سورة الفاتحة ليست وحيا من الله فهل صح هذا؟
الدكتور مصطفى أمزير من طنجة
قاسمني أحد الاصدقاء شريطا، على سبيل الاطلاع، لشخص يدعي أن سورة الفاتحة لا يمكن أن تكون وحيا من الله! لسببين الأول لأنه لا يستقيم منطقا أن يخاطب الله نفسه فيتوجه إلى نفسه بالحمد (الحمد لله رب العالمين) فكان من اللازم إذا كان الكلام من الله إلى العبد أن يصدره بـ (قل)! والثاني للتناقض الذي يتولد عن الصياغة الأسلوبية، لو اعتبرنا الفاتحة كلام الله، في قوله: (إياك نعبد وإياك نستعين) فكيف يتحدث الله عن نفسه عابدا ومعبودا؟!
لم أكن لألتفت لهذا الأمي بأساليب اللغة العربية وبلاغتها لو لم أجد الفديو قد انتشر بين التلاميذ.. الذين فاتحوني اليوم بأطروحته..
والحاصل أنه من جميل الصدف أن يكون آخر درس أنجزته مع التلاميذ في صيغ الأمر ودلالاته، فما كان مني إلا التذكير بصيغ الأمر التي منها - كما يعرف الجميع- المصدر النائب عن فعل الأمر ،كما في قولك (التشجيع للفريق..) على سبيل الطلب: بمعنى (شجعوا الفريق)، تماما كما في قوله تعالى هنا (الحمد لله) بمعنى: ( احمد الله ) بدلالة الطلب الذي يفيد الدعاء؛ وهي الصيغة المكثفة التي استلزمت الاستغناء عن فعل (قل) لفظا .كما أن الصيغة نقلت الأسلوب من الخبر (كما فهم المشكك) ،وهو المعنى غير المقصود، إلى الإنشاء كما استلزمه سياق الخطاب ومتعلقاته المقامية . لتُعرّف الآيات اللاحقة على سبيل الإخبار بالله الذي طلب له الحمد اجلالا لقدره: إنه (رب العالمين الرحمن الرحيم، ملك/مالك يوم الدين).
أما الانتقال من ضمير الغيبة إلى ضمير المخاطب في (إياك نعبد إياك نستعين اهدنا) فهي أولا ظاهرة بلاغية جارية على اللسان العربي فيما يصطلح عليه بالالتفات.. وللالتفات لطائف دلالية رقيقة جميلة داخل السياقات التعبيرية التي يرد فيها كما هو هنا في هذه السورة؛ فالالتفات إلى ضمير المخاطب هو أبلغ في مقام الطلب من ضمير الغيبة، للاشعار بالحضور والشهود، ولتسهيل الإفصاح عن الإقرار بالعبودية و طلب العون والمدد مباشرة أمامه سبحانه .. وهو هنا أجمل وأقوى من ضمير الغيبة داخل سياق الإقرار والاعتراف والطلب فهو أبلغ من لو بقي التعبير على نسق الغيبة كما لو جاء على الصيغة التالية: (الذي يُعبد ويستعان به ويهتدى به) مثلا؛ فمن بلاغة الالتفات هنا (إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم)انه وضع الطالب في حضور مباشر مع من يطلب منه الطلب. لذلك التفت بهذا الضمير لإفادة القرب و الاتصال المباشر.. والله أعلم ...
وبهكذا علم بسيط مدرسي باللغة تبدو حجج الإلحاد في غاية السخف والغباء، مستغلة الضعف اللغوي العام لتمريرها ..