الرئيسية » الأدب المَمْدَري



سلسلة الجيرة الإلكترونية

===

القصة الوجيهة( في النظرية والتقنية )

=====

المؤلف:

محمد محمد البقاش

منشورات الجيرة
..................

المؤلف: محمد محمد البقاش أديب باحث وصحافي.                                           
الكتاب: القصة الوجيهة ( في التقنية والإبداع )
الحقوق: محفوظة للمؤلف.
النشرة الإلكترونية لشهر شتنبر 2010.                                       
الإيداع القانوني: 462 ــ 98                                       
ردمد 1114 – 8640 ISSN
 
................

القصة الوجيهة
( في النظرية والتقنية )


القصة الوجيهة قصة ذات وجهين، وجه فصيح، ووجه عامي. الوجه العامي عبارة عن فكر شعبي، وأدب شعبي، وثقافة شعبية،  معبر عنها بالعامية، وتكون أمثلة، وأشعارا زجلية، وحكما، وحكايات، وقصصا يوردها المبدع في تعبيره العامي بلهجة تجمع بين الموسيقى اللفظية، (ليست الموسيقى اللفظية شرطا) كالزجل المسجوع، وتجمع بين الحكمة، وبلاغة المعنى، وتكون أساسا لهجة نبتت من الفصحى.
كما قد يكون الوجه العامي، ليس عاميا بالمعنى الصحيح للعامية، قد يكون الوجه فصيحا، ولكنه محرف، يحتاج إلى تقويم. وإذن فالوجه الآخر غير الفصيح، هو الوجه العامي، والوجه الفصيح المحرف في النطق، والكتابة، أو المحرف في النطق دون الكتابة، غير الوجه العامي، ولكنه يأخذ حكمه في اصطناعنا.
ولا يفهم من القصة الوجيهة أنها قصة تصب في إحياء العامية، وتسعى إلى  إنعاشها، وتستهدف استعمالها وتوظيفها في الفكر والأدب بغية ضرب الفصحى، أو التشويش عليها بغية إفساد أذواق الناس، والنزول بمستوى تعبيرهم في الفكر والأدب بدل الارتقاء بهم  وتخليصهم من الذوق الفاسد والتأثير الاضطرابي في استقامة لسانهم.. لا يفهم ذلك، لأن ما ورد بشأن الوجه العامي مجرد محاولة لرفع المعنى، والحكمة، والمثال، من التعبير عنه بالعاميـة، أو من التعبير عنه بالفصحى المحرفة، إلى التعبير عنه بالفصحى السليمة، وهو شبيه إلى حد ما بالترجمة. كما أن ما ورد بشأن الفصحى المحرفة مجرد محاولة للتقويم حتى يقتعد المعنى موقعه السليم في اللسان العربي الفصيح..
ونقل المعاني والحكم والأمثال والأشعار الواردة في التعابير العامية، يتطلب دراية بالأدب الشعبي المعبر عنه بالعامية، ثم تهذيبه وتشذيبه وإزالة ما علق به من أدران، ثم اختيار الأجود منه لرفعه إلى درجة القبول لغويا، وذلك بالتعبير عنه بالفصحى، مع التوثيق من حيث نسبته إلى أهله ومبدعيه إذا كانوا معروفين.
والقصة الوجيهة بعنوان: عبد الرحمن المجذوب في غوانتانامو، وبوعراقية في البيت الأبيض مثالان على ذلك. فلو تأمل القارئ تقنية الرفع من مستوى التعبير عن حكمة المجذوب، وكلامه البليغ إلى الذوق السليم، والتعبير الفصيح في قوله: ((  أنا كِالْكْتابْ المؤَلّْفْ، فِيَّ مْنافَعْ كْثيرَه))،  يجد أن الأمر لا يعدو كونه تصحيحا للنطق، وليس تصحيحا للكتابة، فالكتابة سليمة وهي: ((  أنا كالكتاب المؤلف فيّ منافع كثيرة)).
إن اللهجة المستعملة من طرف سيدي عبد الرحمن المجذوب لهجة تعتمد ألفاظا عربية فصيحة، جرى تحريف النطق بها، وفي أحيان كثيرة تحريف كتابتها أيضا. فالتعبير بها على الشكل المذكور قد لا يعدو كونه ركاكة بسيطة، مجرد ركاكة، تحتاج إلى تقويم بإخضاعها لقواعد النحو والصرف، حتى تستقيم.
والرجل لم يكن جاهلا الفصحى لأنه عالم فاضل قد ترجم له الكثيرون، فقد كان صوفيا أخذ عن الدوّار وهو سيدي علي الصنهاجي، وأخذ أيضا عن عمر الخطاب ( الوالي ) وقالوا أنه أخذ الولاية عن الدوار، وسكن القصر الكبير بتعاليمه. وأخذ عنه أبو الحسن علي القنطري الأندلسي (أي أخذ عن المجذوب) وكذلك الصوفي العالم أبو المحاسن يوسف بن محمد الفهري القصري الذي بنى له قبة حيث هو مدفون بمكناس، واعتنى بما خلف من أشعار زجلية أقوام من غير المغاربة والعرب، فقد تُرجم إلى عدة لغات منها الإيطالية والألمانية والفرنسية والبلغارية، وأهل هذه الأخيرة من البلغار عدوا المجذوب بمعنى المحبوب من حكماء التاريخ وعظمائه وفلاسفته...
القصتان الواردتان قصتان وجيهتان تتضمنان بعض الأدب الشعبي، تتضمنان تفكيرا في الحياة، والتعبير عنها باللهجة العامية. والملاحظ أن اللهجة العامية المغربية، وكذلك اللهجات الأخرى في البلاد العربية ما هي إلا تحريف للفصحى، بحيث تتضمن كلمات كلها تقريبا من أصول عربية، وأتمنى أن تكون الممدرية محطة تتكسر عليها اللهجات، كما تكسرت اللهجات العربية القديمة على لغة قريش فتسود هذه الأخيرة في النهاية في القرن الحادي والعشرين، وكأن الأمر مجرد جولة من جولات الفصحى ستجتازها بنجاح. وما باللهجات من لفظ دخيل، قليل جدا. والممدرية تريد أن تصحح هذا الانحراف في النطق، تريد أن ترفع الأدب الشعبي كما قلنا إلى اقتعاد موقعه من الأدب العربي المكتوب، والمحكي بالفصحى. ولا يقال أنني جئت بكثير من الكلام العامي، أو الكلام العربي المحرف، لا يقال ذلك؛ لأني عبرت في بعض المواطن بالتعبير العربي الفصيح، وهو لقائله بالعامية، مثال ذلك في قصة عبد الرحمان المجذوب في كوانتانامو: ((أنا الكتاب المؤلف..)). و: ((.. مطرحه فيه الثلج، وفراشه فيه الهواء، مصباحه فيه القمر، وأنسه فيه النجـوم)). وكذلك في قصة: بوعراقية في البيت الأبيض، مثال ذلك: ((ماذا تفعل بالمسدس و(الزرواطة)؟ ذانِ لـ (السّلاكيطْ).  علما بأن هذا الكلام ليس للرجل من باب النقل، لم أنقله عنه لأنه غير مكتوب، بخلاف شخصية عبد الرحمان المجذوب، وحتى الذاكرة الشعبية في طنجة لم تعد تحتفظ لبوعراقية إلا بشيء له كمقبرة المدينة التي جعلها وقفا لدفن موتى المسلمين، ولا تزال تعرف باسمه إلى الآن، وجهاده للاستعمار البرتغالي أيام السلطان المولى سليمان بقصته المتداولة في طنجة عن استعداده لمقاتلة البرتغاليين في مرشان، ثم تقدمهم نحو الجنود الذين كانوا يرابطون في أعلى الشارع الذي يسمى الآن شارع ابن الأبار حيث مقابر الرومان، وحين وصلوا تفاجأوا بخلو المكان من أي جندي برتغالي، ولكنهم اكتشفوا نفقا نزلوه وتبعوا طريقه حتى أوصلهم إلى البحر حيث ميناء طنجة الآن ليكتشفوا عبور الجنود البرتغاليين إلى الضفة الأخرى بمراكب فرارا منهم، وهناك في المكتوب مما ينسب إليه لم يتيسر لي الاطلاع عليه، خصوصا وأنه صاحب علم وفضل ومن الأشراف البقاليين وهم موجودون في طنجة بكثرة ومنهم من يهتم كثيرا بسيرة هذا الزاهذ الصوفي محمد بن الحاج البقالي ( يوعراقية ). ولا يقال أين الأمانة الفكرية والعلمية والثقافية هنا؟ لا يقال ذلك لأن الأدب الشعبي أدبنا جميعا، نستطيع التصرف فيه بالزيادة والنقصان ما لم يكن موثقا.
كما لا يقال أنني بهذا ساهمت في العامية، بدل المساهمة في التقليص منها، لا يقال ذلك أيضا، لأني كنت عند التعبير إنسانا آخر؛ تشده أفضية القصة وأجرامها الأدبية، وكنت مراعيا لما تقتضيه للأسف ظروفنا السياسية المأساوية، وهذا جبن مني أعترف به، وأتمنى خلعه، لأنه لن يجعل مني أديبا ومفكرا.. ولا يؤهل أدبي وفكري للتبني.. فالشعوب والأمم لا تسلم قيادتها لفكر صادر عن جاهل أو جبان.
..............

