الرئيسية » مقالات



 

صورة المرأة في متخيل المناضل الثوري !
الرواية العربية أنموذجا 
الفهرس ـ مقالات الرأي ـ
د.مصطفى أمزير
30 يونيو 2020
  برع مناضلو اليسار الثوري العربي خلال عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي في نحت خطاب أيديولوجي نبيل، نظريا على الأقل، ُيدين ما أسموه بالتاريخ الذكوري لمجتمعاتنا الشرقية " الذي حبس المرأة في شرنقة الجسد ، وحدد دورها الوظيفي في الإنجاب وخدمة الرجل‘‘... وهاجمت أدبيات اليسار أنماط السلوك الرأسمالي في المُنتَج الثقافي الرمزي ، وفي العلاقات الجنسية المتداولة.. التي تُشَيِّؤُ المرأة وتستغل ظروفها المادية والعاطفية لاستهلاك جسدها و رميه بعد الاستعمال .. فهل جسَّد "الرفاق‘‘ المناضلون في حياتهم العملية هذا التصور المثال من خلال ما التقطه السرد الروائي العربي من نماذج بطولية واكبت هذه المرحلة ؟

الأنثى في " طواحين بيروت" و "الآخرون‘‘

     من قرأ رواية "طواحين بيروت‘‘ لتوفيق يوسف عواد، الصادرة في مطلع سبعينيات القرن الماضي، لابد وأن تستوقفه شخصية رمزي رعد؛ المناضل اليساري الذي سخر قلمه الصحفي للتحريض على الثورة ضد الفقر والظلم، والتمرد على التمثل "الذكوري الشرقي‘‘ الذي لا يرى في المرأة إلا " وليمة على السرير‘‘ ..لكن هذا "الثوري‘‘ لا يتوانى عن استغلال ضُعف تلميذة في الصف الثانوي(تميمة) ليقوم باغتصابها أكثر من مرة بعد أن استولى على وعيها بأفكاره الثورية ! وحينما يُلام لاحقا يتملص، بمراوغة ثقافية، من مسؤوليته الأخلاقية ، و يدين " تميمة‘‘ التي كان عليها أن تقاومه بدل الاستسلام لنزواته ! كما كان عليها أن " تميز بينه وبين كلماته! " فيما لم يكن‘‘ رمزي في نظر (هاني الراعي) أحد شخصيات الرواية إلا وغدا " يُضرم النيران .. ويركب الحرية إلى الإباحية‘‘!   

   هذه المفارقة الشاذة بين تمثل المرأة داخل الوعي الحقوقي ، وتمثلها في "لا وعي‘‘ الجنسي للمناضل" الفحل‘‘ العربي، تتجسد في أكثر من عمل روائي كما في " الآخرون‘‘ للكاتب التونسي "حسونة المصباحي". و" الآخرون‘‘  كما جاء في الصفحة الثالثة من العمل (تجربة واقعية لشخصيات حقيقية تنبض بالحياة).. ومن قرأ " الآخرون‘‘ لا بد وأن يلفت انتباهه كم الحديث الجنسي داخل المسرود .. فكل مرويات النص تستقطبها المغامرة الجنسية في كل محطة من جغرافية الأمكنة التي يروي عنها البطل، منذ أن كان طالبا جامعيا بمرجعيته الماركسية ، تصل المغامرة أحيانا عند هذا المناضل حد الشذوذ ، وهو الذي يتحدث عن ثقافته قائلا "كنت شديد التعلق بالماركسية ، مفتتنا بالحركات الثورية في العالم بأسره، ألتهم كل ما كان يقع بين يدي من منشورات وأدبيات لها صلة بذلك: الكراسات الفلسفية لماو، مذكرات تشي غيفارا، ما العمل للنين، مؤلفات جورج لوكاتش وغرامشي، والبيان الشيوعي بترجمة العفيف...‘‘ص 41. هذا المناضل كلما رأى المرأة يرى جسدا.. وينطلق مدبّرا خطة لافتراسها: " اصطدتُ " زبيدة‘‘ المرأة الثلاثينية في سوق الخضر . كنتُ أطوفُ هناك كما اعتدتُ أن أفعل كل صباح بين العاشرة ومنتصف النهار حين رأيتها في السفساري الأبيض تشتري الطماطم وبصلا وفلفلا أخضر. هيجني جمالها الوحشي فتسمرتُ في مكاني . بعد أن دفعتْ تبعتها. أتاح لي الزحام الشديد أن ألتصق بها أكثر من مرة ، بل وأن أضع شيئي المنتصب بين فلقتي مؤخرتها المترجرجتين. لما بالغتُ في ذلك ،استدارتْ وحدجتني بنظرة غاضبة. لم اكترث، وواصلتُ عبثي المثير‘‘! ص58 ...

