الرئيسية » كتب وإصدارات


الإعلام والطبيعة ( الجزء الأول )

الأربعاء 17-03-2010 06:15 مساء


سلسلة الجيرة الإلكترونية

 

====

 

الإعلام والطبيعة

  (الجزء الأول)

=====

 

الكاتب

 

محمد محمد البقاش

======

                               

الكتاب: الإعلام والطبيعة ( الجزء الأول )

المؤلف : محمد محمد البقاش ( كاتب صحفي )

الإيداع القانوني: 462 ـ 98                                        

ردمد ISSN 1114 – 8640    

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف.

الطبعة الأولى: السنة 2001م.

النشرة الإلكترونية الأولى:  غشت 2009.

الإخراج والتصفيف : وراقة جبل طارق طنجة.

السحب: مطبعة المجاهد، حي للا الشافية طنجة.

=========

الإهـــــداء

 

إلى الذين يتبينون حتى لا يقعوا في الكذب والنفاق.

إلى الذين يعتبرون الصدق أمانة والكذب خيانة.

إلى الإعلاميين الذين يبنون بصدقهم جسورا ليعبروا عليها إلى غاية الغايات.

إلى الذين يريدون أن تتحرر أمتهم من الذل والهوان لتتفيأ ظلال العز والسؤدد.

إلى الشباب الأعلام الواقف بالمرصاد للذين يبغوننا الفتنة والخبال.

 

إذا جعلٌ دَهدَه النتن  أنفــه     

                       فلا عيب في فعلة منه   تعجبـهْ

ولكن من كذبَ الناس كالجُعل   

                      يوضع خلال الناس كِذْباً وينشده

بلا دجل لا يستطيع كتابة        

                        بملء النذالة يسعى  وتسعـده

فما لم نكن يقظين نضلل       

                        وما لم نكن  فطنين نسايــره

مزيدا من الحيطة كي لا نقارف       

                        نفاقا بإعلام خبيث نعايشــه

مزيدا من التحرير فهو مرادنا       

                        سيبطل إعلام النفاق سنسقطه.

========

 

ديباجة الكتاب

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

     " يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين".       

الحجرات، الآية: 6


مقدمة

 

إن كتاب "الإعلام والطبيعة" في جزئه الأول هذا يتناول مجموعة من القضايا والأشياء تدخل جميعها مجال الإعلام.

فقد تناول الخطب لتضمنها إعلاما يراد إيصاله إلى المستمعين يتنوع تبعا لتنوع المواضيع المطروقة، فبين خطبة الجمعة، ولفت الانتباه إلى الباعث على تشريعها والهدف من إقامتها. كما تناول خطب المجاملات والمناسبات والمهرجانات الشعبية وعرّف بها وميّز بينها وأشار إلى الغاية من تنظيمها وإحداثها..

كما تناول ملف الانتخابات التشريعية الجزائرية نظرا لعلاقته بالبحث وأمانة للتاريخ واستدراجا لعقلية المؤرخ حتى يؤرخ لها، وقد سجل الكتاب مداخلات جرت بين الأحزاب السياسية الجزائرية عبرت عبر الأثير إلى مسامع الشعب  تخطره بضرورة التوجه نحو هدف محدد، فوصف بعض ما جاء من كلمات فيها بأمانة لم يحد عن تراكيبها فضلا عن معانيها، وبنى عليها نتائج الاستحقاق قبل التصويت فكانت كما قال.

وتناول المهرجانات الثقافية، والمحاضرات، والندوات، والمؤتمرات، والمناظرات وأسس لها ..

كما أخذ الإعلام الغيبي وأعطاه عناية خاصة حتى يلفت الانتباه إلى أهمية ما ورد بشان ذلك في الخبر القطعي اليقيني لأنه قضية مصيرية لمعتنقي الديانة الإسلامية ..

كما تناول إعلام الخيال وأسس له، وأخرج ما يخل بالخيال اللائق بالتخيل وغير المضر لعقل الإنسان ونشاطه المدني..

وتناول الإعلام الرجمي معرِّفا به، مناقشا ما يرد على ألسن العرافين والدجالين وفاتحي الكنوز، مؤسسا لتصور عن عالم الجن ومستحضريه ومسخريه بعدما قعَّد قواعده بأخبار عنه قطعية يقينية لا يمكن أن يجوز عليها الخطأ وإن جاز في فهمنا لها نحن..

وهذا الكتاب محاولة جادة لتأسيس إعلام هادف، إعلام يكون هدفه غير ما تعودنا سماعه، فما لم تكن الأهداف محددة من طرف وجهة النظر الكلية عن الكون بما فيه من إنسان وحياة، وعن علاقة الجميع بما قبلهم وما بعدهم يظل السعي إلى تحقيقها سعيا مضطربا سرعان ما تتزعزع القناعات بها فيتوقف السعي تبعا لهذه الزعزعة، ثم يستأنف من جديد، ولكن نحو أهداف أخرى هذه المرة، وهكذا دواليك.

كما أنه دعوة إلى بذل الجهود من أجل تقعيده، ولكن من منطلق قاعدتنا الفكرية الأساسية التي نحدد على ضوئها علاقاتنا بالإعلام الآخر، فلا نجعل الخبر مثلا مقدسا، بل نجعل القدسية في صدقه وأمانة نقله.. ولا نبعّض الإعلام بأن نجعل منه إعلاما مغربيا وإعلاما جزائريا وآخر تونسيا وغيره ليبيا.. بل نجعل منه إعلاما يُتبنى من طرف أيّ شعب يشترك مع الشعب الآخر في وحدة القناعات والمقاييس والمشاعر أملا في الوصول إلى وحدة الأنظمة بغية استئناف حياة حضارية متميزة بإعلام متميز أيضا وطريقة حياة متميزة هي الأخرى .. ولا نجعل منه وسيلة  لمساعدة الإستعمارعلى تكريس الفرقة والتجزئة بين أبناء الأمة الواحدة .. بل نجعل منه وسيلة  لتصوير سهولة تحقيق الوحدة الحقيقية وليس وحدة دعائية يراد قيامها موازاة مع الحفاظ على الدساتير المتباينة..

كما نجعل منه وسيلة لكشف مخططات الاستعمار وضربها. لا نجعل   منه وسيلة للتجسس إلا على الأعداء.

ولا نتتبع بواسطته عورات الناس.. بل نتتبع عورات الاستعمار من أجل وضع يد الأمة على مكره وخداعه وعدائه لها..

وكنت أود أن أضم إلى هذا الكتاب مواضيع أخرى غير أني رأيت إخراجها في الجزء الثاني أو الثالث من الكتاب أرجو أن يكونا قريبين بإذن الله، وذلك مثل بحث قواعد التحليل السياسي، والتعليق السياسي، وقواعد المقالة الإعلامية في الفكر والأدب والعلم والسياسة والتشريع، وكذلك بحث الجريدة والمجلة والنشرة .. وبحث الأدوات بشكل مستفيض والوسائل الإعلامية مثل الكومبيوتر والفاكس والفيديو..

وكان بودي أن أخصص في الجزء الأول بحث الخبر لما له من أهمية، غير أني عدلت عنه مخافة أن لا أعطيه حقه من استفراغ الوسع بسبب استعجالي أمورا أخرى لا أحب أن تكون على حسابه، ولذلك رأيت إخراجه في الجزء الثاني أو الثالث رغم إلحاحه القوي فمعذرة..

وفي عجالة صغيرة أحب الإشارة إلى أن الخبر قد يصل بتأثيره إلى الدمار والشلل، وقد وصل في معظم الأحيان عند صياغته بيد الغرب إلى إحداث مغالطات خطيرة سلبت الأفراد والجماعات والشعوب الإبصار للحقائق، وقد يصل بتأثيره إلى الانحراف عن جادة الصواب لدرجة فقد الإرادة عن اتخاذ إجراء الحياة أو الموت في قضايا مصيرية، من ذلك مثلا احتكار شبكة الإعلام سي إن إن CNN لأخبار حرب الخليج الثانية، وسكوت الغرب المطبق عن حقيقة كون مرض السيدا أو الإيدز (داء فقدان المناعة المكتسبة) اختراع غربي خالص لهم من دون الناس، (( فلقد تم صنع فيروس الإيدز في مختبراتهم ليدخل ما يسمى بالسلاح الجرثومي، وتم تطويره للقضاء على السود، ومارس تطوير فيروس "اتش"  "أي"  "في" علماء ألمانيا في سنة 1908"، وواصل علماء فرنسا وأمريكا تطويره بعد الحرب العالمية الثانية، ولم يتم الإعلان عنه في سنة 1981 إلا بعد تصديره إلى بلاد إفريقيا في الستينات كما يعترف به الطبيب الألماني "وولف جيسلر"، وكان ذلك بغرض التقليل من عدد سكان إفريقيا، واعتُمد في ذلك على الحقن فكانت الاتصالات الجنسية لا تشكل إلا 3 في المائة، بينما عمليات الحقن 97 في المائة، وهنا يجدر بنا الوقوف لتأمل مدى مصداقية الإعلام الغربي، فمصداقيته لا تنجح مطلقا إلا للاستعمار خصوصا وأن إفريقيا لا تزال بكرا([1])..))

فالله أسأل أن يكون كتابي هذا عود ثقاب ينضم إلى غيره في صرح ثقافتنا لتحرير الإعلام وإنارة الدرب الموصل إلى اقتعاد المكانة المرموقة التي أزيحت عنها أمتنا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

         

 

           تمهيد

 

الإعلام لغة الإخبار. وأعلمه الأمر وبالأمر، أطلعه عليه، فكان الاطلاع، والإعلام بمعنى واحد والاستعلام والاستخبار استفهام واستطلاع.

وعند محاولتنا العثور على اصطلاح معين لكلمة إعلام لم نجد لها اصطلاحا، فكان أن ظلت على معناها اللغوي، وتظل على نفس الحال في استعمالنا لها في هذه الدراسة المتواضعة. والاستعلامات أو الاستخبارات مصلحة رئيسية في أنظمة الحكم القائمة دوليا، وتعنى بالداخلية والخارجية، ولها رسالة على المستويين الداخلي والخارجي هدفها توعية الناس، وتكوين رأي عام يساير الأنظمة القائمة. ويُستعمل لاضطهاد المنحرف عنه، أو الرافض له بأسماء مختلفة، وعناوين بارزة حفاظا على الأنظمة والهيئات والأحزاب.

وتشبه الأخطبوط من حيث وصولها إلى كل فرد أو جماعة أو أداة تتعلق بمخاطبة الجماهير، فهي لا تقتصر بأقسامها على إدارة الصحافة والثقافة والمطبوعات، بل تتدخل مباشرة للتأثير على مجرى المقروءات والمسموعات والمرئيات حتى ولو لم تكن تملكها، ومن هنا كانت هامة جدا، وخطيرة بنفس الوقت.

والاستعلامات والاستخبارات، وما صاحبهما من معاني، وما يكتنفهما من استعمالات، وما لهما من مجالات واسعة متنوعة لا يعدوان أن يكونا شيئا واحدا، بحيث يدوران حول دائرة التجسس، والتجسس نفسه محاولة من المتجسس فردا كان أو هيئة أو جماعة أو دولة الوصول إلى علم بحقيقة المتجسس عليه- بفتح السين - فهم يحرصون على الوصول إلى أخبار حقيقية، واطلاع حقيقي وواسع على كنه الشيء المتجسس عليه، فكان أن ظلت جميع الاستعمالات منحصرة في الأصل اللغوي، إلا أنه من الضروري جدا فصل الإعلام عن التجسس وإن تضمنه في مجال خدمة الإخوان أصحاب التصور الواحد للكون بما فيه من إنسان وحياة، أي أصحاب الأيديولوجية الواحدة، وبمعنى آخر يأتي في المقابل لا يصح مطلقا التجسس إلا على الأعداء حتى يكون له معنى وتكون له مشروعية الحصن الحصين الذي يمنع نفوذ أي شيء يضر بالأمة، أو يعمل على انسلاخها من عقيدتها ونظامها، فكان لزاما بالضرورة أن توجد له هيئة تديره وتسهر عليه متوخية خدمة الأمة والحفاظ على كيانها الفكري والمادي إلى غاية الوصول إلى القدرة على إفشال المخططات الاستعمارية،  وضرب الأفكار الدخيلة المتناقضة مع عقيدتها التي تتبناها وتتخذها قاعدة فكرية وقيادة فكرية.

وللإشارة فإن ما يوجد في عالمنا الإسلامي والعربي من هيئات ووكالات للتجسس على المسلمين فعمل دنيئ يحرمه الإسلام وتنفر منه النفس الأبية، والكسب منه في هذا المجال بالذات كسب حرام وآكل مال هذا الكسب كمن يأكل لحم أخيه ميتا.

وللإعلام هدفان اثنان لا ثالث لهما، وهما :

أولا: الدعوة إلى فكر معين، أو رأي أو نظام أو حزب أو هيئة..

ثانيا: الدعاية لهم، أو لبعضهم، أو لواحد منهم.

والفرق مدرك، أو يجب أن يكون مدركا بداهة بين الدعوة والدعاية. فالدعوة تقوم على أساس الفكر، أي أن الداعي إلى فكرة ما،أو  رأي، أو نظام.. يحرص في دعوته على مخاطبة العقل، ومخاطبة العقل تتطلب التعمق في البحث، والاستدلال على صحة الرأي أو الفكر لغاية الوصول إلى الحقيقة لأن الحقائق حتى وإن جرت المغالطات فيها تظل دائما مطابقة للواقع، وهذه المطابقة لوحدها كافية لجعلها ثابتة وشامخة شموخ الجبال، ومن هنا وجب القبض عليها بيد من حديد سواء أثرت على الشعور أو لم تؤثر لأن الهدف ليس هزّ المشاعر، بل الوصول إلى الحقيقة لأنها المقصودة بالدرجة الأولى، ولا يعني هذا أن مخاطبة العقل بالأساليب الفكرية لا تؤثر على المشاعر، بل يعني فقط أن لايتم أخذها بعين الاعتبار عند البحوث الفكرية، ولذلك تجد في بعض البحوث الفكرية لغة بسيطة، وقد تكون لغة دون المستوى، وفي كثير من الأحيان باللهجات المحلية، وبكثير من الأخطاء التعبيرية، ولكنها مع ذلك موصلة وبالغة العقل، ومزيلة اللبس والغموض، وموضحة للأدلة.

وأما الدعاية فشيء مختلف تماما عن الدعوة، إذ قد يكون الرأي والفكرة خطأ محضا ومع ذلك يُحرص على تزيينها بعبارات تهز المشاعر، وتُطرب النفس، ويسار إلى تصويرها بصور جميلة، تهدف إلى الإثارة لأنها هي المقصودة، بصرف النظر عن ولوج ذلك إلى العقل حتى يقتنع، وما يترتب عنه من طمأنة للقلب، وموافقة للفطرة، وهذا هو الغالب على إعلامنا المعاصر. والإعلام بجميع أدواته رسالة نبيلة ولكن باعتبار المنطلق الإيديولوجي الذي يحكمها ويوجّهها، فما هو نبيل عند البعض، وضيع عند البعض الآخر وهكذا، والسبب بسيط جدا يمكن تلخيصه في كون الإعلاميين يختلفون حتما في قناعاتهم ومقاييسهم ومفاهيمهم، فحتى ولو تم الاتفاق أو الانسجام في مواقف معينة فإن غيرها مختلف، وغالبا ما يكون الانسجام مصلحيا،  ولا يمكن معالجة هذا الجانب إلا من حيث يعالج الإنسان أصلا في عقليته ونفسيته، أي أن المعالجة يجب أن تنصبّ على شخصية الإنسان ومقوماتها وقاعدتها الفكرية التي تبني عليها تصوراتها ومعالجاتها للإنسان والحياة..

وفي دراستنا هذه سوف نحرص بإذن الله تعالى على جعلها دراسة موضوعية، والموضوعية هنا ليس معناها نقيض الذاتية،  بل معناها عدم الخروج على الموضوع، أي بحثه من جميع الجوانب واستحضار ما يتعلق به حتى يتم بحثه دون إدخال غيره معه حرصا على الفائدة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

             الخطابة

 

معروف عند دارسي الأدب أن الخطابة عند العرب فن يراد به الإقناع.  وهي من الفنون الأدبية التي تؤثر بشكل بليغ على المشاعر. والهدف منها تكوين القناعات ثم الانقياد العملي بالجوارح لإظهار تلك القناعات.

ويسار إلى ذلك بترتيب الكلام ترتيبا دقيقا بعبارات وألفاظ منتقاة تحمل في طياتها موسيقى من شأنها خلق أجواء من الحزن أو الفرح، والرضا أو الغضب، أو خلق أجواء من التأهب الساخن للقيام بأعمال عظيمة، يعتمد فيها الخطيب على الإشارة والحركة، ويعمد إلى صور الترهيب والترغيب فيبديها مع ما يصاحب ذلك من محاولات الإقناع وذلك بالحجج والبراهين، يكشف أسرارا وحقائق ويهدف إلى الاستمالة والإفهام، وأولا وأخيرا يزين كلامه وينمقه حتى يقبل به الآخرون أو يقتنعوا به ثم ينقادوا له.. 

وهذا الفن ليس خاصا بالعرب والمسلمين، بل هو فن أدبي عند سائر الشعوب والأمم، وقد عني به الإنسان عناية كبيرة، وكان منذ القدم وإلى يومنا هذا أداة ووسيلة طبيعية لمخاطبة الجماعات والجماهير ولم يزل. والإنسان بتكوينه الفطري هذا مجبول على النطق وإخراج الأصوات مما أهّله لاختراع لغاته كوسيلة للتفاهم والتخاطب مع أخيه الإنسان، فصاح ونثر الكلام، وقرض الشعر وغنى. وحين تكونت الجماعات في أسر وعشائر وقبائل، ثم الشعوب والأمم لم يجد بدّا من استعمال الخطابة ما دام مراده إيصال رأي ما، أو فكر ما إليه، وما دام مراده حمل غيره معه على تبني ما يتبنى، وعمل ما يراد عمله، ومن هنا كانت الخطابة فن رائع لا استغناء عنه، كما صلحت ولم تزل لتحريك الجماهير بإقناعها، أو تخديرها وإضلالها للقيام بعمل ما حتى تبدوَ منقادة لتحقيق ما وقر في قلبها ومشاعرها من جراء الاستماع كما يحصل في الإضرابات الجزئية والعامة، والمظاهرات والرفض والمقاطعة وما إلى ذلك مما يراد في الخطبة.              

وحين اخترع الإنسان الكتابة بدأ يقلّ الاعتماد على الخطابة، ولكن مع ذلك احتفظت بموقعها الضروري وسوف تظل. فاختراع آلة الطبع والنسخ وما إلى ذلك من أدوات ووسائل لم يغن الإنسان ولن يغنيه في يوم من الأيام عن الخطابة ولو أنها انحسرت شيئا ما عند كثير من الشعوب والأمم، واقتُصر فيها على مواعيد معينة تطول أو تقصر كما يحصل في الانتخابات التي تعتمد إلى حد كبير على الخطب في المهرجانات والمناظرات أمام الجماهير في الهواء الطلق أو على الشاشات الصغيرة.                                                                      

وفي البلدان الإسلامية نفس ما يوجد في البلدان غير الإسلامية، ولكن بنسب متفاوتة، وإن كان غالبا ما يأتي من باب المحاكاة والتقليد لحياة الشعوب والأمم غير الإسلامية وخاصة النصرانية منها مع المضايقات والعقبات، وأحيانا المنع في مجال مخاطبة الجماهير والتأثير على الرأي العام المحلي والوطني.                                                                       

إن الخطابة فن لا يقدر على إتقانه كل الناس، كما لا يقدر على إتقانه أيضا حتى الكثير من العلماء والمثقفين والحكام والساسة..إذ هو فن لا تخلقه الجرأة وإن كانت ضرورية له، ولا تخلقه مكانة الرجل في مجتمعه، ولا يخلقه العلم وإن وجد..

          والطريق إليه بسيط للغاية وفي متناول الجميع، إذ هو تفكير كلامي، وارتجالية يمارسها كل العقلاء، ويكفي النظر إلى كل إنسان في مخاطبته لفرد واحد أو اثنين أو ثلاثة.. فهو يمارس معهم الخطابة أثناء تخاطبهم، ولكن في تقطع، إذ يسترسل في كلامه القصير أثناء مخاطبته غيره، ثم يقف عن المخاطبة بين الحين والآخر سواء وجدت عناصر الإثارة أو غابت، وإن كان غيابها أهم من حضورها، وحين يزداد العدد، ويفوق البضعة دون تحديد ولم يتوجهوا إليه بالإنصات بسبب عدم إثارتهم ولفت انتباههم، فسوف ينجح في تلك المخاطبة، ولكن تظل مخاطبة أفراد، وأما إذا توجهوا إليه بالإنصات فقد ينجح في مخاطبتهم، وقد يخفق، قد يطيل مخاطبتهم، وقد يقصّرها، ومن هنا كانت المخاطبة للأفراد غالبا ما تكون ناجحة، بل هي ناجحة مع من يأنس بهم، ويميل إلى مخالطتهم، وإن كان غير ذلك فقد يخفق.

         وبعد الاستقراء تبين أن الخطابة لا بد لها من أدوات المخاطبة، وهي اللغات بما فيها اللهجات. ولا بد لها من معلومات عن الموضوع المطروق أو الذي يراد طرقه، وأهم منهما، ولا خطابة بدونه هو النفس الطويل، فهو الذي يوجد الخطابة ويوصل إليها، وهو موجود عند كل الناس، فإذا استطاع الإنسان إطالة نفسه ـ ولا أعني بالنفس هنا عمل الرئتين ـ كان خطيبا، وإن لم يستطع، لم يكن خطيبا، وإن مارس المخاطبة، لأن الخطابة المقصودة هي مخاطبة الجماهير، وليس الأفراد.

         والخطابة عند من يتقنها وسيلة فعالة في جذب الناس وإثارتهم وتحميسهم، ثم قيادتهم بالإقناع  أو دون الإقناع بإلهاب المشاعر. ويستعملها ذووا الرأي والفكر والسياسة لاستمالة الجماهير واستغلالها، وقد يدعوهم لإقامتها نيابة عنهم من لا يتقنها أثناء الحاجة في إقامة المهرجانات الشعبية والجماهيرية في الانتخابات للدعاية للمترشحين.

         ونظرة عابرة في التاريخ الإنساني تؤكد تأثيرها الفعلي في الجماهير. فالحروب مثلا كانت تسبقها خطب حماسية، ولا فرق في ذلك بين شعب وآخر، أو دولة وأخرى إذ كانت الخطب معتمدة بهذا الشكل في الحروب القديمة، ولا يهمني استعراض خطب غير العرب والمسلمين إلا من باب الإشارة فقط.

         فالجاهليون مثلا كانوا يخطبون الناس بداع أو بغير داع، فكان الخطيب إذا أراد أن يخطب وقف على نشْز من الأرض، أو راحلة يستعلن بذلك للحضور مع ما يصاحبه من مظاهر تبدو عليه وألبسة يلبسها كالجبة والملحفة والقميص.. فإذا اتسع له المجال، وكان يتسع دائما لما في الخطبة من دواع التعظيم والتبجيل وإظهار المآثر؛ قام فيهم خطيبا، فأرسل شفتيه إرسالا وضخّم صوته.. واشتهر في الجاهليين قس بن ساعدة الأيادي، والمأمون الحارثي.. حتى صارت الخطبة عندهم جزءا من كيانهم، وصار الخطيب لسان حالهم.

         وحين ظهر الإسلام، وقامت دولته، واستتبّ الأمر لرسول الله (ص) قدمت إليه وفود العرب مع خطبائهم، فخطب بنو نهد، وبنو مذحج بين يديه.. وكذلك الوفود التي توالت على علي بن أبي طالب..

         وقد اشتهر في المسلمين خطباء لا نظير لهم عبر التاريخ وإلى الآن أمثال علي بن أبي طالب، والحجاج بن يوسف الثقفي، وطارق بن زياد، وزياد بن أبيه..

         إن الخطابة بالشكل القديم أو الراقي غابت اليوم لسبب بسيط هو أن القياديين والساسة والحكام والضباط والزعماء.. لا يتقنونها، ويقتصر فيها على الطرانسيسطورات (الراديو) التي تنقل خطب الرؤساء كما كان يحصل في الحربين العظميين، كخطب روزفلت،  وتشرشل، وموسوليني، وهتلر.  وغالبا ما تكون الخطب مكتوبة.

         والخطابة معتمدة منذ القدم ولم تزل لتأييد الأنظمة والدعاية لها، وتأييد الحكام والدعاية لهم الشيء الذي ساهم بقوة في توطيد دعائم الحكم والحكام، وشوّه صور الخصوم ونعتها بشتى النعوت القبيحة من أجل ضربهم، وتقليص دورهم في المعارضة حتى التخلص منهم بصرف النظر عن الصواب والخطأ في هذه الإجراءات.

         ومما ينبغي التأكيد عليه أن الخطابة بالنسبة لأهلها ممن يجيدون الفصحى، أو يحسنون اختيار الألفاظ المعبِّرة تلهب حماس الجماهير، وتعمي بصائرهم، فتصل بهم إلى درجة نكران الذات، والانصهار تماما في الأجواء والمناخات التي تصنعها الخطب الحماسية، سواء أخلص الخطيب لمستمعيه، أو لم يخلص، وسواء كان المراد فكرا أو عملا. فالفكر قبل العمل دائما إلا عند الحيوانات والمجانين، إذ هو حكم على واقع، وتحديد موقف، ووضوح رؤية، وهو إما أن ينتج اعتقادا وظنا، وإما أن ينتج عملا وتكييفا للسلوكيات حتى تبدوَ منسجمة، وموافقة لرؤية العقل، فإن أنتج اعتقادا وظنا، ظل في نطاق القلب إذا كان المطروق غيبا، وإن أنتج سلوكا ظهر في الجوارح، ومن هنا كان الهجوم بجارحة اللسان على الأقوال المخالفة، وكان الإقدام والإحجام على الحرب، وكان الاندفاع  نحو تحقيق الأهداف، وعلى كل حال فالخطب الحماسية تحـرك الجمـاهير للقيـام بأعمـال معينـة كالجهاد إن كان المراد حربا  مادية، أو مظاهرة وإضرابا إن كان المراد سياسة..

         والتاريخ القديم والحديث غني بالشواهد على هذا، وكذلك الواقع المعاش، فخطب الإمام سعيد النورسي في أتباعه، وما فعلته فيهم من إقدام على الجهاد معه في البلقان غنية عن كل تعريف إلا عند الأكثرية من القراء، وكذلك خطبه في العلمانيين  بقيادة مصطفى كمال أتاتورك في برلمان الجمهورية التركية التي قامت على أنقاض دولة الخلافة الإسلامية (العثمانية). وخطب جمال عبد الناصر كان صداها يصل إلى أقصى المعمور، وكان وقعها يحفز حتى الأطفال الصغار في مدينة طنجة على مهاجمة اليهود بالحجارة والطوب. وخطب الخوميني، وعباسي مدني، وعلي بن الحاج، وصدام حسين، ومعمر القذافي وغيرهم كلها خطب حماسية انفعالية حرّكت الجماهير وقادتها إن محليا وإقليميا، أو على مستوى العالم الإسلامي.

      فالخطابة إذن وسيلة هامة فعالة في إيقاظ النفوس وإحياء الأمجاد وتحريك الشارع لصالح الخطيب أو حزبه وجماعته، أو دولته ونظامه، وهي أسلوب إعلامي لا يقل أهمية عن غيره.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

        خطب الجمعة

 

         شُرِّ‎عت خطبة الجمعة بعد تشريع فريضة الصلاة بسنين معدودات. فقد كان المسلمون أقلية ليلة أسرى الله بعبده من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عُرج به إلى السماوات العلا ليرجع إلى الناس بخير الدنيا والآخرة.

         ولما هاجر عليه الصلاة والسلام إلى المدينة المنورة، وأقام دولة الإسلام، وبنى المسجد شُرّعت خطبة الجمعة في كل يوم جمعة من كل أسبوع، فخطب الناس طيلة حياته المدنية إلى أن التحق بالرفيق الأعلى.

         ولما كثرت الفتوحات بنى المسلمون المساجد لإقامة الصلوات الخمس، فكانت الخطب تقام في كل بيت من بيوت الله كل يوم جمعة، وكان القادرون على حضور الخطبة يحضرونها لإدراكهم فرضية حضورها، فكان المسجد مدرسة وجامعة فيها يتخرج الفقهاء والعلماء والساسة ورجالات الدولة، وفيما يتكون الرأي العام المنبثق عن الوعي العام، وكان كثير من الخلفاء يخطبون الناس يوم الجمعة ويؤمونهم، ومن هنا كانت الخطبة إعلام فوق كل إعلام آخر إذ لم يصل إلى مستواها غيرها من الوسائل والأدوات الإعلامية منذ مآت القرون حتى اكتشاف آلة الطبع، فكانت الخطبة بصفة عامة أداة الريادة والقيادة والتوجيه، وكانت خطبة الجمعة بصفة خاصة شامة بارزة على جبين أمة الإسلام، وخاصة من خصوصيتها، وإحدى مقومات حضارتها.

         وخطبة الجمعة شُرّعت لتجمع بين الدين والدنيا، أي أنها سياسية، لأن العقيدة الإسلامية التي انبثق عنها هذا التشريع عقيدة سياسية، فتحتّم أن تكون أحكامها ومعالجاتها سياسية بالدرجة الأولى قبل أن تكون وعظا وإرشادا، وقبل أن تنعت حاليا بالخطبة الدينية تمييزا لها عن الخطب السياسية والقضائية.. وتهميشا لدورها الطلائعي في حياة المسلمين، فهي وسيلة لرعاية الشؤون، وكان هذا هو شأنها في الأصل، بل الباعث على تشريعها لأن رسول الله (ص) شرّعها بهذا الشكل، فقد كان (ص) يرعى بواسطتها شؤون المسلمين وشؤون العالم، وسار على سنته صحابته من بعده وجميع خلفاء المسلمين وسلاطينهم إلى أن ظهرت العلمانية بأوروبا، ثم تلاها الغزو الفكري والتبشيري لبلاد الإسلام لتتحقق على يد الاستعمار، ثم تبقى سارية المفعول على يد المضبوعين والمفتونين حتى وقتنا الحاضر في جميع البلاد العربية والإسلامية.

         وبوجود اللاييكية تقليدا للغرب النصراني تمّ إبعاد الإسلام وشريعته، وتمّ تهميش حضارته، وتعطيل أحكامه إلا ما كان كهنوتا في العبادات وزواجا وطلاقا وإرثا في الاجتماعيات مع إدخال إصلاحات عليها على حد تعبيرهم، حتى يتم الميراث بالتساوي، وتزويج المسلمة بالنصراني، وربما إقامة الطقوس الدينية المسيحية واليهودية في مساجد المسلمين بعد حين قريب. فبوجود هذا صار المسجد لا يختلف عن الكنيسة والأديرة، وصارت خطبة الجمعة خطبة جوفاء فارغة تدور حول الوعظ والإرشاد، وحين تتعداها على يد بعض الواعين المخلصين من الخطباء فإنها سرعان ما تُقمع، ولا تتكرّر بالحظر والمنع، أو تتلاشى لمجرد أن يطأ المصلون الرصيف.

         وزادها بعدا عن دورها الريادي عنصر الحظر والتقصي وما إلى ذلك مما يُفرض على الخطباء، ومُسخت بما يعتمد حاليا من ربط المساجد بالأنظمة، وأشخاص الحكام، ووزارات الشؤون الدينية، والأوقاف دعوة ودعاية لهم، ومنعا لأي تأثير على الرأي العام حتى لا يتزعزع النظام، ويفقد الحاكم كرسيه. ولا غرابة أن باتت بيوت الله بيوت عباده، ولا غرابة أيضا أن صارت إحدى مؤسسات الدول. وإذ هي كذلك أبت إلا أن  نسجل عليها بعض القفزات، فالملاحظ أنها بدأت تعود بين الحين والآخر إلى دورها، وإن كان ذلك بنسب مختلفة، وبحسب الارتفاع الفكري الذي صار يأخذ مكانته عند كثير من الأفراد والجماعات مما يؤثر بشكل أو آخر على الشعوب الإسلامية.

         وخطب الجمعات لا تختلف عن خطب الأعياد والحج، وموضوعها يكاد يكون موضوعا واحدا، بل هو كذلك، وما نذر لا يهمنا ولا حكم له، وهذا يعمّ سائر الأقطار في جميع البلاد العربية والإسلامية إذ تمكنت العلمانية من سائر المجتمعات فيها، وقامت أنظمة كلها علمانية بما فيها النّظم الاشتراكية الاسمية، فكأن المساجد في هذه البلدان امتداد لكنائس أوروبا والغرب، وكأن خطب الفقهاء والعلماء امتداد لخطب الرهبان، فالكنائس تلقى فيها الخطب من قبل الرهبان، ويكون موضوعها الوعظ والإرشاد بتوجيه السامعين إلى فعل الخيرات، واجتناب الشرور، ولكن الخير والشر يُحكم عليه بفلسفة المجتمع السائدة، أو هي (أي الكنائس) خاصة بتهذيب الخلق مادام موضوعها توجيه العواطف والمشاعر نحو ذلك، ولكن بحسب وجهة النظر التي تقوم عليها الحضارة الغربية، وهذا هو الموجود عمليا في جميع البلاد العربية والإسلامية، ولم يسلم منه شعب واحد من الشعوب الإسلامية، إلا أنه بين مد وجزر في فلسطين والأردن ولبنان، وفي ضمور مستمر بإيران والسودان، وفي انهيار سريع بالجزائر الشقيقة.