بوعراقية
في البيت الأبيض
( قصة وجيهة )

تنادت ذراته مصبحة وممسية. تصايحت مستعجلة بناء جِرْم لا عُزَيْري. قام رفاتا منتصبا. دبت فيه الحياة كما لو كان بلدة ميتا، يتراقص عليها الماء الغدق. بعثر قبره وتسلل منه لواذا.
اغتدى على شارع سيدي بوعبيد منقبا على رفات رُقَّد هناك، فافتقدهم. لعن كل عابث برفات الموتى. لعن كل من ران على قلبه ظلم الأموات الذين طرح رفاتهم مثلما تطرح النفايات. عبدوا طريق بوعبيد فوقها. يمشي على أصابع قدميه خشية إذاية الرقد.
مضى نحو سيدي المخفي، لم يحد هناك غير مخفر للشرطة قائما مكان "  الجوطية " القديمة، دنا من الشرطي وسأله:
- " شونو كتعمل بالفردي والزرواطة؟ "
- " هادو خاصين بالسلاكط "
- " الله يعطيك الصحة "
استعجلت قدماه الخطى، معن كالفرس، وقبل أن يغور في الزمن المدماع، تنامى إلى سمعه صياح مشفاق ؛ ليجد نفس الشرطي يهوي بـ " زرواطته " على رأس مشتعل شيبا.
توجه نحو مقبرة المجاهدين ، دخلها وهي طاوية لذكرى عزيزة عليها، لا تزال تفخر بنصر ساكنتها على البورتقيز. أذن في الأجداث فانتفضت غير مصعوقة من النفخة، لم تكن مستثنية من المشيئة، ولم يك صاحب البوق قد نفخ بعد. تشامخ لندائه الرفات، والسخط والحنق طافحين يسيلان من وجوه عارية من اللحم، فخاطبها بوعراقية قائلا:
- ألم تورثوا أبناءكم جيناتكم ؟.
- بل ورثنا .
- وأين هي سلالتكم ؟
_ هنا في طنجة، وفي العراق، وفلسطين، وأفغانستان، في كل الدنيا، وفي كوكب البكوك.
مركاضا يقرع حبال صوته ولا مجيب. يفحص وجوه الرجال وهي ذكور؛ مجرد ذكور. يتحسس الأجنة فيأسى على عقمها. ممعانا في البيان. مسماعا للآذان يقول: " جرعوا الناس المهانة حتى استمرءوها. أشربوهم الحقارة في صنابير المياه. أشبعوهم الكلام الأدبي التافه. رشقوهم بالآمال التي أطلقها جحا، ثم نكرها «. ظل ثائرا كالتورنادو يقتلع الطفيليات حتى عثر على أجرام تسكن في غير زمنها. أرخى حمولته المرذولة بقيعة تلامس الماكما ، ثم التقط ما أراد ، ورام بلاد المرهاب.
اعتلى صهوة الهواء فقاده إلى مهوى لا يزال مسكونا بصوت البطوطي. بصوت ظليم تقطعت حباله، فبح لها مرددا: " لقد استهدفـوا طائرتنا المدنية بصاروخ، ويعلم ذلك رئيسنا، لقد هانت عليه أرواحنـا، هانت، هانت.. ".
دخل حديقة البيت الأبيض. مشى في رحابها ملفوفا بالزغاريد والتهاليل، تحدثها نجوم يافعة، وشجيرات ظليلة. اقتحم مكتب الرئيس. ألفاه جالسا على نفس الكرسي الذي كان يجلس عليه بيل كلينتون. حياه المقعد، وأحجم القعيد. جرت الزربية نفسها حتى لا يطأها بوعراقية، استحيت أن تلوث قدميه بآثار مونيكا المصاصة، مونيكا التي كانت جاثية على ركبتيها تلحس قضيبا لا يتطهر من البول. ألفى عجوزا نشطة تحاكي فعال لوينسكي مع من منحته كروموسوماتها.
تقدم إليه بوعراقية. رشقته خنفسة الدفن مذهولة مشدوهة. أظلم لرئيسها عقلها، وزم عن إبداء الرأي. بجوارهما مستنسخ من ظربان لندني، يتفاوح كظاهرة قريته الكينية، مد يده إليه، وأخذه من تكتـه كما يفعل دافيد بأخيه سالفادور في فضاء الرواية الممدرية، ألزمه إخراج قلبه ووضعه على كفه. قلبه بين يديه يبحث فيه عن رحمة، أو رأفة، عن مشاعر إنسانية، خلت منه الصفات الممدرية، يلفه فؤاد معضدي محشو بالحقد الصليبي، والثقافة العنصرية. رمى به، وخاطبه قائلا:
- لماذا لا تتركون العرب والمسلمين يحيون بحسب اختياراتهم؟ أليس هذا من أدبيات ديمقراطيتكم ؟
- إذا كان وينستون تشرشل يعتبر أن أسوأ أنظمة الحكم في العالم بعد الديكتاتورية، هو نظام الحكم الديمقراطي، فأنا أعتبر أن أسوا أنظمة الحكم الديموقراطية في العالم، هو ذاك النظام الذي لا يعمل على إذلال العرب والمسلمين، وإبادتهم .
ضغط بوعراقية على جيد الرئيس حتى خنقه، جره كالكلب من ربطة عنقه، ثم أعاد سؤاله:
- لماذا لا تتركون الناس لاختياراتهم ؟
فأجابه :
- لا خيار لأحد. الخيار الأمريكي هو الخيار .
- عودوا إلى مبدأ مونرو.
- لا ، لن نعود.
- ماذا تحسب نفسك؟
- أحق من يفكر لكم، وأجدر من يضع تشريعاتكم. أحق من تعبدونه من دون الله، وأولى من تتبعونه من دون محمد.
- لا، لا، لست كما تقول، فما أنت إلا مجرد كلب مجياف على قارعة الطريق، ستسحق، وسترى .
ـ ألم تعلم بعد أن من جاء بعدك لا يشبهون أجدادك؟ هاهم جنودي في سجون العراق يسومون نساءكم  سوء العذاب، يعبثون بأعضائهن التناسلية، يحملن منهم كما فعلنا بالنساء الفيتناميات، ثم حين يضعن حملهن نستقدم الولدة الصغار إلى بلادنا، ثم نستعملهم ضد أخوالهم العرب.
استشاط بوعراقية غضبا على الرئيس، فانقض عليه. أخرج من جيبه كماشة قطع بها ما يتمرأ  بمثلها جنوده في سجن أبو غريب، ووضعها له في فمه، ثم تنحى جانبا.
( تَزَيْزَنَ ) فابتلعه خرسه، ثم أومأ إلى خنفسة الدفن، وإلى وزير دفاعه. قدما مأزوزين، يريد استشارتهما بشأن التفنن في تعذيب الأسرى، يمنعه عن ذلك ما في فمه. أشارا عليه بالزيادة في إذلال العرب، أوجب على حكامهم كنس الإسلاميين، فهم الخطر، والخطر هم.
غفلوا عن بوعراقية بعض الشيء، وكان ساعتها يبني لنفسه حصنا، خلق فيه وسائل تركب، وكيفيات تجرب، ظل يوزعها على الناضجين ممن صفت جيناتهم فاستنبتت الرجال.
أشرف على نضجها ، واطمأن إلى قوتها . حيا فيها أملها . وحين ذبح اليأس  أمامه، ارتاح إلى إجرائها، وخطا خلال مرهاب الشعوب يلعنه، يبصق على وجهه ، ثم عاد إلى ضريحه بأم المدن المغربية.
ترك الناس تعيش موسم حصاد الوهم، ولكنه زرع في موسمهم موسما آخر، تركه لهم نبتة طرية، جيناتها نقية، وخلاياها جذعية منشئية.
.......................

