|
إرث المتاع والنبوة عند الشيعة الإمامية
=============
ذات ليلة دعاني أحد الأصدقاء بالتلفون إلى التحول إلى قناة "الأنوار" الفضائية للاستماع إلى حوار مع عالم دين شيعي، وكان الحديث حول التوريث، توريث النبوة والعلم كما يشرحه علماء السنة في الحديث المروي عن أبي بكر في رواية عند الترمذي بإسناد صحيح: "نحن معشر الأنبياء لا نورث".
أنكر الرجل الحديث ورده على صاحبه أبي بكر بشكل يبدو فيه الحقد والكراهية، ولا أقول عدم الاحترام، ولما تناول الحديث بالتفنيد تناوله بآيات من القرآن تناقضه ليذهب في الأخير إلى تثبيت الظلم في حق فاطمة الزهراء رضي الله عنها حين رفض الصديق منعها أرضا كإرث خلفها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تناول الرجل التوريث لغة وأطال فيه، ثم أثبت أن الإرث المقصود في جميع آيات القرآن الكريم لا علاقة له بالنبوة والعلم وما شابه، وإنما هو توريث للمال حصرا وما يقع تحت طائلة المال.
حام حول قول الله تعالى في سورة مريم: ((كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) )).
نفى بها أي شيء غير المال وما يقع تحت طائلته مما يتوارثه الناس، وحين انتقل إلى إرث آل يعقوب جعله إرثا لزوجتين من آل يعقوب كانتا موجودتين في زمنه، ولكنه لم يطل الحديث فيه نظرا لحساسيته.
المهم أن الرجل أثبت أن المرأة كانت تورث على عهد زكرياء، وهذا قول لا يثبته إلا التاريخ والكتب السماوية عير المحرفة، فقد كان زكرياء نبيا من أنبياء بني إسرائيل يعمل بالتوراة، والتوراة الصحيحة والتوراة المحرفة ليس فيها ما يجعل المرأة متاعا يورث، صحيح أن المرأة قد كانت من سقط المتاع عند الهنود مثلا، وكانت تورث بعد وفاة زوجها عند العرب، وكانت على حال في جميع الدنيا يجعل منها دونية عن الرجل، ولكنها في الشرائع السماوية لم تكن كذلك..
وأما إرث زكرياء وتوريثه لاينه يحيا فلم يتحقق لأن يحيى عليه السلام توفي في حياة والده، والإرث لا يتحقق بحياة المورث، أضف إلى ذلك أن زكرياء كان نجارا يأكل من عمل يده، ومن كانت هذه حاله مع انشغالات النبوة والعبادة وانشغالات أخرى تتعلق بهداية الناس وتوجيههم والعمل فيهم بشريعة موسى لا يمكن أن يكدس ثروة حتى تورث، ومن هنا يكون دعاء زكرياء غير مستجاب وهو الذي أقام شهادة على نفسه بحيث صرح أنه لم يخب ولو مرة واحدة بدعاء ربه، لقد كان مجاب الدعاء، ولكنه في هذه المرة لم يكن كذلك لأنه لم يمت ليرثه ولده يحيى..
ومن جانب آخر من حيث تحكيم العقل نجد أن زكرياء نبي، والأنبياء أكثر الناس عزوفا عن الدنيا فلا يأخذون منها إلا ما يحتاجونه، وزكرياء دعا ربه، ودعاؤه ربه إذا انحصر في توريث المال والمتاع يجعل من زكرياء رجلا دون مستوى النبوة وهو نبي لا يمكن أن ينزل إلى ذلك المستوى الذي يضرب قيمة تأسي الناس به واتباع تعاليمه التي يأخذها من شرع من قبله، أو يأخذها من وحي الله، انظر تصرف نبي مع قومه قد سجلها القرآن الكريم في سورة البقرة: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248) )). ، يجعله جشعا أنانيا حريصا على المال يخشى عليه حرص الشحيح والبخيل، إذ كيف يدعو نبي ربه أن يورث ولده ماله وكان ذلك بسبب ما رآه من كرم رباني للطاهرة مريم، وهو في نفس الاتجاه عبد شكور؟..