         ومما تجدر ملاحظته في هذا المضمار أن خطبة الجمعة لن تعود إلى دورها الريادي والحقيقي إلا في ظل دولة الخلافة، أو على أقل تقدير بتحرر الخطباء من التبعية الفكرية والثقافية للأجنبي مع تحرر المساجد من هيمنة الوزارات أو الأنظمة.

 

خطب المجاملات والمناسبات

 

خطب المجاملات عادة ما تكون في مناسبات معينة. فالزيارة العملية لرئيس دولة معينة إلى دولة أخرى مثلا تتخللها دعوات إلى مأدبة الغذاء أو العشاء، يلقي فيها الرئيسان خطبا يشيدان فيها ببعضهما البعض، وبدولتيهما، وما بذلا من جهود تتعلق بالتعاون الثنائي بينهما، ويقدمان الشكر والتهاني على حسن الضيافة، وكلها خطب المجاملات.

         وأذكر في هذا السياق الزيارة الملكية في شهر نونبر 1991 م لإيطاليا، وكذلك الزيارة الملكية للولايات المتحدة الأمريكية في عام 1990م فقد خطب الرئيس بوش في حفل، وخطب ملك المغرب في حفل الاختتام.

         وأما خطب المناسبات فهي خطب الأعياد والحج، وخطب العرش والأعياد الوطنية والذكريات والمؤتمرات والتجمعات الدورية.

         ففي الأعياد الإسلامية مثلا يقوم الخطباء بإلقاء خطبهم على الملأ بإبداء أحكام هذه الأعياد، وحثّ المسلمين على التقيد بها، وتكون خطب غاية في الرزانة والتأثير ينتج عنها جو من الصفاء والأخوة الإسلامية، وتفرز سلوكيات تطغى على المجموع من صلة للرحم، والتصدق، وفعل الخيرات، وتذويب الأحقاد والخصومات بين المسلمين..

         وفي الذكريات يقام بإلقاء الخطب وتأتي موقوتة مع ذكرى وفاة بطل وطني، أو قومي، أو رجل صالح كما هو الشأن في ذكرى وفاة محمد الخامس بالمغرب، والأمير عبد القادر بالجزائر، وكما هو الشأن في المواسم المقامة لأصحاب الأضرحة في كثير من البلدان الإسلامية إن لم تكن كلها.

         وقد تكون خطب المجاملات والمناسبات رسائل للتهنئة تُقرأ على الملأ، بحيث تتضمن عبارات الإطراء والتهنئة على الفوز في المباريات الرياضية، والامتحانات، أو تكون بمناسبة تقديم الهدايا والأعطيات، أو بمناسبة مولود جديد، أو الوفيات..

         وهذه الخطب لا تخلو من فوائد للعقل، ولا تخلو من دواع التأثير على المشاعر والعواطف، ولكنها تظل في نطاق ضيق لا يرقى إلى المستوى المنشود في غيرها من الخطب، بحيث لا تخرج  عن نطاق مخاطبة الأفراد وإن حضرتها الجماعات، أو أنصتت إليها عبر الأثير لأن الإنصات وإن بدا ظاهرا على الجماعات، فليس هو إلا إنصات أفراد متجمّعين، ذلك أن الخطبة في مواضيعها هنا لا تتعدى الأفراد، ولا يُقصد بها الإقناع والاستمالة، بل يقصد بها الثناء والإطراء والرثاء والتعزية، وهي وإن ولّدت القناعة، وأفرزت هز المشاعر، فإنما تحدثه في أفراد متجمّعين، وإذا شملت الحضور بتأثيرها العقلي والعاطفي، فلن تخرج عن كونها مجاملات لا أقل ولا أكثر.

         وهذه الخطب لا ترقى إلى مستوى البيانات الختامية للاجتماعات، ولكنها مع ذلك تستحق الاهتمام من قبل السياسي والمتتبع، ذلك أنه قد يظهر فيها ما يساعد على الفهم السياسي، وقد يُستعلن فيها ما يُحرص على إخفائه، إذ قد تكشف عن شيء هام جدا لم يتطرق إليه البيان.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                خطب المهرجانات الشعبية

 

         خطب المهرجانات الشعبية خطب عادة ما تكون مطولة تدعو الحاجة إلى إطالتها بحسب المناسبات. فالانتخابات المنظمة من حين لآخر تفرز هذا النوع من الخطب. فحين تنطلق الحملة الانتخابية، ويقترب موعد الاقتراع تغلي الحياة السياسية في المجتمعات التي تحتضن هذه الانتخابات، وتبرز حركات الدعوة والدعاية بجميع الوسائل وشتى السبل المتاحة والسبل المنصوص عليها في الدساتير والقوانين المنظمة لها. تنظم الأحزاب والأفراد مهرجانات شعبية كبيرة تطلب الترخيص لها من السلطات المحلية، وتختار المناضلين المفوهين الذين يحسنون مخاطبة الجماهير حتى وإن لم يكونوا من المترشحين، وذلك للتأثير على الناس، وإقناعهم باتباعهم في سياسات حزبهم مع النقد الشديد، واللاذع أحيانا للأحزاب الأخرى والمنافسين اللامنتمين بغية تنفير الناس منهم. وتحرص هذه الأحزاب وينذر ذلك في اللامنتمين على شرح برنامجها السياسي الذي تنوي تطبيقه في حالتما إذا فازت في الانتخابات، سواء كانت هذه الانتخابات بلدية وقروية، أو انتخابات تشريعية، أو رئاسية غير الملكية في النظم الجمهورية والرئاسية.

         وتحصل معارك قوية بين المتنافسين على كسب الجماهير الشعبية، والرأي العام المحلي في المدن، والوطني في جميع أقاليم الدولة أو معظمها في بعض الأحيان. وكثيرا ما يحصل اللجوء إلى شراء الذمم واستغلال النفوذ.

         وعلى سبيل المثال لا الحصر يكفي النظر إلى سجلات التصويت بمدينة طنجة في الانتخابات التي جرت في سنة 1976م حيث احتضنت السجلات أسماء أشخاص ذكورا وإناثا شاركوا في التصويت لصالح مترشحين معينين أذكر منهم مرشح  المقاطعة 21 وهم في قبورهم، وأسجل أيضا الرفض البات الذي لقيته دعوتي صبيحة يوم الاقتراع مع التهديد إلى فتح صناديق الاقتراع كما ينص عليه القانون المغربي حيث كنت مشرفا في مدرسة سكيْنة للبنات على صندوق حزب التقدم والاشتراكية. وأسجل كذلك شراء الذمم بخمسين درها ومائة في الانتخابات الجماعية التي تلتها سنة 1983 حيث كنت مترشحا دون انتماء، ولا أحب تأكيد حكمي في فتح صناديق الاقتراع، وتغيير ما بداخلها لصالح بعض المترشحين، إذ يكفي شهادة بروز العبارة التي كانت محرمة في 2 م وهي (الانتخابات المزورة) " ودوت أمام الملايين (في 2م دائما) شهادة مفادها أن صحافيا رأى صندوق الاقتراع يُسرق برمته([2]) ".

         وفي البلدان الديمقراطية يتعذر شراء الذمم وتزوير الانتخابات، بينما في غيرها من البلدان الديكتاتورية، أو البلدان ذات الديمقراطية المقننة لحساب رئيس الدولة، أو حزبه، أو هما معا، فتكون الانتخابات شكلية، يراد بها إرضاء الغرب، والإفلات من الحملات التشهيرية في مجال غياب الديمقراطية، والمس بحقوق الإنسان وما إلى ذلك من تعابير فضفاضة مسمومة تبغي الدعاية من ورائها إلى زعزعة النفوذ السياسي والاقتصادي والثقافي من باب الصراع فيما بينها على النفوذ كأمريكا وبريطانيا وفرنسا حتى تتمكّن من جر العملاء ودولهم للسير بهم وفق رؤية تلك الدول، وما رسمته للمناطق من سياسات تبغي تطبيقها.

         والشعوب عادة ما تسلّم قيادتها للأفراد والأحزاب الذين يحسنون مخاطبتها، والتجاوب مع رغباتها، ويستطيعون تصوير مطالبها وجعلها أقرب منالا، لأن الجماعات أضعف تفكيرا من الأفراد، وأقل صبرا منهم، فهي لا تصبر على المطالب الأكثر بعدا ومنالا، وهي أقرب إلى السطحية منها إلى العمق، ولذلك كانت تطلعاتها تطلعات صبيانية يسهل استغلالها من قبل غير المخلصين لها، وهي أكثر نسيانا في مجموعها، ولذلك لا غرابة أن تسير في كل مرة وراء نفس الأحزاب والأفراد الذين وعدوها وأثروا في أعماقها بخطبهم ومقالاتهم، ثم كذبوها ما دامت تلك الأحزاب والأفراد قادرة على التلاعب بعقلها وعواطفها، ولا ينتج هذا النوع من السير الأعمى إلا في غياب الوعي العام الذي يغيب عن الرأي العام، وكذلك في الشعوب المنحطة ولو كانت متعلمة، لأن التعليم لا يوجد الوعي وإن ساعد عليه.

         والأصل في انقياد الشعوب يتطلب أن يكون القائد فردا كان أو حزبا عالما شجاعا، لأن الشعوب لا تسلّم قيادتها لجاهل أو جبان، ولكنها لا تستطيع الوقوف على حقيقة العلم والشجاعة عند هذه الأحزاب والأفراد إلا إذا كانت شعوب ناهضة، لأن كثيرا من القياديين وصلوا إلى قيادتها بتمثيليات مسرحية أتقنوا فيها دورهم، فانطلت عليها اللعبة. وأهم ما يضمن عدم التلاعب بالشعوب هو أن يكون الشعب مسيسا، يتمتع بالوعي السياسي ذي النظر إلى العالم من زاوية العقيدة الإسلامية، وهذا ليس خاصا بشعوب البلدان المتخلفة، فقط بل يسري حتى على شعوب البلدان المتقدمة، فالشعب الأمريكي مثلا وإن تمتع بالخيال الخلاق الذي ساعده على التقدم العلمي والتقني، إلا أنه أكثر سطحية في فهم ما يجري في العالم، وأكثر جهلا باللعبة السياسية التي يلعبها الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي.

         والشعب البريطاني وإن تمتع بالدهاء وسعة  الحيلة إلا أنه واقع بين فكي كماشة، واقع بين حزبين اثنين لا يستطيع الإفلات من قبضتيهما. فحزب المحافظين وحزب العمال يكادان يكونان حزبا واحدا، لأن الملاحظ أن الحاكم الفعلي لبريطانيا هو حزب المحافظين، ولكنه حتى لا يظل ظاهرا بهذا المظهر دائما، والذي قد يضر بسياسة بريطانيا قرر إيجاد حزب احتياطي له منعا لأي تغيير لا يخدم بريطانيا فجيء بحزب العمال يستطيع بواسطته حزب المحافظين الرجوع عما ظهر خطؤه، والرجوع عن السياسة التي انتهى أجلها، والمخططات التي بان عوارها، فكان حزب العمال البريطاني حزب احتياطي لحزب المحافظين، وحزب الرجعة والتغيير كلما دعت الضرورة.

 

 

 

 

 

 

 

 

        

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

              ملف الانتخابات التشريعية الجزائرية

 

         في يوم الجمعة 1991.12.6م شهدت الجزائر الشقيقة يومها الثاني من بدء الحملة الانتخابية، وهي انتخابات تشريعية حاسمة على حد تعبير جبهة التحرير الوطني، والمنافس القوي لها جبهة الإنقاذ الإسلامية، لتعقبها انتخابات رئاسية للحسم في مستقبل الجزائر السياسي. وسجلت في هذا اليوم مهرجانات شعبية كبيرة كانت أضخمها التي حصلت بساحة الوادي في الجزائر العاصمة بعد صلاة الجمعة. فقد نظمت الجبهة الإسلامية للإنقاذ في غياب زعيميها عباسي مدني وعلي بن الحاج تجمعا شعبيا كبيرا وصل عدد الحضور فيه خمسة عشر ألفا، خاطبهم عبد القادر حشاني عضو الجبهة من المكتب التنفيذي المؤقت، وقد هز مشاعرهم هزا عنيفا لدرجة أن بدأت الهتافات، وأطلقت صيحات الله أكبر، وسُمعت كلمات نعم للجهاد، مذكرا الحضور بالوعد الذي قطعته الجبهة على نفسها بإقامة الدولة الإسلامية، ثم طالب بإلحاح قوي من السلطات إطلاق شيوخ الجبهة.

         والجدير بالذكر أن هذا النوع من الخطب قادرٌ على قيادة الجماهير الجزائرية لأنه يتماشى مع تطلعاتها علما بأنها حديثة العهد به رغم أنها جماهير مسلمة وذلك بسبب تأثرها بالصحوة الإسلامية، فلو طلب منهم حشاني في إبان خطبته تنظيم مسيرة شعبية نحو قصر الجمهورية لحصلت ولو على أشلاء الآلاف من المتظاهرين، ولو طلب منهم تنظيمها لمجرد تحدي السلطة التي منعت المسيرات كيفما كان نوعها لحصلت، ولو طلب منهم اقتحام السجن الذي يقبع فيه شيوخهم لاقتحموه، لو طلب منهم ما يريد لحصل.

         وما دمنا بصدد الحديث عن خطب المهرجانات الشعبية لا بأس بمناسبة الانتخابات التشريعية الجزائرية من تتبع هذا الملف ولو باقتضاب.

         إن المنافسة على أشدها بين تيارين اثنين في الجزائر، تيار يستعمل الخطاب الإسلامي، وتيار يستعمل الخطاب العلماني، التيار الإسلامي يتمثل في جبهة الإنقاذ، وحركة حماس، والنقابة الإسلامية بالإضافة إلى حركة بن بلا التي يتقاسمها التيارات والخطابان، والتيار العلماني يتمثل في جبهة التحرير الوطني صاحبة الخطاب الرسمي أو الحكومي،  والحزب الوطني للتضامن والتنمية، وحزب التجديد الجزائري، والحزب الوطني من أجل الثقافة والديمقراطية..

         ومن المعلوم أن جبهة التحرير الوطني حريصة على السلطة، وتخشى  فقدانها، وحرصها هذا تدعمه القوة المادية، فهي تستعمل الجيش والأمن من أجل إبقاء السلطة في يدها، ولا تملك من الخطاب السياسي المقنع ذي الأثر المشاعري الفعال أي شيء ما عدا تجاوب ذلك مع أصحاب المصالح، وأصحاب الارتباطات بالنظام، والفرانكفونيين،  فهي لا تحسن مخاطبة الجماهير الشعبية لسبب بسيط هو أنها تعيش على أوهام الماضي، بينما جبهة الإنقاذ الإسلامية تعيش حاضر التطلعات الشعبية عند الجزائريين في مجموعهم. ولا يعني هذا أن جبهة التحرير تخاطب أشباحا، بل يعني أنها وغيرها ممن يشبهونها إلى حد كبير ممثلة للأقلية، إذ يخاطبون فئات كثيرة من فئات الشعب الجزائري، ولكنها فئات تظل أقلية بالمقارنة مع الفئات التي تخاطبها جبهة الإنقاذ ومن يشبهونها في خطابها، وباختصار فالعلمانيون والفرانكفونيون وذووا الامتيازات والمصالح والارتباطات الداخلية بالنظام، والخارجية بالأجنبي لهم من يمثلهم بالجزائر، كما لغيرهم نفس التمثيل، ولكن مع الفرق الشاسع في النِّسب.

         وعند إرادتنا وضع الأصبع على مدلول هذا الكلام نسوق ما يلي:

يوم السبت 1991.12.7 م على الساعة العاشرة وعشرين دقيقة بتوقيت المغرب (غرينتش) بدأ مسؤول جبهة الإنقاذ الإسلامية يتحدث في إذاعة الجزائر، ومن ضمن ما جاء في الرسالة الصوتية المسجلة قوله: "أراد النظام تدجين جبهتك"وقوله: "أراد قطع رأسها بضرب مجلسها الشوري" (راديو الجزائر).

وسُجلت للجبهة رسالة صوتية أخرى ليلة الأحد 1991.12.8 م كانت أكثر حرارة من الأولى، فقد هاجم النظام بقوة، وعاب عليه ما فعله في الشعب الجزائري، وفنّد مزاعمه بقوله: أن الجبهة (جبهة التحرير الوطني) لا تملك برنامجا للحياة في الاقتصاد والتعليم والسياسة مؤكدا أن برنامجها (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) هو ما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله (ص)، ناصحا الشعب الجزائري بالحذر واليقظة من النظام الذي يحول بين إيجاد الإسلام في واقع الحياة وإقامة الدولة الإسلامية التي من ورائها كل خير. وفي تطبيق الشرع حل لجميع المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، مشيرا إلى الثروات والخيرات التي توجد بالجزائر المعطاءة التي كانت تصدِّر خيراتها إلى الخارج الشيء الذي غاب اليوم.." ( راديو الجزائر)، ثم تلا نداء الجبهة الإسلامية للإنقاذ نداء حزب التجديد الجزائري وقد أشار بقوله: "لا يوجد هنا نظام، بل فوضى" وقوله: "الحزب لديه كفاءة وفيه نزاهة" وقوله: "لا أعدكم بالسكن والشغل لأنكم لن تصدقوني لأنكم فقدتم الثقة في كل شيء " (راديو الجزائر)، ثم أعقبه نداء جبهة التحرير الوطني الحاكمة، وقد تحدث في بدايته عن الاستعمار الفرنسي الذي عمل  على مسخ وطمس معالم الشعب الجزائري، ثم انتقل إلى الحديث عن الأمازيغية فقال: "إن الأمازيغية تسري في عروقنا جيلا بعد جيل وأضاف أنها ـ أي الأمازيغية ـ " ليست شعارا سياسيا ـ إذ ليس هذا هو معناها على حد تعبيره ـ "بل تعني التسامح والتفتح على الغير" مضيفا أن "الإسلام يتطابق مع الروح الأمازيغية" شارحا كيف أن الأمازيغية لها هوية مدعمة بثلاثة دعائم هي: "الأمازيغية ـ الإسلام ـ حب الوطن." وقال بوجوب "التحدث والكتابة والقراءة مع الشعوب الأخرى لتثبيت الجزأرة ـ يقصد جزائريتهم ـ" وبانتشار اللغة العربية  والأمازيغية في الدور والجامعات، وجميع مرافق الحياة فإنهما ـ أي اللغتان ـ  سوف يجتمعان و"يجمعان الجزائريين ولن يتفرقوا"(راديو الجزائر).

والملاحظ في هذه الخطابات التي يُقصد بها إقناع الشعب الجزائري المسلم، واستمالته وكسبه من قبل المتنافسين في الانتخابات التشريعية الجزائرية، يتبين بوضوح تام أن حزب التجديد يحوم حول العموميات، ويُشتمّ من خطابه فقدان الثقة في ذاته قبل فقدانها في الشعب.

ويتبين أيضا أن الجبهة الوطنية تعيش فعلا على أوهام الماضي، فالشعب الجزائري مشحون كأي شعب مسلم آخر بالأفكار الإسلامية، ومشبع بتعاليم الإسلام التي تتناقض مع أفكار الجبهة الوطنية، فالناس تدرك أن الإسلام هو الرابط بينها، وهو الرابط بين سائر الشعوب الإسلامية وليس القومية البربرية ولا غيرها من القوميات الأخرى ورسول الله (ص) يحرم التعزي بعزاء الجاهلية، ويصف القومية بالنتن والعصبية، فهي منكر فظيع يمزق ويشتت ولا يجمع مطلقا، والظاهر أن الجبهة الوطنية ـ جبهة التحرير الوطني ـ تراهن بأفكار الماضي التي بان عوارها وفاحت نتانتها وهي ولا شك خاسرة للرهان إلا أن تستعمل القوة أو تلجأ إلى تزوير الانتخابات. ويتبين كذلك من خطاب الجبهة الإسلامية أنها تحسن مخاطبة الجماهير المتماشية مع تطلعاتها وتعزف على الوتر الحساس مع ظهورها بمظهر الانصهار في خطابها الإسلامي الشيء الذي يجعلها أكثر حظوظا، وأصلب عودا من جميع المتنافسين، خصوصا وأن خطابها الإسلامي خطاب سياسي بصرف النظر عن إخلاصها لخطابها أم عكس ذلك كما يصوره البعض حتى لا ننجر للتحليل السياسي ونحن بصدد بحث غيره.

وسُجل لحركة المجتمع الإسلامي حماس بإذاعة الجزائر يومه الاثنين 1991.12.9 م على الساعة العاشرة وخمسة وثلاثين دقيقة بتوقيت المغرب (يوافق توقيت غرينتش) كلمات لممثلها يخاطب بها الشعب الجزائري المسلم. استهل كلامه بقوله: "الانتخابات ليست مجرد عمل تقوم به، بل قربة  تتقرب بها إلى الله" وأضاف قائلا: "أثبت النظام منذ ثلاثة عقود فشله في المجال السياسي" وأشاد بحركته مقررا أن "برنامجها بديل للوضع الاقتصادي المزري". واستمر مهاجما النظام الجزائري مشيرا إلى أن " النظام الذي طبق على هذا الشعب أفلس باعتباره انطلق من منظومة غير إسلامية" وأن حركته "ترجع بكم إلى المشروع الاقتصادي الإسلامي وتهدف إلى إخراج هذا الشعب من المأزق الثقافي الذي تعيشه بلادنا ـ وحين ـ نلنا استقلالنا ـ حسبنا ـ فحسبنا أننا سنعود إلى ثقافتنا، ولكننا وجدنا أنفسنا في ثقافة غير ثقافتنا، ـ وحركته ـ تدعوكم من أجل فكر سليم، من أجل فكر ثاقب انطلاقا من كتاب الله وسنة رسوله (ص) ـ كماـ تحمل في طياتها.. الوحدة الوطنية.. ـ وختم كلامه بقوله : "والجزائر فوق الأشخاص " (راديو الجزائر)

         وفي 1991.12.10م على الساعة الثانية عشرة وخمسة وثلاثين دقيقة زوالا سُجّلت عدة مداخلات أخرى لعدد من الأحزاب بالجزائر.

         ففي الكلمة التي أذيعت لحزب الحركة من أجل الديمقراطية، والمستهلة بآية من القرآن الكريم من سورة لقمان تحدث فيها عن دور الإسلام الذي صار مشوها بشكل متعمّد على المستوى الداخلي والخارجي فقد "اعتبر العالم المسيحي  القرآن كتاب هرطقة" ولم يعترف به كدين من قبل الفاتيكان إلا في سنة 1962م، وهو: "دين بسيط في مبادئه وتعاليمه.. ليس فيه سر خفي.. لا يطلب من الكائن الإنسان أن يتلاشى عن الخالق، أن يتخلى عن الخيرات الأرضية أن يذوب في التصوف ـ وـ الإنسان لا يخلط بين واجبات الإنسان نحو الله وبين الإنسان.. والجهاد ـ في رأيه ـ لا يعني الحرب المقدسة.. بل يعني الجهد في البحث الشخصي تعميق فهم الرسالة الإلهية.. أن يستخدم الإنسان قدرته العقلية"، ثم دعا الشعب الجزائري للتصويت لصالح الحركة  (راديو الجزائر)

         وتلاه حزب الحق بشرح البنية الفكرية التي قام عليها الحزب فقال أنه: "مبني على فكرة أو محاولة إلى الحرية، مبني على فلسفة الحرية.. المكافحة من أجل الحرية ـ وهوـ ينادي أو يحث أو يبني أعماله على أساس الديمقراطية ـ وـ معنى الديمقراطية البحث إلى تحقق الشعب الجزائر في تقرير المصير ـ ويعمل على ـ الحماية التامة للدستور الحالي كشرط أساسي"، ثم تلاه حزب الاتحاد العربي الإسلامي الديمقراطي مذكرا بيوم التحدي الذي رفعه بتاريخ 1989.3.12م، ثم عرّف بأهداف حزبه منها تطبيق الشريعة الإسلامية، والوحدة الوطنية والأقطار العربية وتوسيع وترسيخ حكم الشعب، وأشار إلى الغرب وأوروبا مبرزا هدفهم الموحد وهو الانتقام من الدين الإسلامي، وابتزاز العرب في بترولهم، ثم دعا إلى التصويت لصالح مترشحيه (راديو الجزائر)، ثم تلاه الحزب الاجتماعي الديمقراطي موجها شكره للمجاهدين والشهداء مذكرا الشعب بأن الراية الجزائرية هي راية الجميع يملكها كل جزائري، وبالذهاب إلى صندوق الاقتراع في 1991.12.26م سيتم القضاء على المغرضين، مؤكدا على ضرورة حياد الإدارة لتكون الانتخابات نزيهة، وانتقل إلى تفسير الديمقراطية من وجهة نظر حزبه فأعلن أنها تعني تكمن في العمل (راديو الجزائر)، ثم تلاه حزب التحالف من أجل العدالة والحرية قائلا أن أهداف الحزب "مستوحاة من مبادئ ثورة نوفمبر المجيدة، ـ منها ـ بناء دولة قوية " وبرنامجه السياسي يكمن في " تمجيد الإنسان، واحترام حقوقه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.. ودولة قادرة على إزالة كل العواقب والعقبات، قادرة على تطوير البلاد، قادرة على الدفاع، قادرة على التصدي لمن يمس بهذه المبادئ ـ وتسعى ـ للتغلب على المشاكل ـ كمشكل ـ الشغل، السكن، التعليم، فرض الطمأنينة الأمن والمساواة بين المواطنين، يتساوى فيها المواطنون في الحقوق والواجبات، وتتقيد برأي الأغلبية، وتتمسك بالديمقراطية باعتبارها حكم الشعب، مع توفير الظروف للتعلق بالوطن ـ وعلى الصعيد الخارجي ـ بناء العلاقات على أساس احترام المواثيق والأعراف والقوانين الدولية (راديو الجزائر)  "، ثم تلاه الحزب الجزائري للإنسان الرأسمال بادئا كلامه برغبته في "تشييد جزائر عصرية.. حماية المواطن، تنوير فكره بالإسلام، ـ وحزبه ـ يهدف إلى تجديد الروابط بين الإنسان الجزائري والقيم العليا، وإعادة وضع الإنسان في هيكله الفكري والعملي الذي يحتل الرأسمال الحقيقي ـ إذ ـ"رأس المال هو الإنسان (راديو الجزائر)  "، ثم تلته حركة النهضة الإسلامية مستهلة كلامها بآية من القرآن الكريم من سورة المائدة آية رقم 3، وأضاف قائلا: "إن الدولة التي تدعو حركة النهضة الإسلامية إلى إقامتها ليست دولة دينية بالمفهوم العليل الكليل الذي يريد الغرب وأتباعه ترسيخه في عقول وأذهان الأمة، بل هي دولة مدنية عصرية تعتبر التعددية الحزبية في إطار ثوابت الأمة مبدأ مقدسا مطهرا.. كما تعتبر الاستبداد السياسي جريمة منكرة.. والسلطة في الإسلام مصدرها الشعب.. والإسلام يعتبر الحكم لله، والسيادة لدينه والسلطة لشعبه،..   و- الدولة التي تدعو إليها حركة النهضة الإسلامية تعتبر الغني الذي يجمع ماله من حلال يجاهد  في سبيله تدعوه الجبهة لتنمية ماله أعماله أ‘      حتى يبلغ عنان السماء لينتفع العباد والبلاد بخلاف النظرة الاشتراكية التي جنت على بلادنا تعتبر الغني لصا تلصص .. وتعتبر حركة النهضة الإسلامية الفقر مصيبة، والفقير مصابا تدعوه للخروج من مصيبته، من فقره .. تدعمه بما يضمن له عيشا كريما.. وتعتبر التكافل الاجتماعي فريضة شرعية ومطلبا حضاريا.. إن حركة النهضة تدعو إلى إقامة دولة إسلامية، دولة تعتبر العلم وسيلة للتقدم، وسببا للتحضر والتمدن، فتولي العلماء المنزلة التي تليق بهم وبمقامهم" (راديو الجزائر).

هذه الكلمات التي خاطبت بها الأحزاب الجزائرية الشعب الجزائري المسلم تصل إلى أكبر عدد ممكن من أفراد الشعب، بالإضافة أنها تساعد على تركيز فهم برامج الأحزاب من قبل الشعب، ذلك أنه يستمع إليها في غياب الأجواء المشاعرية والسيكولوجية، ثم إنها تصل إلى تكوين الوعي العام عند الشعب، وبالتالي يوجد الرأي العام الواعي. ويمكن إدراجها جميعها في نطاق ما نبحثه ما دامت موجهة إلى الجماهير الشعبية فهي جزء من المهرجانات الشعبية.

         وبتاريخ 1991.12.11 م على الساعة الثانية عشرة وعشرين دقيقة زوالا بإذاعة الجزائر الوطنية أذيعت كلمات موجهة إلى الشعب الجزائري المسلم تخاطبه بها بعض الأحزاب السياسية الجزائرية في إطار الحملة الانتخابية للمجلس التشريعي.

         وكان أول حزب متكلم فيها هو حزب الجيل الديمقراطي، فقد بدأ كلامه ومداخلته بأن عاب على المجلس الأعلى للإعلام رفضه السماح بإذاعة شريط مسجل للحزب سابقا، ثم أشار إلى إرادة الشعب الجزائري في الحياة المستقرة، في العمل في الديمقراطية، وقال إننا: "لم نأت لمطالبتكم بالتصويت لصالح الجيل الديمقراطي.. اختاروا مترشحا للحركة الديمقراطية » ودعا إلى المحافظة على الدستور لأنه " السبيل الوحيد لإخراج البلاد من المحنة (راديو الجزائر) .."، ثم تلاه حزب الاتحاد من أجل الديمقراطية والحريات فعرّف بحزبه وقال إن حزبه : « حزب ليبرالي في فلسفته الخاصة.. و ـ يدافع عن الحق، وكسب الحقوق .. ـ وأن ـ الإسلام هو أساس الحضارة الجزائرية ». وأضاف مبرزا عزمه على « الدفاع عن وحدة الأمة والشعب الجزائري .. تدعيم الديمقراطية والحريات.. ـ و ـ الديمقراطية دولة في خدمة المواطن .. محاربة الأيديولوجيات المتطرفة.. إرساء العدالة الاجتماعية والتضامن (راديو الجزائر) »، ثم تلته الجمعية الشعبية للوحدة والعمل فعرّفت نفسها قائلة أنها هي "الموضوعية والصراحة. هي الدفاع عن الشعب وحقوق الشعب، هي الدفاع عن فتح أبواب السوق الحر ـ وتسعى ـ إلى توفير السكن ـ وتدافع ـ عن العدالة والحق، ـ وتريد ـ الحفاظ على المصداقية الدولية المكتسبة للشعب الجزائري ـ  ومن أهدافها ـ توفير الأمن والاستقرار وتعمل على رفع مستوى المعيشة للشعب ـ وستعطي ـ منحة لكل بطّال ـ وختمت قولها بأن هذه " ليست وعودا كاذبة" وقوله تعالى : "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون (راديو الجزائر)"، وبعد ذلك تحدث مسؤول جبهة القوى الاشتراكية مذكرا بأن الجزائر اليوم على أبواب الانتخابات التشريعية التي تمنى لو أنها كانت في السابق، وكشف عن مشاركته في الحكم بوزير للاقتصاد سابقا عضو الجبهة حاليا، ثم انتقد الحكم بقيادة جبهة التحرير الوطني التي انحرفت عن «  مسارها لأنهم دخلوا الحكومة على أساس ألا تكون منحازة لجبهة التحرير.. مركزا على العروبة والإسلام والأمازيغية. وأن حزبه يتسم بالتقدم والعصرنة منذ انطلاقته يوم1993 .9. 29 م (راديو الجزائر)، ثم تلاه حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية شارحا لماذا سمي تجمعا، ولماذا من أجل الثقافة والديمقراطية، ثم بدأ يهاجم النظام متهما إياه بأنه: «  يريد أن يسلمنا للدول معرجا على الأصوليين دون ذكرهم قائلا أن "المشروع الإسلامي لا يمثل إلى محاولة الوصول إلى السلطة تحت غطاء الدين .. فالجزائر لا تعاني من أزمة عقائدية.. الإسلام بخير في ديارنا. والأزمة هي أزمة نظام ـ وحزبه ـ يبحث عن بديل للخروج من التخلف ـ ثم رجع إلى الإسلاميين ـ "هل أنصار الحل الإسلامي يناضلون بحق من أجل المجتمع الديمقراطي أم يناضلون من أجل مشروع يرجع بنا إلى الوراء.. برنامجهم الاقتصادي يكاد يكون منعدما، ونحن لا نمد أيدينا إلى تبرع أمراء الخليج ـ يتهم الأصوليين ـ الحل الإسلامي ما هو في الأصل إلا عملية تبديل أو استبدال حزب واحد بحزب واحد ثاني.. والجبهة الوطنية تحتكر ذاكرة الشعب وتاريخه ـ وجمعه هو جمع ـ الجبهة الوطنية، جبهة نوفمبر 1954 م وجبهة دستور 1976 م، وجبهة الإصلاح (راديو الجزائر). »

         وبتاريخ 1991.12.13م على الساعة الواحدة زوالا أذاعت الإذاعة الوطنية الجزائرية شريطا مسجلا لحزب البيئة والحرية على شكل حوار بين عضوين، أحدهما يسال، والآخر يجيب، وكان أول سؤال هو: " ما هي الإيكولوجية حسب نظرك؟ البيئة هي حماية الإنسان في المحيط نْتاعو ـ في محيطه ـ ما هي الخطوط العريضة لبرنامجكم؟ حماية المستهلك، حماية المحيط. ما هو واقع الشبيبة في برنامجكم؟ لا بد من اعتماد بنك ـ  يقرض الشباب ـ  للشباب بدون فائدة. ما هي كلمتك الأخيرة؟ أقسم بالله بأن أمد     % 50 من دخلي للمجلس الوطني (راديو الجزائر).."