عبد الرحمان المجذوب
في غوانتانامو
( قصة وجيهة )

طوافا في بلاد الله يزرع عمره فيها. ينثر سنواته كما ينشر المزارع حبه في أرض سقيمة. في مكناسة وطنجة يلتقي بوجوه تبش له كلما تصافحت.
استيقظ في يوم جريح مستعجلا الجري وراء حلمه اليقظ، تبعه حين انسل منه هاربا حتى دخل سوق النساء مرددا:
" سوق النسا سوق مطيار، يالداخل ليه رد بالك، يورولك من الربح قنطار، ويدولك راس مالك ".
أغرى الأسماع فوعت، وحين رأوه أسود مغلفا كدودة قز في شرنقتها، مدثرا كرخوية في قوقعتها، حسبوا أنه تافه لا ذخيرة فيه ، فصاح بهم:
" أنا الكتاب المؤلف ، هلموا اقرءوا ما فيه، فقد تضمن فوائد كثيرة ". وعندما انتبه إلى غفلته عن طلب حلمه الذي أصر على مطاردته، افتقده.
ركن إلى بيت مطرحه فيه الثلج ، وفراشه فيه الهواء. مصباحه فيه القمر، وأنسه فيه النجوم. يحرك عضلات الإبتضب ولا يتجايش لها. يشير بيديه. يقف و يجلس على صعيد مسنن. تبرق عينه وتلقي بالشرر المبارد. يحمل قضيبا من نجم خيزران مضرب عن السموق، يلوح به كقائد أوركسترا ، ويقول:
" ياللي راقد على القطيفة دافي، العريان كيف يجيه النوم؟ لقرد مشى للغرب، والديب جاب راسو، لو كان الخير في البصل، ما يتغرس على راسو".
أطرق هنيهة بعدما رمى بصنارته يصطاد المستقبل في بحر الحكمة ، وطال انتظاره ، فلم يستطل عليه مصطاده ..
انطرح على أرضية صبغتها الرخويات، يتخبط في صرعته وقد حبكتها إبر فكرية ، وخيوط سببية، ويقول:
سوف يكون في أمريكا حمار أشقر، فهو عدو للبشر، لا تصبروا على ظلمه، ولا تتركوه يتمادى في لؤمه، وإلا فسوف يشغر عليكم، وإذا فعلها فانتظروا ( الكبارين ). يا حكام العرب، أليس منكم رجل واحد يظهر لنا حنّاء يده؟
أظلم ليله على توهج لا ينقطع، يصدر عن أعين نملية مرباصة، ساد فيه حتى الصباح. تزوره فيه أرايح من بغداد وقندهار، تصطف عند زيارته منتظرة دورها في ترجيع التحية، وتقبيل فكره، ثم تعود من حيث أتت.
قدم إلى طنجة يريد إنصافها. رفعت إليه تظلماتها. تختبئ فيها الأحلام. تهترئ عليها الأفهام. تجف لها الأقلام، ولا يجف ريق سيدي عبد الرحمن المجذوب، يتصايح في قاطنيها الغشاشين:
" ياقايل العار، كيف يحلا كلامك؟ وانت صرة من الشياطة؟ النتونة خارجة من فكرك، وعقلك من الزبالة تخرج، تلأم فيها واللؤم طبعك، طنجاوة لفمك بالشداق ، وانت لعيونهم بالصباع ".
ضيق بالمجذوب ذرعا فبيتوا قتله. لم تكن للأشقر الهرقلي حيلة يفجرها إلا أن يتهمه بالإرهاب، فأصدر أوامره باعتقال المجذوب .
ساقوه مقيدا معصبا، وأودعوه سجن كوانتانامو. قرر حفيد هرقل استجوابه، وقبل أن يمثل بين يديه المجذوب، تواضع فأعلن عن نيته زيارته للمجذوب في سجنه. طالب المرهاب بتعبيد ممشاه بجثث، فانبطحوا ووطئهم ، وكلما داس عليها تعلمت بكلام بليغ.
فمن ناصح بالتعقل في الانبطاح، إلى متحد بـ ( الطز ). فتحوا له الزنزانة، فوقف على بابها. مثل بين يديه السجين، وحين تبين لم يجد غير رفاته، فأصدر أمرا إنسانيا بضرورة حماية الرفات الإنساني.
.........................