المناضل والمرأة في" دليل العنفوان"

      رواية "دليل العنفوان‘‘ لعبد القادر الشاوي، جزء من سيرته الذاتية ، والكاتب مناضل ماركسي جذري عانى من تجربة طويلة في الاعتقال (15 سنة )..يتحدث السارد في أحد مقاطع الحكاية (ص26) عن تجربة السكن الطلابي بمعية مجموعة من "الرفاق‘‘ بمدينة الرباط، وينعطف في أحد المقاطع ليتحدث عن إحدى مغامرتهم الجسدية: " كان محمد الرطوبي شديد التفنن في الإيقاع ببعض مومسات باب الحد ، فيشبع منهن ما يسكن جوعه الجنسي ، ويستولي بين الفينة والأخرى على ما تجمَّعَ للطيبات منهن من رزق حلال(لأنه أيضا من عرق فروجهن) ولست أنسى ليلة داعرة كادت تذهب بروابط الشلة مذهبا عنيف التناحر.. إذ صادف أن استدرج السي الرطوبي سيدة عليها بعض الوقار البلدي، وقد فاتحني في أنه ينوي استضافتها ليلة أو أكثر..وأن علينا أن نُهيِّء لها مكانا إلى جانبه على ضيق الغرفة واكتظاظها .. الليلة الأولى كما عانيتها كانت مضجرة .. بدأت بحركات خفيفة.. ثم صارت مداعبات صائتة ..تطورت إلى تأوهات جنسية .. ليلة حركت ما اختمر في الباطن من عقد وتوجعات ، فلم يطب لي فيها نعاس ولا سلوت فيها عن تفكير ممض يمزق البدن بالشهوة وكنت أتنهد‘‘. "وفي الليلة الثانية ..أبلغه المأمون أن عليه أن يختار بين أن نتشارك في اللذة سويا وكل شيء قابل للتسوية .. وإما أن ترحل السيدة...‘‘.

     بقدر ما نفهم أن هذا الاسترجاع جاء في سياق اختيار إبداعي "يساري‘‘ طبع الكتابة " الحداثية‘‘ وراهن على ما سماه بتكسير الطابوهات والتطبيع مع الجنس في الحياة العامة .. بقدر ما يشخص المشهد هذه الازدواجية بين النظري والعملي في حياة " المناضلين‘‘ العرب على أقل تقدير .. استغلال للأجساد المتعبة بالاستغال والتهميش والفقر(المومسات) .. السطو على (أتعابهن).. ممارسة جماعية داعرة تفقد للحس والذوق ... هذه هي الصورة "الواقعية‘‘ لحياة المناضل الجامعي التقدمي كما صورتها رواية " دليل العنفوان‘‘..

المآلات في " امرأة النسيان"

