ولكي يسود المنهج لا بد أن يسود من خلال دولة، لا مجرد أن يلتزم به أفراد في ظل مجتمع يطغى فيه غير ذلك المنهج!

قال تعالى: ﴿إنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾
قال القرطبي رحمه الله: هذه الآية أصلٌ في نَصْب إمامٍ وخليفة يُسْمَع له ويطاع؛ لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة. 

ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة إلا ما رُوي عن الأصَمّ  حيث كان عن الشريعة أصَمَّ، انتهى، وهذا من دقة علم الإمام القرطبي رضي  الله عنه! وذلك أن الله تعالى أقام السموات والأرض على العدل،  كما في الحديث القدسي عن أبي ذرٍ جندب بن جنادة، رضي الله عنه، عن النبي ﷺ  فيما يروي عن اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﷻ، رَبِّ العِزَّةِ، تَقَدَّسَتْ  أسْمَاؤُهُ أنه قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم  محرماً فلا تظالمو»،

فقد حرم الله الظلم على نفسه، وحرمه على  العباد وأنزل الشرع، والمنهج الذي يضمن أن لا يدخل الجور في ملكوت السموات  والأرض، فجعلَ الانسانَ خليفةً ليقيم النظام الذي يقيم العدل، ويمنع الجور، ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ  الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ 25 الحديد، فجعل السلطان للأمة تنيب عنها حاكما يحكمها بشرعة ربها، كما استقر من الاستنباط من أصول نظام الحكم في الإسلام،  فالخليفة المذكور هم المؤمنون المتبعون لشرعة الله تعالى في ما أمرهم  القيام به من أوامر في حياتهم، المقيمون لمنهجه فيهم، كما أسلفنا، 

فإن قيام المنهج في الأفراد لا يقيمه في المجتمع، وإذا لم يقم في المجتمع لم يتحقق احتكامهم إليه ، ولم يتحقق العدل، لذلك اقتضى الأمر قيام المنهج في الأفراد والمجتمع والدولة، وحيث أن جل هذه الأحكام تطبق من خلال الدولة، فالناس يبايعون عليها خليفة يقيمها فيهم، فكان جَعْلُ الخليفة الحاكم هو  أيضاً معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي  جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، أي الذي به يتحقق معنى الاستخلاف  تحققا يفضي للمقصد من ذلك الاستخلاف، مما تدل عليه  الآية كما استنبطها  القرطبي، لذلك سألت الملائكةُ ربَّ العزةِ سبحانه وتعالى: ﴿قَالُواْ  أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ خليفةً؟ فقال الحق تعالى مجيبا: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾،

وليس من معنى لأن يكون الخليفةُ كناية عن الانسان يفعل ما يشاء، فلو كان  ذلك كذلك، لتحقق معنى استنكارهم: ﴿قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ  فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾، أما وقد أجابهم رب العزة قائلا: ﴿إِنِّي  أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ففيه معنى أنه لم يجعله خليفة لسفك الدماء،  والإفساد، ومن هذا نستثني من الاستخلاف من يتبع أي منهج يفضي للإفساد وسفك  الدماء، وهذا حال كل منهج قام على تشريع الناس، وأهوائهم، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾ 71 المؤمنون،
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا  تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ 18 الجاثية، فغير شريعة الله اتباع لأهواء المشرعين، ويفضي للإفساد في الأرض،
لذلك فالخليفة المشار إليه هو الذي يقيم منهج الله الذي يضمن إحقاق الحق  والعدل وفقا لشرع الله، بتطبيق شريعته هذا هو الذي استخلفه الله تعالى:  المؤمنون يقيمون شريعته ويبايعون خليفة يطبقها فيهم. وقَالَ ربُّ  العَالمَينَ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ  خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا  تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ 26 ص،

وذلك  تناسبا مع كون الله تعالى أنزل الكتب لتحكم بين الناس بالحق، ﴿كَانَ  النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ  وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ  النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾
فاستخلاف داود عليه السلام وحكمه  بين الناس بالحق كاستخلاف محمد ﷺ وحكمه بين الناس بالحق ﴿وَأَنِ احْكُم  بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ  وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾  49 المائدة،
وهذه فيها خطاب للرسول ﷺ وهو خطاب لأمته، فكان الاستخلاف قياما بأحكام الله تعالى في العباد، وهو أصل في كل تشريع رباني، وكل كتاب نزل من عند الله إنما نزل ليحكم، وكانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء بتلك الكتب والتشريعات الربانية، ثم انتقلت هذه السنة إلى الخلفاء بعد الرسول ﷺ كما في حديث البخاري عن أبي  حازم قال: قاعدتُ أبا هريرة خمس سنين فسمعته يحدث عن النبي ﷺ قال: «كانت  بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي  وستكون خلفاء فتكثر، قالوا ما تأمرنا؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول وأعطوهم  حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم» [رواه مسلم والبخاري وابن حنبل وابن  ماجه]،