قاضي البيت الأبيض جحا
( قصة وجيهة )

أسرع جحا مستعجلا، قادته عجلته إلى مقهى أسفل حي القصبة، مقهى يلبد فيه الوعدودي ـ 1 ـ  منتظرا زبناءه، ابتاع منه معجون الهلوسة، ثم قفل راجعا وقد طعمه.
ابتدأ يمشي مخالفا سيرته الأولى، فرمله الحشيش عند الثواني الأولى لتناوله، ولما كان عند عقبة الكومير ضاع له رقيبه، نام فص مخه حيث ناصيته.
تسكع يركبه حتى وقف عند باب أمه بالجبل الكبي، وقف متسمرا يهم بطرقه ولا يفعل. وهو سابح في عالم دوار يركب صورا كتلك التي تحدثها أجسام تستقل الخذار يف؛ همس لنفسه قائلا:
"  أمي امرأة عجوز تتحرك بصعوبة ، غلبتها الشيخوخة وأقعدتها العلل، فإن أنا طرقت بابها لا تفتحه إلا بعدما تنهض من سريرها في نصف ساعة، وبعدما تضيء اللمبات في ربع ساعة، وعندما تصل إلى مصراع الباب تكون قد مضت على حركتها ساعة كاملة، هذا فضلا عن إزعاجها وربما إغضابها، لا، لا أطرق الباب وأزعج أمي المسكينة، سأتركها تنام وأذهب إلى أختي بدار البارود وليتحمل زوجها، وليغضب علي إن شاء ، المهم إلى دار البارود ".
تمر عليه سويعات يقضيها واقفا مع حارس يسامره، أو قرب كلب يناجيه، أو عند قط يشهد عراكه مع دخيل على منطقته أسود أشهب، هكذا حتى يقف على عتبة دار أخته فيتسمر كسارية الإنارة ويدخل عالما مخذرفا ويشرع في الحديث إلى نفسه قائلا:
"الوقت متأخر جدا، وأختي نائمة، وطرق بابها يزعج زوجها وربما غضب عليها وخاصمها، أفأ كون أنا السبب؟ هل أتسبب في خلق مشاكل لأختي؟ كلا، لست إذن صاحب مروءة، وإذن أمي أمي، فإذا أغضبتها سامحتني، أذهب إليها ".
ظل جحا طول ليله في ذهاب وإياب حتى جلدته الشمس فاستدفأ لها وعيه وعادت القيادة إلى ناصيته فأبصر نفسه عند بساط يطوي تحته أطلانطس، انحنى على سطحه، ثم أدخل فمه في الماء ونادى على دلفين معمر شهد رحلات ورحلات للمنتقمين..
ركبه وقصد أمريكا الشمالية. اقتحم مكتب الرئيس، وجده فرحا مرحا يريد أن يتسلى جدا، ويجد هزلا، فقال له: " ما رأيك في أن تمثل دور الحيوان، فقد مسخ نصفك، ويقوم ممثلا معك بلير وألمرت، بلير يمثل دور الذئب، وألمرت يمثل دور الثعلب، وأنت تمثل دور الأسد؛ وإن كان نصفك المتبقي سيستحيل إلى كلب هو الآخر " فرد عليه:
ـ كيف؟.
ـ تتحولون من آدميتكم إلى حيوانات استجابة لطبيعة خستكم، ثم تذهبون جميعا إلى غابة كينيا للصيد، جدوا في رصد جحش سمين، ثم استقدموه إلي.
انحرفوا إلى غابات أفغانستان والعراق وفلسطين والصومال فصادوا حمارا معمرا، ثم قدموا به إلى جحا وكان قد نصب نفسه حاكما بعدما نوم البرلمانيين ونوم الشعب فقرر حكم البلاد بأهل نيام ،عندما وقفوا بين يديه يجرون صيدهم قال لهم: " والآن اقتسموا حماركم بينكم وليبدأ بالقسمة الذئب ".
اقتسم الذئب الفريسة إلى ثلاثة حصص، قدم حصة للثعلب، ودفع بحصته جانبا، ثم تقدم إلى الأسد بحصته، ولما اقترب منه صفعه صفعة أحدثت في وجهه أخاديد بعدد أظافره أنسته نفسه فما وجد لها غير الفرار سبيلا، فقال الأسد: " ليقتسم الآن الثعلب ".
تقدم الثعلب إلى حصة الذئب ودفع بها إلى الأسد قائلا: " حصة الذئب حصتك أيا الأسد " ثم تناول حصته وتقدم بها قائلا: " وحصة الثعلب حصتك أيها الأسد " ثم جمع الفريسة ولم يبق تالفا منها ذيل أو حافر، ضم ما تفرق منها إلى بعضه ودفع به قائلا: حصتك أيها الأسد هي حصتك وهي كل الفريسة "، فقال له الأسد وهو يضحك من الغبطة : " أين تعلمت القسمة والحساب؟ " فقال: " تعلمت الحساب وأتقنت القسمة في وجه الذئب ".
استأثر الأسد بكل الحصص ونسي جحا، فقال له بعدما شرع يجر فريسته: " إلى أين؟
ـ إلى حيث أريد بحصتي.
لم يبال، تقدم إلى جحا يظنه حيوانا مثله، ولما هم بوضع يده عليه ضغط جحا على عنقه فخنقه حتى انطلق رذاذ من عينيه كما لو كان حبـة عنب مضغوطة بإبهـام وسبابة، ثم أرسله قائلا: " لا تزال مغرورا، تظن نفسك أسدا، وما أنت إلا كلب، هذا أوان محاسبتك على لصوصيتك، على ظلمك وطغيانك، أما الأسد فهو أنا، أنا قاضيك.
ــــــــ
ـ 1 ـ الوعدودي اسم حقيقي في الحكاية الأولى، والقصتان مقتبستان من حكايتين شعبيتين تتداولهما ذاكرة طنجة الشعبية . الأولى واقعية حصلت في سبعينيات القرن الماضي وقد باتت حكاية شعبية، أما الثانية فقد وردت كالتالي:
زعموا أن ثعلبا وذئبا وأسدا اتفقوا على صيد مشترك يقتسمونه بينهم، فخرجوا إلى الصيد، طاردوا حميرا وحشيا حتى تمكنوا من جحش سمين وقع بين أظافرهم، جروه إلى عرين الأسد وأخذوا راحتهم، ثم أمر الأسد الذئب والثعلب بتقسيم الفريسة بينهم.
قسم الذئب الفريسة إلى ثلاثة حصص، فتقدم بحصة الثعلب ودفع بها إليه ، ثم نحى حصته جانبا، وتقدم بحصة الأسد، ولما اقترب منه صفعه صفعة أصمته حتى استنفرت لها دوافع طاقته فهرب يصيح  مسمعا الذئاب، ثم أشار الأسد إلى الثعلب وطالبه بتقسيم الصيد، فتقدم الثعلب وأخذ حصة الذئب ودفع بها إلى الأسد قائلا: " حصة الذئب حصتك سيدي الأسد، وتناول حصته ودفع بها إليه قائلا: وحصتي حصتك سيدي، وجمع أجزاء الفريسة وضمها جميعا إلى نصيب واحد وقال: وحصتك سيدي هي هذه " ضحك الأسد من الغبطة وسأله: " أين تعلمت القسمة والحساب ؟ ". فرد عليه: "  تعلمت ذلك في وجه الذئب ".
ملاحظة:
الحكايتان مرويتان باللهجة العامية بأساليب مختلفة وصيغ متباينة ولكنها جميعها تدور حور معنى واحد، وتروى بلهجة من العربية محرفة نطقا، وهي موجودة في كليلة ودمنة وأنا هنا لم أكتبهما باللهجة المروية بها محاولة مني تجاوز ذلك كما هو الشأن في قصة وجيهة أخرى نشرت في دوريات ورقية وبعدة منتدبات عربية في الشبكة العنكبوتية بعنوان: عند الرحمن المجذوب في غوانتانامو .
طنجة في :
13ـ  09 ـ 2007 
..................