      وضعتنا الأعمال السردية التي وقفنا عندها، فيما له علاقة بصورة المرأة داخل تمثل المناضل التقدمي العربي، أمام المفارقة الصارخة بين الخطاب المتعالي نظريا كما في النقاش الحقوقي، والمتهاوي سلوكيا في الممارسة الفعلية. هذا الإحساس بالتناقض تصوره رواية "امرأة النسيان‘‘ لمحمد برادة مـن خلال مآل تراجيـدي لمناضلات ماركسيات  كن  ضحيـة "عبث‘‘علاقتهن  بالرفــاق .. وانتهى بهن مطاف التحرر الجسدي إلى الضياع والاكتئاب كما هو حال (ف.ب) المناضلة اليسارية التي تنحدر من أسرة مثقفة غنية... والتي عاشت تجربة التحرر في فترة دراستها بباريس وجعلت جسدها مستباحا للعلاقات العابرة مع الرفاق في مغامرة البحث عن اللذة القصوى:
’’ كنتُ أتفجر حركة وحبورا وأمسك بكل اللحظات التي أتوهم أنها ستمنحني سعادة عابرة؛ وكانت عواطفي مشتعلة تدفعني إلى الجري وراء الحالات القصوى..‘‘ ص13. " لكن هذه التجربة لم تترك في نفسها إلا إحساسا عميقا بالندم والرغبة في الانتقام ممن غاص بها في أول خطوة في مهاوي الضياع..تقول (ف.ب):" لو كانت لي أم قوية مجربة.. لعلمتني كيف أطالب برأس مَن خذلني وتركني على عطشي .. أقصد ذلك الذي قاد خطواتي الأولى على طريق الفض واستنطاق الجسد لأستكشف ترف الغواية والحب ثم تركني ليعود،مطمئنا، إلى زواج مرتّب أعدته له العائلة ‘‘ ص 14-15. ها هنا تصدح البطلة بما بدأنا به داخل هذه المقالة: يلتهم الرفيق جسد رفيقته لحظة الجوع باسم التحرر.. لكنه يتنكر لهذا الجسد "الداعر‘‘ ويعود بعد ذلك رجعيا حينما يريد الزواج .. يوكل لأبويه "الماضاويين‘‘ حق اختيار زوجه الغر المصون! ليسدل ستار حياة (ف.ب) بهذا المشهد القوي عاطفيا:" انتهى بي المآل إلى ما تراه: محبوسة، معزولة، أنا في نظر العائلة حمقاء ، لكن الشعور المهيمن علي هو أن العالم الخارجي لم يعد يغريني..‘‘ص12.

      تحيلني هذه النهاية المأساوية على تجربة مناضلة يسارية أخرى هي " زينب فهمي‘‘ (رفيقة الطبيعة) الكاتبة الأكثر جرأة في زمنها( الستينيات وبداية السبعينيات) على تناول خطاب الجنس في أدبها، ولعل قصة " الوجه والمؤخرة‘‘ في مجموعتها القصصية "تحت القنطرة‘‘ الأقوى إروتيكيا في هذا الباب، يستحيي المرء هنا أن ينقل مقطعا من وصفها...هذه الكاتبة ستستشعر مبكرا ، وهي لا زالت في عنفوان عطائها، هول المفارقة بين الخطاب "الثقفاوي‘‘ الذي كانت تساهم في تأسيسه ، وواقع المرأة في متخيل المناضل " الفحل‘‘ الذي لم يستطع في علاقته بالأنثى أن يتحرر من صورة " الإماء‘‘ و" الجواري‘‘ التي ادعى كذبا، كما كتبت في إحدى مقالاتها، مناهضتها .. لتغير مسارها الذهني 180 درجة.. وتصبح ابتداء من أواسط الثمانينيات متحجبة.. كاتبة إسلامية.. متنصلة من إبداعها القديم .. صاحبة عمود دعوي في دورية "المسلمون‘‘ التي كانت تصدرها جماعة الإخوان المصرية...

 

 التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


  المشاركة السابقة

إضافة تعليق سريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *
 
TO  cool  dry 
عربي  mad  ohmy 
huh  sad  smile 
wub 

طول النص يجب ان يكون
أقل من : 30000 حرف
إختبار الطول
تبقى لك :



 

   ابحث في الموقع


 

   اصدارات الجيرة


 

   مرئيات

الحرب الغبية على السنة النبوية
سكان طنجة وتطوان وأصيلا يقاضون شركة أمنديس في المحاكم الابتدائية
الأدب الشعبي في خدمة القيم

 

   تسجيل الدخول


المستخدم
كلمة المرور

إرسال البيانات؟
تفعيل الاشتراك

 
 

الأولى . أخبار متنوعة . قسم خاص بالأدب المَمْدَري . القسم الإسباني . الكتابات الاستشرافية في السياسة والفكر والأدب . ثقافة وفنون
كتب وإصدارات . تحاليل سياسية . تعاليق سياسية . بريد القراء . سجل الزوار . من نحن . اتصل بنا

المواضيع والتعليقات المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي الموقع، و إنما تمثل وجهة نظر كاتبيها. ولن يتحمل الموقع أي تبعة قانونية أو أخلاقية جرّاء نشرها.

جميع الحقوق محفوظة © 2009 - 2010 طنجة الجزيرة

تصميم وتطوير شبكة طنجة

ArAb PoRtAl