         وبتاريخ 1991.01.15م على الساعة الثانية عشرة زوالا تقدم حزب التجمع العربي الإسلامي عبر الإذاعة بمداخلته مشيرا إلى بعض أهدافه. ففي الميدان الاجتماعي يهدف إلى " العدالة في توزيع مداخل الثروات الطبيعية على كافة شرائح المجتمع .. تمكين الطبقات من العيش الكريم. إحداث هيئة وطنية تتكفل بالتخطيط على غرار ما هو معمول به في سائر بلدان الدول المتقدمة.. إقامة ورشات صغيرة على مستوى كل بلدية أو دائرة مع مراعاة خصوصية كل دائرة أو ولاية.. إنشاء مجمعات فلاحية صغيرة.. ومدهم بالضرورات.. إنشاء مصلحة على مستوى الولاية أو الدائرة على مستوى مندوبية فلاحية تراقب استيراد الأبقار الحلوب والغنم.. وخلق تعاونيات .. إنشاء وحدات من الشباب تسند لها تسويق المنتجات الفلاحية.. ويقترح الحزب إنشاء صندوق دعم خاص بالفئات المحرومة لبناء السكن لهذه الفئات (راديو الجزائر).."، ثم تلاه الحزب الوطني للتضامن والتنمية بادئا كلامه بقوله "لا لاحتكار السلطة.. لا للرشوة والمحسوبية .. نعم للدفاع عن حقوق الشعب المهضومة، نعم للقضاء على البطالة وإحياء مناصب الشغل، وإيجاد السكن، وترقية المرأة. وحزبه حزب جماهيري يقاد من قبل النخبة، يخضع للأغلبية، ويعمل على تدعيم سيادة الشعب، والحفاظ على الشكل الجمهوري للدولة (راديو الجزائر).. ».

هذه مقتطفات من مداخلات بعض الأحزاب الجزائرية بمناسبة الانتخابات التشريعية الأولى من نوعها التي اقترع بشأنها يوم 1991.12.26م .

         وتدل بوضوح على أن الساحة الجزائرية تتجاذبها تيارات سياسية تفوق الأربعين في عددها، منها ما هي أحزاب سياسية بالفعل، ومنها ما هي إلا عبارة عن جمعيات أعطي لها الطابع السياسي، بل يوجد من الأحزاب من لا يتوفر حتى على قاعدة، إذ أنشأته أسر، أو أفراد من أسرة واحدة.

وتعتمد هذه الأحزاب المبدئية والاسمية على الخطاب السياسي الموجه للشعب الجزائري المسلم، وذلك في المهرجانات الشعبية من خطب ومحاضرات وندوات، مستغلة القناة الإذاعية الجزائرية الوطنية كوسيلة إعلامية ممتازة في إيصال رأيها وبرنامجها السياسي للشعب.

         وهذه الخطب الموجهة للشعب حتى وإن كانت بعيدة عن العفوية والتلقائية إلا أنها ذات طابع جماهيري تؤثر إلى حد كبير في الشعب الجزائري المسلم، وتؤثر في مجريات الأحداث بالجزائر.

وكلما كان الخطاب أرقى وأوضح كان تأثيره أكبر وابلغ، وهنا يجب تسجيل المستوى المرتفع لجبهة الإنقاذ الإسلامية، وحماس، والمستوى المنخفض لجبهة التحرير وباقي الأحزاب الوطنية الأخرى؛ الشيء الذي يؤهّلنا لبناء حكم مسبق على نجاح الأصولية وإخفاق العلمانية وقد حصل.

وما لم يتم تحصين الرأي العام الجزائري بالوعي الإسلامي فإن النتيجة مشكوك في أمرها ذلك أن المشاعر الطاغية على الشعب سرعان ما تتبخر، فالرأي العام يجب أن يقرن بالوعي العام.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

     خطب المهرجانات الثقافية

 

         خطب المهرجانات الثقافية خطب هادفة، وأهدافها تنبعث أساسا من الأيديولوجيات المتبناة، وتتفرع أصلا عن الاهتمامات التي توجدها وجهة النظر الأساسية عند معتنقيها، ومن هنا تنوّعت الأطروحات الثقافية، واختلفت الأفكار والمفاهيم باختلاف مشاربها ومنابعها. 

والمهرجانات الثقافية تشمل المعارف والعلوم والفنون والآداب، وتشمل أيضا الصناعات والتجارة والحرف والسياحة والملاحة البحرية والجوية والرياضة والموسيقى..

         وبتنظيم المهرجانات الثقافية ينشط الدماغ في إثرائها وإغنائها بالجديد، كما يسودها الإبداع في الأعمال المقدّمة والمطروقة من قبل المساهمين، ومنها ما تكون مقرفة لا فائدة من ورائها.

والمهرجانات الثقافية قد تكون شعبية، وقد تكون غير ذلك، قد تكون للعموم، وقد تكون للخصوص. ولإدراك كونها للعامة أو للخاصة يكفي النظر إلى الدعوة التي تسبق تنظيمها، والإطار المنظَّمة فيه، والقصد من وراء تنظيمها، أقول هذا للتمييز بينما يُنظَّم في الهواء الطلق والأماكن العمومية، وبينما يُنظّم في الأماكن الخاصة كمقرات الأحزاب، والمنظمات النقابية والمهنية والصحافية والقضائية والدور والجامعات والكليات.. كما يمكن أن يكون الخاص عاما إذا توفرت لديه وسائل الوصول إلى العموم كأن تذاع عبر الأثير، أو مباشرة في التلفزيون.

         والمهرجانات الثقافية يدعمها عنصران اثنان هما عنصر الدعوة، وعنصر الدعاية، إذ لا يخلو مهرجان ثقافي منهما بصرف النظر عما هو طاغ فيها أو عليها. وتتخللها أنشطة مكثّفة، وقد تكون غير ذلك، وهذه الأنشطة هي التي ترفع من شأن المهرجانات، أو تنزل بها إلى الحضيض.

وينظم المهرجانات الثقافية الفرد، كما ينظمها الحزب والمنظمة والجماعة والدولة، ويقوم المنشطون فيها بدور أساسي وريادي يكونون فيه نجوم المهرجانات كالأساتذة والموسيقيين والأدباء والفنانين والصناع والتجار والحرفيين والرياضيين والمثقفين والمهتمين.. ونجاحها لا يتأتى إلا إذا كان المنشطون في مستوى المهرجانات وظروفها، وفي مستوى ما يطرحون ويطرقون.. وفيها تُبذل الجهود لإفراغ المخزون الفكري والفني والأدبي للتأثير على المستمعين الحضور أو المشاهدين غير الحضور الذين يتابعونها عبر الأثير وفي التلفزيون إن كان ذلك مبرمجا لها.

ولا شك أن أهم شيء في المهرجانات الثقافية هو الكلمات التي تُلقى فيها، ثم المعروضات التي تعرض فيها من كتب ولوحات فنية وصناعات تقليدية وغير تقليدية..

والكلمات سواء كانت مرتجلة، أو مكتوبة، تدفعها الألسن نحو الحضور والمستمعين للاستفادة منها، وتظهر على ألسن المنشِّطين في شكل خطب يُقصد بها توجيه الجمهور، ولذلك لا عيب أن أسميتها خطب ثقافية، كما لا عيب أن تُسمى غير ذلك، ومن هنا جاز إدراج الندوات والمحاضرات والقراءات الشعرية.. في المهرجانات الثقافية. 

         و المهرجانات الثقافية ظاهرة صحية، فهي تدل على التعلق بالعافية العقلية، وكلما كثرت ازداد الارتفاع الفكري في الوسط الذي تقام فيه، وأمكن تحقيق نهضة فكرية أو علمية، وأهم ما يجعل هذه المهرجانات تسير بالإنسان في طريق تصاعدي هو بعدها عن التقنين من قبل الرقابة، وبعدها عن الإكراه والتسيير الإجباري، والتوجيه البيروقراطي لصالح الأنظمة بغية خدمتها وضمان استمراريتها، وحين  يوجد هذا النوع من المهرجانات، وما أكثره في البلدان النامية يسود الانحطاط الفكري، ويسود الضلال السياسي، فيتعطل التفكير في المجتمع والأمة، ويتم بواسطتها مسخ حقائق التاريخ، وتغييب الوعي وعزل الإنسان، وإبعاده عن الثقافة التي تملك القدرة على إقناع عقله، وتأبى إلا أن توافق فطرته وتملأ قلبه بالطمأنينة في آخر المطاف،.. هذا دون نسيان كون المهرجانات الثقافية وسيلة إعلامية ممتازة في تركيز الذات بجميع مقوماتها الفكرية والمشاعرية، وترشيدها للقيم والمثل العليا، كما أنها سحابة سميكة تحجب ما وراءها من صفاء ونقاء إذا كانت المهرجانات مضلّلة بثقافتها المتعفّنة، فتعفّن المجتمع بما فيه، وبمن فيه.

         والأمس غير اليوم، واليوم غير الغد، ولكن إنسان الأمس هو إنسان اليوم، وهو أيضا إنسان الغد، لأنه لم يتغير في الكيفية التي يعقل بواسطتها، والكيفية التي يكيِّف سلوكه بحسبها، ولن يتغير أبدا، فلا يمكن أن يطرأ على مقومات كيانه تغيير، أو يلحقها تطور، صحيح أنه اختلف عن سابقه في تقدمه وتخلفه، وصحيح أنه لا بد مختلفا مع لاحقه في التقدم والتخلف، ولكن هذا الاختلاف يكمن في نوعية مداركه ومعلوماته وثقافته في جزئياتها، فاستعمال الأدوات والوسائل التي اخترعها متعلقة دائما بإشباع حاجاته كسابقه تماما، وكلاحقه أيضا، لأن أسلوب عيشه جزء من حضارته وثقافته، وسيظل هكذا مع الاختلاف في الأساليب التابعة لوجهة النظر الأساسية التي تميز نوعية الحضارات والثقافات.. وللإشارة، فإن هناك قواسم مشتركة بين جميع الناس، وفي جميع الحضارات والثقافات، ولكنها لا تعني كونها جميعها من منبت واحد، ومصدر واحد، هو الإنسان مادامت له، إذ فيها ما هو منه وإليه، وفيها ما هو إليه، ولكن ليس منه، بل من غيره كالحضارة الإسلامية مثلا.

         إن فهم العلوم التجريبية والطبيعيات مثلا أمر لا خلاف فيه بين الناس، ولكن الكيفية التي يجري بواسطتها استعمال العلوم يتبع وجهة النظر في كل حضارة، ولذلك كان من العبث والضلال توحيد رؤية الناس في استعمال هذه العلوم جميعها، فالأسلحة الكيماوية والجرثومية والنووية مثلا أمور أوصل إليها العلم التجريبي، ولكن احتكارها من قبل أمريكا والدول الصناعية الكبرى أمر منكر بغيض لأنه يجعل باقي الأمم ضحية له وتحت رحمة هذه الدول، وبالطبع هناك مبررات لهذا الإجراء، وعند التدقيق يتبين أن جميع المبررات لم يفرزها العلم التجريبي، بل أفرزتها الحضارة الغربية، والثقافة الغربية.

         إن الإنسان ذكي بطبعه، والمحيط الذي يحتضنه قد يذكى فيه بإنماء تلك الخلة الطبيعية، وقد يغبى فيه بتعطيلها، والسبب أن محيطه مصنوع من مجموعة من الثقافات والمعارف التي تعمل على انصهاره فيها، فإذا استطاع الوصول إلى الحقائق كان اختياره لثقافته اختيارا معتبرا، وإذا لم يستطع ظل ضحية ما يوجد في محيطه، لأن الثقافة موجودة أصلا للحذق والفهم، بل هي ما قيل، وما ذكاء الإنسان إلا وقودها، فإن كان ذكيا فإن مثله الكثيرون وإن كان غبيا فإن مثله القليل، والمحتَّم عليه أن يتبادل العلاقات في مجتمعه وفق أسلوب معين في العيش، متجسد في الأنظمة السائدة التي تعمل على تكريس القناعات والمفاهيم والمقاييس التي قام عليها المجتمع، فإن لم تعجبه، أو خالفت قناعته ومفاهيمه ومقاييسه يسعى إلى تغييرها، وإن أعجبته بأن أقنعت عقله كيّف سلوكه كغيره تحت ظلها دون عناء وتذمّر، وكان جنديا من جنود الثقافة السائدة يدافع عنها ويقاتل من أجلها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المحاضرات

 

         المحاضرة فن المغالبة والمجاوبة،  وهي عبارة عن خطاب يُلقى في الحضرة، ويراد بإلقائه الوصول إلى فكرة أو رأي، سواء بالإقرار، أو التفنيد والمصادرة.

         وتُعنى بالبحوث العلمية، كما تعنى بالبحوث الفكرية والسياسية والأدبية.. وتشترط الحضور لسماعها لما في السماع من توفر أجواء الحوار والمناقشة، ولما فيه من مجال لإثبات الذات عن طريق الأخذ والعطاء والتلقف والرد حتى تظهر الغلبة في إقرار المطروق، أو رفضه بالحجة والبرهان.

         والمحاضرة  إذا لم تتخللها مداخلات لتأكيد الغلبة سواء للمحاضر أو للحضور عن طريق المناقشة بحضور الفكرة والرأي عند السؤال والإجابة، تفقد معناها  الحقيقي الذي وجدت من أجله، ولا يعني هذا أن الذي يسمعها في شريط مسجل، أو عبر الأثير، وفي التلفزيون لا يستفيد منها ويتفاعل معها، بل يعني أن عنصر مناقشة الموضوع مع طارقه هو الذي يغيب الشيء الذي يضيّع كثيرا من الفائدة، وقد لا يغيب إذا سمح بالتدخل عن طريق الفاكس أو التلفون أو البريد الإلكتروني.. والمحاضر سواء كان مستحضرا لخطوطه العريضة عن الموضوع بداهة، أو كان واضعا لها في أوراقه، وسواء اعتمد على ذاكرته كلية، أو على ما كتبه ووضعه بين يديه، يُعدُّ رجلا بحّاثا ولا شك. وهو كالمتسابق في رياضة العدو الريفي إذ يعدو مع الموضوع حتى نهايته.

         والمحاضر يجب أن يكون متمكِّنا من أفكاره، محيطا بموضوعه، كما يجب أن تكون لغته طيعة في لسانه حتى يقوى على تقديم مادته تقديما يسهّل هضمها بسهولة من قبل الحضور، فهو حاضر البديهة، ينظر إلى موضوعه من جميع الجوانب، يشرحه بما فيه الكفاية، وإذا دعت الضرورة للإطالة في بعض الشروح أطال، وإن لم تدع أوجز، ويحرص على أبسط الأمور فقد تجده شارحا حتى عنوان المحاضرة شرحا لغويا أو اصطلاحيا مخافة ذهاب فهم الحضور بعيدا، أو مخافة سوء الفهم، ويحرص على الإتيان بأفكاره وأرائه في انسجام تام وتسلسل معقول، ويعرض أفكار وآراء غيره المتعلقة بنفس الموضوع المبحوث من قبله من أجل تفنيدها لجعلها ساقطة مرذولة بالحجج والبراهين حتى يُفسح المجال أكثر في أذهان الحضور لتقبُّل فكرته ورأيه سعيا منه لجعلها أفكارهم وآراءهم، جاعلا منهم سلاحا مشهورا في وجه المخالفين والمعارضين لفكره ورأيه.

         والمحاضرة تتطلب الهدوء والرصانة، وحضور الذهن من قبل المحاضر والحضور لأنها موجَّهة للعقل، وأنها تركز على الاستدلال والمقارنات التاريخية بعرض حقائق التاريخ وحوادثه كشواهد، وتتطرق إلى الحاضر كشهادة أخرى على إفلاس المجتمع في فكره ونظامه.

         والمحاضرة تكون علمية وأدبية وفكرية، كما تكون سياسية وتشريعية وإدارية.. والعلمية منها تتناول العلوم التجريبية كالفيزياء والكيمياء.. والمعارف التي تُلحَق بالعلم وتكون تابعة له كالملاحة والمحاسبة.. لأن المعارف من هذا النوع لا تكون خاصة بشعب أو أمة شأنها شأن العلوم التجريبية من حيث كونها عامة لجميع الشعوب والأمم.

         والبحوث العلمية التي تتناولها المحاضرات اختصاص يستقطب اهتمام العلماء والمهتمين، وهي في البلدان المتخلفة شبه مفقودة، بينما في البلدان المتقدمة موجودة بوفرة؛ الشيء الذي باعد بين الشعوب المتخلفة، والشعوب المتقدمة صناعيا وعلميا.

         صحيح أن الهيمنة، وحب المصادرة عند الغرب الصناعي حالا بين وجود هذا النوع من البحوث العلمية منعا لتقدم الشعوب وارتقائها في المدنية حتى يسهل استغلالها وتقزيمها، وجعلها مستهلكة غير منتجة، وللغرب قنوات عديدة بواسطتها يحافظ على أوضاع الشعوب في مجال التصنيع والتقدم العلمي، ولا يسمح بتجاوز الحد المرسوم وذلك عن طريق هيئة الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والهيئات السياسية التابعة له، والعملاء.

         صحيح أن الشعوب المستضعفة واقعة تحت ظلم الشعوب المتقدمة إلا أن هذا يمكن تحدّيه برفع الظلم عن طريق البحث عن الذات، ومعرفة الكيفية التي بواسطتها يتم التفكير في العلوم التجريبية، ولكنه غير كاف لأنه موجود لدى الكثير من أفراد الشعوب المتخلفة، وغير كاف حتى لو خُلّي بين الأفراد في البلدان المتخلفة وبين رغباتها وتطلعاتها العلمية لأن المشكل الأساسي ليس هو هذا، بل هو في جانب آخر يكمن في الأنظمة السائدة في هذه البلدان التي لا توفر الظروف المناسبة والإمكانات الميسورة للعلماء والمتخصصين والباحثين، فلا تشجعهم على البحوث العلمية وإن صرحت العكس، ولا توفر لهم أرزاقهم وإن ادعت دفع رواتبهم الشهرية، ولا تفتح أمامهم الآفاق وإن دفعت لهم منحا للدراسة بالخارج.. فما لم تهيئ الأجواء للبحوث العلمية، وما لم توفر المختبرات اللازمة، وما لم ترفع يدها عن مصادرة التفكير، وما لم تخصص ميزانية كافية، وما لم تعتمد التحرر من التبعية للغرب الصناعي فإنها لن تحقق من ذلك شيئا إلا في حدود ما تسمح به الدول الاستعمارية المهيمنة، ويكفي دليلا هجرة العقول من البلدان المتخلفة إلى البلدان الغنية والصناعية. ولذلك تكاد تنعدم في البلدان المتخلفة المحاضرات العلمية، وإن وجدت وهي موجودة فعلا في الكليات التي تُعنى بالبحوث العلمية إلا أنها قليلة الفائدة لأن الأساتذة والطلاب والباحثين وإن ظهرت لهم تصورات معينة، أو توصلوا إلى نظريات وأفكار و آراء معينة تتعلق بإخضاع المادة إلى التجريب يجدون أنفسهم غير قادرين على التجريب إلا في مجالات الفلاحة والري والهندسة المعمارية.. وبهذا يظلون أساتذة يرددون على مسامع الطلاب ما تعملوه، ثم يتخرج الطلاب فيقومون بدور الأستاذية يشبهون بائعي أي سلعة وهكذا دواليك.

         إنه من العار بمكان أن لا يفسح المجال للبحوث العلمية التجريبية في البلدان المتخلفة، عار ما بعده عار أن تظل دولة أو بلدة غير قادرة على مواكبة التطور السريع في التقدم العلمي والتقني، وأن لا تكون لدينا صناعة ثقيلة، إذ كيف تحقق هذه البلدان نهضة علمية وتقنية وهي لا تهتم إلا بالقشور في هذا الميدان؟ كيف يمكنها الدفاع عن نفسها من المعتدين؟ كيف يمكنها التأثير في الموقف الدولي؟ كيف يمكنها فرض احترام الشعوب الأخرى والدول الأخرى لها؟ كيف يمكنها الانعتاق من ربقة الاستعمار الحديث؟.

         والطامة الكبرى أن تعمد وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية إلى تصوير ذلك نهضة، أو طريق النهضة وشيئا ذا بال.

صحيح أن الإمكانيات موجودة، والعقول متلهّفة للتعلُّم، واستئجار ما يلزم من علماء من الدول غير الاستعمارية، وغير الطامعة فينا سهل ميسور، ولكن المشكل يظل هوهو.

         إن تحقيق النهضة العلمية أيسر من تحقيق النهضة الفكرية، لأن النهضة العلمية لا تتطلب سوى الإمكانات المادية، وبعض المعلومات والآراء المتعلقة بها، وللإشارة، فإن المعلومات والآراء عن الموضوع المبحوث يتم إبعادها أثناء التجربة حتى لتكاد تقول إنها لا تحتاج إلا إلى معلومات أولية عن كيفية استخدام المواد والأدوات العلمية، والعلم كما هو معروف ومقرر هو الملاحظة والتجربة والاستنتاج، وأهم شيء في طريقته هو التجربة، وهي إخضاع المادة لظروف وعوامل غير ظروفها وعواملها الطبيعية، ثم استنتاج النتيجة وتسجيلها.

         ويكفي مثالا على إمكانية التقدم في المجال العلمي التجريبي ما حصل على مستوى طب الأعشاب والطب التقليدي في موضوع التداوي من داء السرطان، فلماذا لا يهتم بهذا الموضوع الاهتمام اللازم والجدّي وإعطائه دفعا هادفا إلى الغاية؟ لماذا لا يحصل الانكباب على الاستفادة مما تحقق في مجال طب الأعشاب والطب التقليدي لإغنائه، والسير به قُدما لخدمة الإنسانية؟ أم يراد انتظار الغرب حتى يكتشف دواء لهذا الداء وغيره مما لم يصل بعد أي أحد لاكتشاف دوائه؟

         إن داء السرطان يوجد له دواء في مدينة طنجة، والشواهد كثيرة، والمقصود بالسرطان  هنا غير سرطان الدم والكبد والأمعاء أو ما هو داخلي، ودواؤه تركيبة من ثلاثة عناصر : الأعشاب. والكيماويات. وسموم بعض الحشرات. وقد دلّت التجربة الطويلة على نجاح هذا الدواء، فلماذا لا يدخل المختبرات للزيادة في اغتنائه،  وبلورة دوائه، ثم تعميمه على البشرية لإنقاذ المصابين؟

         وفي ميدان البنكرياس (داء السكري) يكفي تسجيل حقائق في هذا الموضوع، فقد سمعت حوارا بين عشابين أذيع بإذاعة طنجة، والمتحدث صادق يحب الوصول بنتيجته إلى اليقين، فقد أشار أحدهما إلى هذا الداء وأفصح عن إصابته به، ولكنه غير مُحْرج منه، ولا خائف، ولا يلتزم بالحمية، يأكل ويشرب دون حرج، وحين يشعر ويقيس مستوى ارتفاع السكر في دمه يعمد إلى طريقة سهلة غير مكلِّفة تجدي معه دائما، وذلك منذ سنوات عديدة، والطريقة هي تناول اللوبية الخضراء (الفاصوليا) وطهيها في الماء، ثم شرب مائها، وبهذا ينزل السكر من دمه، فلماذا لا تعطى الأهمية اللازمة لمثل هذه النتائج والبحوث؟ ولماذا لا يُعمد إلى تصديق هذا أو تكذيبه مادام الأمر متعلقا بالرغبة في تحقيق تقدم، والوصول إلى دواء ناجع لداء البنكرياس؟.

         إن المحاضرات العلمية ظلت سجينة المختصين يجب إطلاق سراحها من أيديهم لتشمل جميع شرائح المجتمع، وقد يقول قائل بعدم جدوى ذلك، والجواب أن الانطلاقة سوف تكون صعبة بالنظر إلى الإقبال والإحجام عليها، ولكن إذا توفرت مناخات وأجواء تعتمد الاستمرارية، فإنها سوف تحتل مكانتها من أذهان الناس شريطة أن تنتشر في المجتمع مختبرات وأماكن مخصصة بعينها للتجربة.

فانتشار المختبرات وجعلها طوع بنان كل باحث، وكل راغب في تجريب ما يريد تجربته دون النظر إلى مستواه العلمي ينشّط البحوث العلمية، ويؤدي إلى تقدم العلوم، ثم ينتج اختراعات في شتى الميادين، ومن سفسطة القول أن ذلك يتطلب ميزانية ضخمة قد تهدر فيما لا فائدة من ورائه، والجواب على ذلك أن المال المقترح كميزانية لهذا المشروع هو مال الأمة أولا، ويخدم مصلحتها ثانيا، لأنه جزء من تطلعاتها نحو التحرر الحقيقي، فلا أحد يمنّ عليها  بماله، والدولة التي تتصدر إدارة المشروع وسياسته يجب أن تدرك واجبها نحو أمتها، فالأهداف المنشودة، والغايات المرسومة تحدِّدها عقيدتها ووجهة نظرها في الحياة، ولا يمكن أن تتحقق هذه الأهداف والغايات إلا على يد أبنائها، وهم بتعاونهم جميعهم، أو في مجموعهم يؤكدون الروح الجماعية التي تنبثق عن وجهة نظرهم، وبها يمكنهم تخطّي الصعاب وتجاوز العقبات حتى الوصول إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي، وإيجاد صناعة ثقيلة وتطويرها، وهكذا يمكن تحقيق نهضة علمية وصناعية حقيقية في الصحة والفيزياء والكيمياء والجيولوجية.. والنتيجة اقتعاد مكانة مرموقة ومشرفة بين شعوب العالم ودوله.

والمحاضرات العلمية والفكرية يجب أن تدخل السجون حيث يقبع عشرات الآلاف من أبناء الأمة، وحيث تقبع طاقات وإمكانيات ذهنية يجب استغلالها لصالح الأمة، فضلا عن نقل بعضها عبر الأثير والتلفزيون للاستفادة منها.. ومن الطريف حسب إذاعة لندن في "البرنامج المفتوح" أواخر شهر ديسمبر 1991 أن تُخرج السلطات سجينا لم يقض بعد مدة سجنه، وهي أربع سنوات للذهاب به إلى المدرسة في حراسة مشددة بغية إلقاء محاضرة عن الجريمة وأسبابها وكيفية معالجتها.

         ونسجل بهذه المناسبة انطلاق المنافسة منذ أمد قريب بين الدول في البلدان العربية والإسلامية لمنح الجوائز السنوية عن الأبحاث والأعمال الفكرية الإبداعية في الأدب والعلوم والفنون كجائزة أبها الثقافية بالسعودية، وجائزة الناقد للرواية والشعر بلندن، وجائزة عبد الله كنون بالمغرب، وجائزة العويس الثقافية بالإمارات العربية المتحدة، وجائزة صدام بالعراق وكثير غيرها، وهي جوائز تُعطى بعد ظهور العمل الإبداعي وتقديمه لجهة من هذه الجهات؛ الشيء الذي يقدر عليه البعض، ولا يقدر عليه الكثيرون لانشغالاتهم وهمومهم المتعلقة بإشباع الحاجات الأساسية، بالإضافة أنها ما عدا العلمية التجريبية منها تفقد معناها ومصداقيتها إذا كانت موضوعة أصلا ومقترحة لخدمة النظام، وشخص النظام، حتى لتجد الرفض لكل ما لا يتماشى مع مصالح النظام والحاكم والجهة المشرفة على الجائزة، بينما الجوائز العلمية التجريبية والمعرفية التاريخية كتلك التي تعنى بالأرصاد الجوية والرياضيات وغيرها من المعارف التاريخية والأثرية لا تحكمها آراء وأفكار المشرفين على الجوائز إلا من باب اختيار الأقدر والأكفأ، والاستفادة من جميع ما يُقدّم إليها، لأنه جهد مبذول جاد، لا شك مفيد. وهذه الجوائز تكون لها مصداقية حقيقية، ولا يعني هذا أن غيرها مما هو مرتبط بالسياسة والآداب والتشريع لا مصداقية له، بل يعني أنها حين تخرج عن إطارها الذي وضعت ورصدت لأجله تفقد مصداقيتها، وهنا يجب التوقف للتفكير في مدى مصداقية ما نسمع من جوائز وكفاءات، وعلى كل حال فالظاهرة صحية.     

وفي البلدان العربية والإسلامية أذهان متفتقة مبدعة ولو بإبداع واحد واختراع واحد وذلك مثل ملك المغرب ـ الحسن الثاني ـ باختراعه جهازا لدراسة أداء القلب الإنساني يتكون من كاميرا فيديو تتعقب حركات الشخص الذي تتصل بذهنه أجهزة استشعار تستكشف النبضات التي تصدر عن القلب.

         والعالم المصري د. علي رضا إبراهيم باختراعه وسيلة لتثبيت الرمال، والاحتفاظ برطوبة التربة ومنع التدهور وتحسين المناخ والحد من تآكل التربة.. كما أن هناك أذهان خامة ممتازة لا تحتاج إلا إلى تفجير طاقاتها في مجال الإبداع عن طريق المساعدة والاحتضان والاهتمام وفتح المجال أمامها في المجتمع. هذا مع عدم إغفال المكافآت المالية التي تقدمها بعض الجهات كالمجلات عن الأعمال التي تنشرها لأصحابها كمجلة عالم الفكر والفيصل وعالم المعرفة، وللتذكير فإن عالم المعرفة وعالم الفكر لم يتبنيا لي ولو بحثا واحدا، ففي كل مرة يعتذرون لي عن النشر..

وتنتشر المحاضرات في جميع بلاد الدنيا، ويمكن تسجيل بعض التقدم على مستوى البلاد العربية والإسلامية الشيء الذي لم يكن منذ عهد قريب، فالمرجو هو المزيد من المحاضرات، والمرجو هو تحررها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

           الندوات

 

الندوة بمعنى النادي، ودار الندوة مكان اجتماع قريش في الجاهلية. وتعني كل دار يُجتمع فيها، ويُرجع إليها كدور الشباب والمسارح والسينما والقصور والجامعات والمدارس..

والاجتماع الذي يكون في دور الندوة يكون لغرض إثارة المواضيع التي تهم المجتمعين يتصدر لتسييرها أناس يملكون القدرة على إلقاء الخطب، ويملكون القدرة أيضا على إدارة الحوار والمناقشة.

والاجتماع قد يكون من أجل قضايا الساعة كالذي يحصل في البرلمانات ومقرات الحكومات والأحزاب والمنظمات الاقتصادية.. وقد يكون لمجرد بحوث دورية في العلوم والآداب والتشريع والفكر.. وفي يومنا الحاضر صارت الندوة أوسع مما كانت عليه في مضامينها، وقننت أكثر حتى صارت لها قواعد وأسس تقوم عليها، وصار الإشراف على إدارتها يتطلب مهارة وبديهة، كما صار لها محاور عديدة تحوم جميعها حول الموضوع المطروق يتناولها الأساتذة والعلماء والوزراء والرؤساء والأدباء المشاركون في الندوة بدءا من أستاذين فما فوق، كل واحد منهم بعرضه المقدَّم يتناول المحور المخصص له.

         والندوة لا تختلف عن المحاضرة إلا في العدد المشرف على العروض، فالعرض الواحد المقدّم من قبل واحد يتناول فيه جميع محاور الموضوع هو المحاضرة، بينما تناول محور محور من قبل الأساتذة، وتقديم العروض كل عرض يشرف عليه صاحبه ويلقيه هو الندوة، وأهم شيء يساعد على إنجاح الندوات هو المناقشة، فما لم يفسح المجال لمناقشة العروض من قبل الحضور لا تكون ندوة بالمعنى الصحيح للندوة، وما لم يستشعر كل مشارك الأمان فلن يكون تدخله ذا معنى لأن الندوة في مناقشتها تتطلب إزالة الأدران عن الأفكار والحقائق للاستفادة منها، وهذا لحسن الحظ موجود بكثرة، وما يناقضه يندر جدا كندرة حادث يروى عن قتل متدخِّل في اجتماع حزبي وزاري لحزب البحث العراقي خالف وعارض فيه موقف الرئيس لتستهدفه الرصاصة على المائدة المستديرة.

         والأستاذ الذي يحمل رسالة ويدعو إلى دعوة يكون النجم المشع للندوات، وكلما كان صاحب ذلك ذكيا متمكنا من أفكاره كان أقرب للنجاح والإقناع من غيره، فهو يسعى إلى إيجاد تفاعل حقيقي بين فكره وفكر غيره، والتفاعل الذي  يرفع مستوى الاحتكاك بين المفاهيم والأفكار هو الذي ينشِّط الندوات، وهو الذي يشرف بالصراع إلى نهايته لتحقيق الغلبة، كما يوجِد أجواء فكرية متحركة بشكل ممتاز، وإذا كان الغرض من الندوات الوصول إلى الحقائق تكون الندوة أشد فاعلية وأجدى نفعا، وكلما كانت الأفكار والمفاهيم المطروقة متناقضة مختلفة كان الصراع أقوى، والحسم أوضح، وهنا بالذات يحالف النجاح الفكر الذي يعتمد الصراحة والجرأة، ويعمد إلى الحجج والتبكيت بالبراهين العقلية، بينما يخفق مقابله الذي لا يعتمد إلا على الديماغوجية، ويعمد إلى استعمال النفوذ واستغلال سذاجة الناس والتلاعب بعقولهم.