قيم شامخة
( قصة وجيهة )

ما بين عهدين، عهد استعمار بغيض، واستقلال مُزيَّف غيضت أعراف، وطفت عادات، شهدت طنجة كما سائر البلدان العربية أعراف وتقاليد جسدت بقايا ثقافة بدت كالمستحثات، عمّرت طويلا وتجاوزت قرن الغزو الفكري والتبشيري حتى فتح العالم الإسلامي فتحا عسكريا من طرف القارة العجوز.
استأسدت قيم وحُقّ لها الاستئساد لاستحقاقها. واستأسدت أخرى ولم تفلح في الاستحقاق لزورها وتزوير أهلها لها.
نبت المخضرم في طنجة الدولية، ولد فيها قبل رحيل ألبرت أينشتين بسنوات هي أعداد حروف أقصر أبجدية في العالم، شبّ فيها منجذبا إلى تناقضات لم تفلح الدخيلة في صهره فيها كلية، تذوَّقها وشربها سَكَراً هاجت له مِعْدته واستنجدت بالأعصاب لإراحتها، لم يدجن وأنّى له التدجين، فليس هو كتكوتا من جين معتلّ، صادق فيها صاحبا ليس كالأصحاب، صار له أخا دون أن يشاركه حَبْل السرة. انحرفا معا، واستقاما معا. تزوجا وأنجبا كتاكيت خرجت إلى بيئة يكثر فيها الظلم، ويتكاثر فيها التظلّم. يتلاقيان ويتسامران ويتناولان معا الطعام والشراب وكؤوس الشاي المنعنع، ينتشيان به أكثر في شهر فبراير ومارس لحشْو برّادهما بالشّيبا والْويزا اليابسة ومَرْددّوشْ وزهر البرتقال.. أحدهما يدعو صديقه إلى بيته لسعته واحتوائه على حديقة مخضرة غناءة يأنسان فيها بالحشرات والزحّافات والطيور ولعب الأطفال.. يجلسان منفردين دون زوجتيهما.
طرق محمد مرة بيت صديقه ينوي اصطحابه إلى شاطئ مرقالة حيث يشتغل في مقهى فيه نادل فتى من حيهما، يصغرهما بسنوات هي عدد عظام جمجمته، تعوَّدا احتساء شاي فوّاح (مُشَحَّرٍ)لشدّة تعريضه للنار ولكثرة غليانه؛ في مقهى صفيحي يتراصّ مع غيره يناجي البحر والسماء، ظلت البلدية تتربص به حتى رحل عن شعب طنجة حلاّبها ليحلّ محله حصّادها، نُصِّب متلاف ممتلكات الشعب في منتزه الرميلات ومديونة وشاطئ هوّارة فاقتلعها ليشرِّد من يعتشْ عليها. قرع باب صديقه وأطال الوقوف منتظرا فتحه، وما كاد يعود أدراجه تحت ضغط يأس رفيع حتى تنبهت له أمّ أيمن عندما أطلّت برأسها من سطح المنزل وهي نازلة بغسيل طهّرته الشمس، وتمسّح به الهواء النقيّ، رمقها فأشارت عليه بالصّبر.
لم يكد يجزع من الانتظار حتى فتحت بابها وأشارت عليه بالدخول، اقتحم المدخل وصعد الدّرج وفي ذهنه صور بدأ يستدعي وجودها بمناداته:( سعيد.. سعيد..)، ولكن لا جواب، وتستمر الصور في التداعي فينادي: ( أحمد.. أحمد.. بثينة..)، لا جواب، وقفت بين يديه تشير عليه بالجلوس في عرض الصالون.
لبد مكانه محاطا بفراغ لم يعهده في بيت صديقه قطّ، لا حسيس لوجود أبناء، ولا أثر لوجود أبيهم، تدقّ ساعته ويحسب دقاتها: تِكْ تَكْ تِكْ تََكْ في سفرٍ سِتّينِيًّ نحو تلاوة: إقرأ للأديب الطنجاوي بوكماخ، عدّدها في ضجرٍ حتى بدنت ثوانيَ بخمس بويضات مُلقَّحة، عندها شرعت تقتحم ذهنه أوهام جالدة، لا يصدِّق أنه في بيت صديقه مختليا بزوجته: ( لا، لا، لا يمكن أن يكون هذا )، تلك كلماته إلى نفسه في مناجاة متعكِّزة على إبهام، ووساوس في صدره رابضة على إيهام، يراها غير صالحة في الوسط الذي يتواجد فيه، لا، لا، لا يزال يعتقد أنه مأنوس في بيت معمور. وما بين دورانه في دوّامة الأوهام، وحركة رأسٍ تستقلّه عينان حذرتان وقد شرع يراقب أفكارا هابطة وصاعدة تزاحم خلايا دمه وتتسابق مع صفائحه، وحين’طويت ثوان نحيفة يغار منها برنارد شو وقفت ربّة البيت وسط الدار بناصية تستقيم أفقيا كالمجرّات، عرف محمد أنها تريد تكليمه وهو إلي تخليصه من كابوسه مشتاق، وعلى فراغ الدار من صاحبها جدّ مقلاق، ينتظر على أحرّ من قلب نجمٍ متفجِّر، يودّ التخلّص من الحرج الذي وقع فيه، وقبل أن يرميها بسؤال، أو يرشقها باستفهام سبقته هي بإشارة، وضعت يدها على شعر رأسها وشرعت تحرِّكه جيئة وذهابا، تدفع به إلى الأمام وإلى الخلف، ثم تنزع أصابع كفّها عنه وتشير بسبابتها إليه وتقول: (دودو .. دودودو..)، لم يفهم ذلك، بلِه لحركتها وما كان له إلا أن يتبلَّهْ، لم يفهم حركتها، ولا فقِه كلمتها، نظر إليها بملء اندهاشه، يبْدن به استغرابه، وحين هربت منه استجابته وهْي متسمِّرة تنتظر ردّة فعله وتد يئست من ردّه؛ وضعت كفيها أسفل ثدييها وجمعتهما على قَدَر وشرعت تهزّهما رفْعا وخفْضا؛ ثدياء تردِّد: (دودودوو.. دودو..)