فقد نص على أن سياسة الأمة تكون للنبي ﷺ ثم للخلفاء من  بعده، وأمر بطاعتهم والوفاء ببيعتهم، وعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ  أنه قال: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما»،
فأمر بوحدة دولة  الخلافة وجعل من يفرق جماعة المسلمين حلال الدم، روى مسلم في كتاب الإمارة:  «عَنْ عَرْفَجَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَنْ  أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ  عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ».

تقوم أنظمة الحكم على تشريعات وقوانين تبين شكل الدولة وصفتها، وقواعدها وأركانها، وأجهزة الدولة في الحكم والإدارة التي تكوّن الحكومة وتنظم عملها ، وسلطاتها، وتنظيمها السياسي فيما يتعلق بعلاقة الولايات بالمركز وما شاكل، وقوانينها الإدارية،
والأساس الذي تقوم عليه، والقوانين الأساسية الناظمة لها التي تشكل مرجعيتها ومقاييسها، وتفصل في طريقة اختيار الحاكم، وتحدد صلاحيات الحاكم، وطريقة اختياره،
وطريقة تنصيب الخليفة (البيعة)، وأحكام خلو الزمان من مستحق للبيعة، وطريقة عزله، وأحكام الطاعة، وأحكام تعدد الخلفاء، وقتل الخليفة الثاني، وأحكام شق صف المسلمين بإيجاد كيان ثان لهم، وربط بين مفاهيم السلطان، والجماعة، والطاعة ربطا محكما، فالخروج عن الجماعة وعن السلطان خلع لربقة الإسلام من الأعناق،
وثلم ثلمة في الإسلام لا يمكن رتقها، وميتة جاهلية،وتضبط العلاقات بين الراعي والرعية وبين الناس فيما بينهم، ومسؤوليات الدولة الرعوية، وتبين الأفكار والمفاهيم والمقاييس التي ترعى الشؤون بمقتضاها، و"الأساس الفكري الذي يحدد حقوق الأفراد، وينظم العلاقة السياسية بين  الدولة كسلطة تقوم على رعاية شئون الناس، وحماية حقوقهم ورعايتها "،

وتحدد مفاهيم السلطان والسيادة والطاعة وما شابهها، وتحدد الدستور والقوانين التي تطبقها، وتفصل في أحكام الخروج على تلك  الأحكام ، وأحكام حماية الدولة، (التشريعات الجنائية الخاصة بالدولة) وأحكام خروج الرعية على الدولة، وأحكام خروج الحاكم على منظومة القيم التي قامت عليها الدولة،
والخروج على الحاكم حين إظهار نظام آخر غير نظام الإسلام (الكفر البواح)، ودور الأمة والأحزاب في محاسبة الحاكم، وأحكام نصيحة الحكام وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ودورهم في ضمان سيادة منظومة القيم التي قامت عليها الدولة (الأمر  بالمعروف والنهي عن المنكر، مما تفردت به الدولة الإسلامية عن غيرها من  النظم في إقامة المسئوليات على كافة الصعد لضمان بقاء تلك القيم سائدة  وعليا في المجتمع والدولة) وأحكام السلطان والأمان، والسيادة، (أي من هو صاحب القول الفصل فيما يقع من تنازع ونقاش في شتى الأمور ، وبمعنى أن الكلمة العليا في الدولة وخاجها لمن؟)، وأحكام تنظيم الرقابة القضائية على الأعمال الإدارية للدولة، ورقابة قضاء  المظالم، ورقابة نزاهة القضاء،  وما يشكل مجموعُهُ أحكام السياسة الشرعية،  سنجد أن الإسلام حدد هذه كلها بدقة متناهية بأحكام ثابتة في القرآن  والسنة، أي أن الشارع قد أحاط بتفاصيل الأحكام المتعلقة بالدولة،
ولم يترك تفاصيل هذه الأحكام للناس، فالخلافة إذن نظام رباني.