         والأستاذ المحاضر في الندوة إلى جانب الأساتذة الآخرين إذا استطاع جعل دور عرضه متأخرا يكون عرضه أقرب إلى التذكُّر، وأسرع عند الحضور، ويكون أول من تحصل مناقشته في المداخلات غالبا، وإذا استطاع الأستاذ المتأخر استيعاب العروض المقدَّمة بشكل جيد أمكنه الحكم عليها بسرعة، وبحكمه هذا قد يبقي على ما قرر عرضه، وقد يلغيه، قد يستغني عن كثير من الأفكار، وقد يبقيها كاملة، قد يستدعي من ذاكرته ما لم يضعه أثناء التحضير لما يرى فيه من أهمية، وقد لا يستدعي شيئا، إذ المهم أن يقوى على إنجاح عرضه وجعله الأقوى والأجدر بالتبني لأنه قبل كل شيء داعية، وهذه الميزة هي التي تفرض عليه الاختيارات بحسب واقع الأفكار، ومدى أثرها في الناس، فلا يبغي مثلا تناول قضية غير مطروقة في الساحة، وإذا اضطر لتناولها حرص بكل قوة على جعلها قضية سياسية لأنه رجل سياسي بالدرجة الأولى يمارس تركيز فكره، وليس تعليمه..

والندوات كما ينظمها الفرد ينظمها الحزب والكتلة والجمعية والمنظمة والدولة.. فنسمع مثلا ندوة حقوق الإنسان، وندوة الطفولة والبيئة والإيدز (السيدا) والمرأة.. فيما يسمى بالأيام العالمية لهذه المواضيع، وكذلك نسمع بندوة الأدب الشعبي، والشعر الزجلي، والشعر الحديث إلى غير ذلك من الندوات السياسية والتاريخية والأدبية والعلمية والسينمائية والمسرحية والفنية التي تنظمها جهات كثيرة كهيئة الأمم المتحدة، واتحادات الكتاب، والمؤسسات العلمية والثقافية والصحية والاقتصادية والإدارية والسياسية بالإضافة إلى الأفراد.

         والندوة الأكثر نجاحا هي التي ينظمها الحزب والكتلة والدولة والمنظمة لا لشيء سوى بالإمكانيات المادية والبشرية مما يساعد على إنجاحها؛ الشيء الذي لا يستطيعه الفرد لوحده حتى ولو شاركه الأفراد الآخرون وساعدوه على إنجاح ندوته، ولا يعني هذا أن ندوة الأفراد فاشلة، أو غير مجدية، بل يعني أن الندوة المراد بها الدعوة إلى فكر ما، أو رأي ما تحتاج إلى قنوات معتبرة بإمكانها الوصول إلى الرأي العام وهو أيسر للجماعات من الأفراد فقط.

         والندوات كما تُنظَّم وتقام في الأماكن العامة كدور الشباب والمنتزهات والسينما والمسارح والمقاهي والمساجد.. تنظم أيضا في الأماكن الخاصة كمقرات الأحزاب ومقرات المنظمات والحكومات والبرلمانات.. فكما تكون في هذه الأماكن لا يعني أنها لا تنظم في غيرها لأن هناك ما لا يحصى من الأمكنة الصالحة لتنظيمها، وهنا تجدر الإشارة إلى الندوات المقامة خفية في الأماكن الخاصة.

         إن الأحزاب والمنظمات والجماعات التي لا تعترف بها الدول تضطر إلى تنظيم ندوات وحلقات دراسية في الخفاء، تلقى فيها العروض، وتناقش مواضيعها جماعيا من أجل بناء الكتلة، وتكوين المناضلين في عقلياتهم ونفسيا تهم حتى يكونوا شخصية متميزة قادرة على التفاعل في المجتمع، وقادرة على النضال من أجل إسماع صوتها، والصراع من أجل السيادة لفكرها ووجهة نظرها في الحياة، وهذا ما شهدناه عمليا بعد خروج بعض الكتل والجماعات إلى الساحة.

         وتكثر هذه الندوات بالإضافة إلى المحاضرات والدروس في البلدان التي تعتمد الديمقراطية كنظام يكفل حق الرأي والتعبير عنه، وحق التجمع والإفصاح عنه، وهي تثير الخوف والقلق عند هذه الأنظمة لأن التكتلات التي تعمل في الخفاء تخالفها في الأيديولوجية الشيء الذي لا يولد سوى المشاحنات والخصومات، ولا يولد الاعتراف المتبادل من قبل الدول والكتل. 

وعلى سبيل المثال لا الحصر أذكر الشيوعيين (القاعديين) أتباع اليهودي المغربي سرفاطي الذين لم يعترف بهم إلا حديثا جدا، والشيعة الذين لا يزالون تحت الأرض، وجماعة العدل والإحسان، وحزب التحرير وكذلك الشأن خارج المغرب..

         وإلى جانب هذه الندوات توجد ندوات أخرى من نوع آخر لا تقل أهمية عن غيرها، وهي ندوات غالبا ما تنظمها الجماعات والكتل التي لا صوت لها في المجتمع، أو غير معترف بها، وهي ندوات غير مخفية، ولا تخصّ أعضاءها لوحدهم، بل تتعداهم لتشمل غيرهم من الناس، وقد شاهدنا وسمعنا خطبا ألقيت في تجمعات معينة، وكانت خطبا هادفة، منها ما بقيت على حال الخطبة، ومنها ما صارت محاضرة، ومنها ما أضحت ندوة وذلك في المجال الثقافي والسياسي والاجتماعي..

         وهذه الندوات تقام بمناسبات معينة، فحين يكون هناك مثلا حفل زفاف وعقيقة وختان وميلاد، أو جنازة وتأبين.. تأتي بعض الكتل والجماعات المدعوة وغير المدعوة لاستغلالها بغية إسماع صوتها، وإبداء رأيها في الأحداث السياسية والاجتماعية والفكرية .. وهي ظاهرة صحية تبشر بوعد وأمل بالنسبة لمستقبلها السياسي.

         إن الذي تعوّد عليه الناس في مثل هذه التجمعات في سائر البلدان العربية والإسلامية هو القيل والقال، والطرب والغناء، وتضييع الوقت فيما لا فائدة من ورائه، ولكنه بدأ يقل ويتقلص نوعا ما سواء من جهة الجماعات والكتل التي تعرف كيف تستغل الظرف لتحول التجمع المذكور إلى حلقات دراسية، إلى محاضرات، إلى خطب، إلى ندوات، أو من جهة صاحب الحفل والتأبين بأن يكون منتميا إلى جماعة معينة، أو متعاطفا معها فيقوم بالمبادرة معلنا على الحضور تقديم فلان صاحب الكلمة المزمع إلقاؤها، واستعدادا لسماعها من قبلهم بشدّ انتباههم بمقدمته تلك.

وهكذا يفسح المجال لإلقاء الخطب، كما يفسح المجال إلى تحويلها إلى محاضرة أو ندوة تتخللها مداخلات ومناقشات واعتراضات واستفهامات واستفسارات تفرض على المجتمعين الاهتمام والسماع لينتهي التجمع بالفائدة بعدما نشّطه فرد من كتلة أو أكثر، أو أستاذ أو شيخ غير منتم، فتكون النتيجة أن أسمع الصوت وأثر إلى حد ما في هذه التجمعات.

         ومما يجب تسجيله بهذا الصدد أن المقاهي والصالونات.. كثيرا ما تتحول التجمعات فيها إلى خطب ومحاضرات وندوات، لأنها تُعتبر اعتبارا الموائد المستديرة ولو أنها محصورة في عدد معين على مائدة معينة قد تتعداها  إلى مائدتين أو أكثر، وقد تبقى في نطاق المائدة الواحدة لا تشدّ الانتباه، ولا تثير الاهتمام لدى الحضور في المقاهي والصالونات. كما يجب تسجيل أن الأسر جميعها تمارس إقامة وتنظيم الندوات والمحاضرات والخطب في بيوتها ولو بشكل غير منظًّم، وغير هادف، ولكنه على كل حال مُجدٍ إلى حد ما بغض النظر عن المستوى الذي يكون هابطا في هذا، إلا أنه قادر على إيصال الفهم ببساطة وسذاجة أحيانا كثيرة، فتناول قضايا معينة مطروقة في الساحة من قبل أفراد الأسرة أمر مفروغ منه يتداولونه بالمناقشة، وقد تصل المناقشة إلى حد الصراحة والجرأة التي لا يمكن تسجيلها خارج نطاق الأسر لما بين هذه الأسر من روابط الدم والرحم والثقة المتبادلة حتى الوصول إلى تناول النظام، وشخص النظام خصوصا في البلدان التي لا تعتمد الديمقراطية باستثناء بعض القفزات المسجلة عند بعض الشعوب كالشعب الجزائري في تناول النظام وشخص النظام بشكل عنيف جدا.

         وهكذا تكون الندوات واسعة الانتشار، شاملة الأسرة والعشيرة والقوم والشعب والجماعة والكتلة والحزب والهيئات الاقتصادية والأدبية والفنية والعسكرية والإدارية والتشريعية كالبرلمانات والمجالس الجماعية والقروية والبلدية والرياضية والنقابية..

المؤتمرات

 

         تحتضن المؤتمرات خطبا وندوات ومناقشات ومداخلات ومناظرات.. وأخيرا  بيانات. والمؤتمرات خاصة بالأحزاب السياسية والجمعيات والمنظمات الجهوية والوطنية والإقليمية والقارية والدولية..

فالأحزاب السياسية تنظّم بين الحين والآخر مؤتمرات في دورات عادية، أو تنظمها في دورات غير عادية كلما دعت الضرورة إلى ذلك، فنسمع مثلا مؤتمر الحزب الشيوعي السوفيتي الذي حُلّ منذ سنوات ومؤتمر الحزب الشيوعي الصيني، وسائر الأحزاب الشيوعية والاشتراكية والعلمانية والديمقراطية والإسلامية. ونسمع بمؤتمرات لجمعيات ثقافية وأخلاقية وخيرية واجتماعية على الصعيد الجهوي والوطني، ونسمع بمؤتمرات لمنظمات اقتصادية كالأوبك، ومنظمات سياسية كمنظمة التحرير الفلسطينية ومنظمة الوحدة الإفريقية وجامعة الدول العربية ومنظمة هيئة الأمم المتحدة..

         ويظهر في هذه المؤتمرات خصوصا المؤتمرات السياسية ندوات ومناظرات لا تعكس بالضرورة وحدة الرؤية والتصور، سواء في الكليات أو الجزئيات مثل الذي حصل في القمة السادسة للمؤتمر الإسلامي الذي عقد بدكار في بداية شهر ديسمبر 1991 م بخصوص تشطيب فكرة الجهاد أو الإبقاء عليها والخلاف المسجّل بشأنها، ثم فشل المؤتمر. وكذلك مؤتمر السلام بمدريد، ثم واشنطن أواخر شهر ديسمبر 1991 م بين الصهاينة العنصريين ولبنان والأردن وسوريا والفلسطينيين الذي تخللته مداخلات وندوات ومناظرات بيزنطية بين الوفود دون صدور بيان عن أي وفد، فضلا عن البيان المشترك نظرا لفشل المؤتمر عند ذلك الحد.

         والمؤتمرات كما تكون سياسية تكون ثقافية ورياضية وعلمية.. ففي الجانب الثقافي تعقد مؤتمرات لجمعيات ومنظمات ثقافية، وغالبا ما تكون مخصصة لتقويم الأعمال المقدمة وتقييمها في الدورات الصيفية والربيعية والخريفية والشتوية.. أو تكون من أجل تغيير كوادرها في مكاتبها لفسح المجال للأعضاء الآخرين حتى يقدموا ما جادت به قرائحهم في الإطار التنظيمي والتأطيري، أو تكون من أجل وضع برامج للدورات القادمة الفصلية والسنوية مثل الذي حصل مؤخرا لمنظمة الإسيسكو.

وتنظمها الأحزاب السياسية في جمع عام يحضره الأعضاء وممثلوا الحزب في المدن والقرى والمداشر والمدن والأقاليم والولايات من أجل دراسة أوضاع البلد للخروج بتصور عملي للحلول المقترحة، ثم النضال من أجلها بعد المؤتمر، أو من أجل انتخاب مكاتب الحزب على مستوى الأمانات العامة، والمكاتب السياسية للقيادات والنواحي والولايات واللجان مثل الذي حصل في الجمع العام للمجلس للوطني الفلسطيني منذ سنوات قلائل بتونس.

         وتنظمها الدول بعد التهييء لها من قبل وزراء خارجيتها في دورات عادية، أو غير عادية من أجل دراسة المقترحات المتعلقة بالمستجدات على الساحة المحلية والدولية والقطرية والإقليمية، أو من أجل تحديد المواقف وتوحيدها بشأن قضية سياسية هامة تتعلق بقضايا الساعة في جميع المجالات، أو في مجال واحد متعلق بالدفاع مثلا كمؤتمر دول مجلس التعاون الخليجي بالدوحة ( قطر ) إبان أزمة الخليج في ديسمبر ( كانون الأول ) 1990 م.

         وبخصوص مؤتمرات دول مجلس التعاون الخليجي نسجل على وجه الخصوص المؤتمر الحادي عشر بقطر بالتاريخ المذكور أعلاه، حيث تم الإعلان عقب الانتهاء من المؤتمر عن موعد ومكان المؤتمر الثاني عشر في نفس الشهر من السنة المقبلة (1991 م) بالكويت وهي إبان الإعلان كانت لا تزال تحت يد صدام حسين، وقد تحقق ما أعلن عنه لتعقد القمة في السنة الجارية بتاريخ1991.12.23 م.  فالمؤتمر الأول جاء في ظروف حساسة على صعيد المنطقة الخليجية والعربية والإسلامية والدولية، حيث كانت الكويت لا تزال تحت قبضة صدام حسين الشيء الذي أوجد إرهاصات، وأوجد تصورات مستقبلية خطرة سواء تعلق الأمر بانتهاء حرب الخليج لصالح صدام، أو لصالح الحلفاء، فكلاهما يشكل خطرا حقيقيا متزايدا على أمن المنطقة العربية. ولما تحقق الأمر الثاني بأن عادت الكويت إلى وضعها السابق ظل أمر حماية المنطقة قائما، وبقيت الجيوش الأجنبية قابعة فيها مع التخفيض النسبي في عددها الشيء الذي ثبت الخوف والقلق وأوجد تفكيرا جديا في الحماية، ولكن هذه المرة مع إبعاد الأجانب، وجعل أمن المنطقة بيد أهلها لوحدهم الشيء الذي سمعنا به في القمة الأخيرة، خصوصا وأن قادة دول مجلس التعاون الخليجي يدرسون مشروع إنشاء جيش موحد لحماية المنطقة قوامه 100000 جندي..

         والمهم في هذه القمة هو أمن الخليج، وأهم منه التطلع من قبل هذه الدول إلى تحقيق الأمن على يد أهلها وأبنائها، ولكن المسجل فيها هو عنصر غياب تصور حقيقي ومعقول لما بعد وجود الجيش المزمع إيجاده لحماية المنطقة، فإنشاء جيش موحد، وعلى درجة عالية من التدريب والتسليح لا يؤمن بالضرورة الحماية اللازمة للمنطقة، ذلك أن الجيش في تسليحه وتدريبه سوف يعتمد على نفس الأجانب الذين يتم التفكير في إقصائهم وإبعادهم عن المنطقة، وبالتالي الخروج من قبضة الدول المهيمنة والطامعة لكي لا تكون المنطقة ودول المنطقة واقعة تحت ضغوطهم؛ مرغمة على القبول بشروطهم، والسبب هو أن الاعتماد سوف يكون على الأجانب، والاستعانة سوف تكون بهم، وهم وإن كانوا أوفياء في ظاهرهم فوفاؤهم وفاء مصالح وظروف وشروط، والمصالح تختلف وتتباين بينهم وبيننا، والظروف تتبدل وتتغير في كل حين، والشروط تعقبها شروط أخرى مما يجعلها شروط مقبولة، ومما يجعلها تلين وتقسو. تكون تعجيزية، وتكون مميتة، تكون مهينة، وتكون مزيلة للسيادة، مما يفقد المصداقية في الوفاء عندهم تجاه المنطقة، وأبناء المنطقة ودول المنطقة، وليس من المستحيل عند المخططين المستقبليين في الإدارة الأمريكية تحقيق ما رسموه بشأن تغيير خريطة العالم إن على صعيد واحد أو على كثير من الأصعدة سواء بممارسة القوة، أو باستصدار قرارات من هيئة الأمم المتحدة تزيل عن الدولة صفة الدولة نظرا لكونها لا تستحق أن تكون دولة، ولكونها يجب أن تذوب في غيرها، كما ليس من الصدفة شهادة فُضَيْلة الصباح من الأسرة الحاكمة في الكويت إذ تقول : " عندما كنت طالبة بإحدى جامعات سويسرا كان ذلك على ما أذكره قبل سقوط الشاه.. أعطاني أحد زملائي كتابا مقطوعا  غلافه لسي أي إي (المخابرات الأمريكية) تبحث عنه وقامت بتشطيب سويسرا في 24 ساعة لإعدام أي نسخة، وقد أعطاني فرصة لقراءته في أربع ساعات. كان الكتاب يتعرض لما يحدث في نهاية هذا القرن وكاتبه كان أحد أعضاء البنتاجون، وكان عضوا في وفد القمة بين الرئيس الأمريكي والسوفيتي في ذلك الوقت ... وفي الفصل الأخير من الكتاب وجدت هناك خريطة وليس عليها أثر للكويت على الإطلاق.. وشاهدت دولة صغيرة في الشمال وهي مناطق البترول في العبيدات مكتوب عليها الدولة البترولية العالمية وأعلامها أعلام الأمم المتحدة([3]) ".

         في الحالة التي يستعمل فيها الأجانب نفوذهم، ويمارسون ضغوطهم يكون الهدف هو إبقاء المنطقة ودول المنطقة تحت سيطرتهم وهيمنتهم، وفي المقابل تفقد الدول سيادتها، ويفقد أبناء المنطقة سيادتهم واستقلالهم، فيبقى جيش المنطقة إن وجد فعلا قوة غير رادعة (انتهت قمة دول مجلس التعاون الخليجي دون إعطاء الموضوع ما يستحقه من اهتمام 1991.12.24/23) فقد يمنعون عن الجيش المقترح إنشاؤه من قبل الإمارات المتحدة قطع الغيار، وقد لا يبيعون الدول ما تحتاج إليه من أسلحة وعتاد حربي، وهنا، هنا بالذات تظهر الثغرة الكبيرة، ويظهر خطر الاعتماد على الأجنبي في التسلح، ولذلك تحتم على المخلصين رؤساء ومرؤوسين، قمة وقاعدة أن يهبوا جميعا إلى خلق صناعة ثقيلة متطورة تحرر المنطقة وشعوب المنطقة من خطر الاعتماد على الأجنبي خصوصا المستعمر والطامع، ثم يكفلوا لأنفسهم وبلدانهم وشعوبهم بذلك حقيقة الحماية والأمن ورفض الوصاية عليهم والتحكم في خيرات البلاد إنتاجا وتسويقا وتسعيرا، كما يمكنهم الانفلات من التلويث الإعلامي الذي يصور لهم ضرورة الاعتماد على الأجنبي بإيجاد الصناعة الثقيلة المتطورة ونهضة علمية حقيقية مع ارتفاع فكري متميز، هذا هو الذي يحلّ المشكلة لأنه يعالج سببها الحقيقي، وما عداها من معالجات لا تحل المشكلة بل تبقي عليها بالإبقاء على أسبابها، ويكون واهما من يرى العكس.

         إن تحصين الذات هدف أساسي لها، ولن يتأتى إلا ببنائها على قاعدة فكرية تقنع العقل، وتوافق الفطرة، وتملأ القلب بالطمأنينة، وعند النظر إلى الغرب بصفة خاصة نجده مهتما بهذا الجانب اهتماما بالغا ولو كان على حساب شقاء الآخرين، ولذلك ليس مستحيلا أن تظل قاعدته الفكرية الخاطئة معطاءة تجعله يدور حول ذاته كمحور لنهضته ورقيه وسعادته، وأبسط نظرة إلى شُرُكه تؤكد ذلك، وغدا أو بعد غد يخرج إلى الوجود ما رسمه في استراتيجياته للعالم حسب الظروف ومن يدري؟ فقد يعمد مفكروه ومنظِّروه للمستقبل إلى إيجاد صيغة معينة لآراء معينة إن لم تكن موجودة تتعلق بكثير من دول العالم خصوصا دول الشرق الأوسط حيث حياته واستمراريته،  فقد يوجد  ظروفا تؤهله لطلب إلغاء دول معينة وتذويبها في أخرى نظرا لفقدانها لمقومات الدولة، أو لبعض القواعد التي تجعل منها فعلا دولا حسب فلسفته وقوانينه التي وضعها. وإذا كبرت الدول ورأى ضرورة لتغيير الأوضاع فقد يعمد إلى إلغاء قوانين معينة من هيئة الأمم المتحدة كما حصل في تغيير فصل متعلق بالصهيونية التي اعتبرها منذ عهد قريب عنصرية لتصبح اليوم عكس ذلك، ويقرر إنشاء دول لكل قومية مهما صغر عددها حتى يصبح العالم دولا بعدد القوميات فيه باستثناء نفسه حتى لا يضعف وينزل عن مستواه..

إن تنظيم المؤتمرات وعقدها ليس خاصا بالدول كما أسلفنا، فكما تنظمه الدول؛ تنظمه أيضا الجمعيات والأحزاب والمنظمات والهيئات والمؤسسات..

         تنظمها الجمعيات الرياضية، والنوادي الكثيرة المتنوعة، محلية ووطنية ودولية.. وتنظمها جمعيات سياحية كجمعية حاملي المفاتيح الذهبية التي تُعنى بالفنادق والمنتزهات والمآثر التاريخية وجميع الأماكن السياحية وترشيدها وإقامة الدعاية لها حتى تستقطب اهتمام السياح..

         وهكذا سمعنا  بمؤتمرات لمنظمات كمنظمة الكوميكوم التي حُلّت مؤخرا قبل حلّ الاتحاد السوفيتي بمؤتمر ألما أطا الحاسم وإقالة غورباتشوف،  وكذلك المنظمات الأخرى السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية والفنية والموسيقية، وسمعنا بمؤتمرات لدول حلف وارسو الذي حُلّ إبّان أزمة الخليج. ومؤتمر حلف الأطلسي، واتحاد دول المغرب العربي الأخير بالدار البيضاء في 1991 م واتحاد الدول العربية، ودول مجلس التعاون الخليجي، ودول عدم الانحياز ودول الإثنا عشر بهولندا (ماستريخت) أواخر نفس السنة، وغدا سوف تطالعنا الأنباء عن مؤتمر دول الكومنولث بزعامة روسيا البيضاء، أو روسيا، أو أوكرانيا أو غيرها بعد الانضمام إلى المجموعة المتوقًّع من قبل الدول أو الجمهوريات المنحلة عن الاتحاد السوفيتي على غرار دول الكومنولث التابع لبريطانيا...

         وعلى سبيل المثال لا الحصر أذكر مؤتمر الجمعية العامة لاتحاد الوكالات العربية المنعقد بالرباط بتاريخ 21-12-1991م، ومؤتمر تدريس اللغة العربية وترجمتها بمركز الدراسات الشرقية والإفريقية بلندن يوم الخميس 1991.12.12م، والمؤتمر السادس للمؤتمر الإسلامي بدكار يوم الاثنين 1991.12.08م،

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

            المناظرات

 

المناظرة: المجادلة. ناظره : جادله. صار نظيرا له. وأصلها النظر بالعين المجردة. ومجازها النظر بالعقل أو البصيرة، فكان أن استُعملت المناظرة بمعنى التأمل والتدبّر والتفكّر والقياس والتقدير.

والمناظرة غير الخطابة، وغير المحاضرة والندوة وإن تضمنتهم جميعا إذ هي بالدرجة الأولى سجال وتحدّ، ثم انتصار أو هزيمة في الفكر والأدب والعلم.. ويتحقق بها عنصر تعدي الخصم وتجاوزه إلى الهدف الذي هو الإفحام والغلبة في المتناظَر بشأنه، والذي يجعلها مناظرة حقا هو عنصر الكون للمتناظرين وبذواتهم، إذ بغير المجادلة المباشرة بذوات الأشخاص لا تكون مناظرة.  وبغير الوصول بها إلى تحقيق الغلبة لطرف على آخر لا تكون أيضا مناظرة لأنه لا بد لها من موضوع يُعالج باستفراغ الجهد الفكري والأدبي والعلمي.. حتى الإشراف به إلى نهايته، فما لم يحصل تحسُّس ما يُتصارع بشأنه لا مناظرة وإن دعي العكس.

         والمناظرة بهذا المفهوم لا وجود لها على الساحة الفكرية والأدبية إلا نادرا جدا، بينما هي في الساحة السياسية والعلمية موجودة.. ففي الميدان العلمي التجريبي تتكاثف جهود العلماء لإخراج دراسات ونظريات معتبرة بالنظر إلى واقع الحال، ثم  يدونونها في كراريس ومنشورات أو كتيِّبات، وبعد ذلك يعقدون مناظرات رائعة تزخر بالسجال والعراك والتخطيء والتصويب والتحدي والتبكيت، كل باحث يدافع عن رأيه ونظريته، ويستميت في الدفاع عنها، ويجهد نفسه في تقديم الحجج والبراهين لإفحام معارضيه وتبكيتهم حتى ينجح في إسكاتهم أبدا، أو فترة معينة، وإذا حالفه النجاح قُدّمت له أموال، ووضعت رهن إشارته جهود مادية وبشرية لتجريب نظريته والوصول بها إلى الحقيقة المطابقة للواقع.

ومن البحوث العلمية بحوث لا يلحقها التجريب وإن لحقها الاستنتاج بعد الملاحظة دون إخضاع المادة إلى التجربة. ولذلك نجد كثيرا من العلماء يدركون تماما أن العقل البشري وإن لم يستطع تلمّس كثير من الحقائق إلا أنه قادر على الحكم عليها دون أدنى شك وظن، ودون الرجوع إلى التجربة ما دامت ممتنعة، إذ يوقن بصحة النتيجة التي يتصورها عقله ولو لم يستطع تلمسها. فالعالِم مثلا حين يصرح بأن كثافة الذرة (أي مبلغ تركيز الكتلة فيها) عالية. "ولو أمكن ملئ كأس من الماء بمادة مؤلفة من نوى متراصة فقط، أي مادة كثافتها كثافة النواة، لكانت كتلة هذا الكأس مليون مليار كيلو غرام (15 صفرا) أي أكبر من كتلة جبال الهملايا. ولا توجد مثل هذه المادة إلا في بعض النجوم عند نهاية حياتها([4]) ".

فالإنسان بهذا المثال يستطيع تصور كثافة جبال الهملايا وتلمسها، ولكنه لا يستطيع تلمس كثافة النواة المتراصة في كأس واحد والتي تعادل في وزنها جبال الهملايا  لسبب بسيط هو أن هناك من المادة والطاقة ما يمكن إخضاعه للتجربة، وهناك ما لا يمكن إخضاعه أبدا، أو في هذا الوقت على الأقل.

وإذا نحن أخذنا قوله تعالى :"إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تُفتّح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سَمّ الخياط وكذلك نجزي المجرمين، لهم من جهنم مهاد، ومن فوقهم غواش، وكذلك نجزي الظالمين"سورة الأعراف الآية 40.

يتبادر إلى ذهننا مباشرة استحالة ولوج الجمل في ثقب الإبرة لأن الجمل ضخم الجثة والإبرة صغيرة الحجم لا تسع إلا لشعرة أو خيط  دقيق فيكون الخطاب تعجيزيا، وتكون نتيجة دخول النار محقّقة في حق المكذبين والمستكبرين، ليجدوا في جهنم مثوى لهم، وليجدوا منها الفراش والغطاء جزاء على ظلمهم.

ولا أريد استعراض أقوال المفسرين في شرح هذه الآيات الكريمات، وإنما أريد فقط التركيز على الإجابة على السؤال التالي:

         هل يمكن للجمل أن يدخل في ثقب الإبرة أم يستحيل ذلك ؟؟؟

ولنفرض أن هناك مناظرة في هذا الموضوع بشأن هذا التساؤل ترى كيف يكون مجراها، وإلى أين تنتهي ؟؟؟

من المعلوم أن الاستكبار والعلو، وتكذيب الرسل وآيات الله البينات، والإجرام والظلم أمور موجبة شرعا لعقاب الله تعالى في جهنم، ويؤيد هذا كثير من الآيات والأحاديث الشريفة لأن الله وعد، ووعده حق لن يخلفه، وقد أوجد الجنة والنار وجعل لكلّ منهما نصيبا من الإنس والجن هم واردوها قطعا ويقينا، ولكن مع ذلك كشف لنا القرآن الكريم عن إرادة الله التي لا تقهر، ولا يسأل صاحبها عن أفعالها من أي كان الشيء الذي يحتّم علينا إرجاع الأمور إليه جلت قدرته لأنه الفعال لما يريد بما في ذلك الجزاء على الطاعة والعقاب على المعصية، وقد ورد في هذه الآية ذكر ولوج الجمل في ثقب الإبرة كغاية اعتُبرت شرطا لدخول الجنة من قبل نفس الذين كذبوا واستكبروا وظلموا وأجرموا، ويبقى كل ذلك معلقا بإمكانية ولوج الجمل في ثقب الإبرة الشيء الذي لا يعني إلا تعلّقه بإرادة الله القادرة على تحقيق ذلك، وللإشارة فإن المعنيين بهذه الآيات هم الكفار لأن المؤمنين وإن ظلموا وأجرموا يظلون مؤمنين بسبب عدم تكذيبهم بآيات الله تعالى، وهذا الاستنتاج قد يدفع المتناظر إلى القول بأن هناك تناقض بين هذا الفهم وأفهام أخرى لا تقبل التأويل عن خلود الكفار في جهنم؛ الشيء الذي يمنع تماما دخول المكذبين الجنة، ولكن قد يحلو للمتناظر أن يؤكد استقبال النقيض واستقبال دخول الجمل في سم الخياط ما دام قد ذُكر في القرآن، وإذا حصل وهو حاصل مستقبلا فإن النتيجة تكون مربوطة بإرادة الله تعالى ليس غير، وهو ما يؤيده قول الجبرية والقدرية فلا الطاعة تنفع، ولا المعصية تضر، لا شيء يدخل الجنة والنار إلا إرادة الله ومشيئته جلت قدرته، وما تعلق بإرادة الإنسان واختياره في الآيات والأحاديث الأخرى لا يُحمَل على الحقيقة بقرائن تعلِّقها بإرادة الله تعالى ومشيئته.

         ويزيد هذا المتناظر تمسكا برأيه قول المتناظر معه بأن الجمل يمكن أن يدخل من ثقب الإبرة وليس الجمل وحده، بل حتى الإنسان إذا توفرت شروط معينة هي توقف الإلكترونات عن دورانها حول نواتها في الذرات المكوِّنة لجسم الجمل والإنسان والفيل لتنجذب إلى نواتها، وليتحقّق بعد ذلك، أو أثناء ذلك انكماش الجثة الضخمة للجمل، فترى حجمها يدق ويدق إلى أن يصبح الجسم الضخم بأكمله وقد ضُمر حتى صار دقيقا جدا كشعرة رأس، أو لحية أو شارب تقل عن سعة ثقب الإبرة الشيء الذي يحقِّق ولوج الجمل في ثقب الإبرة، أو ولوج الخياط من سمه في الجمل الذي أصبح أدق من شعرة، ولكنه في ثقله ووزنه كالجمل وهو قائم بلحمه وعظمه ودمه..

ويزيده إمعانا في التمسك برأيه تقريب صورة أخرى إلى ذهنه تتعلق بشروق الشمس من المغرب كما في الحديث الصحيح بقوله أنه إذا ما تمّ تذويب الثلوج الموجودة في مناطق سيبريا وهي جبال جليدية ضخمة تعتبر وتدا للأرض وذات أثر إيجابي في الحفاظ على توازنها بالسلاح النووي، أو سقوط جبال طائرة بعد دخولها الغلاف الجوي على أرضنا وتصادمها بها تصادما يفوق آلاف المرات ما تُحْدثه مئات من القنابل الذرية التي تُلقى دفعة واحدة، فإن ذلك سوف يخلّ بالتوازن في الأرض، وسوف يحدث هزات ربما كتلك التي يشهدها الكون بعيدا عنا خارج مجموعتنا الشمسية ليجعل في الأخير شرق الأرض هو مغربها، ومغربها هو مشرقها، فتشاهد الشمس وهي تشرق من المغرب كما قال الرسول الأكرم صلوات الله وسلامه عليه، فضلا عن تقليص حجم اليابسة، واختفاء قارات بأكملها تحت الماء، وربما كان ذلك سببا في الفناء المنصوص عليه في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، ولا غرابة أن يكون الإنسان سببا في الفناء ولن يخالف بذلك سنن الله مادام سائرا وفق سنة ربط الأسباب بالمسببات.

         وأريد لفت انتباه المتناظرين هنا مع رغبتي في جعلك أيها القارئ الكريم ثالثهما إلى أن الذرات المتراصة التي لم يعد لها إلكترون يدور حول النواة قد حصل، يحصل ذلك في النجوم عند آخر حياتها كما قرره العلماء الشيء الذي يؤكد حصوله في غير النجوم كالكواكب والأقمار والشموس، وحين يحصل على أرضنا فسوف يصير حجمها أقل بقليل أو أكثر قليلا من حجم كرة القدم، ولكنه لن يحصل  إلا بزوال الحياة فلا يكون هناك جمل ولا إنسان ولا طير ولا نبات، ولا يكون هناك أي مظهر من مظاهر الحياة، ومظاهرها لا يحتاج أمر إتلافه إلى موت الذرات أو الإلكترونات، ويكفي النظر إلى كوكب غير كوكبنا الأرضي إذ لا وجه للمقارنة بين تزامن فناء الحياة ومظاهرها وفناء المادة والطاقة.