، أغطس بصره في رخام الغرفة كما تغطس الطير لغطس السحالي بحثا عن سمك مفجوع، واشتعلت في رأسه نيران رهيبة، وضخّ سما كثيرا في جسمه، ولم يرفع رأسه حتى ألقت إليه مرة أخرى تقول: ( دودو..دودو..دو.. ) وتشير برأسها تستفسره نعم أم لا ؟ نظر إليها فإذا هي متقدمة في تمثيليتها كما يتصور، تضع يديها على حرقفتيها يحيط بهما كلتا إصبعي الإبهام والسبابة وقد استقروا فوق نصفها وكأنها تتهيأ لرقص شرقي خليع، ثم بدأت تهز نصفها يمنة ويسرة يستثقلها اكتنازها وتقول: ( دودو..دودو..)، حدّق فيها بوجه عبوس قمطرير، ورماها بلسان أخرس واه ظنا منه أنها ستستجيب لعضلات وجهه. تركته لضلاله ودخلت مطبخها غاضبة، وما كادت تدير له ظهرها حتى انقذف من مقعده كالرصاصة وركض حافيا نحو الباب يقفز على الدّرج طائرا وكأنه ملاحق تتبعه فضيحة قاصمة، أو داهية لاطمة، ثم خرج المنزل واتخذ لنفسه مكانا في زاوية بعيدة لا تحجب عنه باب صديقه؛ يراقب من خلالها عودته، وقف يفور غضبا وقد لفت انتباه الناس بمظهره الأنيق دون حذاء، يرتدي بذلة بلون عينٍ شقراء ريفية جرمانية، وربطة عنق كأديم الأرض، لم يأبه لهمزهم، أو يخجل من لمزهم، يسب زوجة صديقه التي همّت به، وما همّ بها خلاف يوسف مع امرأة العزيز وإلا لماذا تلك الحركات الخيانية؟ ظل يدير في ذهنه ما يدير، يفكر ويفكر. أيفضح زوجة صديقه فيرتاح وجدانه، ولكنه سيتسبّب في تدمير الأسرة وتشريدها؟ أم يسكت فيكون خائنا لصديقه لا يعرف الوفاء إلى قلبه سبيلا؟
ظلت نفسه تتحدث إليه بلغة لا يفهمها، يتمنى أن لو كانا من جزيرة دومينيكا يتحدث الرجال فيها لغة غير التي يتحدث بها النساء، ولكن كلتا اللغتين تحفر في الأحلام طريقا، وتشقّ في الأذهان فهْماً خلاف لغته ولغة نفسه.
قدم سعيد، وما أن همّ بفتح الباب حتى ناداه محمد من بعيد، أشار عليه بالقدوم فلم يستجب، وانخرط في إدخال المفتاح في قلب عشيقته، ولما فتح له التفت لعله يراه قريبا، فلم يجد له حركة، فاستغرب لذلك، وأعاد الإشارة، فأجابه بمثلها: أن أقدمْ إليّ، ركض الأطفال نحو محمد: (عمّو.. عمّو). ( كيف يرفض محمد الاقتراب من بيتي؟ لم يفعلها قط، هل الأمر جلل؟ ربما )، تلك كلمات سعيد لا يستطيع جِنِّيّ استخراجها من صدره لصدورها من سارد قصته، قلق وتحرك بسرعة يهرول نحو صديقه وقد امتلأ قلبه من الخوف، وانقبض صدره من الضجر، أخذ الأطفال بيد محمد وشرعوا يجذبونه من يديه كعادتهم ليحملوه على دخول الدار، ولكنه هذه المرة اعتذر إليهم بعدما احتضنهم وقبَّلهم وقدّم لهم حلوتهم التي تعوّد أن يجلبها معه عند كل قدوم لمحبته لهم.
ما كاد محمد يشير بضرورة إدخال الأطفال إلى المنزل ليختلي بصديقه حتى بادر إليها سعيد، ركض بأبنائه لرؤيته صديقه يتحرك حافيا، يشغله ذلك ويقضّ مضجعه؛ وهْو تصرّف مجانين كما يقول أبدا، أو مصابين غيَّب المصاب عقولهم عند الملِمّات بددا، تأثّر بذلك وتغيّر وجهه، لم يكن يؤثر بؤس أحد أكبر من بؤس صديقه، أخذه من يده وسار به قليلا وهو لا يقوى على رفع ناصيته في وجه سعيد، فابتدره يشجِّعه على كشف الخبيئة الخبيثة التي ألمّت به، عندها شرع يقص عليه قصته التي مرّت معه منذ حين قريب، ويستسمحه على دخول بيته دون إذن منه، وأنه لم يكن يعرف أنه في الخارج، وأن أمّ أيمن هي التي أدخلته، وما كان له أن يدخل لولا اعتقاده بوجود صديقه في بيته، يعتذر ويعتذر، ويخشى مؤاخذته على ذلك، يحرص على إبعاد الشك من روْع صديقه، ويقاتل في دفع سوء الظن به حتى لا تتصيده الوساوس وتفرِّخ  في دواخله..
انخرط سعيد في ضحك طويل، ثم قال لصديقه وهو يغالب عضلات الضحك: ( لا عليك، سأشرح لك حين نجلس، هيا إلى كأس شاي منعنع، فلدي إليك حديث طويل ).
ـ أذهب معك إلى أين؟
ـ ما بك؟