وقد وردت آيات تأمر بتنصيب ولي أمر يستحق الطاعة مقابل تطبيق الشريعة في الأمة، فالأمر بطاعة ولي الأمر أمر بتنصيب ولي الأمر،وقد رتبت الآيات والأحاديث الطاعة بالتزام ولي الأمر بتطبيق الشريعة، فهي طاعة لولي أمر مخصوص لا طاعة لأي حاكم يحكم بالطاغوت كما هم حكام اليوم نواطير الاستعمار أعداء الأمة:

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا  الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ  فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ  وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾.
إلى أن قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى  الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا  أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ  وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ  يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾.
فهذه النصوص تبيّن أن الفكر السياسي الإسلامي يقوم على أساس أن السيادة للشرع وليست لجهاز الحكم، وبناء على ذلك فإن طاعة ولي الأمر وخليفة المسلمين مرتبطة بطاعته لشرع الله تعالى، وقد روى مسلم في كتاب الإمارة عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ ‏ ‏قَالَ  سَمِعْتُ  ‏جَدَّتِي ‏ ‏تُحَدِّثُ ‏‏أَنَّهَا سَمِعَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏ ﷺ ‏  ‏يَخْطُبُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ يَقُولُ ‏ «‏وَلَوْ اسْتُعْمِلَ  عَلَيْكُمْ عَبْدٌ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَاسْمَعُوا لَهُ  وَأَطِيعُوا» فاشترط للطاعة أن يقود بكتاب الله تعالى.
وقد نزلت  آيات تفصيلية في التشريع الحربي والجنائي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي  والمعاملات والقضاء وغيرها، وكلها أُنزلت للحكم بها ولتطبيقها وتنفيذها.

وقد طُبقت بالفعل في الواقع العملي أيام الرسول ﷺ، وأيام الخلفاء الراشدين، ومن أتى بعدهم من حكام المسلمين. مما يدل دلالة واضحة على أن الإسلام نظامٌ محدد للحكم والدولة، وللمجتمع والحياة، وللأُمة والأفراد.كما يدل على أن الدولة لا تملك الحكم إلا إذا كانت تسير وفق نظام  الإسلام. ولا يكون للإسلام وجود إلا إذا كان حياً في دولة تُنفذ أحكامه.
فالإسلام دين ومبدأ والحكم والدولة جزء منه، والدولة هي الطريقة الشرعية  الوحيدة التي وضعها الإسلام لتطبيق أحكامه وتنفيذها في الحياة العامة. ولا  يوجد الإسلام وجوداً حياً إلا إذا كانت له دولة تطبقه في جميع الأحوال، كما  يدل دلالة قاطعة على أن الإسلام حدد بالتفصيل شكل نظام الحكم وتفصيلاته، وطبقها واقعا عمليا في دولة النبوة الأولى في المدينة ومن ثم في دولة  الخلافة من بعده، مما يسقط كل شبهة تقوم على أن الإسلام إنما ترك تحديد تلك  التفصيلات لكل عصر وزمان ولعقول الناس وأهوائهم. وقد أقام الرسول ﷺ  الدولة الإسلامية في المدينة وبين أجهزتها ونظامها، فعين الولاة، والقضاة،  والمعاونين، وأقام نظام الشورى، وباشر الحكم فيها، وبايعه الصحابة بوصفه  رئيسا للدولة، وحين انتقل للرفيق الأعلى سبحانه وتعالى استمر النظام الذي  أنشأه هو هو، وكما سماه ﷺ بالخلافة في جملة من الأحاديث التي سبق وذكرنا  طرفا منها،مما يدل دلالة واضحة على أن شكل الدولة الإسلامية  ونظامها تشريع رباني، وأن الأحكام نزلت ونزلت معها طريقة تطبيقها، ولم تترك  الأمر لأهواء الناس وما تعارفوا عليه! لذلك كان نظام الخلافة هو  النظام الرباني الذي به يستخلف الناس في الأرض ليقيموا أحكام الله،  ويختارون خليفة يحكمهم بشرع الله، فكانت التسمية والنظام نفسه ربانيين فرضا  من الله تعالى، لا من صنع البشر، عن العرباض بن سارية، قال: صلى  لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة وجلت منها القلوب  وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: « أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن أمر عليكم عبد حبشي، فإنه من  يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين  المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة.»

قال رسول الله ﷺ: «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا  شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن  تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء  الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبرية، فتكون ما  شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج  النبوة، ثم سكت». رواه الإمام أحمد في المسند.