وإذا أخذنا التناظر بشأن المنطق نجد أنه يعتمد على المقدمات بحيث يضع لكل البحوث مقدمات لها، فإذا كانت المقدمات صحيحة، كانت النتائج صحيحة، وإذا لم تكن صحيحة، كانت النتيجة خاطئة. وهذا المنطق من أخطر الأساليب الفكرية لأنه ليس طريقة في التفكير أولا، ولأنه باعتماد المقدمات في كل البحوث يفقد مصداقيته ثانيا، وأبسط نظرة إلى تاريخنا تؤكد خطره وفساده في أغلب الأحيان. ولنأخذ موضوع خَلْق القرآن الكريم، فقد قيل بشأنه أنه مخلوق، وقيل بشأنه أنه غير مخلوق، بل أزلي، فالذي قال بخلقه اعتمد على مقدمات صحيحة، ولكنها أفضت إلى نتيجة خاطئة لأن من شروط المقدمة الصحيحة في المنطق أن تكون حسّية أولا، وأن تكون منزلة وموضوعة في إطارها الذاتي والموضوعي ثانيا، وأن تكون ممكنة عقلا ولو لم تكن ممكنة فعلا، ألا ترى مثلا إلى التحدي القرآني في أن يأتي أحد بسورة مثله، فعقلا لا يجوز أن يعجز عن ذلك الجميع ما دام كلاما عربيا، ولكن العكس هو الصحيح، وبه يتبين أن المقدمة لا يصلح وضعها بشأنه لأنه غير عربي المعنى، بل إنساني المعنى من حيث صدور المعنى من غير الإنسان، ولكنها له ولو كانت ألفاظه عربية، بالإضافة أنه لكي يسمى قرآنا لا بد من أخذه بلفظه ومعناه الشيء الذي لا يجعل أحدا يقوى على الإتيان بمثله، ولذلك رأينا كيف أن الذين قالوا بخلقه اعتمدوا مقدمة كونه عربيا وأن اللغة العربية موضوعة، فهي مخلوقة، فكانت النتيجة أن كان القرآن الكريم مخلوق، وأما الطرف الآخر فقد قال بأزليته وعدم خلقه وقد اعتمد هو الآخر على مقدمات بديهية مثل قولهم أن القرآن الكريم كلام الله تعالى كما نص عليه القرآن، وكلام الله قديم، فهو متكلم في الأزل، وتلك صفة من صفاته الكمالية، وهي صفة ملازمة لذاته العلية، وذاته غير مبتدئة ولا منتهية، أي لا أول له ولا آخر، وبما أن القرآن كلامه، وكلامه قديم، فيكون القرآن قديما، فهو غير مخلوق، هكذا كانت النتيجة هذه متناقضة مع سابقتها عند الذين قالوا بخلقه لسبب بسيط هو أن كلا منهما اعتمد المنطق في بحث لا يصلح له المنطق، أو لا تصلح له المقدمات، بل يصلح له الانطلاق من الإحساس مباشرة  كما يحصل في سائر البحوث العقلية.

         ولنتصور مفكرين يتناظران بشأن بحث موضوع المحدودية،  محدودية الكون والإنسان والحياة وقد تناول أحدهما الكرة الأرضية وقال عنها بأنها محدودة قطعا ويقينا، بحيث تلمسنا هذه المحدودية وشاهدناها في تحليقاتنا ورصدنا لها بالأقمار الصناعية، ولكننا إذا أردنا الحكم القطعي اليقيني بشأن عدد حبات الرمل الموجودة في البحار والمحيطات والأنهار والصحاري وغير ذلك من باب الحساب، فسوف نعجز أبدا، لأنه لا توجد أرقام تحصيها ولا يوجد حاسوب مهما كان ضخما وسريعا للإحاطة بها، ولن يوجد مطلقا الشيء الذي يوصل إلى القول بأنها غير محدودة، ولكننا إذا أخذنا حبة حبة، وعرفنا أنها محدودة، أي تبدأ من نقطة وتنتهي إلى أخرى خصوصا بالتلمس الجيد لكثافتها وقطرها، فسوف نوقن بأنها جميعها محدودة لأنها بالوحدات  تبدأ من نقطة وتنتهي إلى أخرى، وجمع المحدود لن يكون إلا محدودا، وهكذا نستطيع الحكم على المحدودية إما بأخذ الكرة الأرضية برمتها، أي بأخذ مجموع المحدودات إذا كان متيسرا حتى نحكم يقينا على محدودية ما فيها، وإما بأخذ الوحدات وحدة وحدة حتى نحكم  يقينا على المحدودية إذا لم يتيسر العكس، وبهذا يتبين أن المحدودية المطروقة عند المتناظرين مُدرَكة. وإذا أخذنا الكون فسوف ننطلق من أرضنا، من مجموعتنا الشمسية، من مجرتنا، فكوكبنا في مجموعتنا الشمسية شيء غير ذي بال. ومجموعتنا الشمسية في مجرتنا شيء غير ذي بال. وهكذا ننتقل من ضخامة المجرات وعددها بالملايين والبلايين إلى حصر كل ذلك في الكون، في السماوات وهي مقسمة إلى مجرات وسدم، وعلى ذكر السدم فإن السديم الحلزوني القريب من مجرتنا يبعد عنها بمليونين من السنوات الضوئية، ويكبرها مرتين بالإضافة إلى الأفلاك والأبراج. ويعرف عظمة الكون العلماء والراصدون له بالتلسكوبات الضخمة. وهكذا يصبح من الصعب جدا، وعند بعضهم من المستحيل؛ الحكم على محدودية الكون، ولكن النبيه العاقل من المتناظرين يدرك تماما أن مجموع المحدودات محدود ولا شك، إذ يدرك ويلمس في كثير من الأحيان محدودية البعض، أو الكثير من مكوّنات الكون، أو محتوياته، فهو ببساطة يستطيع القول بأن نجوم مجرتنا لوحدها لا يكفي لإحصائها مقدار 1600 سنة في كل ثانية لنجم واحد، ولكنه مع ذلك يستطيع الفصل في الحكم بشأن محدوديتها ومحدودية المجرات والكون لمجرد تلمس بداية مجموعة شمسية أو مجرة أو سديم حتى يستقر على اليقين في أن المبتدئ منته لا محالة، وهو حكم عقلي قطعي ويقيني.

         وإذا أخذنا الإنسان لمعرفة محدود يته كما جرى مع الكون للوصول إلى نتيجة كون الجميع مخلوق وغير أزلي، فيكفي مشاهدة نهاية حياته، ويكفي مشاهدة بدايتها ولو لم تُعْلم النهاية لأنه إذا عُلم أحدهما عُلم نقيضهما بداهة، ولا داعي للإتيان بالقول أن الإنسان هو الذي يفنى وليس جنسه حتى يُستدلّ بذلك على أنه غير محدود لأن أبسط نظرة إلى حياته تؤكد استقلالية جنسه عن غيره كأفراد الشيء الذي يؤكد في النهاية فناء جنس الإنسان في الأفراد والمجموعات والجميع. وأما الحياة الموجودة فيه فإنها بدورها تفنى لأنها محدودة بحيث تبدأ فيه حين تخليق المضغة في رحم أمه وتنتهي بانتهاء أجله، والنتيجة الطبيعية الواقعية في هذا التناظر أن الذي يقول بمحدودية الكل وفنائه هو الصائب، و مقابله مخطئ يقينا وهكذا.

وللإشارة فإن نتائج مثل هذه البحوث تُعْلمنا إعلاما لا ريب فيه أن هناك واجب الوجود الخالق جلت قدرته، لأن المخلوقات آيات دالة على وجود الأزلي، فالكون بما فيه من إنسان وحياة، وعلى عظمته وجماله ودقّة صنعه ما هو إلا شيء غير ذي بال عند خالقه، لأنه أهون عليه، فسبحانك ربي. 

         هذا في الميدان العلمي والفكري، وأما الميدان السياسي فلا تكاد تُذْكر المناظرات التي تقام بشأن السياسة إلا عند شعب الولايات المتحدة الأمريكية، بل إن المناظرات السياسية صارت حاضرة على أعلى المستويات في الانتخابات الرئاسية، وهي خاصية ممتازة امتازت بها الولايات المتحدة الأمريكية وتعبّر عن مدى الاهتمام المشترك عند هذا الشعب تجاه قضايا الساعة، وأمور أخرى تهم حياتهم وحضارتهم، ويسعى من خلالها إلى كسب الشعب لصالح المترشحين، وتدل أيضا على رغبتهم في التمظهر بمظهر القوة والقدرة والشجاعة خصوصا وأن الإحساس بالتفوق يراود كل فرد أمريكي، وأن الإحساس بالزعامة، زعامة العالم يسيطر على الساسة، وتفرز هذه المناظرات مناورات ومراوغات لا يدركها مجموع أفراد الشعب تؤدي إلى استحقاق أصوات الناخبين الذين يدلون بأصواتهم  لصالح من وقر في قبلهم من جراء الدعايات؛ الاستحقاق، وقد ظهر بشكل جلي منذ عشرات السنين كثرة القياديين السياسيين الذين تفخر بهم الولايات المتحدة الأمريكية والذين يمارسون بشكل أو آخر رعاية شؤون بلدهم، وشؤون العالم، ويكفي النظر إلى وساطة جيمي كارتر في الصراع الدائر في القرن الإفريقي منذ سنين معدودة، ورجل من طاقم حكمه قبل ولاية ريغان في الصراع الدائر في أذربيجان ويوغوسلافيا تحت مظلة الأمم المتحدة (الأمريكية)، هذا بصرف النظر عن حقيقة ثابتة هي أن الشعب الأمريكي ليس هو الذي يختار رؤساءه، بل يختارون من قبل أرباب المال، وكبار الشركات، ورجال الأعمال والإعلام، ولكن ذلك يمر عبر قناة الشعب بعد تأطيره حتى ليبدو الشعب الأمريكي هو الذي اختار فعلا رئيسه وتلك لعبة سياسية تتخللها مناظرات وتحكمها صراعات مالية تبدو سياسية للناظرين.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                        الإعلام الغيبي

 

         موضوع الغيب مسألة خارج الإدراك العقلي، إذ لا يقع الحس عليه حتى يمكن تفسيره، أو يمكن معرفته، ولكن مع ذلك يستطيع العقل اتخاذ موقف منه، لأن الطبيعة وأشياء الطبيعة وأنظمتها أمور محسوسة، فهي آثار دالة على ما قبلها، وكاشفة عما بعدها، ولا سبيل إلى معرفة الغيب إلا بالخبر اليقيني، أو إدراك مآل المادة من خلال معرفة قوانينها.

         والخبر اليقيني هو الوحي ليس غير. والوحي المضبوط الذي لا شك فيه هو كتاب الله تعالى المنزل على رسوله الأمين محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، وسنته الطاهرة الواردة على سبيل التواتر، لأنها إن لم تكن متواترة لا تكون يقينية، ولا يعني هذا أن أخبار الآحاد ليست وحيا. بل يعني أنها مادامت ظنية، فإنها لا يعتقد فيها، وذلك طاعة لله تعالى في نهيه عن الاعتقاد بالظن. هذا في مجال العقيدة. أما الأحكام الشرعية فعلى الرغم من أنها ظنية الثبوت، فإن العمل بها واجب دل عليه الدليل القطعي،  ولا يُعمل بها إلا حسبما وردت، فلا يُحمل المندوب مثلا على الفرض، ولا المكروه على الحرام.. أي أن خطاب الشارع إذا صرفته أدلته وقرائنه إلى الفرض، يظل فرضا إلى يوم القيامة ولا يتغير أبدا، وإذا ذهبت به إلى الندب ظل مندوبا أبدا، وإذا ذهبت به إلى الإباحة ظل مباحا دائما وينطبق هذا على الحرام والمكروه لأن خطاب الشارع ما هو إلا طلب القيام بالفعل، أو الانتهاء عنه، وأدلته وقرائنه هي التي تعين كونه فرضا أو مندوبا أو مباحا أو حراما أو مكروها.

وللإشارة فإن كثيرا من الأخبار الظنية الواردة في سنة الآحاد تعلقت بالعقيدة، أو تعلقت بالغيب يحرم رفعها إلى رتبة اليقين ما دامت واردة في خبر ظني الثبوت، ولكن يجب ألا ننسى أن بعض الأخبار الظنية الثبوت عند بعض العلماء قطعية عند البعض الآخر مثل خبر المهدي المنتظر وعذاب القبر.. كما يجب ألا ننسى كذلك أن هناك أخبارا ظنية لم يقل أحد بقطعية ثبوتها، ولكن ما جاء فيها من إعلام غيبي قد تحقق الشيء الذي يؤكد يقينيتها على مستوى الثبوت والدلالة مثل إعلامه (ص) بفتح القسطنطينية على يد أمير وصفه (ص) بأنه خير أمير، وهو محمد الفاتح، وجيش وصفه (ص) بأنه خير جيش، وهو الجيش الإسلامي العثماني.

         فالقرآن الكريم كتاب عقائد وأحكام، فهو شريعة الله لسائر الثقلين إلى يوم القيامة، وكذلك ما أرشد إليه هذا الكتاب العظيم مثل السنة الطاهرة، وإجماع الصحابة الكرام ليس غير، والقياس الشرعي المبني على علة شرعية. وعليه فالقرآن الكريم قد جاء بكثير من الأخبار الغيبية اليقينية منها ما كان في الماضي، ومنها ما كان في حاضر الحال، ومنها ما سوف يكون قطعا في المستقبل، فقد تضمن الكثير مما هو إعلام غيبي، ولا أقول أنه كتاب إعلام وإن عني بالأخبار الغيبية وغيرها. وإنما آخذ منه ما كان إعلاما غيبيا لأن بحثي في هذا الموضوع بالذات يتناول الإعلام الغيبي.

         حين نزل الوحي على رسول الله (ص) بغار حراء كان ذلك أول خبر يأتيه من السماء العلا، فقد جاءه جبريل عليه السلام من عند الله تعالى ليوحي إليه بأعظم خير للبشرية، وكانت أول آية من كلام الله جل وعلا فاتحة سورة العلق، فقد بدأت بقوله: "اقرأ.." ولم يكن محمد (ص) بقارئ، فضمه جبريل ضما شديدا، ثم أرسله وقال له: "اقرأ.." فرد عليه مرة ثانية: ما أنا بقارئ، فضمه كما فعل في الأولى، ثم أرسله، فعل ذلك معه ثلاث مرات فأوحى إليه قوله تعالى:"اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم"سورة العلق الآية 5 

         في هذه الآيات أعلم الله تعالى محمدا عبده ورسوله بأنه هو ربه الذي خلق جميع المخلوقات وخلق الإنسان على وجه التحديد والتفصيل من علق، فكان لا بد للإنسان أن يكون علقة حتما في طور من أطواره التي يمر بها، ففي هذه الآية أعلم الله تعالى رسوله بشيء مغيب عنه وعن سائر البشر في ذلك الوقت، فصدق به محمد (ص) والمؤمنون بالغيب حتى هذا القرن حيث تأكد ذلك بالشاهدة بواسطة الأشعة، بل شوهدت مراحل نمو الجنين في رحم أمه، فكانت كما وصفها كتاب الله تعالى في آيات أخرى بدءا من النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم العظام، ثم اللحم، ثم نشوئه حلقا آخر على صورة لا نظير لها في الحسن والبهاء والجمال بين سائر المخلوقات، فكان كل ذلك إعلام غيبي ظل غيبا حتى أوان مشاهدته بالوسائل العلمية.

         وهكذا وردت آيات في القرآن العظيم مخبرة أخبارا غيبية، ومُعْلمة متدبر نصوصه عن أشياء لا يعرفها، فقد تحدثت عن ماضي الإنسان والخلائق، وماضي الكون ومحتوياته، منها ما صار حديث العلماء اليوم حول بداية نشوء الكون، فقد جاء عالم بلجيكي بنظرية الانفجار العظيم، وبدأ العلماء يتبنونها، وهي تعني أن الكون كان كتلة واحدة مجتمعا متراكما، ثم انفجر وتباعد وتناثرت أجزاؤه ومحتوياته مكوِّنة المجرات والنجوم والكواكب، ولم يزل إلى يومنا هذا يتباعد ويتوسع.

وفي القرآن الكريم إشارة إلى هذا في قوله تعالى: "أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما " سورة الأنبياء الآية 30 وقوله: "والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون " سورة الذاريات الآية 47، أي أن الكون كان مجتمعا مع بعضه، متراكما مكدّسا في كتلة واحدة، ففتقه الله ووسّعه ولا يزال، وهذا خبر غيبي لا يستطيع أحد تلمُّسه لأنه قد حدث منذ بلايين السنين، ولكن مع ذلك بدأ العلماء يقتربون من  هذه الحقيقة، وبدءوا يؤكدونها، وسوف يوقنون بها لأنها يقينية في خبر الكتاب اليقيني، وهذا إعلام غيبي ورد عن علاّم الغيوب.

         إذن من الأمور الغيبية التي حكاها القرآن الكريم موضوع نشوء الكون وحركته، ثم نهايته وفنائه بما فيه وبمن فيه. وفي حديثه عن نشوء الكون دليل واضح على أن الكون مخلوق قد مر بمرحلة كان فيها طفلا إذا صح التعبير، فقد كان مجتمعا متراكما متراصا في كتلة لا يفصل بينه فراغ، فشاء الله تعالى أن يفتقه ويوسعه كما أشارت الآيتان، وقد حصل قطعا ويقينا، وذلك منذ بلايين السنين قدرها بعض العلماء ب 15 مليار سنة.

وبمناسبة الحديث عن واقع الكون في مهده يمكننا القول بأن الكتلة التي شكلت الكون قد كانت، أي قد وجدت، أوجدها الله تعالى، وكونها وجدت فإن ذلك يعني أنها كانت المادة الأولى للكون، ونقطة انطلاقه نحو تشكيلته الحالية والمستقبلية الشيء الذي يؤكد شغلها لحيز معين لم يكن سوى الفراغ، فالفراغ قد كان هو المحيط للكون في بدايته قبل أن يوجد فراغ بين محتوياته. وإذا أخذنا الذرات التي يتكون منها المطاط علمنا أن بها فراغ لأن الإلكترونات في الذرات تدور في فراغ حول نواتها، بينما المطاط على شكل قرص أو أي شكل غير مجوف لا يظهر فيه فراغ، هذا مقرر علميا، ولكن إذا نظرنا إلى موت النجوم، أو نظرنا إلى احتضارها علمنا أن ذراتها تأخذ شكل التراص والانجذاب والضمور إلى أن تأخذ حجما غير الذي كان لها، والسبب هو انطلاق الإلكترونات خارج الذرات؛ الشيء الذي يجعل النواة تتراص، ويجعل الذرات تأخذ حجما أقل من حجمها الأول، فتبدأ الكتل الكبيرة تصغر وتصغر، وهذا يذهب بنا إلى القول بأن الكون قد بدأ من نقطة صغيرة، وسوف يعود إلى أصله كما بدأ.   

         إن أخذنا قطعة من المطاط على شكل قرص، أو أي شكل غير مجوف يجعل حكمنا على وجودها في حيز فراغا كان أو غير فراغ مسألة غير قابلة للجدال، وإذا أخذنا الكون سواء من نقطته الأولى أو من شكله الحالي كان كذلك، ونفس قطعة المطاط إذا أخذناها بشكلها المجوف أو على شكل بالون كان لها فراغ من جهتين، فراغ تقع فيه أو يقع فيه البالون، وفراغ يوجد بداخلها، فكذلك الكون، وإذا أخذنا كرة من المطاط، أخذناها كلية كانت أبعادها قابلة للقياس، وكانت النقط الموجودة على ظهرها قابلة للقياس أيضا، ولكن إذا أخذنا ننفخ فيها تغير حجمها وقطرها وتغيرت المسافات الموجودة بين النقط الموجودة على ظهرها فكذلك الكون، إنه أشبه بالكرة توجد في فراغ، وتحتوي على فراغ، وكلما نفخت فيها كبرت واتسعت أبعادها، وحين تنفجر تتضاءل ويصغر حجمها، وإذا كان الكون قد بدأ بالانفجار العظيم، فسوف ينتهي إلى انفجار أعظم منه حين يُنفخ في الصور.

         إن الأخبار الواردة عن الرتق والفتق والاتساع، اتساع الكون إعلام غيبي، تحدثت فيه عن غيب كان، وعن غيب حدث وكان أيضا، هذا الإعلام من الله تعالى عن هذا المغيّب جميل جدا، وممتع حقا إذ يستحيل على الإنسان أن يعرف الغيب إلا إذا أعلمه الله به في وحيه لأنبيائه، أو استطاع إدراك مآل المادة وقوانينها وذلك كأن يقول بأن زيدا المولود منذ لحظات سوف يموت قطعا بعد حين، وأن قطعة الخشب إذا تعرضت للنار سوف تصير رمادا وهكذا..

         ومن لطف الله بعباده قبل اقترافهم للآثام أنه غيّبهم عن حضور الانفجار العظيم الذي حدث، ومن لطفه كذلك أن الانفجارات التي تحصل خارج مجموعتنا الشمسية، سواء في مجرة درب التبانة، أو المجرات الأخرى لا تصل إلى مسامعنا، إذ لو وصلت لصعق لها سائر المخلوقات، ولكن الله تعالى سوف يأذن بالنفخ في الصور، وسوف يصعق له المجرمون والكفرة، وينجي الله الذين آمنوا برحمة منه، قال تعالى:"ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا ما شاء الله " سورة الزمر الآية 68.

         ومن الطريف أن العلماء بما فيهم أينشتين كانوا يعتبرون الكون ساكنا حتى بداية القرن العشرين حيث طلع علينا "جورج لومتر"  George Le Maitre  العالم البلجيكي بنظرية الانفجار الأعظم التي توافق ما قاله كتاب الله تعالى عن الرتق والفتق والاتساع، وظلت نظريته في مكانة أقل من مكانتها التي كان يجب أن تكون عليها إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، وخصوصا بعد اكتشاف الحقل الهرتيزي الذي يملأ الكون. 

         هذا فيما يتعلق بنشوء الكون وحركته وتوسعه الذي حكاه القرآن الكريم، وتوصل إليه العلماء في هذا القرن، وأما نهايته وفناؤه فهم مختلفون بشأن ذلك يضعون افتراضين اثنين، الأول ينتهي بالكون إلى تجمعه وتلاحمه بجميع محتوياته إلى أن يعود إلى أصله. والثاني لا ينتهي به إلى نهاية أبدا، إذ سيظل في حال الاتساع دون انقطاع إلى ما لا نهاية.

         لقد اختلف العلماء بشأن نهاية الكون ومصيره، وكل هذا حديث عن شيء مغيب عنا جميعا، وإعلامهم عن مصيره إعلام غيبي يستند إلى العقل والعلم، منه ما يوافق ما جاء في كتاب الله، ومنه ما يخالفه، وقبل مناقشة الفرضية الثانية في معزل عن النصوص القطعية أحب الإشارة إلى أنني لا أضع كتاب الله تعالى وأنزله منزلة العلوم التجريبية، معاذ الله، فكتاب الله فوق كل علم، بل هو الحقيقة اليقينية القطعية سواء وافقها العلم أم خالفها.

         إن الذين يقولون بأن الكون سيظل في حال الاتساع دون انقطاع وإلى ما لا نهاية مخطئون تماما لسبب بسيط جدا هو أنهم يعتقدون في بدايته، أي أنه ابتدأ من نقطة بعد أن لم يكن، والمبتدئ منته لا محالة، ومادام المبتدئ منته، فإنه يكون محدودا، ومادام محدودا، فإن اتساعه سوف يقف في لحظة من اللحظات، لأنه يتسع في فراغ هو نفسه محدود، فكيف يكون المتسع فيه؟ بالإضافة أن من كانت له بداية، لا بد أن تكون له نهاية، ومن كانت له نهاية حتى في غياب معرفة بدايته، لا بد حتما أن تكون له بداية.

         إن كتاب الله تعالى جعل الغيب مسألة متعلقة بالعقيدة يجزم بها المؤمن، ويطمئن لها قلبه، قال تعالى: " ألم ذلك الكتاب لا ريب، فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب.." سورة البقرة الآية 1

وليس من المسلّم بحث الغيب خشية الشطط والضلال، لأنه لا يقع تحت طائلة حواسه، ولا يقوى عقله على تصوره أو إدراكه على حقيقته، كما ليس له آثار في عالم الحس، وذلك مثل الجنة والنار والبعث والنشور والملائكة والجن.. بينما غيرها وبعضها وإن كان غيبا، فإن آثارها واقعة تحت طائلة حواسه مما يؤهله لبحثها إن أراد، وذلك مثل الكون وأنظمته..

         فقد ورد في كتاب الله تعالى مما كان إعلاما غيبيا في حق الرسل الذين تلقوه وأقوامهم الذين سمعوه من أنبيائهم الكثير من الأخبار تُعتبر  في الماضي بالنسبة إلينا، وتعتبر في المستقبل بالنسبة للذين وعوها قبل تحققها، وحاضر حال الذين رأوا تحققها في زمنهم، ففي قوله تعالى عن نوح عليه السلام: "واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت، فاجمعوا أمركم وشركاءكم، ثم لا يكون أمركم عليكم غُمّة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون، فإن توليتم فما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين" سورة يونس الآية72 وقال: "قال رب إن قومي كذبوني، فافتح بيني وبينهم فتحا، ونجني ومن معي من المؤمنين" سورة الشعراء الآية118. وقال تعالى: " وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون، واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون" سورة هود الآية37 .

         ففي هذه الآيات أخبار عن نوح  وقومه في عمق التاريخ الإنساني لا نعرف عنهم إلا ما أخبرنا به كتاب الله تعالى، وحتى الآثار لا توجد وإن كنا قد سمعنا منذ فترة قصيرة بخبر اكتشاف سفينة نوح من قبل قمر صناعي أمريكي في جبل من جبال العراق وهي أخبار غير مؤكدة، كما ليست هناك إشارات في المقروءات القديمة ترقى إلى مستوى اليقين، أو إلى مستوى بعض الحقائق في الآثار المغيّبة، ومن هنا كانت أخبار نوح وقومه غيب لا أثر لها، ولكنها قطعية الثبوت لأن القرآن قد قصها علينا، وقصصه الحق المبين، وعليه فإنها غيب بالنسبة إلينا علما بأن البشرية بعد نوح ظلت تتحدث عن طوفان حدث لا شك أنه طوفان نوح، وعن دمار حل بقومه عرفته كثير من الأقوام كعاد وثمود. لقد مكث نوح في قومه مآت السنين حتى أن الأجيال تلاحقت بالعشرات دون أن ترى ضجرا من نوح عليه السلام لدعوته، أو نكوصا عنها، دون أن ترى وعده ووعيده لهم بالهلاك والدمار حتى ظنوا أن ذلك مجرد عبث إلى أن وصل بهم الحال إلى طلب استعجال العذاب، ولم يكن نوح هو صاحب العذاب، فصبر وصبر،، ثم دعا ربه بأن يفتح بينه وبين قومه بالحق إلى أن جاء موعدهم مع العذاب والخزي في الدنيا، فكان الهلاك بالطوفان الذي أغرقهم جميعا بما فيهم ابن نبي الله. إذن فنوح عليه السلام قد أرشد قومه لسبل النجاة، وأعلمهم بالغيب السعيد المنتظَر إن هم آمنوا وصدقوا دعوته وتبعوا رسالته، وأعلمهم أيضا بالغيب الذي سوف يشقيهم ويخزيهم في الدنيا والآخرة وقد حصل قطعا ويقينا، فكان ما جاء به إعلام غيبي صادر عن رب العلمين بالوحي الذي تلقاه منه، فكانت النتيجة تحقق الإعلام الغيبي جملة وتفصيلا ولا شك.

         ويقص القرآن الكريم حوادث حصلت وما أكثرها. فنبي الله هود من المرسلين إلى عاد الذين سكنوا الأحقاف، وهي الرمال ما بين اليمن وعمان إلى حضرموت والشحر، ويرى البعض أن (رم) هو الجبل الموجود شرق العقبة بالأردن نظرا لوجود بعض الآثار هناك أفرزتها بعض التنقيبات بجوار الجبل. قال تعالى: "واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف" سورة الأحقاف الآية21 وقوله: "قالوا يا هود ما جئتنا ببينة، وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك، وما نحن لك بمؤمنين. إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء. قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه، فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم. فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ" سورة هود الآية57 . وقوله: "قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فاتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين. قال: قد وقع عليكم رجس وغضب، أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين" سورة الأعراف الآية71.

 كان هذا هو حال هود مع عاد، ومادام الحال لا يظهر فيه ما يؤكد العذاب إلا من جانب واحد هو تصديق رسول الله هود بالإعلام الغيبي الذي جاء قومه به، فقد عموا، وظلوا في عميهم وضلالتهم فترة يرقبون فيها عذاب الله الذي كذبوه حين حذرهم منه هود، وكان في عالم الغيب حتى وقع به، فما أغنى عنهم ندمهم وتوبتهم حين رأوه رأي العين وكان الأولى أن يروه بعين البصيرة  قبل وقوعه بهم قال تعالى: "وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية فهل ترى لهم من باقية" سورة الحاقة، الآية: 7. هذه قصة أخرى تضمنت إعلاما غيبيا في حقنا نحن أولا لأنها تتحدث عن ماض قديم جدا، ولكنها مادامت واردة في كتاب الله تعالى فقد ثبتت يقينا، وكانت حتما، فهي إعلام غيبي بالنسبة إلينا، وكانت إعلاما غيبيا أيضا في حق هود وقومه قبل وقوع العذاب إلى أن صارت حاضر حال الذين وقع بهم ذلك العذاب، كما صارت حقيقة ماثلة لهود والذين آمنوا معه لتظل حقيقة قائمة لكل الأجيال المتلاحقة يشهد عليها كتاب الله تعالى.

         ويستمر القرآن الكريم في قصه أحسن القصص تدخل ضمن الإعلام الغيبي، فيشير إلى نبي الله صالح مع قومه ثمود الذين سكنوا قرية الحِجر حيث مدينة تبوك اليوم بتهامة في السعودية، فقد جاءهم بالتوحيد، وحذرهم من الاستمرار في عبادة الأوثان والإفساد في الأرض، فكفروا به ورفضوا دعوته، وطالبوه بآية تؤكد صدق رسالته، واستجيب لطلبهم، ثم جحدوها، وجاءهم الإنذار في إعلام غيبي يجعل عذابهم واقع قطعا، ولكن بعد حين، ثم لم يزدهم ذلك إلا جحودا وتكبرا حتى فوجئوا به، وكانوا على علم تام به، وأنه جاءهم في نفس الموعد الذي وُعدوه دون زيادة أو نقصان، وكان أول  أمره في عالم الغيب حتى أصبح في عالم الحس والواقع، فوقع بهم وهم ينظرون.

          لقد بعث نبي الله صالح إلى قومه ثمود  " فكذبوه  لدعوته إياهم لتقوى الله، وقوله أنه رسول من قبله إليهم، طالبا طاعته، منبها إياهم لعمله غير المأجور إلا على الله، ثم نهاهم عن طاعة المفسدين والمسرفين بعد لفت أنظارهم لآلاء الله. ومع ذلك رموه بالسحر، مدعين أنه بشر مثلهم، وهم يريدون رسولا من غير البشر مطالبين بآية دالة على صدقه، فجاءهم بها وهي الناقة التي كانت فتنة لهم، وسبب عذابهم المشروط بإيقاع السوء عليها، وكانت تأكل نبات الأرض، وترد الماء يوما وتصد عنه في اليوم الآخر إلى أن أتت على كثير من المراعي وهي دون شك على غير المعهود إذ كانت ضخمة في حجمها، مخيفة في شكلها، ويكفي قولا أنها معجزة صالح، حتى يبيتوا لها شرا. وعلم صالح بما يبيتون فنهاهم وأمرهم باستعجال الحسنة بدل السيئة والاستغفار لعل الله يرحمهم، فيزيل عنهم كابوس القحط، فردوا عليه بأنهم قد تطيروا به وبمن معه، فرد عليهم أن طائرهم عند الله وهم في حالهم هذه ممتحنون. وسألت جماعة من المستكبرين من قومه. سألت من تبعوه وآمنوا برسالته عن علمهم بها فأجابوا بالإيجاب، وكفروا هم في عنت وبطرٍ للحق إلى أن استقر رأيهم على عقر الناقة، فنادوا فردا منهم يبدوا أنه كان أخبثهم ومشجّعهم على الكفر، فتعاطى فعقر برضاهم وتواطئهم معه، فعتوا في تحدّ كبير، ورغبوا أن يأتيهم بعذاب الله إن كان حقا من المرسلين، فأجابهم صالح قائلا: "تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب" لا رابع لها مطلقا في حقكم،  ثم تواطأ تسعة من المفسدين على قتل صالح، مهيئين أساليب تغطي جريمتهم على حد تفكيرهم السطحي الضيق، ولكن أنى لهم ذلك وقد جاء وعد الله فأخذتهم الصاعقة، وأهلكوا بشر طاغية، وبادروا بأفظع رجفة. قال تعالى:" كذبت ثمود المرسلين. إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون. إني لكم رسول أمين. فاتقوا الله وأطيعون. أتتركون في ما هاهنا آمنين. في جنات وعيون. وزروع ونخل طلعها هضيم ـ ثمرها ناضج ـ وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين ـ بطرين ـ فاتقوا الله وأطيعون. ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض و لا يصلحون". وقال تعالى: "قالوا إنما أنت من المسحرين ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين. قال : هذه ناقة الله لها شِرْب ولكم شِرْب يوم معلوم. ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم" وقال: "إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر، ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر ـ للناقة يوم للشرب يخصها دونهم ولهم يوم آخر دونها ـ وقال: " يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة؟ لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون. قالوا اطيرنا ـ تشاءمنا ـ بك وبمن معك، قال: طائركم عند الله بل أنتم قوم تُفتنون ـ تُمتحنون ـ". وقال تعالى: قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استُضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه، قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون، قال: الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون". وقال: "فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر". وقال: فعقروا الناقة، فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب". وقال: "وكان تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون. قالوا تقاسموا حلفوا ـ بالله لنبيته ـ لنباغته ليلا ـ وأهله ثم لنقولن لوليه : ما شهدنا مُهْلك أهلك وإنا لصادقون. ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون. فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين، فتلك مساكنهم - بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون". وقال: "فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون". وقال: "فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية". وقال: "فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمــين "([5]) ".