نظر إلى وجهه فلم يجد عليه أثرا للغضب، دار به رأسه وانفعل وشرع يؤنِّب صديقه ويوبِّخه على برودة دمه وديّوثيته، يستنكر بلادة إحساسه وغياب غيرته، يحضر ذهنه الحيوان الذي لا يجترّ وما يقال عنه من غياب تام للغيرة على أنثاه: ( أهكذا تكون المروءة من رجل عاشرته نصف قرن ولم أزل أتقاسم معه وحدة القناعات والمقاييس والمفاهيم ؟ ) كما يقول، انخرط للمرة الثانية في ضحكه يكاد يستلقي وقد حفّز غدة الدمع على مشاركته؛ وصديقه واجم يستغرب ما يشاهد، ويستنكر ما يجري، وحين شبع من الضحك أخبره أن زوجته ما وضعت يدها على شعرها وكان أسود إلا لتكرمه، فهي حركة مضيف لضيفه، ( كانت تخيِّرك في نوع القِرى واختارت لك شرابك الذي ستقدمه لك بلون شعرها، وكان قهوة سوداء، ولذلك خيّرتك إن كنت تريدها. وأما حينما وضعت كفيها على ثدييها وحرّكتهما فإنما فعلت ذلك لتخيِّرك بين أن تكون قهوتك سوداء، أو بالحليب. وأما حينما وضعت كفيها على حرقفتيها وحرّكتهما حركة راقصة فإنما أرادت تخييرك بين ما خيَّرتْك، أو أن تكون قهوتك نصف نصف" نُصّْ نُصّْ " ( 1 ).
ألا تعرف أن زوجتي ليست مستنسخة من واضع السيمفونية الريفية، ولكنها تشبهه في عاهته؟ ).
منح صديقه طمأنينة أذهبت من وجهه الوجوم، وأشعلت في قلبه الصفاء. انشرح لذهاب غضبه، فقبل عرضه.
انفرد سعيد بزوجته في مطبخها لحاجة البيت والأولاد وشرع يتعجّل عليها قصة محمد حتى لا يضجر لتأخره عليه، تركه يستحضر قانا الشمعونية وهو ينظر في الفضائيات لقانا الألمرتية.. وحين استقرتْ أم أيمن على فهم ما دار في ذهن صديق زوجها، وما نواه من سلوكها معه انسلت من بين يدي زوجها غضبانة قد جرّت معها جُرحاً عميقا في كرامتها، رفضت سوء ظنِّ صديق زوجها بها وهي التي أدخلته بيتها وأجلسته في صالونها حُبًّا وكرامة لزوجها. صديق زوجها في منزلة أخيها كما هو في منزلة أخ زوجها، اقتحمت عليه الغرفة وهو مطمئن قد أزال عنه صديقه ما أزال من وساوس وأوهام، فشرعت تصيح في وجهه منتفضة وتشير بيدها؛ تطرده، ورغم تدخل زوجها ومحاولة أبنائها منعها؛ لم يفلحوا.
خرج محمد مطرودا من بيت صديقه يقول: رُبَّ ’ذلٍّ من عزيزٍ جلب عزًّا. طردته زوجة صديقه الثائرة لجرحها. ذهب يحمل فهما خاطئا قد تمّ تصحيحه، وظنا مكسورا قد تم تقويمه، فتفهَّم الأمر وقبله، وراح يغني للنفس الشامخة.. يغني للمرأة العظيمة التي تحمل قيم الشموخ؛ متناسيا نفسه، ولكن التي طردته من بيتها لم تتفهم ما صدر عنه، ولم تقبله منه.
دخلت غرفتها يحيط بها أبناؤها كملكة نحل في خليتها تضمِّد بالبكاء جراحها، وتداعب بالحمد والعفَّة مصابها، يشبهها في مصابها ذلك الذي أبدع سيمفونية: القدر يقرع الباب.
ــــــــ
( 1 ) القصة مأخوذة من حكاية شعبية رائجة بين شعب طنجة. تقول الحكاية:
قدم صديق لزيارة صديقه فطرق بابه، ثم أدخلته زوجته بإشارة فهم منها أن صديقه في الداخل. وحين جلس في غرفة الضيوف و’طويت ثوان نحيفة وقفت زوجة صديقه بين يديه فوضعت يدها على شعر رأسها وشرعت تحركه إلى الأمام وإلى الخلف، فلم يفهم شيئا، تنحت عنه، ثم عادت تضع كفيها على ثدييها وتهزهما بإشارة فهم منها رغبتها في الممارسة الجنسية، فغضب لذلك أشد الغضب، وكظم غيظه، ثم مدّت يديها إلى نصفها ووضعت كفيها على حرقفتيها وتأهبت لرقصة شرقية خليعة، فلم يستجب لها، عندها ولّته ظهرها واندسّت في مطبخها، وما كادت تنتهي إلى قلبه حتى انقذف كالرصاصة من مقعده، وقفز في الدرج يطير خوفا ورهبا إلى أن خرج.
اتخذ لنفسه مكانا جعل منه مشرفة يطل من خلالها على باب صديقه، ولما هم صديقه بطرق بابه ناداه من بعيد.. ثم شرع يقص عليه قصته، فانخرط صديقه في ضحك مثير أغضبه، ولكنه ارتاح عندما شرح له ما جرى بينه وبين زوجته.
أخبره أن زوجته ما وضعت يدها على شعرها وكان أسود إلا لتكرمه، فهي حركة مضيف لضيفه، كانت تخيرك في نوع القِرى واختارت لك شرابك الذي ستقدمه لك بلون شعرها، وكان قهوة سوداء، ولذلك خيرتك إن كنت تريدها. وأما حينما وضعت كفيها على ثدييها وحرّكتهما فإنما فعلت ذلك لتخيرك بين أن تكون قهوتك سوداء، أو بالحليب. وأما حينما وضعت كفيها على حرقفتيها وحرّكتهما حركة راقصة فإنما أرادت تخييرك بين ما خيرتك، أو أن تكون قهوتك نصف نصف( نُصّْ نُصّْ).
ألا تعرف أن زوجتي خرساء؟
ــــــــ
طنجة في :
03 / 02 / 2007  الساعة:
5 h 35 mn (ليلا ـ صباحا).
............................