وعن ابن عباس عن  رسول الله ﷺ قال: «من كره من أميره شيئاً فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من  الناس خرج من السلطان شبراً فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية».

فهذه  الأحاديث فيها إخبار من الرسول ﷺ بأنه سيلي المسلمين ولاة، وفيها وصف  للخليفة بأنه جُنَّةٌ أي وقايةٌ؛ فوصف الرسول بأن الإمام جنة هو إخبار عن  فوائد وجود الإمام فهو طلب، لأن الإخبار من الله ومن الرسول إن كان يتضمن  الذم فهو طلب ترك، أي نهي، وإن كان يتضمن المدح فهو طلب فعل، فإن كان  الفعل المطلوب يترتب على فعله إقامة الحكم الشرعي، أو يترتب على تركه  تضييعه، كان ذلك الطلب جازماً، وفي هذه الأحاديث أيضاً أن الذين يسوسون  المسلمين هم الخلفاء، وهو يعني طلب إقامتهم، وفيها تحريم أن يخرج  المسلم من السلطان، وهذا يعني أن إقامة المسلم سلطاناً، أي حكماً له أمر  واجب، على أن الرسول ﷺ أمر بطاعة الخلفاء، وبقتال من ينازعهم في خلافتهم،  وهذا يعني أمراً بإقامة خليفة، والمحافظة على خلافته بقتال كل من ينازعه. فقد روى مسلم أن النبي ﷺ قال: «ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة  قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر». فالأمر  بطاعة الإمام أمر بإقامته، والأمر بقتال من ينازعه قرينة على الجزم في دوام  إيجاده خليفة واحداً.

والحمد لله رب العالمين.

فهذه  هي  فلسفة الخلافة في الإسلام! ومن مجمل ذلك وجدنا إحاطة فرض الخلافة بما يجعله  متواترا، الأمر بإقامة الخليفة، والأمر بطاعته، وقرن طاعته في المعروف  بطاعة الله تعالى،
والأمر بقتل من يشق عصا المسلمين ويفرق جماعتهم  التي اجتمعت على الخليفة، وجعل اجتماع المسلمين على الخليفة إقامة  لجماعتهم، فإِنَّهُ لَا إِسْلَامَ إِلَّا بِجَمَاعَةٍ، وَلَا جَمَاعَةَ  إِلَّا بِإِمَارَةٍ، وَلَا إِمَارَةَ إِلَّا بِطَاعَةٍ، فَمَنْ سَوَّدَهُ  قَوْمُهُ عَلَى الْفِقْهِ، كَانَ حَيَاةً لَهُ وَلَهُمْ، وَمَنْ سَوَّدَهُ  قَوْمُهُ عَلَى غَيْرِ فِقْهٍ، كَانَ هَلَاكًا لَهُ وَلَهُمْ ، ووصف من  يموت وعصره خال من الخليفة بأنه يموت ميتة جاهلية، ومن خرج من السلطان شبرا  خلع ربقة الإسلام من عنقه، ولقي الله لا حجة له،

والحمد لله رب العالمين،

 

 التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


  المشاركة السابقة : المشاركة التالية

إضافة تعليق سريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *
 
TO  cool  dry 
عربي  mad  ohmy 
huh  sad  smile 
wub 

طول النص يجب ان يكون
أقل من : 30000 حرف
إختبار الطول
تبقى لك :



 

   ابحث في الموقع


 

   اصدارات الجيرة


 

   مرئيات

قراءة شعرية في ثانوية الرازي بطنجة
تجاهل الآخر
حوار مع محمد محمد البقاش

 

   تسجيل الدخول


المستخدم
كلمة المرور

إرسال البيانات؟
تفعيل الاشتراك

 
 

الأولى . أخبار متنوعة . قسم خاص بالأدب المَمْدَري . القسم الإسباني . الكتابات الاستشرافية في السياسة والفكر والأدب . ثقافة وفنون
كتب وإصدارات . تحاليل سياسية . تعاليق سياسية . بريد القراء . سجل الزوار . من نحن . اتصل بنا

المواضيع والتعليقات المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي الموقع، و إنما تمثل وجهة نظر كاتبيها. ولن يتحمل الموقع أي تبعة قانونية أو أخلاقية جرّاء نشرها.

جميع الحقوق محفوظة © 2009 - 2010 طنجة الجزيرة

تصميم وتطوير شبكة طنجة

ArAb PoRtAl