         هذه هي قصة نبي الله صالح مع قومه، وهي قصة تحكي عن حوادث تاريخية لم تقف عند حد الحدث التاريخي، بل تجاوزته إلى مرتبة الحقيقة، فهي حقائق تاريخية، أقول هذا لطلب التمييز بين الحوادث والحقائق، لأن التاريخ، أيّ تاريخ فيه ما كان مجرد حدث حصل، وانتهى بانتهاء ظروفه، فلم تعد له قيمة، ولا يمكن أخذه إلا مع ظروفه وهذا مستحيل لأنها ظروف للماضي فقط لا تقوى أن تصبح ظروفا حتى للمستقبل، ومن الخطورة بمكان أخذها بغية الاستفادة منها لأنه يكون أخذا لنقيضين يُرجى الجمع بينهما، وفيه ما كان حقائق ولم يزل. وهذه الأخيرة يجب أخذها والقبض عليها بيد من حديد، لأنها أولا حقائق لسائر الظروف والملابسات في كل زمان ومكان، ولأنها ثانيا تكشف نتائج بالغة الأهمية، خصوصا نتيجة مخالفة رسل الله تعالى، كما أنها سنن لله في خلقه، وقانون يسري في طبائع البشرية. وكمثال أود أن أشير إلى حدث واحد أو حقيقة واحدة، علما بأن جميع حقائق التاريخ هي حوادث بالدرجة الأولى قد تظل حوادث، مجرد حوادث تاريخية، وقد تصير حقائق تاريخية، هذا الحدث التاريخي لم يؤخذ من قبل الناس، والمسلمين خاصة أخذا واحدا، منا من أخذه أخذا لحادثة، ومنا من أخذه أخذا لحقيقة، فالمسلمون منذ رسول الله (ص) حتى سنة 1924 م تاريخ سقوط الخلافة لم يخسروا حربا قط، علما بأنهم قد خسروا عدة معارك نِسَبها بالنسبة لنسب أعدائها تافهة جدا، وكونهم قد خسروا معارك فإن ذلك مجرد حدث أو حوادث سرعان ما تعاود الدولة الإسلامية والمسلمون المحاولات حتى تُكسب الحرب، ولو قُدّر للدولة الإسلامية أن لا تسقط لما شاهدنا هذه الهزائم والانتصارات التمثيلية، وهي (أي الحوادث) قد اختلطت على المسلمين في مجموعهم حتى باتوا يعتقدون بإمكانية الهزيمة الحربية في حق أمة الإسلام، ودولة الإسلام الشيء الذي يخالف النصوص الشرعية القطعية منها والظنية، ويخالف سنة الحياة، وحقائق التاريخ. فالمسلمون بطبيعة دينهم، وحقيقة انصهارهم في بوتقته، ونصرتهم له يمنع منعا باتا إمكانية حصول هزيمة حربية لأن الله تعالى قد تكفل بنصرتهم في آخر المطاف، وهو إن مكّن عدوهم منهم في معركة أو معارك، فإنه بذلك يقضي أمرا كان مفعولا، وبه يرزق عباده الشهادة، وتصوروا معي واقع الشهادة في انتصار المسلمين في سائر الحروب، وأما المعارك الحربية فهي طبيعية من حيث الهزيمة والنصر لأن الحرب سجال، والأيام دول بين الناس "وتلك الأيام نداولها بين الناس" سورة آل عمران الآية 140. فالإعلام الغيبي الوارد في قصة صالح تضمن إشارة خطيرة لم يأبه لها قومه، وكانت وعدا ووعيدا بالعذاب العظيم الذي سوف يحلّ بهم إن هم عقروا الناقة، وزاد الطين بلة أنه أعلمهم على وجه الدقة والتحديد بزمن وقوع العذاب. والذي ضرب لهم موعدا معه ثلاثة أيام لا رابع لها في حياتهم، فلم يأبهوا أيضا، وكذلك كان.

         هذا الذي يقصه القرآن الكريم من أجل الاتعاظ والاعتبار ما هو إلا غيب، وإعلام غيبي لأن الآثار كسبيل إلى معرفة الحدث غير واردة، وإذا ورد بعضها، فإنها لا يمكن أن تعي القصة بفصولها في بلاغة معجزة، واقتضاب بالغ أمره، فكان كتاب الله تعالى شاهد على أنها حقيقة قطعية رغم أنها غيب.

         وقوم صالح حين دعوا إلى التوحيد، واتباع رسول الله، وطاعته لم يصب ذلك مرونة في قلوبهم الغليظة، ولم يروا في صالح إلا أنه بشر مثلهم يفضل عليهم بصفات ليست قيما رفيعة في نظرهم، مثل صدق صالح، وأمانته وعفته، واستقامته.. فتطيروا به وبمن معه من المؤمنين، فطالبوه بآية تشهد على صدق رسالته فجاءتهم، وكانت الناقة معجزة لهم يُرى خروجها عن مألوف النوق بالعين المجردة، وتهز القلب والعقل، ولكنهم تمادوا في طغيانهم إلى أن أعلمهم نبي الله بالعذاب الذي سوف يحل بهم قريبا، وكان غيبا عنهم جميعا حتى جاء الموعد فوقع بهم، فما بكت عليهم السماء والأرض.

         ويستمر كتاب الله تعالى في سرد قصص تاريخية حصلت قطعا ويقينا موضوعها جميعها خلق الله وهكذا وردت أخبار عن نبي الله شعيب مع قومه أهل مدين، وإبراهيم مع قومه أهل بابل بالعراق. ولوط مع قومه أهل سدوم بالأردن، وموسى وعيسى ومحمد بن عبد الله عليهم صلوات الله جميعا، وفيها من الإعلام الغيبي الشيء الكثير. وحين ختم الله رسالته بشريعة الإسلام على يد رسوله محمد (ص) أراد جل جلاله أن يدفع الإنسان نحو التطلع لما ينتظره في المستقبل قريبا كان أو بعيدا، ليستعدّ له بما أوتي من قوة وعزم وليحقّق الغاية من خلقه، وهكذا يظل يورد أخبارا عن غيب حصل، وذلك مثل كلامه تعالى عن غلبة الروم للفرس في بضع سنين قبل وقوعها، بل قبل نشوء الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، وخبره عن البأس الشديد الذي أنتج خراب الديار على يد عباده المؤمنين لأعدائه يهود المدينة وخيبر وتيماء، وكان حديثا في سورة الإسراء عند نزولها بمكة المكرمة، والمسلمون ضعفاء لا دولة لهم، وفعلا تحقق الإعلام الغيبي بعد حين حين علا اليهود للمرة الأولى، وأفسدوا في الأرض وأرادوا بمحمد (ص) شرا. قال تعالى: "ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين" سورة الروم، الآية: 4. وقوله: "وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلُنّ علوا كبيرا، فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار، وكان وعدا مفعولا" سورة الإسراء، الآية: 5 ويتحدث عن غيب يحصل في كل لحظة من لحظات الحياة نؤمن به ولا نراه، وذلك مثل قصة عمل الحفظة من الملائكة الذين يلازمون الإنسان في حياته، ويحصون عليه جميع حركاته، والملائكة الذين يعرجون إليه، والروح، قال تعالى: "ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد" سورة ق، الآية: 18. وقال: "وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون" سورة الإنفطار، الآية: 11. وقال: "تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة" سورة المعارج، الآية: 4...  ويتحدث عن غيب لم يحصل بعد، ولكنه حاصل في المستقبل قطعا ويقينا، ويظل إعلاما غيبيا عن شيء مغيَّب عنا، نؤمن به، ونجزم بحتمية وقوعه، وذلك مثل إعلامه عن الدابة التي سوف تخرج للناس وتكلمهم، وانطماس النجوم وانكدارها، أو انطفائها، وجمع الشمس مع القمر والذي هو كناية عن ابتلاع الشمس لمجموعتها وأسرتها الواقعة في النظام الشمسي، وطي السماء كطي سجل الكتاب، وقيام الناس من الأجداث ينظرون بعد النفخة الثانية في الصور، وزوال دولة إسرائيل التي قامت في الأربعينيات، قال تعالى: " وإذا وقع عليهم القول أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم" سورة النمل، الآية: 82. وقال: فإذا النجوم طمست، وإذا السماء فرجت" سورة المرسلات، الآية: 8. وقوله: "وإذا النجوم انكدرت، وإذا الجبال سيرت" سورة التكوير، الآية: 2، وقوله: "فإذا برق البصر وخسف القمر وجمع الشمس والقمر يقول الإنسان يومئذ أين المفر" سورة القيامة، الآية: 9، وقوله تعالى عن زوال دولة إسرائيــل: " وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا ـ جماعات كما حصل ليهود الفلاشا ويهود ما كان يعرف سابقا  بالاتحاد السوفيتي ـ وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا " سورة الإسراء، الآية: 105. وقوله: "فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ـ أول مرة كانت في الفتح العمري ـ وليتبِّروا ما علوا تتبيرا" سورة الإسراء، الآية: 7

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

     الإعلام الرجمي

                    

         الرجم هو أن يُتكّلم بالظن. وكثيرا ما قرأنا وسمعنا أخبارا ظنية ولم نزل. وكثيرا ما أخطأنا في عدم التفريق بين الخبر اليقيني، والخبر الظني. وكثيرا ما أسأنا التصرف بسبب الآراء التي اتخذناها، والمواقف التي وقفناها وهي مجرد ظنون لا ترقى إلى المستوى المنشود.

         ومادام الرجم هو الرمي، أو الرماية بالظن، فإنها إذن أخبار ظنية تصدر عن مصادرها من الناس، يطلقونها بغية وصولها إلى مسامع غيرهم حتى يأخذوا بها، ويتبنوها، أو يروجوا لها، فهي إعلام من نوع آخر لا يرقى إلى مستوى الإعلام الترجيحي المبني على قرائن ودلالات، بل يكون وهما يتموضع في مخيلة الواهمين، ويقبع في تفكيرهم السطحي، ولا يناسب إلا ظروفا تسود فيها الخرافات وتستساغ فيها الترهات بينما الإعلام الترجيحي وإن كان هو أيضا ظني؛ إلا أنه يستهدف الحقيقة من جهة الجهد المبذول بشأنه، وينطلق من ملاحظة الظروف والملابسات القائمة، كما يسير في اتجاهات أخرى نحو الترف الفكري، والخيال العلمي، والأدبي وهو بهذا إعلام قريب من الصواب؛ يُنشَد، ويُتطلّع إليه انطلاقا من تحسس الواقع أو أثر هذا الواقع

         والإعلام الرجمي يتضمن إعلاما غيبيا من نوع خاص، يكاد يكون جنونا، لأنه لا يتعدى الأوهام، وهو سخيف جدا يصيب صاحبه بالضعف  العقلي، وربما الجنون، ويحجب عنه الرشاد والوضوح في الرؤية. ولا يصفو لك جو إذا أجهدت نفسك لمعرفة ما وراء التعتيم الذي يحدثه لأنه يفتقد للواقع الذي تحاول تحسُّسه دون جدوى، فلا يكون إلا ناشئا في الأذهان والمخيلات لأناس معينين.

         ويمكن تقسيم هذا النوع من الإعلام إلى قسمين، قسم يعتمده الكهان والعرّافون والمنجمون والسحرة وقسم يتعلق بتناول الغيب تناولا صرفا.

         كانت تنتشر في الشعوب القديمة أوهام وخرافات وترّهات، ولا تزال في كثير من بقاع العالم اليوم مثل الهند.. بحيث يكون السحر والتنجيم والشعوذة وتسخير الأرواح مواد للحديث يرى أثرها في السلوك، وتصل عند بعضهم إلى التقعيد فتكون مسلَّمات يُبنى عليها. كما جاء أفراد كثيرون على مر الأجيال بسحر عظيم كالفراعنة قديما، وتوقع المنجمون ومن سار على منوالهم أحداثا جاءت كما توقعوا، وعاذ بعضهم بالجن حتى بات ذلك جزءا من مقوّمات ثقافتهم وحضارتهم، واستمر حالهم على ذلك إلى أن ارتفع تفكير الإنسان قليلا، وظل كذلك رغم مجيء الأنبياء والرسل، ظل طاغيا عبر العصور حتى عرف الإنسان الظواهر الطبيعية، وشرعة الله الأخيرة، فتقلص السحر والتنجيم وتسخير الأرواح ولا يزال يتقلص يوما بعد يوم، ومع ذلك وُجد متعاطون له، وهم أفراد كثيرون حتى وقتنا هذا يتخذونه (علما) وحالة تجلب إليهم أرزاقهم

         وهي جميعها تبدأ بالأخبار الظنية عن المغيَّب، ثم تنتهي إلى النتائج الظنية غير المقرونة بملاحظة الواقع أو أثره، وإنما بتخيلها في دماغ المأفون إلا أن يصادف ذلك ما هيأه الساحر والمشعوذ بأساليبه الخفية حتى جاءت كما أخبر به، أو تأتي من باب إدراكه لقوانين الطبيعة وقوانين المادة يعرفها القليلون في وسطه أولا يعرفها أحد، فيُظنّ أنه قادر على كشف الغيب والتنبؤ به، أو تأتي موافقة لقضاء الله وقدره

 

 

 

 

 

                              

 

 

 

 

  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

      إعلام العرافين والدجالين

 

         اشتهر قديما فن العرافة والكهانة، ولا يزال إلى اليوم يصدق به ذووا العقول الضعيفة من البلهاء. ويعظم أمر هذا الدجل حيث يسود الانحطاط الفكري. ويترعرع أكثر إذا صادف قلة في المعلومات وبطؤا في الفهم لدى الذين يسمعونه. ويصيب الهدف في قلوب الجهال. فمن دجال يعرف الغيب ويُعْلمك به، إلى دجال يخبرك بالجاني والسارق. ومن دجال يستحضر لك الجن ثم يجعلها تكلمك وتخاطبك، إلى دجال ينبئك بكنز مدفون بدارك، أو حديقتك، ثم يستسمحك في استخراجه وتقسيمه معك

         لقد أشيعت بين الناس أخبار الدجالين حتى صدقهم الكثيرون. ومن حسن حظ البشرية حاليا تقدُّم العلوم التجريبية، وخصوصا علم الكيمياء. ومن حسن حظها أيضا انتشار التعليم والمعارف ووسائل الاتصال والإعلام

         ومن دجل بعضهم أن أحدهم كان يقرأ أسئلة الناس في ورق  دون أن يلمس أوراقهم أو ينظر إليها، ولا يخطئ بتاتا حرفا واحدا من حروف الكتابة. وقد انطلت اللعبة على زبنائه من ضعاف العقول، فأذاعوا خبره، وذاع صيته، وعظم دجله، ولكن الحقيقة هي أنه لا يستطيع قراءة حرف واحد من أسئلة الناس لولا حيلته، وكل ما في الأمر أنه كان يجلس على طاولة أعدت خصيصا لذلك، فقد كان يجلس على طرف الطاولة، ثم يُجلس ضحيته في الطرف المقابل على بعد معين هو قطر الطاولة من مستطيلها، ويطلب منه كتابة أسئلته خفية، ثم يطلب منه إنزالها فوق الطاولة مقلوبة ويضع يده عليها، وبعد هنيهة مصحوبة بتمتمات وحركات مقصودة يجيب الدجال بتفاصيل على جميع الأسئلة بعد أن يقرأها حرفا حرفا، فيدخل في روع زبنائه أنه يعلم الغيب، وقد أوتي علما كثيرا، والسر في ذلك أن طاولته مكونة من سقفين زجاجيين، الزجاج الأول زجاج السقف بلوري مكبّر، والثاني عاكس (مرآة) يميل قليلا نحو الجهة التي يجلس فيها الدجال، وبين السقفين مصباح كهربائي بواسطته يقرأ أسئلة الناس في غفلة عنهم.

ومنهم من كان يتعرف على المتهم الجاني في ظرف وجيز، بحيث يناول كوبا من الماء لجميع المتهمين بالسرقة، ويضع في غفلة عنهم جميعا مادة كيماوية بنسب قليلة تكاد تتساوى بينهم، وهذه المادة من خواصها أنها إذا  وضعت في الماء تسخِّنه فترفع درجة حرارته، وما إن يشعر الدجال بارتباك أحد المتهمين، ويترجح لديه أنه الجاني الحقيقي حتى يضاعف له المادة الكيماوية، وعندها يغلي الماء فيسخن الكوب في يد صاحبه، ويكون الجميع ضحية الوهم، الجاني والبريء على السواء، وعندئذ يتوهم السارق أن الجن هي التي تفعل فعلها في الكوب، وسوف تحرقه بعد حين إن لم يعترف، فيصيح بينهم، ويقر بذنبه وجنايته، ثم يتوسل ويعلن ندمه ويتعهد برد المسروق ويأخذ الدجال أجرا على استحضاره الجن الذي كشف المسروق

         إن العرافين دجّالون قطعا، وكذابون ولو صدقوا، وهم ليسوا أغبياء أبدا، بل فيهم النابه والذكي والعبقري لديهم من الذكاء والدهاء الشيء الكثير، ولديهم فراسة نافذة تعينهم على فهم الطوايا والنوايا بشكل ترجيحي يستنبطونه من واقع حال الضحايا، فطالب الغنى غالبا ما تُستعلن نيته من حاله وسؤاله وضحية العشق والغرام لا يكاد يخفي غرامه وولهه وطالبة الزواج لا تكاد ملامحها تستر حاجتها وبذلك يستطيع الدجالون تفهّم حالات الناس النفسية، ومع ذلك لا يتسرعون في إبداء ما رجح لديهم إلا إذا اقتنعوا به، يعمدون إلى ألفاظ عامة يوظفونها توظيفا يخدم جهلهم بنيات الناس، فيطلقون العنان لأفهام مختلفة لا يُختار منها إلا ما كان منسجما مع النيات، لأن انطلاقة الناس تقيدت بالوهم والتصديق حتى باتوا لا يرون إلا ما ذهبوا من أجله إلى العراف والكاهن، وهنا بالذات يوافق شن طبقة.

 

 

                                  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

         إعلام فاتحي الكنوز

 

         يقر كل من له دراية بسيطة بالتاريخ أن الأرض يزخر باطنها بكنوز خامة. ويقر بأن باطنها مستودع أو بنك تخبئ فيه الكنوز وتخزن، وقد كانت بهذين الوصفين في القدم. فالكنوز المدفونة في باطنها دفنها الإنسان في زمن معين. وكان الإنسان قديما يلجأ إلى دفن ماله (كنزه) تحت الأرض، وكان منهم من يضعها في صناديق خشبية، ومنهم من يضعها في أواني طينية وخزفية، أو معدنية، وكان الفراعنة يدفنونها في سراديب، أو حيث يدفنون موتاهم  في الأهرامات. ودفنت جميع الكنوز تحت الأرض في المقابر والسراديب والحقول والبساتين والدور والجبال ومن الناس من أشار إلى كنزه قبل موته فاستخرجه أهله وذووه واستخلصوه لأنفسهم حسب شريعتهم، ومنهم من مات ومات معه سر الكنز بحيث لم يبح لأحد بمكان دفنه. وهذه الكنوز المدفونة وجد من يدعي معرفة مكانها رجما بالغيب. وأحاطوا الموضوع بهالة تناسب مظهر التملّك، وظاهرة الطمع، وحب المال، فقالوا بأن الجن تحرسها منذ وضعها صاحبها في مكانها تحت الأرض، ويستحيل استخراجها إلا على يد العليم بالطلسم الذي بواسطته يُفتح الكنز ويسمح له الجن بأخذه وانتزاعه، والجن قائم عليه يحفظه ويحرسه دائما حتى يأتي صاحبه المعني به.

         وقد صدق كثير من الناس هذه الخرافات، وذهب ضحيتها عدد لا بأس به من السذج، ذهبت أموالهم سدى، بحيث نهبت معها أموال غيرهم كانت مودعة عندهم كأمانة للقاصرين، وضاعفوا الخسارة بأن استقرضوا أموالا، وباعوا حليّ زوجاتهم ليمنحوها لصاحب السر فاتح الكنوز بغية الحصول على الكنز الموهوم، ولكنهم لم يحصلوا إلا على السراب.

         لقد استطاع (فاتحوا الكنوز) أن يوهموا ضحاياهم بحقيقة ذلك، منهم من أوهم ضحاياه بعفته وقناعته مستهدفا جلب ضحيته لتصديقه حتى يستولي على ماله (كنزه) بعد حين، ومنهم من أوهمهم بجعلهم يتحسسون الكنز ويرونه رأي العين أملا في إيجاد القناعة بإعلامه وخداعه حتى يسلبه كل ماله أو بعضه 

         فقد احتال أحد فاتحي الكنوز بـان طمر تبرا وقطعا نقدية من الذهب والفضة في مكان معلوم، ثم استخرجه بتمتمته وهمهمته وبخوره وتعاويذه، ووزعه على ضحاياه بالتساوي، ولم يأخذ منه هو إلا المقدار الذي يفي بأسعار البخور. وفي المرة الثانية أخذ منهم جميع أموالهم مع ماله الذي وزعه عليهم حين استخرج الكنز، وذلك منوط بسفره إلى أماكن نائية تتطلب أموالا باهضة، ثم رحل لاستحضار ما يلزم، ولم يرجع أبدا.

         ومنهم من طرق دار ضحيته مستطعما إياه، ولما أضافه كشف له عن السر، وأفصح عن وجود الكنز في بيته، فشك الرجل أول الأمر، ولكن الدجال قد دبر لكل عقدة حلا، وكلاهما لم يبد للآخر سريرته، ولكي يجعل الدجال صاحب الدار يقتنع به صارحه بأنه لا يطلب منه نفقة على عمله، بل سيقسم معه الكنز بعد استخراجه، ثم يذهب إلى حال سبيله، فرضي صاحب الدار ما دام لن يخسر شيئا، ولكنه دخل في روعه شيء من حقيقة الأمر مع الحذر، ولما أظلم الليل دخل الضيف غرفة عينها للكنز الموهوم، وأخذ يطلق بخوره ويُسمع تمتمته وهمهمته وتعاويذه، والرجل يستمع إليه منتظرا قسمته من الكنز، ويعلم الله ماذا دار في خلده من تصورات عما سيفعله بالمال الوفير. وكان الدجال في غرفة صاحب الدار يخرج من مخلاته، أو محفظته أو جيبه أدوات لونها كلون الذهب، فشكّلها بسرعة حتى  بدت على شكل أقراط ودمالج وأواني، ووضع إلى جانبها بعض النقود الذهبية والفضية، وكان السر في تشكيل الحليّ والأواني بسرعة أن المادة المشكّلة منها من ورق أو كاغد قابل للتشكُّل، ويمكن حمل أعداد لا بأس منها في الجيب الواحد، وحين أنهى مهمته نادى على صاحب الدار وفتح له الباب، ثم أدخله الغرفة وهو لا يزال يتمتم ويدمدم ويطلق البخور، وبعد أن أشعل عود الثقاب وأنار العود قليلا دون أن يضيء الغرفة لأن في إضاءتها يكشف السر، ويرفع الستار عن الحقيقة، أمره بالهدوء والنظر إلى أرض الغرفة، وما إن رمق صاحب الدار الكنز على شكل نقود وأواني وحلي مصدقا ما تراه عينه حتى هم بالاندفاع لجمع الكنز وقد امتلأ قلبه سرورا، وطربت نفسه حبورا، وعند ذلك منعه فاتح الكنز بأن أطلق مفرقعة أربكت صاحب الدار، وأفزعته، فولى هاربا لا يلوي على شيء فسقط مغميا عليه، وعندها جمع الدجال أدواته، ثم خرج الغرفة ليجد صاحب الدار في حالته تلك، وبعد فترة من معالجته استفاق وقد عاد إليه رشده فأوهمه الدجال بأن الجن لم ترض عن فعلته لأن الطلسم لم يكن قد انتهي من قراءته، بعد فَسُدَّ الكنز، ورجع الجن إلى حراسته من جديد، فمُنع الكنز عنهما، ولا يستطيع استخراجه إلا بعد مشقة بدنية، ومقدار من المال كبير، فوا حسرتاه ووا أسفاه

         وفي الصباح الباكر نهض صاحب الدار، ثم أيقظ ضيفه وقد اقتنع بحقيقة الأمر بعدما رأى الكنز بعينيه، فاستحث الرجل على فعل شيء ما لاستخراج الكنز وهو يستسمحه ويترجاه، ولكن الدجال فاتح الكنز ثعلب ماكر، قال لصاحب الدار ما أشار به ساعة استفاقته من إغماءته بالتفصيل، مبينا طول المسافات ومشقات السفر ووعثائه وندرة بخوره المتميز، فما كان من صاحب الدار وقد امتلأ قلبه بالقناعة، مستبعدا للإنسان أن يسمح في كنز عظيم ولو عانى ما عانى إلا أن ذهب يجمع ماله، وحليّ زوجته، ثم استقرض غير ذلك، ومنح الدجال كل شيء فذهب هذا الأخير ولم يرجع أبدا.

         وهنا يجدر بنا أن نتساءل قائلين:

         لماذا لم تظهر على فاتحي الكنوز آثار الغنى؟

         لماذا يبوحون بأسرار الكنوز وهم في حاجة إلى كتمانها وتدبير أمر استخراجها للاستئثار بها دون غيرهم ولو أدى ذلك إلى شراء الدار الواقع بها الكنز والمدفون في أرضها، أو شراء المساحة الأرضية والقطع التي يقع بها الكنز؟

         لماذا يظهر فاتح الكنز في قرية أو بلدة لا يعرفه فيها أحد من الناس؟؟

         أرى أن أترك الجواب لك أيها القارئ الكريم لاستنتاج الموقف الصحيح بتفكيرك الخاص. وإذا ناقشنا الموضوع من جهة تلمس معقوليته أو عكسها، فإننا سوف نصطدم دائما بالأوهام والخرافات مما يجعلنا مضطرين منطقيا لاعتبار ذلك في اللامعقول. فالكنز المدفون حقيقة، وما أكثر كنوز الأرض في باطنها، يسعى الإنسان لاستخراجها. فمناجم الذهب وغيرها استطاع الإنسان اليوم تسليط الأقمار الصناعية لمعرفة ما بباطن الأرض رغبة في استخراجه ثم استغلاله، فالكنوز إذن حقيقة، ولو علمت دولة قادرة بمكان خسف قارون لهرعت إلى حفر المنطقة بغية استخراج كنوزه العظيمة، ولكن الشيء الغريب حقا هو أن كثيرا من الكنوز تستخرج بين الحين والآخر بعمليات غير مقصودة، يكون ذلك بسبب حفر بئر، أو بناء سكن، أو حراثة أرض.. وما استُخرج  أثناء ذلك مما عرفناه، وتناقلته الصحف ووكالات الأنباء لم يكن صعبا، ولا أمرا يُرتَّب له، أي لم نسمع بجلب فاتح الكنز، أو قراءة الطلاسم، أو قيام الجن عليه، لم يتعرض مستخرجه إلا للفرحة، فكيف يعقل حاجة الكنوز إلى جن تحرسها؟ وحتى لو حرستها الجن، فإنه بمجرد أن يظهر أثر الكنوز، فإن الإنسان سوف يسعى لاستخراجها، ثم ينتزعها من مكانها رغما عن الجن، أحبت أم كرهت إن كانت تحرسها جن فعلا. فالجن لا تحرس كنزا، وفاتح الكنز ما فتح كنزا قط، بل لا يعرف مكانها أبدا، وإنما هو الدجل والخداع والجهل من الطرفين. وأبسط نظرة إلى قوله تعالى: "وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما، فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك" سورة الكهف، الآية: 82.

         هذه الآية الكريمة تؤكد التخريف في جميع ما أحاط بالكنوز من ترهات. فالله تعالى أراد حفظ الكنز لصاحبيه اليتيمين حتى يبلغا أشدهما كأجل لاستغلال الكنز بعد استخراجه. وكان الجدار على أهبة الانقضاض، فبعث الرجل الصالح صحبة موسى لحكمة أخرى تتعلق بالغيب ضمنها رحمته ورزقه للغلامين وكانت غيبا، فأقام الرجل الصالح الجدار رغم بخل أهل القرية الذين أبوا أن يضيفوهما بعد طلب ذلك من قبل موسى وصاحبه، أقام الجدار لأنه إن لم يقمه لهوى وبرز الكنز وضاع من اليتيمين، فوُضع حدّ لهذا الاحتمال بإقامة الجدار حتى يبلغ الغلامان الرشد، وفيه كناية على القدرة بالتصرف، والعمل على بناء الدار ليتأتى بعد الحفر العثور على المال، وفي هذه القصة غيب لم يعرفه أحد بما فيهم نبي الله موسى، وهو أشرف من الجن فلم يطلع على غيب الكنز إنس ولا جان باستثناء الرجل الصالح الذي زُوِّد بمعلومات عن الكنز وموقعه من قبل الله تعالى، ولولا منحه لتلك المعلومات لما عرف هو أيضا، فالله تعالى قد منحه علم الغيوب الثلاثة التي ذكرها في سورة الكهف كشفها لموسى ليعرف أن لله عبادا أعلم منه بأمور لا يعرفها ولا يستطيع لها طلبا ولا دركا. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن الكنز رزق يسوقه الله لأصحابه بجهد بذلوه، وبغير جهد، ولا دخل للجن فيه، بل لا تعرفه، ولا تعرف مكانه مطلقا بظهر الغيب، وأن الله حفظ الكنز بسببٍ جَعَله يد الإنسان أو العبد الصالح، فكان ما يقال ويسمع عن فاتحي الكنوز مجرد ترهات.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

         إعلام الجن

 

يدعي بعض الناس أن لهم القدرة على استحضار الجن ومخاطبته وتسخيره للقيام بأعمال معينة. ويصدق الكثيرون هذه الادعاءات، ومنهم من يستشهد على حقيقة ذلك من شهود عيان عاينوا استحضار الجن، واستمعوا إليهم وإلى حواراتهم مع مستحضريهم، ومنهم من يستشهد عليه من شخصه لأنه كان أحد الذين عاينوا ذلك، ولكي يفصلوا في الموضوع ويحسموا أمر الحقيقة يذهبون إلى القرآن العظيم مستخرجين الآيات المتعلقة بالجن، وكذلك بعض الأحاديث النبوية الشريفة.

         وكون الجن عالما قائما بذاته فأمر فيه نظر عند بعضهم، بحيث يذهبون إلى طلب ذلك في المحسوسات فلا يجدون له واقعا، ولا حتى أثرا لذلك. ولا يقال بأنه إن كان الإعلام عن أمر الجن ظنيا فسواء الإقرار والإنكار، وإن كان الإعلام عنه قطعي فلا مجال إلا للإقرار لأنه عقيدة. لا يقال ذلك ولا يجوز لأنه لا مكان لمثل هذا القول مادام القرآن الكريم قد وضع حدا لأي تساؤل من هذا النوع في عقول المؤمنين به، فالجن حقيقة وواقع، ولكنه غيب، وآثاره غير محسوسة مثله مثل الملائكة من حيث الوجود المغيَّب، وكونه غيبا فإن ذلك يرشدنا بهذا الإعلام إلى عدم الاهتمام به، أو محاولة فهم عالمه، لأنه يكون ضربا من التخريف، ولذلك نقر بوجوده، ولا نسمح لحقيقته أن تخالط تفكيرنا، وتؤثر على سلوكياتنا، وذلك بطرد التفكير بشأنه من عقولنا، وأي ضرب من الوساوس والنزغات الشيطانية نطردها هي بدورها بالوسائل والكيفيات المعلومة في الدين الإسلامي، ولا نتجاوز ذلك حتى لا يضعف تفكيرنا ونزداد بسببه رهقا، وربما نقع في الضلال والعياذ بالله.

         وقد انطلت حيل كثيرة على أعداد كبيرة من الناس عبر العصور، عاينوا استحضار الجن، وسمعوا كلامه وجلَبته، فصدقوا ما سمعوا، ومنهم من رآه رأي العين ليصدق بعد ذلك جميع الأخبار المتعلقة به غيبا بمجرد أن يسمعها.

والإعلام عن الجن حديثه يطول، وتفصيله كبير، ولكنني أرجو الله تعالى أن أوفق في تكوين صورة مطمئنة عنه، يرتاح لها القلب، ويطمئن لها الخَلَد. ولا بأس من استعراض بعض الأحداث تعلقت بالجن وحضوره وأثره في الواقع.