ومن جهة أخرى نعلم أن زكرياء نبي من بني إسرائيل والنبي غير الرسول، فلم تكن هناك شريعة في عهده إلا شريعة موسى. والأنبياء الذين جاءوا بعد موسى عملوا بشريعته فيكون زكرياء ويحيى، بل وعيسى يعملون بشريعة موسى علما بأن عيسى رسول، ولكن ليست لديه شريعة، فالإنجيل مزاجر وزواجر ومواعظ.. كان عيسى يعمل بشريعة موسى؛ التوراة، فشريعة موسى كانت موجودة وزكرياء يعمل بها في الحياة العامة، فكيف يخطر ببال أحد أن يدعو زكرياء ريه أن يمنحه ولدا يرثه وأحكام الإرث موجودة لا خوف عليها؟ وإذا كان يرى أن هناك تغييرات ستحصل الشيء الذي جعله يدعو ربه ليحفظ على ولده أمواله ومتاعه يكون الرجل ليس من أصناف الأنبياء، إذ لا يمكن لنبي يثق بربه أن يدعو بهذا الدعاء الذي ينحدر بصاحبه ويجعله حريصا على الدنيا وهو موقن برزق الله له، لا يمكن أن يكون الدعاء إلا لشيء أرقى وأعظم من الدنيا كلها، ولن يكون إلا كرم الله له لابنه بالنبوة أو العلم لأنهما الأعلى، وليس المال لأنه الأدنى..
ومن جهة رابعة نحد أن إرث آل يعقوب غير موجود كمالٍ ومتاع، موجود بامرأتين اثنتين من آل يعقوب، فكيف يدعو زكرياء ربه أن يورث ابنه امرأتين والإرث حق واتخاذ المرأة أو المرأتين زوجتين ليس حقا لأن للمرأة حق القبول والرفض وليس في شرائع الله شيء اسمه توريث النساء؟ فهل خشي على النسل لانقطاع الإناث؟ هل للتبرك بذرية آل يعقوب واتخاذ نسل منها؟ فإذا كان كذلك فالطريق إليه ليس التوريث، بل التزويج، والتزويج له شروطه، وهو ليس إرثا، وكيف يدعو زكرياء ربه أن يورثه متاعا غير موجود؟
لا يمكن أن يكون الإرث إلا النبوة والعلم، وهو هنا النبوة، فقول الله تعالى على لسان زكرياء: ((رب هب لي من لدنك وليا يرثني..)) يرثه لأنه فرد وزوجه مسنة وعاقر، وحرصه على خدمة رسالات الله، وخشيته من انقطاع من يعمل في الناس بشريعة الله دفعه أن يدعو ربه ليورث ابنه النبوة، صحيح أن النبوة لا تورث لأنها عطاء من الله تعالى، ولكن زكرياء لم يحد عن الخط، أو يشذ في الطلب، فقد دعا ربه، دعا كريما مجيبا، والدعاء مشروع، فإن اصطفى الله من ولده نبيا، فهو وما اصطفى سبحانه وتعالى وكان ذلك إكراما لعبده الذي استجاب له مثل موسى الذي دعا ربه أن يشرك أخاه في رسالته فأجيبت دعوته، وإن لم يصطف الله تعالى فلانا فلا يسأل سبحانه وتعالى عما يفعل، وزكرياء يعرف هذا، كما عرفه إبراهيم من قبل حين دعا ربه قائلا: ((رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)) البقرة، الآية: 129. ولذلك دعا زكرياء ربه ولم يكن بدعاء ربه شقيا، إذ وهب له ولدا وجعله نبيا، فقد شاركه النبوة في حياته، كانا معا نبيين من أنبياء بني إسرائيل، وهذا عطاء رباني، ولو لم يكن بدعاء ربه إلا شقيا لكان تأويل ذلك الخاوي من (علماء) الشيعة الإمامية حجة عليه..
وكون ذلك علما فقد يكون، لأن العلم حين يخرج من أفواه الرجال وأفواه الأنبياء فالطبيعي أن يتلقفه الناس ويتعلمه ويسعى إليه من يحفظه ويدعو له، فمن كانت هذه صفته وواقعه تحقق فيه أنه يرث شيئا يعود لأنبياء الله، فأي غرابة؟ علما بأن الآيات وسياقها وما تحدثت عنه وما عرف من التاريخ بشأن من ذكرتهم الآيات يجعل منها آيات تتحدث عن إرث النبوة، والنبوة فقط، وليس أي إرث آخر لامتناع أن ينصرف الذهن إلى عير ذلك، وحتى العلم وإن قصد في الإرث، فإنه ليس منعا إلا أن يكون كتابا حفظت حقوقه يمكن لورثة الهالك أن يبيعوه علما بأن العلم ما دام في صدور الرجال فهو لهم، أما إذا خرج من صدورهم فليس لهم، ولا حق لأحد أن يمنعه عن أحد، ولا يحق منع الناس من نشره إلا ما كان متعلقا بالحقوق المعنوية التي يجب أن تحفظ العلم كما هو، كما تحفظ الكتاب كما هو أيضا، وهو ما يسمى بالحقوق المعنوية، صحيح أن العلم شأن عام في الإسلام لا يحق إخفائه، ولكن الأصح أن الذين يعتنون به ويرثونه بالدرس والحفظ والتحصيل؛ هم العلماء، ومعلوم أن العلماء ورثة الأنبياء،..
...............
محمد محمد البقاش
16 شتنبر 2010
|