حسناوات الكنيسة
( قصة وجيهة )

تسلل لص إلى كنيسة بألبيسين (1) ALBAICIN يريد سرقة مستودعات الرهبان، عزم على التسور من ناحية شرقية يطلب مدّخراتهم لاعتقاده بوكوفهم على ثروة هو في أمسّ الحاجة إليها.
تسلق حائطا قفز منه إلى حمى الكنيسة، تقدم في دهاليزها يقتحم بابا ويعجز عن أخرى حتى ضاع، ركن إلى سمعه يتحسس صوتا أو حركة لكائن حيّ فلم يجد، سكنه اليأس حتى استسلم له فقفل عائدا من حيث أتى، ولكنه لم يعد يذكر الممرّات التي تذْكره، يشقّ طريقه في اتجاهين لا يدري أيّهما سيحظى بمخرج فيه، كلا الطريقين يعبقان بريح زكيّةٍ لمخطوطاتٍ تودُّ التحرُّر من قبضة الكنيسة، يسمع فيها حسيس تظلُّمات مقتصرة على من يتكلم لغة الضاد، وبينما هو غائر في حيرته جادّ في نشاطه؛ اقتاده فضوله إلى باب كبيرة يئَّسته من فتحها قبل أن يلامسها، ولكنها كانت دون قفل، دفعها فانفتحت لدفعته العنيفة التي صنعها القنوط وولّدها الخوف، عندها فزع لكائنات تصيح وتستنكر.. وجد نفسه عند مطبخ مليء بالراهبات يتناولن طعام العشاء، فزعن لاقتحامه، فوقفن يرتعدن مرتعبات من مداهمته، حاصرهن وقد كان قبل حين قريب محاصَراً بيأسه حتى فطن لوضعه الجديد فاسترجع تركيزه وقلّب الأفكار في ذهنه، ثم طالبهن باستخراج ما لديهن، أصر على انتزاع ما في الكنيسة من نقود وحِليّ تعرف كبراهن مكمنها، أقسمن له بخلُوّ الكنيسة من الأموال والحليّ.. لم يصدقهن، أصرّ وأصرّ على حملهن على استخراج ما تحت أيديهن في الكنيسة من أموال..
تقدمت إليه كبراهن في ثقة تلتحف بثباتها وقد ذهب روعها وحضر جأشها، شرعت تحمله على تصديقها ووعدته بأموال ستجلبها من معونات وتقدمها له لأنه محتاج كما رأت..
لم يملك اللّص لحديثها أيّ مقاومة، ولكنه انتقل بعدما أسكنه صدره إلى نظرة أخرى أنسته ما جاء من أجله.. توسّطهن وكنّ شابّات في ريعان الشباب، جميلات حسناوات يقتعدن العلى في سُلّم الفتنة، كنَّ على مشارف الربيع الثالث من عمرهن، وكانت كبيرتهن مشرفة على الربيع الرابع..
وقف متسمِّرا مكانه يجول بنظره وقد تعوّد رؤيتهن مُحجّبات في الكنائس والشوارع؛ بينما هنّ في مطعمهن لسن سافرات، هنّ شبه عاريات قد ضغط عليهن قيْظ غرناطة، وأرغمهنّ فصل الصيف على لباس ما خفّ وشفّ..
لم يقاوم حسنهن، ولم تعي عيناه من رشقهن، قوامهن يتأبط اكتنازا  ممغنطا، مليحات كخضراء الدِّمن، أبدى رغبته في مواقعتهن طوعا أو كرها، سرت صور الاغتصاب في أذهان كثيرات منهن فشرعن يبكين وينتحبن ويستجدين الذي تحوّل من طالب مال إلى طالب جنس، يولْولن أمامه بدموع ثرّة لم تحرِّك قلبه أو تُرقِّق مشاعره، جنّ جنونه حتى ما عاد يسمع غير صوت رغبته، أعاد قوله وهو متعجِّل لا يفكر في فراش يضمُّه بإحداهنّ، يفكر في مواقعتهن جميعا رغم تأخر عصر الفِياجْرا عنه قليلا، حفّزت رغبته أجملهن فتوسّطت زميلاتها وقالت:
ـ من فضلك اترك أختنا الكبيرة واختر من تشاء منا، دعنا نلبي حاجتك، ثم نستغفر الله ونتوب إليه.
ـ كلا، لن أترك واحدة منكن، إنكن فاتنات يصدأ حسنكن في الكنيسة والأوْلى أن يُستمتع به في حياة زوجية، أو في حياة الطيش والإباحية المنتشرة في بلادنا الأوروبية..
ـ ولكننا راهبات لا حاجة لنا في الجنس.
ـ هل تصدقن هذا الهراء؟ وهل تجدن ما تقلنه حقا؟ ما وجد الميل في الذكر إلى الأنثى إلا لِيُشبع، وما وجد الميل في الأنثى إلى الذكر إلا ليشبع، ثم ماذا لو هب الشعب كله للرهبنة، فهل يستمر النسل؟ إنكن مثل المثْليين ترِدْن توقُّف الحياة وانقطاع النسل والانحراف عن الفطرة، لا والله دعن هذا اللص يكسر هذه العادة، فلعلي أغنيكن فترة عن الممارسات الشاذة مع بعضكن البعض ومع أدوات تمارسن بها العادة السرية.
وما بين جدل محصن من العقم انتفضت الأخت الكبيرة تصيح في وجوههن وقد وقفت على المائدة فأُهْرق الخمر المعتّق وسقط الطعام والشراب لعدم توازنها ووجهت وجهها وخطابها للراهبات الفزعات اللواتي أشفقن عليها من الاغتصاب، فقالت:
ـ Que Ha Dicho? ¿ ماذا قال آنفا؟
ـ  Ha Dicho Todasقال باغتصابنا جميعا.
ـ Entonces Tiene Que Ser Lo Que Ha Dicho إذن ليكن ما قال، ولا كلام.
ـــــــــــــــ
(1) ألبيسين: حي البائسين ALBAICIN، وهو حي عربي قديم لا يزال على حاله في مدينة غرناطة يشهد على ثقافة ساكنته البيئية والمعمارية، يرتاده السياح بالملايين في ظرف سنة واحدة..
ملاحظة:
هده الحكاية ترددها الذاكرة الشعبية في إسبانيا سخرية بالكنيسة وتكذيبا لها فيما تزعم بقدرة الإنسان على إماتة شهوته دون تدخل جراحي أو ما شابه، ولذلك يسخرون من رجال الدين بزعمهم القدرة على التخلي عن الممارسة الجنسية لحساب الرهبنة، ويتهمونهم بممارسة الشذوذ والعادة السرية بناء على قرائن وأدلة من مثل كورا كنيسة أوليلفا Huelva الشاذ الذي صرح لوسائل الإعلام بممارسته الشاذة مع شاب من مدينته، وما خلفه زعيم الكنيسة الكاثوليكية السابق في روما بولس الثاني وهي بنت له من الزنا..
=======
طنجة في:
10 نوفمبر 2007
 

 



 

 التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


  المشاركة السابقة : المشاركة التالية

إضافة تعليق سريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *
 
TO  cool  dry 
عربي  mad  ohmy 
huh  sad  smile 
wub 

طول النص يجب ان يكون
أقل من : 30000 حرف
إختبار الطول
تبقى لك :



 

   ابحث في الموقع


 

   اصدارات الجيرة


 

   مرئيات

الأحزاب الوطنية قمامة يجب كنسها
التطبيع مع إسرائيل لا مصداقية له وهو باطل وخيانة
من كوفيد -19 إلى كوفيد -20 فإلى أين؟

 

   تسجيل الدخول


المستخدم
كلمة المرور

إرسال البيانات؟
تفعيل الاشتراك

 
 

الأولى . أخبار متنوعة . قسم خاص بالأدب المَمْدَري . القسم الإسباني . الكتابات الاستشرافية في السياسة والفكر والأدب . ثقافة وفنون
كتب وإصدارات . تحاليل سياسية . تعاليق سياسية . بريد القراء . سجل الزوار . من نحن . اتصل بنا

المواضيع والتعليقات المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي الموقع، و إنما تمثل وجهة نظر كاتبيها. ولن يتحمل الموقع أي تبعة قانونية أو أخلاقية جرّاء نشرها.

جميع الحقوق محفوظة © 2009 - 2010 طنجة الجزيرة

تصميم وتطوير شبكة طنجة

ArAb PoRtAl