         فقد زعم بعضهم أن هناك تعازيم خاصة بواسطتها يحضر الجن، ثم يُسخّر للقيام بما يأمر به الذي استحضره .  

وحدث أن كان رجل من منطقة آسيا تُشد إليه الرحال يستحضر الجن، وذات مرة بينما كان منهمكا في غرفته مع خادمه يستبدلان لباسهما المخصص لاستحضار الجن، والناس جلوس في غرفة أخرى ينتظرون خروج الشيخ إذ به يخرج عليهم، وحين جلس سُمعت أصوات ناقوس من النحاس شديدة، وسمعت إثرها أصوات حناجر خشنة غليظة مستنكرة، تعبّر عن حضور الجن، وتُعْلم الحضور بمقدمه ليملأ المكان. والشيخ جالس بهيئته الموقرة وشكله النوراني المليء (بالورع والتقوى)، ثم طلب من صاحب البيت تقديم الطعام إلى الجن، فاعتذر الرجل لأنه لم يكن يعلم أن الجن تأكل مثل البشر وعندها صاح الشيخ قائلا: ياذرباخ (وذرباخ هذا اسم جني ممن حضروا ساعتها)، وسُمعت الإجابة على ندائه بشكل صريح واضح تقول: سمعا وطاعة يا مولاي، قد حضرت، فمرني بما تريد. فقال الشيخ: أحضر لنا فاكهة لذيذة، وطعاما نافعا، وثمرا طيب الرائحة. وبعد أقل من ثانية سمعت جلبة عظيمة دلت على قدوم الجن بالسرعة الخاطفة، فوُضع الطعام والثمر والفاكهة بين يدي الشيخ، فسأل الجن الذي يُسمع صوته ولا يُرى منظره: من أين جئت بهذا كله؟ من مكان بعيد يا سيدي. وقد سمى مكانا بعيدا يعرفه الحاضرون، ثم قدم الشيخ الطعام والثمر والفاكهة إلى ضيوفه، وكان طيبا لذيذا فعلا، ولكن ضيفا من ضيوف الشيخ لم يرض أن يتسلم الطعام، ولم يرفضه بأدب، بل استلقى على قفاه، وشرع يضحك ويقهقه في سخرية أربكت الشيخ، وأبهرت الحضور المتخوف من الجن الحاضر، وعندها تكلم الشيخ، فاستغرب من ضحك الفتى على الجن وسخريته منها وسمى أسماء أخرى غير ذرباخ كانت حاضرة الجلسة، ثم قال للناس: انجوا بأنفسكم حتى لا يصيبكم مكروه جلبه عليكم سفيهكم هذا، وعندها تراكض القوم وتزاحموا، ولاذوا بالفرار كما تفر النعاج من الذئب المباغت، وكانت النساء فوق سطح الدار، وحين رأت ذلك ظنت أن الجن قد قتلت ضيفا من ضيوف الشيخ، أو تخطّفته، وساعة تملُّك الظن لأفئدتهن هربن هن أيضا يصطحبهن العويل، وساروا جميعا في اتجاه واحد أدى بهم إلى دخول حظيرة (أو زريبة) مليئة بالأغنام، ففزعت هذه الأخيرة ونفرت هي أيضا، فاختلط كل شيء، وأصيب الناس بالأذى، ومنهم من أغمي عليه، وضاعت بعض الشياه وركضت تائهة، وحين تسلق أحدهم جدارا رأى كبشين يتناطحان، فظن أنهما جنين يقتلان أحد المغمى عليه، فألقى بنفسه من هول رأى، وفي آخر المطاف خلت الدار من الحضور، ومن جميع أهلها، ثم انبرى الشيخ مع خادمه يجمعان الأموال والحلي التي خلّفها الحاضرون، جمعا الأموال وحلي النساء، ثم خرجا يرغدان ويزبدان غضبا وحنقا على وقاحة المتهجم الذي جلب غضب الجن، وسخطهم، وراحا إلى حال سبيلهما غانمين بعدما خلفا الخراب والأوهام،  وقد كان خادم الشيخ هو الذي يقرع الناقوس، وينفخ في الأبواق، ويُصوِّت من خلالها، ويجيب على أسئلة الشيخ، وكان الطعام والفاكهة والثمر في مخلاة الشيخ مع أدوات الحيلة وضعها في الغرفة المجاورة وجعلها رهن إشارة خادمه، وبهذه الطريقة استُحضرت، الجن ووقع ما وقع..

         وفي سنة 1935 م اعتقلت السلطات بمصر رجلا كان يستحضر الجن، وكان جنيه ملكة سماها (الملكة ثريا) وكانت الملكة تخاطب الرجل، وتردّ على أسئلته وأسئلة الناس الذين يحضرون عند الشيخ (الورع التقي)، وتبين في التحقيق أن ملكة الجن هي خادمته، وقد اعترفت في المحضر أن الشيخ كان يجلس في حجرته وبجوارها حمام صغير، أحدث الرجل فتحة صغيرة فيه، وفتحة أخرى بالحجرة تحت البلاط بين الحمام وحجرة الجلوس، ومدّ خرطوما من الجلد يصل الحجرة بالحمام، هذا الخرطوم الجلدي أوصله الشيخ حتى المبخرة، وضع فتحته تحت مبخرته، فكانت الخادمة هي التي تتكلم وتخاطب الشيخ والحضور، وكانت تتقن تغيير صوتها ولهجتها، وكانت تُحدث الجلبَة بأواني معينة من زنك ونحاس، جعلتها بين يديها وفي متناولها وهي قابعة في الحمام، تسمع جميع ما يدور فوقه من خلال الفتحات، فكانت الجلَبة تعبّر عن حضور الجن (الملكة) وتأذن بالشروع في استجوابها. أو طلب ما يراد منها على يد الشيخ طبعا، يصاحب ذلك البخور، وتمتمة الشيخ، وكلامه المبهم، الغامض، هكذا إذن تتم عملية استحضار ملكة الجن السيدة ثريا..

         وكان رجل يدعى عبد الله  يستحضر هو الآخر الجن، وكان جنيه عظيم الشأن إذ كان ملك ملوك الجان، أو هو الشاهنشاه في عالم الجن، وكان عفريتا غريبا في شكله كغرابة الذي يستحضره، فالشيخ عبد الله رجل وقور مهاب، ذو صوت جهوري، عيناه كالبرق اللامع سرعان ما تتحول أعين الناس عن عينيه إن هم حملقوا في وجهه، وحدقوا إلى عينيه، وكان يجلس ضيوفه في غرفة خاصة، يجلسهم على كراسي معدة إعدادا محكما، وحين يتمتم ليستقدم الشاهنشاه تتغير ملامحه، فينتفض ويرغد ويزبد، ثم تهتز الكراسي بالجالسين عليها إيذانا بحضور العفريت الخطير، والمارد الصنديد، وعندها يشرع الشيخ في طمأنة الجالسين وقد تملكهم الرعب وسيطر عليهم الخوف من عفريته العنيد المشاكس، وبعد هنيهة ينشق الجدار فتظهر أنوار كثيرة ذات أشكال بديعة، ثم يظهر العفريت في الفضاء يتحرك على الهواء وكأنه كوكب مُعلّق، لا يبرح مداره، ولا ينطلق خارج إطاره بحكم الجاذبية التي تحكمه، وينطق متكلما مجيبا مهددا متوعدا حتى يتم المقصود من استحضاره.

         ولكن الحقيقة هي أن الكراسي المهتزة نُصّبت مكانها بتقنية بسيطة تهتز بالناس دون أن توصل إلى ذواتهم الكهرباء، إذ كانت مغلفة بمواد عازلة من الكاوتشو، أو المطاط، أو البلاستيك أو الخشب أو ما شاكل ذلك، فهي ليست كراسي كهربائية ككراسي الإعدام، ولكنها تتحرك بالكهرباء وتهتز بسببه. وأما العفريت فقد كان صورة إنسي مشوه على شكل تمثال من المطاط، يتحرك هو أيضا بالكهرباء. وأما الكلام فقد كان لشخص آخر دجال مثل شيخنا، يختفي في غرفة مجاورة، ويستعمل الميكروفون، وكان البوق في الغرفة التي تتم بها عملية استحضار الجن وهي غرفة الأنوار الساحرة. وأما الجدار فقد كان ينشق هو أيضا بواسطة الكهرباء، إذ تفتح له باب واحدة حتى يدخل قلب الجدار إلى اليمين أو اليسار، يدخل الجدار فيما يسمى عندنا داخل (الكابوتشينا)، أو كان ينشق بواسطة بابين من اليمين إلى اليسار ومن اليسار إلى اليمين كما هو الحال في كثير من الصالونات داخل البيوت، وفي المكاتب العمومية، وعند مداخل بعض الفنادق

         وسبق لي أن كنت أناقش مجموعة من الأصدقاء، وكان فيهم صديق عنيد، فأخذته باليسر واللين فلم أفلح معه، ثم استعملت القسوة في المجادلة لدرجة التحدي مع تواضعي له في أن يعلمني إن كنت جاهلا، وتقويم اعوجاجي إن كنت مخطئا فيما أحدث به. وذات مرة جاء على لساني كإشارة فقط تعلقت بجانب من الموضوع قولي أن الزمهرير هو البرد القارس جدا، ويوجد عذاب من هذا النوع في جهنم، فاستنكر ذلك واستبعد أن يجتمع النار والبرد، وقلت له بأن لفظ الزمهرير وردت في القرآن الكريم، فلم ينكر في استحياء لأنه غير واثق من الموضوع، فأعلنت التحدي وأسمعته والحضور قولة أن هذا حق وصدق سواء جاءني صديقي في الغد كما وعد بالجواب الشافي أو لم يجئ. وبعد يومين أو ثلاثة، وكنت قد أهملت الموضوع والخوض معه إلا فيما يسلي ويروح عن القلب بعيدا عن أية جدّية، أقول بعد أيام معدودة جاءني بالجواب، وكان إقرارا بحقيقة ذلك مع ذكر أن الذي تلقى منه هذا الإعلام مخلوق خاص تربطه بأخيه صداقة منذ مدة، وأشار عليه في أن لا يعود إلى مثل هذه الأسئلة.

         وقد تقول عزيزي القارئ بأني ابتعدت عن الموضوع، ولكن رويدك فإن صديقي له أخ هو الآخر صديقي، يستحضر الجن، وأن الذي تم سؤاله عن الزمهرير هو جنّيه، أو عفريته الذي يستحضره  وهو الذي أجاب عن سؤالي، وختم جوابه بنصيحته إلي بعدم العودة إلى مثل هذا السؤال، ولست أدري هل كان يتهدد ويتوعد، أم كان يشفق؟؟

         وبعد برهة رجعت إلى التفكير في الموضوع متذكرا ما حدث بيني وبين صديقي، فاهتديت إلى خطأ صدر عني لم أتبينه في حينه، وكان متعلقا بقولي أن الزمهرير نوع من العذاب يوجد بجهنم، وعند الرجوع إلى الموضوع تبين أن أهل الجنة هم الذين لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا، لا يرون حرارة مفرطة ولا بردا بصفة الصقيع، ولا يعني بالطبع استحالة الجمع بين الحرارة والبرودة كنوع مزدوج من العذاب فما هذا على الله بعزيز، ولكن لا دليل يوجد على هذا في الأدلة الشرعية وهذا الذي اهتديت إليه أرشدني إلى حيلة استعملها صديقي، فهو يعلم أن لدي معلومات، وأنا عنده صادق، ولذلك صدقني حين نقل إليه أخوه رأيي فيما تقدم، فاستعمل ما قلت ليكذب على أخيه ويوهمني بحقيقة استحضاره الجن، وكان الفضل لخطئي.

         ولدي صديق آخر من نوع خاص أثق في قدرته العقلية على المحاججة،  وأقدر فيه الذكاء وصعوبة الوقوع في حيل الثعالب. فقد روى لي حضوره شخصيا عملية استحضار الجن وكان مضمرا نية سيئة ملؤها الشك تجاه العملية، وحين رغد الشيخ وزبد وكان (المريض) شخصا آخر إذا بالمريض ينطق بسريرة صديقي وينهض من مكانه ليسبه ويشتمه بوقاحة محاولا ضربه بيده، وقد كاد يفعل لولا منعه بالقوة دفاعا عن نفسه علما بأن سر صديقي كان مدفونا في صدره، ولم يبح به لأحد ليستقر في دماغه أن هناك فعلا من له القدرة على استحضار الجن، وأن الجن يتم تسخيره حقيقة دون خداع عند بعضهم على غير الشكل الذي ذكرنا سابقا من الوهم والخداع والتضليل والحيل، يستطيعون استحضارهم حقيقة يرى أثر لها كالكلام، ومعرفة السرائر دون أن يتشخص الجن كما حصل لصديقي.

         وإذا رجعنا إلى القرآن الكريم والسنة الطاهرة نجد الشفاء الكامل، والحل الحاسم لكل مناقشة تتعلق بعالم الجن والأرواح والغيوب. فإلى إعلامه عن هذا المغيب لاستكمال الصورة عنه، ثم اتخاذ موقف نهائي بشأنه. واعذرني أيها القارئ الكريم إن أنا خالفتك في موقفك. 

         وردت في القرآن الكريم خمسون آية بلفظة الجن، وردت بلفظة الجن والجان والجِنّة والمجنون. ووردت لفظة العفريت مرة واحدة في الآية 39 من سورة النمل، ووردت لفظة الشيطان مُعرفَّة وغير معرفة مُفردة وجمع في 88 آية، ووردت لفظة المارد غير مُعرّفة مفردة ثلاث مرات فقط، ووردت لفظة الأبالسة غير مُعرّفة من غير جمع إحدى عشر مرة، ووردت لفظة الغيب معرّفة وغير معرفة مفردة وجمع أربعة وخمسين مرة.

         هذه العناصر هي التي يجب أن تؤسس للبحث لأنها قطعية. وكونها تؤسس للبحث فإن ذلك لا يعني أن جميع الآيات التي ورد ذكر أعدادها قابلة للتأسيس، لا، بل لا يحمل قابلية التأسيس إلا ما كان متعلقا بالموضوع مباشرة. وسوف أسوق ما أرى فيه قابلية التأسيس وأترك غيرها والله المستعان.

         وأول لبنة لهذا التأسيس تتعلق بالوجود، لأنه إن شُكَّ في أمر وجود المغيَّب فقد انهار البحث من أساسه، ولذلك كان أمر المغيّب من حيث وجوده يستحق الفصل والحسم بشأنه، وقد حصل، فالمؤمن بالقرآن العظيم قادر على التأسيس من خلال نصوصه، لأنه يملك القاعدة الأولى وهي إيمانه بالغيب كيفما كان نوعه واسمه. قال تعالى: "ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب.." سورة البقرة، الآية: 2. فالإيمان بالغيب من منطلق هذه الآية يجعل عالم الجن والملائكة والجنة والنار والبعث والنشور الخ مسألة بُثّ في شأنها، فصارت من المسلّمات عقيدة قطعية. هذا فيما يتعلق بوجود المغيَّب عنا، وليس كنهه وماهيته. إذن فالجن موجود قطعا، ولا قيمة لأسمائه المختلفة لأنه جنس واحد، فالجن والشياطين والعفاريت والمردة والأبالسة كلها شيء واحد. وتعبِّر عن جنس غير مختلف في تكوينه عن بعضه البعض، كما يعبّر لفظ جنس الإنسان عن سائر الناس مهما اختلفوا وتباينوا شكلا ولونا وفكرا وشعورا. قال تعالى: "وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن" سورة الأنعام، الآية: 112. وقال: "فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه" سورة الكهف، الآية: 5 . وقال: "قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك" سورة النمل، الآية: 39. وقال: " وحفظا من كل شيطان مارد " سورة الصافات، الآية: 7 . وقال: "وإن يدعون إلا شيطانا مريدا" سورة النساء، الآية: 117.

         تلك كانت عناصر أسست لوجود عوالم كثيرة، يهمنا منها في موضوعنا، عالم الجن، فكانت قاعدة يُبنى عليها بحثنا، وكانت عقيدة لأنها إعلام عن مغيَّب ورد ذكره ودليل وجوده في الكتاب الحكيم. ولا يقال بأنها ليست مهمة مادامت متعلقة بعالم لا نحسه ولا نلمسه، لا يقال ذلك لأنه ربما يعبِّد الطريق لإنكار هذا النوع من الإعلام الصادر عن كتاب الله، والإنكار إن حصل فهو خطير للغاية على مصير المسلم، إذ بإنكار الأخبار القطعية يتم الخروج والمروق من الدين قطعا، ولو صلى وصام وحج وزكى منكرها، بالإضافة أن لهذا الإعلام علاقة مباشرة بالسلوك الإنساني لأن أخباره تؤكد أعمالا للشياطين مخفية تجري علي أيد الناس، فكانت معالجة هذه الأعمال بخطاب الشارع، وقد ورد، ولا أحب أن أستبق الأحداث، كما لا أحب أن يكون بحثي فقهيا، ولكنه لمجرد التنبيه فقط.

         وإذا تجاوزنا أمر الوجود، وجود عالم الجن، فإنا نذهب مباشرة إلى معالجة تأثيره على الإنسان سواء بالمشاركة والمخالطة، أو الغشيان والاستحضار أو ما إلى ذلك حتى نستكمل صورتنا عنه، ثم نبني موضوعنا على أحسن ما يكون البناء، ونقف على الرأي الصحيح ليكون هو موقفنا الرسمي من جميع ما نسمع عن هذا العالم.

         بالنسبة للعناصر التي بواسطتها نناقش موضوع مخالطة الجن للإنسان وأثره عليه، فإنها جميعها عناصر متينة، تصلح لإقامة البنيان، ولكنها لا تؤخذ جميعها بسبب خروج بعضها عن موضوعنا، كما أن منها ما لا يمكن إدراجه وتطبيقه إلا على الفترة التي سبقت بعثة محمد بن عبد الله (ص)، وما عداها يظل من العناصر القائمة لمعالجة الموضوع منذ البعثة المحمدية حتى قيام الساعة. وبذلك يجوز لنا تقسيم الدراسة المتعلقة بالمخالطة إلى قسمين، فنجعل قسما خاصا بالفترة التي سبقت رسالة الإسلام بشريعته المتميزة العالمية يؤسَّس  لها من آدم، وإلى بعثة محمد رسول الله (ص) فيكون أمرها متعلقا بالماضي ليس غير، بينما القسم الثاني يكون بدءا من البعثة المحمدية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

         لا يمكن التسليم بشكل مطلق بمخالطة الجن للإنسان من خلال أقوال الناس وشهادتهم لأن ذلك لا يرقي إلى مستوى إحساس أثره، فضلا عن إحساس وجوده عند كل الناس، فيكون وجوده عقيدة تحتاج إلى أدلة قطعية وقد وردت، ويكون أثره هو بدوره محتاجا إلى أدلة قطعية، فلا يستقيم القول بمخالطته الإنسان إلا كما استقام بوجوده.

         إن أول سبب لتأثير الجن على الإنسان كان العداوة الناشئة من طرف واحد، نشأت عند الجن بسبب الاستكبار والعصيان لأمر الله تعالى. وقد جاءنا إعلام قطعي عن ذلك في محكم التنزيل، قال تعالى: "وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين" سورة البقرة، الآية: 34. وقال: "قال يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون" سورة الحجر، الآية: 32. وقال: "قال  يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي استكبرت أم كنت من العالين،  قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين" سورة ص، الآية: 76.

         ونفهم من خلال هذه الآيات الكريمات أن إبليس الجني كره تشريف الله لآدم، وكره ارتفاع منزلته عنده وتفضيله عليه وعلى كثير من خلقه إن لم تكن كلها، فمنعه عن السجود وطاعة أمر الله حسده وتكبره، فأعلن العداوة على الإنسان حين طرده الله من رحمته ولعنه، فبيت المكر والغواية والضلال لتكون شغله الشاغل في حياته كلها والتي شاءت إرادة الله أن تطول كثيرا مادامت على الأرض أجناس بشرية، فجاء على لسانه قوله: "قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون، قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم. قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين، قال هذا صراط علي مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين" سورة الحجر، الآية: 40. وقال تعالى: " ولقد خلقناكم، ثم صورناكم، ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم  فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين، قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك، قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها، فاخرج إنك من الصاغرين، قال أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم،  ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين قال اخرج منها مذموما مدحورا لمن تبعك منهم لأملئن جهنم منكم أجمعين " سورة الأعراف، الآية: 18. وقال تعالى: "وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا، قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا، قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا، واستفزز من استطعت منهم بصوتك، وأجلب عليهم بخيلك ورَجْلك، وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا، إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا" سورة الإسراء، الآية: 65. وقال تعالى: "الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء" سورة البقرة، الآية: 268. وقال: "إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا"  سورة آل عمران، الآية: 155. وقال تعالى "إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم" سورة آل عمران، الآية: 175.  وقال: "إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر" المائدة، الآية: 91. وقال: "ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان أعمالهم" العنكبوت الآية 38.  وقال: "وكان الشيطان للإنسان خذولا" الفرقان، الآية: 29. وقال: "ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد" الحج، الآية: 3. وقال: "إن الشيطان ينزغ بينهم" الإسراء، الآية: 53. وقال: "كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر، فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين" الحشر، الآية: 16. وقال: "هل أنبئكم على من تنزّل الشياطين تنَزَّل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون" الشعراء، الآية: 221. وقال: "ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاًّ" مريم، الآية: 83. وقال: "إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون." الأعراف، الآية: 27. وقال: "ومن الشياطين من يغوصون له " النساء، الآية: 83. وقال: "وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله" فصلت، الآية: 36. وقال: "يابني آدم لا يفتنكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة " الأعراف، الآية: 27  وقال: "ربنا أرنا الذين أضلانا من الإنس والجن نجعلهما تحت أقدامنا" فصلت، الآية: 29. وقال: "وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن" الأحقاف، الآية: 29. وقال: " وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا" الجن، الآية: 06. وقال: "ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه" سبأ، الآية: 12. وقال: "فلما خرَّ تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين" سبأ، الآية: 14. وقال: "ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون" الصافات، الآية: 158. " الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس" الناس، الآية: 6.

         وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال : قال رسول الله (ص): "يقول الله تعالى: إنني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم". وفي الصحيحين أن رسول الله (ص): قال: "لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال باسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدا". وروى البخاري من حديث الزهري عن عائشة رضي الله عنها قالت: سأل ناس النبي (ص): عن الكهان فقال: "إنهم ليسوا بشيء.." قالو يا رسول الله فإنهم يحدثون بالشيء يكون حقا، فقال النبي (ص): "تلك الكلمة  من الحق يخطفها الجني فيقرقرها في أذن وليه كقرقرة الدجاج فيخلطون معها مائة كذبة". وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي 'ص): قال:" إن عفريتا من الجن تفلّت علي البارحة ليقطع علي الصلاة فأمكنني الله منه وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم فذكرت قول أخي سليمان (ربي اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي). وروى أحمد عن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول الله (ص): "ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطا بسارية المسجد يتلاعب به صبيان المدينة"  وقال رسول الله (ص): "الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق".

هذه النصوص بعض مما تعلقت بتأثير الجن على الإنسان فدل كل هذا على أن إبليس وعالم الأبالسة كمخلوقات منحها الله القدرة على اختراق سمع الإنسان وبصره والولوج من خلال ذاته حتى قلبه وعقله وصدره ليوسوسوا له ويؤثروا عليه ويقودونه بالغواية إلى الضلالـة فيكون ذلك دليلا على مشاركة الجن للإنس، ومخالطتهم لهم والتأثير عليهم ولا يستطيع أحد من الناس إدراك أثر الجن وتأثيره على الإنسان إلا البصير بالأحكام الشرعية والعقائد الإسلامية. فما من مخالفة للشرع في التفكير والسلوك والاعتقاد إلا وللشياطين نصيب في إحداثها ونشوئها وإبرازها على يد الإنسان، يحس بها المؤمن البصير لأنه يرى مخالفتها للشرع، ولا يحس بها ضرير القلب والكافر لأن الشيطان أعماه وأضل قلبه وعقله.

         لقد كان واقع الجن قبل البعثة المحمدية على غير ما صار بعدها. فقد قص علينا القرآن الكريم قصة فريدة عن هذا العالم، تعلّقت بتسخير سليمان لهم قهرا بإذن ربه، فقد سخرهم لأعمال الغوص في البحار ونقل الحجارة وكبل العديد منهم في القيود خصوصا المردة، ولم يقو أحد منهم أو يجرؤ على إيذاء نبي الله سليمان  أو أحدا من أفراد رعيته. فقد حكمهم بإذن الله تعالى. وكان ذلك خاصا به وحده، فقد استجاب الله دعوته حين دعاه قائلا: " رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي"  سورة ص، الآية: 35،  فكان ذلك مقتصرا عليه وحده، ولا ينبغي لأحد أن يقوى على حكم الجن، وتسخيرهم لأن ذلك داخل في الآية الكريمة، فليس الأمر مقتصرا على تسخير الجبال والريح والطير بل يشمل عالم الجن، ويؤكد هذا قول الرسول (ص): "ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطا بسارية المسجد يتلاعب به صبيان المدينة"([6]). ويفهم من هذا أن الجن كان مشخصا ظاهرا بارزا، يراه الناس، ثم بعد موت سليمان انقطعت الرؤية وانحصرت في جانب الجن تجاه الإنسان يرى هو الإنسان، ولا يراه هذا الأخير قال تعالى: "إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم" الأعراف، الآية: 27،  وقد ظل الجن يرى الإنسان، وسوف يظل إلى قيام الساعة، بينما الإنسان لا يراه، ولن يراه بالعين المجردة، ولكنه لا يغيب عن عالم الإنس بحيث يسعى إلى تضليله بكيفية ظل محافظا عليها، وهي الوسوسة، أما غير الوسوسة فلا يقدر عليها، فلا يستطيع استراق السمع من السماء كما كان يفعل قبل البعثة المحمدية، وربما جاز القول بأنه لا يستطيع الخروج من الغلاف الجوي للأرض لكثرة الشهب المتساقطة، والتي تعدّ بالملايين قال تعالى: "وإنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا" الجن، الآية: 8،  فلم يعد له من عمل سوى الوسوسة والتجسس على الناس بخفة وسرعة كبيرة، تمكنه من جمع المعلومات ليقذفها بعمل الوسوسة في عقول الفسقة. ويتجسس على الملائكة في العنان ـ الغمام ـ ليلتقط خبرا صحيحا، ثم يضيف إليه عشرات الأكاذيب أو يضيفها الكاهن والساحر، يفعل ذلك الجني، ثم يقرقرها في أذن وليه وقرينه من الإنس وكلها أباطيل وأكاذيب حتى ولو جاءت كما قال الكاهن لأن عالم الجن عالم الشرور، فهي مخلوقات حقيرة جدا، ويكفيها حقارة استكبار جدهم الأول على ربه بعمل حقير تجلى في رفضه السجود مع الملائكة لآدم، وكونها حقيرة وتافهة، بل وكافرة فلا يعني ذلك أنها جميعها على نفس المنوال. لا بل فيهم المؤمنون قال تعالى: "وإنا منا المؤمنون ومنا القاسطون" الجن، الآية: 14. ويزيدها في الصغار أن رسول الله (ص)  وصف الذي جرى له مع جني في صلاته بأنه تمكّن منه، ولم يشأ أن يربطه عند سارية من سواري المسجد ليلعب به الصبيان في الغد، والذي يلعب به الصبيان لا يكون إلا على قدر عقولهم، فهو إذن مخلوق حتى وإن لم نجز لأنفسنا وصفه، فإننا نستطيع وصفه بالصغار والحقارة. ويكفي ذلك استجلابا لموقف التحدي وعدم الخوف من هذا العالم، ويكفي أيضا أن وصفه بالشر في مجموعه  يساعد على الزيادة في استصغاره واحتقاره وعدم تعظيم شأنه فضلا عن الانسياق وراء وساوسه وأباطيل الدجالين الذين يولونهم.

         وإذا نحن دققنا النظر في قوله تعالى: "وإنا لمسنا السماء" المصدر السابق. نجد أن لا أحد من المفسرين شرح لنا معنى السماء إلا ما تراءى في الأعلى، ونحن أيضا لا نستطيع القول الفصل في واقع السماء، ولكننا من خلال ما عرفناه وجهله الأقدمون ندرك أن الأرض والشمس وسائر ما في النظام الشمسي لا يمثل إلا جزءا ضئيلا مما يوجد في مجرة سكة التبانة، وعلى بعد مسافة كبيرة توجد مجرة الاندرومينادا، ثم مجموعة من المجرات الأخرى والتي تعد بالملايين والبلايين، كل هذا واقع في السماء، وللخروج من مجرتنا يحتاج الأمر إلى قوة رهيبة وسنوات عديدة حتى نجوب سائر المجرات لنصل إلى السماء، والسؤال هو: هل يجوب الجن كل هذه المسافات الخيالية حتى يلمس السماء فيسترق السمع من الملائكة؟ وهل لا يزال يقوى على استراق السمع برغم الحوائل التي وُضعت بإزاء ذلك؟

         إنه إذا افترضنا عدم خضوع الجن للضغط والجاذبية، وعدم خضوعه لمستلزمات الحياة التي يخضع لها الإنسان كالأوكسجين.. أو افترضنا تمكنه من وسائل موضوعية تساعده على التجوال في أقطار السماوات أو كانت من ضمن جبلّته المجهولة.. أو افترضنا وجود علم فريد يعلمه دوننا، وهو أمر معقول استنادا لقوله تعالى: "يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات و الأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان" الرحمن، الآية: 33، إلا أنه بعيد  جدا لانحطاط عالم الجن، وانشغاله الكبير بغواية الإنسان، فيكون القول بتلمس الجن للسماء مع ما يصاحب ذلك من تساقط الشهب قول يختص بالغلاف الجوي للأرض، يختص بسماء الأرض والتي هي المنطقة التي تحترق فيها الشهب قبل وصولها إلى الأرض، منطقة الغازات التي تتبع الأرض في دورتها، ولا تنفكّ عنها فتذهب بعيدا، أو تفلت من جاذبيتها، ونستطيع الاطمئنان لهذا القول من خلال معرفة أقصى قدرة للجن نفترضها، متجاوزين قدرة معينة ظهرت في شكل استعراضي علمناها وهي المسافة التي يقطعها بين سبأ والقدس- بين اليمن وفلسطين-  في مدة تتحدد بقيام الإنسان من مكانه ومقامه ومقعده، والقيام على هذه الهيئة يستغرق وقتا قصيرا جدا تقديره ثانية كاملة من الزمن حسب تجربتي للعملية، آخذ منها نصف الثانية، وأستسمحك أيها القارئ الكريم على جهلي بالمسافة الفاصلة بين اليمن والأردن وفلسطين، بين سبأ والقدس الشريف. وإذا علمتها فحاول معرفة  كم مسافة يقطعها الجن في الثانية الواحدة، أو نصف الثانية ولا أظن أن يكون قد وجد جني أو عفريت أقوى من الذي حدد الوقت لنقل عرش بلقيس قبل أن يقوم نبي الله من مقامه ولا يتدخل لاستظهار قوته، حاول أن تضرب  المسافة في ربع الثانية أو جزء منها لتعرف قدرته على الخروج من الغلاف الجوي وخروجه من المجرة، ثم سائر المجرات حتى يلامس السماء لتدرك بعدها معقولية ذلك أم عدم معقوليتها، ومن هنا يمكنني القول بأن السماء المقصودة في الآية الكريمة ليست إلا سماء أرضنا، ليست سوى غلافها الجوي المحيط بها، ويزيدنا اطمئنانا لهذا القول حديث الرسول (ص) عن استراق السمع من العنان الذي هو الغمام، والغمام لا يكون إلا قريبا من سطح الأرض، ولا غمام بعيدا عن سطح الأرض عند طبقة الأزون مثلا، أو حيث تتأين الذرات، وإذا قلنا بوجود غمام خارج الأرض وهو موجود فإنه لكواكب معينة وإذا قلنا به خارج المجموعة الشمسية فهو سحابة تبدو بعيدة عنا، ولكنها مجرة الأندومينادا، وبذلك نرجح أن السماء المقصودة في الآية الكريمة ما هي إلا الغلاف الجوي للأرض عند مسافة معينة. أو هي الأفضية داخل النظام الشمسي، خصوصا إذا تبينا شرحا للآية الكريمة يجعل خبر ملامسة السماء من قبل الجن لا إقرار فيه، وإنما هو خبر جاء على لسانهم وتعلق بفهمهم لواقع السماء. وفي القرآن الكريم كثير من الأخبار جاءت على ألسن الناس حكاها القرآن الكريم في قصصه الحق لم يقرها، ولكنه مع ذلك جاء بها كما وردت بشكل دقيق، منها قوله تعالى: "إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا ن بعده قوما صالحين.." يوسف، الآية: 9، فالله تعالى لم يقر كيد إخوة يوسف ليوسف، ومع ذلك قص كيدهم وقصتهم على درجة من الروعة والجمال الفني يستحيل محاكاتها من قبل أي قاص. فلا ضرورة إذن أن يكون خبر ملامسة السماء من قبل الجن فيه إقرار من الله على حقيقة اللمس إلا أن يكون ما لمسه الجن ليس سوى الغلاف الجوي للأرض عند بعد معين، والسماء في اللغة هي ما يشاهد فوقنا، هذه القبة الزرقاء التي تبدو محيطة بالأرض، أو هي ما يحيط بالأرض من فضاء شاسع واسع. وقد وردت آيات بهذا المعنى في قوله تعالى: "أو كصيّب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق" البقرة، الآية: 19، والرعد والبرق ينشأ عند مسافة قريبة من سطح الأرض قدّرها بعض العلماء ب 18 كيلومتر، وقوله تعالى: "وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض" البقرة، الآية: 164. والرياح والسحب تقع داخل الغلاف الجوي للأرض، ووردت لفظة السماء لتعني شيئا آخر غير الذي ذكر منها قوله تعالى: "ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصّعد في السماء" الأنعام، الآية: 125، والصدر لا يضيق ليختنق إلا عند فقدان الأوكسجين. وهذا الغاز مفقود خارج الغلاف الجوي للأرض، بل مفقود حتى داخل الغلاف الجوي عند بعد معين، وعلى بعد 500 ميل عن سطح الأرض لا يوجد هواء فينعدم الأوكسجين ليختنق كل من لا يحمل معه إلى تلك المنطقة قارورات مزودة بغاز الأوكسجين لاستنشاقه صناعيا، ووردت آيات أخرى تتحدث عن السماء لتجعلها سماء دنيانا وهي مجرتنا كقوله تعالى: "ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح.." الملك، الآية: 5، وهي النجوم لأن الكواكب قليلة يمكن تعدادها حاليا خصوصا تلك التي توجد في المجموعة الشمسية، ولا ينطبق عليها وصف النجم علميا، بالإضافة أنها غير قادرة على مزاحمة النجوم في تزيين سمائنا، وهي وإن أضاءت فضوئها معكوس عليها وأنها لا يمكنها تغطية السماء، فلا ينطبق عليها وصف تمام الزينة ما دامت قليلة، ومادامت غير قادرة على مزاحمة النجوم في تزيين صفحة السماء.  وأما السماء بمعنى آخر فلا يستطيع أحد ملامستها، أو الوصول إليها بحسب الإمكانيات الموجودة حاليا ولأحقاب طويلة من الزمن، فهي جامعة لملايين وبلايين المجرات التي تجمع بدورها بلايين البلايين من النجوم، ثم إنها سماء واحدة والله تعالى قضاهن سبع سماوات، وبذلك يظهر جليا أن السماء المقصودة في بحثنا هي الغلاف الجوي للأرض، هذا الغلاف هو الذي استطاع الجن الوصول إليه بإمكانياته التي لا نعرفها، وقد يخرج عن الغلاف، وقد يخرج عن النظام الشمسي، ولكنه لا يخرج إلا متطفلا على الإنسان لاصقا به، أو مختفيا في أداة من أدواته، أو منزويا في جهة من مركبته..

         إن أهم ما يجب استنتاجه بخصوص قرقرة الجن في أذن وليه ووسوسته له هو أن هناك نوعا من الوحي المتبادل بين شياطين الإنس والجن يتجلى في تزيين الأفعال، وزخرفة الأقوال حتى يتم الوصول بالغواية إلى الضلال ومجانبة الحق والشرع، قال تعالى: " وإن الشياطين ليوحون إلى أولياءهم ليجادلوكم.." الأنعام، الآية: 121.  وقال تعالى: " وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون" الأنعام، الآية: 112.

         وإن أهم ما يجدر بنا الجزم به قطعا هو أن الجن يستحيل عليه معرفة الغيب، كما يستحيل على سائر المخلوقات بما فيهم الملائكة، فالغيب أمر اختصّ به رب العالمين، وما كان ليطلع الناس على الغيب إلا من ارتضى من رسول من الملائكة والبشر، فتكون النتيجة القطعية أن جميع ما يرد على ألسن الكهنة والسحرة والعرافين ومدعي استحضار الجن.. ما هو إلا هراء ودجل ولو جاء خبرهم موافقا لما حصل، أو يجيء مثلما قالوا بالضبط، فهم كذابون ولو صدقوا، ما هم إلا جواسيس على عورات الناس، أو مجتهدون في استنتاج ما يدور بفكرهم، أو منصتون لأوهام عقولهم التي يداخلها الوسواس الذي ينتجه الجني الخبيث بعدما يستجمع معلومات عما يراد عن طريق التجسس، فيقذف بها في آذان السفلة من الناس ممن يشتغلون بهذا الرجم، وجميع المعلومات أو معظمها تكون ظنية لاستحالة معرفة السرائر، ولصعوبة عمل الجاسوس الجني والإنسي لتكون أخبارهم دجل، يصدق بها الواهمون حين يتم تزيين فعل الدجال، وتصديقه لحادث جاءت كما قال، قال تعالى: "وما كان الله ليطلعكم على الغيب" آل عمران، الآية: 179. وقال: " وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو" الأنعام، الآية: 59. وقال: " قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله" النمل  الآية 65 وقال: "أعنده علم الغيب فهو يرى" النجم، الآية: 35. وقال: "أم عندهم الغيب فهم يكتبون" الطور، الآية: 41. وقال: "عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول" الجن، الآية: 26.

         ونستنتج من كل ما تقدم أن عالم الجن عالم محيط بعالم الإنس، يتداخل معه عند حالات معينة، ولا يتداخل حين غياب تلك الحالات، وهو عالم شرير مليء بالغواية والضلال، وكونه يتداخل ويتشابك ويختلط بعالم الإنس فإن ذلك لا يعني أن الإنسان أسير هذا العالَم، أو مسيَّر وفق رؤاه وهواه، بل يعني أن عالم الأبالسة يظل في نطاق الوسوسة التافهة في الصدر والغواية في العقل، ولا يفلح إلا مع المنساقين معه، والرافضين للحق والشرع، والمهووسين والمرضى بالشهوات الحيوانية التي لا تُنظّم وفق فكر نظيف صادر عن الشرع، فتكون النتيجة أن كل إنسان غير ناج من وسوسة ما من قبل الإنس والجن، تعمل على إغوائه وإضلاله والانحراف به عن الشرع حتى يزين له أن عمله وسلوكه وما رآه بعقله من تصورات تتعلق بالحياة ككل في الاقتصاد والاجتماع والقضاء والحكم كلها صواب، ولو خالف بذلك شرع الله، وتلك هي الغاية المنشودة لكل الشياطين حتى يشقى الإنسان وينطبق عليه القول بأنه عبد للشهوات، وعبد للشياطين من الإنس والجن قال تعالى: "قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن" وعبادتهم لا ضرورة أن تأخذ أشكالا وألوانا، أو تبدو على شكل طقوس، بل يكفيها أنها تأتي مخالفة لما يرضي الله ورسوله.

         وعالم الأبالسة لا يمارس غواية الإنسان المسلم فقط، بل يمارسها في كل مخلوق آدمي إلا أنه مطمئن للكفرة والمشركين بسبب تمكّن الكفر والضلال من قلوبهم، ولذلك يمكن القول أن عمله الكبير والشاق هو المتعلق بالإنسان المسلم، ولكن هذا الأخير بالرغم من تكالب الشياطين عليه إنسيها وجنيها، فهو يملك أسلحة فريدة من نوعها، وكيفية استعمالها تمكّنه من طرد عدوه وإبعاد أثره عنه في حياته، وذلك من خلال طاعته لأوامر الله ونواهيه، والتزامه بأحكام دينه، فيبتعد عنه ويختفي مؤقتا، ثم يعود للغواية، وهكذا دواليك، كما يعود المسلم لسلاحه دائما وأبدا لأنه لا بد من الغفلة، ولكن المسلم كما هو مقرر شرعا إذا غفل تذكر، وإذا أخطأ تاب، وإذا ظلم تراجع عن ظلمه، وإذا جهل تعلم، وإذا غضب استعاذ بالله واستغفر إلى آخر ما يلزمه من تصرفات وإجراءات تمنعه من الوقوع في غواية الشيطان، وإذا وقع فإنه لا يستمر طويلا خاصة إذا كان مستعملا لسلاحه، وإذا استمر لا قدر الله بأن غفل تماما فإنه في النهاية لا يعتقد في غير عقيدة الإسلام؛ الشيء الذي يوجد صعوبة كبيرة في إخراج المسلم عن دينه من قبل شياطين الإنس والجن، وهكذا حتى نهاية حياة المؤمن.

         ولا بأس من الإشارة لبعض الأمور أرى فيها أثرا للشياطين، هذا الأثر يأتي من خلال الأعمال الصادرة عن بعض سلوكيات المسلمين، منها:

-  فساد العمل الصالح.

-  الخوف.

 - الجهل.

 -  الحقد والكراهية.

 - استبدال الحسنة بالسيئة.

 - عدم التثبت.

 - الغفلة.

 - الوسوسة.

 

أ كثيرا ما يقع الإنسان في هذه المعضلة فيخلط عملا صالحا بآخر سيء، فتراه متصدقا يحرص على جلب الانتباه، يتباهى ويطلب الثناء، وتراه مصليا أو صائما أو حاجا أو معتمرا من غير نية مبيتة. وتراه سباقا إلى الخير من غير تبنٍّ للكيفية المنصوص عليها في الشرع الإسلامي..

ب يسود الخوف جميع الناس، ولكن تعلّمهم وفهمهم للحياة، وللظواهر الطبيعية يقلل من خوفهم فتمحي مظاهره في كثير من مجالات الحياة، ولكن مع ذلك تجد خوفا معينا يسيطر على كثير من المسلمين من غير مبرر شرعي، أو فهم عملي وميداني، ولذلك تجد من يخاف على رزقه إن هو مارس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتراه خائفا على حياته إن هو تقمص عملا مطلوبا شرعا فيه من الوعيد ما يوجب عذاب الله في النار، ومع ذلك يتركه. وتجد خوفا لا مبرر له أيضا فترى الإنسان متخشبا يقشعر جلده، ويقف بسببه شعر رأسه إن هو مر على مكان موحش أو مقفر، أو مر على واد في فلاة، وذلك بسبب سيطرة فكرة الجن على تفكيره وشعوره، فيصاب بالرهق، ويزيده الشيطان رهقا إلى رهقه، وربما وقع في الجنون، ولا غرابة فقد جُنّ كثير من الناس بسبب الأوهام والتفسير الخاطئ لما يلقونه من أحداث صادرة عن الريح، أو عن حيوانات من زحافات وغيرها أو أناس ماكرين ليستغل الشيطان كل ذلك حتى يصيب صاحبه بالجنون أو الضعف العقلي..

ت إذا ساد الجهل وقعت الطامة، والتاريخ مليء بالشواهد، والحاضر المعاش مليء أكثر من الماضي الغابر برغم تقدم العلوم والمعارف لأن العلوم والمعارف السائدة حاليا، والتي تشكلت على ضوئها المجتمعات في العالم جميعه، لا تملك ما يضمن غياب الجهل، لأن الجهل الحقيقي هو الجهل بالمعارف التي بواسطتها يسعد الإنسان، ويقضي على الجهل المزيف، فترى كثيرا من الناس يؤمنون بالإسلام، ولكنهم يجهلون معظم أحكامه في العلاقات العامة بسبب دعوى جهات معينة أن ما يسود الناس هو منتهى المعارف الصحيحة، وبذلك يسدون الطريق على الثقافة التي تنتج المعارف السليمة الجديرة بالتبني والسيادة في العلاقات لأنها لا يمكن إلا أن تكون صحيحة بسبب أنها صادرة عن رب العالمين. وللجهل ضحايا عديدون، وعلى سبيل المثال لا الحصر تجد أحدهم يصرح لزوجته قائلا: إنك إن خرجت من البيت يوم كذا، أو فعلت كذا، فإنك طالق، ثم تخرج الزوجة، أو تفعل ما نهى عنه زوجها، وبعد حين تنشأ خصومة بين الطرفين، ثم تذوب وتزول، فتستمر حياتهما الزوجية دون حرج، ولكنه لم يقم لكلامه وزنا لائقا به، ولم تكترث به الزوجة أيضا، علما بأن ما حصل قُدّم له بشرط معين قد حصل.. مما يترتب عنه المحظور، وهو الطلاق الفعلي والحقيقي، فيضاجعها، ويظل يزني بها، ثم تلد له، وهنا تقع المصيبة الكبرى، فيصدق عليهما قول الله تعالى: "وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا.." الإسراء، الآية: 64. فالجهل حقيقة مصيبة.

ث الكراهية مسألة طبيعية في الإنسان لأنه من المحتم عليه أن يكره ما لا يستسيغه، ككراهيته للدواء، أو كراهيته لتناول أغذية غير ناضجة، أو غير معتدلة في ملحها وحلوها، والقائمة طويلة جدا، كما أنه يكره أفعالا كثيرة تصدر عنه وتقع عليه، فما يضره يكرهه، وما لا يقره عقله حين يقع منه يكرره أيضا، وبذلك يكون من المعقول أن يكره الإنسان  أشياء معينة، وأفعال معينة، ولكن ما يجدر ملاحظته واتخاذ موقف منه، هو أن كراهيته للأشياء والأفعال منها ما يتماشى مع طبيعته، ومنها ما يتنافر وإياها، فالقتل مثلا غير مستساغ بطبيعة الحال، ومع ذلك يقدم عليه الإنسان فرديا وجماعيا، والشواهد كثيرة في الماضي والحاضر، كما أن المواد المقتنية من قبله، والمواد المرفوضة منه منها ما يتلاءم مع طبيعته، ومنها ما يتعارض معها، وبذلك يمكن القول أن الكراهية لأشياء وأفعال معينة يجب أن لا يترك أمر تحديدها للعاطفة والوجدان لأن الطبيعة البشرية لا تستسيغ إلا ما يوافقها، ولا يعني هذا بالضرورة الإقبال على ما يخالف فطرة الإنسان، لا ! بل يعني أن أي موقف يجب أن لا يترك أمر تحديده للعواطف والمشاعر حتى تستقيم الحياة، وتسير البشرية في طريق تصاعدي يخدم حقيقة وجودها أصلا، ويسعد مصيرها لاحقا، فكان لزاما أن يترك أمر ذلك لمن يعرف حقيقة الخير والشر، والظلم والعدل، بل يعرف حقيقتها المادية والروحية، يترك له ذلك سواء جاء منسجما مع فطرة الإنسان، ـ ولا يأتي إلا منسجما لأنه بارئها ـ أو لم يأت بالنظر الإنساني حتى تكون للكراهية معنى، ويكون لها اعتبار معقول، وإذا لم تسر عبر هذا التحديد فلا يمكن إلا أن يخالطها الشيطان ليسود الوهم عقل الإنسان، ثم ينتج الأفكار المميتة والضارة.

         وأما الحقد فليس مسألة طبيعية في الإنسان لأنه لا يستقر في قلب الإنسان إلا بعد موقف صادر عن العقل، فالبشرية ليست حقودة بطبعها، وإنما الحقد جاءها من تفكير خاص يسود كثيرا من العقول، ولا ينتج سوى الحسد، والحسد يؤدي إلى تمني زوال النعمة أو  التسبب العمد في زوالها، وإذا لم يقدر على زوالها الحسود ظل مريضا طول حياته يتمنى زوالها، وإن أول حسود في هذا الوجود هو إبليس اللعين، فقد حسد آدم على تكريم الله له، وإن أول من تلقى سم هذا الخبيث في تزيينه ووسوسته لعملية أول قتل في البشر بغية زوال النعمة هو قابيل. فكان الحقد رديف الجهل، وقرين الظلم، وكان طريقه مؤد حتما إلى ظلم النفس وظلم الناس، وكان بذلك عملا شيطانيا يجري على أيد أناس تمكن منهم التفكير الخبيث ليضحوا بالفعل شياطين الإنس.

ج كل طاعة حسنة، وكل سيئة معصية، وكلاهما لا يكون إلى على حساب الآخر، فإذا قام الإنسان بالطاعة، فإنه يكون مستبدلا للسيئة بالحسنة، وإذا قام بالمعصية فإنه يكون مستبدلا للحسنة بالسيئة، ولا يقتصر هذا على ما يرى أو يحس له أثر، بل يشمل حتى تفكير الإنسان الذي لم يترجم في الجوارح، وذلك كأن يحسد الناس على ما آتاهم ربهم من فضله..

ح التثبت نظير التبين، فما لم يتبين المرء يخطئ ويسئ في غالب الأحيان، وقد يصيب بعدم تبينه وتثبته ضررا كبيرا وخطرا عظيما، ثم يندم ساعة لا ينفع الندم لأن ذلك ينتج عن العجلة وكثير الظن، وما لم يكن الموقف معصية، وما لم يكن السلوك سيئة فإنه وإن لم يبلغ مرتبة اليقين فلا بأس به خصوصا في الميدان السياسي لأنه يؤدي إلى محاولة فهم ما يجري وتحليله والتعليق عليه، وإذا حصل التثبت من المعلومات الصحيحة ولوحظ الواقع أو أثر الواقع الذي يراد فهمه، وتم أخذه بظروفه القائمة، وجرى التفكير فيه بشكل سليم وسريع، فإن صاحبه لا بد أن يتميز بسرعة البديهة، هذا ما ينتجه التثبت من المعلومات الصحيحة قبل تسليط الأحكام، وهو كفيل بتغييب آثار الشياطين ووساوسهم من تفكير الإنسان.

خ الغفلة خطر محدق بكل إنسان يستغلها شياطين الإنس والجن للإيقاع بالغافل، فكان لا بد والحالة هذه أن يحاول الإنسان جاهدا تركيز ذهنه في العلاقات المتبادلة لأن الشرود ظاهرة تنتج الضرر، خصوصا إذا كان الشارد الغافل مع أناس لا ينتظرون سوى الغفلة لإيقاع الظلم بالغافلين، واذكر عزيزي القارئ ضررا لحقك ولو مرة واحدة في حياتك بسبب غفلتك، وذلك كأن يغافلك لص ليسرق نقودك، أو يغافلك دجال  ليخطف لبك..

د الوسوسة لا تأتي في معزل عن الغفلة والجهل، فكلاهما يؤدي إليها، ولطردها تجب اليقظة دائما، والعلم ما أمكن بمظاهرها بغية اتخاذ الموقف الصحيح تجاهها، وأعظم ما يمنع الوقوع فيها هو إدراك الإنسان صلته بالله، وتصدر هذه الوسوسة من خلال وحي الكلام المحفوظ في الذاكرة سبق لصاحبه أن سمعه من شياطين الإنس، أو من خلال وحي التفكير المجرد إلا من الأوهام والترهات يعشش في دماغه المأفون يوحيه إليه شياطين الجن..

                                 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

           إعلام الخيال

 

كثيرا ما يجنح بالإنسان خياله إلى افتراض أمور معقولة، وأمور غير معقولة. فما كان معقولا ظل معقولا يسعى الإنسان جاهدا لإدراك أثره حتى يتبين له، ثم يسلّم به ليكون حقيقة دل على وجودها أو كنهها أثرها، أو يطلبه حسّا حتى يقع عليه. والخيال يكون في البحوث العلمية ويطلق عليه الخيال العلمي. وللتمييز بين الخيال العلمي والنظريات العلمية، يجب ملاحظة أثر ما يتم التخيل بشأنه، وقواعد بنائه على المعلومات العلمية السابقة، فإن لوحظ ذلك كان ما يتخيل ثم يفترض هو النظريات العلمية، وبهذه الطريقة يحصل الاطمئنان نوعا ما عندما يتم التعلُّق بمثل هذه الفروض مع ملاحظة أنها دائما رؤية ترجيحية، قد يجدي التعلق بها من حيث النتائج، وربما لا يجدي، وأما إن غاب ما يلاحظ من أثر أو قواعد للبناء فإنها تدخل ضمن الخيال العلمي ربما تنتج، ولكن المهم هو عدم التعلّق بها، وصرف الوقت عليها، فتكون للمتعة واللذة، كما يجدر بنا رفض أي إشارة ترفع من شأنها لتجعلها معقولة لأننا بذلك نعمل على تغييب الحقائق الملموسة والمحسوسة، فلا نقبل بها أبدا حتى يثبت العكس.  وكوننا لا نقبل بها فلا يعني ذلك تحريمها، أو عدم الاشتغال بها، بل يعني فقط عدم جعلها معقولة مادامت كذلك مع الإشارة الدائمة إلى كونها مجرد خيال لا أقل ولا أكثر تصلح لعرضها على الأطفال للاستمتاع بهذا النوع من الخيال، وذلك مثل تخيل مشي الإنسان مكبا على وجهه، أو تخيل جده الأول قردا..

والخيال لا يقتصر على العلوم، بل يشمل حتى المعارف والآداب، منه ما يتّم توظيفه توظيفا مشاعريا يهدف من خلاله إلى طلب اللذة والمتعة بغية تخصيب الخيال من أجل الحكمة والعظة كما هو الشأن في الشعر والقصة والرواية والمسرحية.. يستهدف هزّ المشاعر وإطرابها والتأثير عليها بالفرح والحزن.. ومنه ما يشمل المعارف وذلك كأن يعمد المفكرون إلى صياغة أمثلة خيالية غاية في الجمال من أجل تقريب الفهم عن موضوع معين مطروق يصعب إدراكه نظرا لعمقه، ولا يقدر على خلق المثال إلا العبقري، ويتساوى في ذلك الدكتور وماسح الأحذية لأن كلا منهما يستطيع ضرب الأمثلة على موضوع مطروق إذا كان عبقريا يقوى على التفكير في المثال، ثم إخراجه وضربه للناس بصرف النظر عن عنصر الكم إذ المهم هو الكيف. ولا بد من الإشارة إلى حقائق التاريخ، فهذه الأخيرة بدورها يُسلّط عليها الخيال، وهو أمر ممقوت جدا لأنه يعمل على طمسها وتغييبها والتشكيك فيها، فيؤدي إلى عدم الاستفادة منها، كما يجرد الماضي من حقائقه، أو يخلطها بحوادثه، فلا تستطيع بعد ذلك التفريق بين الحدث التاريخي والحقيقة التاريخية، ومن هنا وجب على كل مفكر أو متخيل أن لا يعمد إلى كتابة التاريخ أو تدريسه أو تقديمه في المحاضرات والندوات وسائر العروض مخلوطا بخياله، وإذا فعل، وهو أمر لا يخدم الحقيقة، فعلى الأقل يجب أن يعمد إلى الإشارة إليه، ووضع أصبع المستمعين والقراء عليه حتى لا يضلّهم، أو يفسد عليهم استفادتهم من التاريخ، فالتاريخ يجب أن يُقدّم كما هو، بلا زيادة أو نقصان، وهو لا يحتاج إلى تنميق، لا يطلب الجمال، حتى العبارة الجميلة، والوصف الأدبي لا يقبلهما، وإذا تمّت كتابة تاريخ ما بمنهجية أدبية، أو خيال جميل فإن ذلك عمل شانئ يدل على كيْدٍ وإفساد، خصوصا إذا علمنا أن الأكثرية من القراء يصعب عليها فحصه وتنقيته وتمحيصه لاستخراج الحقائق، وما لم تتم الإشارة في كتابة التاريخ إلى الخيال الدخيل عليه، فإن ذلك من الجرائم الخطيرة في الميدان المعرفي، ويكفي النظر إلى مقروءات كثيرة تتعلق بالتاريخ خصوصا التاريخ الإسلامي وهي مليئة بالخيال، وليت الأمر وقف عند حد الخيال، بل عمل على تغييب عدة حقائق، وأوجد مواقف معينة ليست مطابقة أبدا لحقائق التاريخ، فتمّ ظلم هذا الأخير وتمّ التشويش على العقول حتى غُيّبت هويات شعوب معينة، وطمست معالم حضارتها من جراء ذلك.

ولكنني في موضوعي هذا إعلام الخيال لا أريد مما ذكر شيئا غير معالجة الخيال الذي يحمل على طلب واقعه، أو مجرد أثر لوجوده رغم أنه غير معقول، وذلك كرؤية الكثير من الناس إمكانية معرفة الغيب عند العرافين والمنجمين والسحرة ومستحضري الجن.. الشيء الذي ما كان معقولا أبدا ولن يكون مطلقا، أو كرؤية من ادعى مثلا أن القمر كان في سالف عهده مركبة فضائية لمخلوقات معينة وعاقلة، وقفت عند موقعها المعروف بسبب عطل أصابها منذ ملاين السنين فدارت حول الشمس، وصارت هلالا تعرف بواسطته الأشهر القمرية، وأما راكبوها فقد هجروها إلى كوكبهم الذي يستوطنونه من المجموعة الشمسية لعله المريخ، أو ماتوا ودفنوا تحت أنقاض القمر (أنقاض المركبة الفضائية)، أو بقوا على سطحه موتى حتى تحللت أجسامهم، أو كالذين رأوا أن الأرض استقبلت مخلوقات عاقلة نزلوا إليها من السماء، ومخلوقات صعدوا منها إلى الكواكب الأخرى

لقد زعم زاعم بتخيله أن الإنسان أصله قرد. واعتدل داروين فنسبهما إلى أب واحد ليكونا أبناء عمومة. وحاولوا طلب أثر لذلك فلم يجدوه، علما بأن الأثر موجود، ولكن ليس في صالح تخيلهم، هذا الأثر هو الإنسان نفسه، والقرد نفسه، وبعملية قياس الشاهد على الغائب يُعلم أمر كل منهما، فالإنسان والقرد الحاليين مختلفان تماما، ومتباينان مما يدل بشكل جازم على أن أصلهما هو الآخر متباين مختلف، فلا هذا من ذاك، ولا ذاك من هذا. فالإنسان بستة وأربعين كروموسوما إذا زاد عنها تشوه، وإذا نقص عنها تشوه أيضا، والقرد بثمانية وأربعين كروموسوما إذا زاد عنها تشوه، وإذا نقص عنها تشوه كذلك، فمحاولة ارتفاع الإنسان بكروموسوماته إلى عدد كروموسومات القرد لن يجعل منه قردا أبدا، ونزول كروموسومات القرد عن ثمانية وأربعين لن يجعل منه إنسانا قطعا، وهذا كاف للدلالة على فساد كلا القولين..

وتخيّل أحدهم أن أصل الطيور زحافات، وذلك عندما اكتشف عالم أثري ألماني عمودا فقريا لزحافة معينة، فتبين له عند الفحص أن لديها أجنحة. ولعمري ماذا تقولون إن نسبت لكم كل الدواب بما فها الإنسان مادام يدب هو الآخر وكذلك الطيور إلى أسماك.

  إن هناك سمكة أو حوتا يشبه رأسها رأس الإنسان إلى حد كبير، هناك أسماك كثيرة في البحر تشبه كثيرا من الحيوانات البرية في بعض أشكالها، أو أشكال بعض أعضائها، حتى أن أسماءها هي نفس أسماء الحيوانات البرية، فهناك سمك وجهه يشبه وجه العجل، عجل البحر، وآخر وجهه وجه الكلب، كلب البحر، وهناك بغلة البحر، وفأرة البحر، وحمامة البحر، وعقرب البحر والسلسلة طويلة، وكلها لها بعض الشبه من حيوانات وطيور البر، هذه الأسماك في غابر الأزمان زحفت إلى الشواطئ فزال عنها ضغط الماء، أو استبدلت ضغط الماء بضغط الهواء، فاستنشقت الأوكسجين من الهواء بدلا من الماء، أو احتفظت بكلا الاستنشاقين لتمر عبر مرحلة البرمائية، ثم ولدت لها قوائم وحوافر من خلال الزعانف وذلك عبر ملايين السنين حتى تشكّلت بالأشكال التي نعرفها حاليا ارتقى عنها في سُلّم الارتقاء والتطور الإنسان. ماذا تقولون لو جعلت هذا التخيل معقولا؟

كلا إنه ليس معقولا أبدا، بل هو مجرد خيال يصلح للتسلية واللذة، وأستغفر ربي منه لأنه قد خالف حقيقة قطعية وردت عن خلق آدم دون تطور أو ارتقاء من طين لازب، أستغفر الله وأتوب إليه، ولست أدري كيف سهوت عن رفض التخيل عن نشأة الإنسان ولو مازحا.

وتخيل المهتمون قديما مركزا للدنيا فجعلوه أرضنا، وهو خيال معقول لأن الأرض محسوسة، ودنيانا محسوسة أيضا سواء اعتُبرت المجموعة الشمسية أو اعتبرت المجرة، وحين جاء كوبيرنيكس في سنة 1543 م تخيل أن الشمس هي المركز وليس الأرض، وهذا معقول أيضا، فظل الإنسان يطلب حقيقة ذلك حتى عصر الطيران، فلم تعد خيالا، بل صارت حقيقة، وما الأرض إلا كوكب سيار مع غيره في النظام الشمسي يدور حول نفسه، ويدور حول الشمس، وهذه الأخيرة هي التي تمسك به، وبسائر توابعها، فتكون الشمس حقيقة مركز أرضنا، وإن لم تكن مركز مجرتنا.

وأكّد أحدهم متخيلا أن آدم وحواء لا بد قد هبطا من كوكب آخر إلى كوكب الأرض رغم أنه لا يملك دليلا واحدا على ذلك، إنه مجرد خيال، وهو تخيل غير معقول عقلا وشرعا. فآدم وحواء قبل هبوطهما إلى كوكب الأرض حسب التعبير القرآني كانا في جنة، والجنة لم تكن كوكبا في السماء، بل هي شيء آخر لا يمكن إدراك أثرها، فلا يمكن أن يخطر على قلب بشر شيء عنها لأنها فوق الخيال، وعرضها عرض السماوات والأرض فهي إذن غير الكوكب، فكيف يحصل التأكيد على أنهما هبطا من كوكب آخر إلى كوكب الأرض؟ ليس معقولا أبدا وصول الخيال مهما أطلق عنانه إلى إدراك حقيقة الجنة حتى يتخيل أنها كوكب.

ويتخيل الكثيرون أن هناك ملايين الكواكب الأخرى في السماء لا يستعبدون وجود الحياة عليها، هذا التخيل معقول بادي الرأي، ولكنه إن تعارض مع حقيقة قطعية وجب اعتباره غير معقول وإذا تعارض مع دلالة ظنية ظل معقولا يتصارع مع غيره من الدلالات الظنية محاولة منه الوصول إلى معرفة حقيقة ما يُبحث عنه، ويُطلب كنهه، أو أثر وجوده، وبعد ذلك يستقر على رأي صحيح مطابق للحقيقة، أو رأي ظني ترجيحي مليء بالجهد معتبرا قريبا من الصواب، أو يرمي به بعيدا باعتباره غير معقول. فإلى بعض المناقشة بهذا الصدد.

القرآن العظيم ليس ظنا ولا احتمالا أو فروضا وتخيلات، بل هو القطع واليقين في جميع إعلامه. ومن خلال آياته المحكمة نفهم أن السماوات والأرض مُسخّرة جميعها للإنسان، وإذا قدر للمخلوقات من غير فصيلة الإنسان أن تستوطن كواكب أخرى ولو كانت خارج النظام الشمسي إن وجدت مجموعات شمسية في سكة التبانة أو غيرها من المجرات الأخرى، فهي جميعا تحت طائلة التسخير، فهي إن وجدت ظلت مُسخّرة للإنسان الشيء الذي يجعل الإنسان أشرف منها، وأكرم عليها، كما يجعلها دونه عقلا وتعقلا، هذا إن وجدت، ولكننا لا نرى إلا أن السماوات ليس فيها أي مخلوق مادي يرقى عنا، وأظن أن ليس فيها كائنات مادية مما عاهدناها، فهي فارغة ومسخرة لنا بجمادها، علما بأن فيها مخلوقات من نوع آخر لا تُحسّ ولا تُلمس لأنها غير مادية كالملائكة أو غيرها مما لا نعلم قال تعالى: " ويخلق مالا تعلمون" سورة النحل، الآية: 8. وقال: "ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء" النور، الآية: 45. وقال: "وربك يخلق ما يشاء ويختار" القصص، الآية: 68.

وبذلك نستنتج أن جميع المجرات الموجودة في الكون مُسخّرة جميعها للإنسان، فلا يوجد هنالك عاقل بصفة الإنسان، أو أعقل منه، فالكون مُقيّد تسخيره له وحده، حتى الجن وإن سخر له هذا الكون هو أيضا، إلا أنه دون الإنسان ومن خلق خاص، لا يؤثّر وجوده في عالم الماديات، بحيث لا يُلمس أو يحسّ، فكان عالما ليس فيه ما يُظهر مزاحمته لاستغلال الكون من قبل الإنسان. ويتخيل أنيس منصور وقد صدق إعلام السوفيت أن الانفجار الشديد الذي حصل بسيبريا منذ ما يزيد عن ستين سنة سببه سفينة فضاء ضخمة لمخلوقات مجهولة احترقت قبل اصطدامها بالأرض، ولم يكلف نفسه جهد البحث عن مخرج إلى عالم السياسة وفن الممكن حتى يفهم أن الخبر مجرد تغطية للتجارب النووية السوفيتية في ذلك الوقت. كما أنه وربما غيره أيضا تخيّل أن هلاك الله تعالى لقوم لوط بالأردن، أو قرية سدوم ويزيد عليها عمورية كان بسبب  القنابل النووية، ولست أدري كيف جاز على عقل بشر مثل أنيس منصور أن يتخيل الانفجارات النووية في كوكب الأرض رغم أنه ليس نجما تحصل فيه تفاعلات نووية كتلك التي تقع في النجوم. ولست أدري أيضا كيف أجاز لنفسه تخيل ذلك رغم أن أول الانفجارات النووية يعلمها، والتي كانت بمدينتي ناكازاكي وهيروشيما باليابان في سنة 1945م.

         كان أجدر به أن يتناول القصة من معطيات موضوعية تتعلق بالآثار على الأقل، ولكنه لم يفعل، ونحن إذ نفعل لا نعتمد على الآثار لإثبات القصة وإن كانت آثارها لازالت باقية إلى اليوم بالأردن، بل نتناولها من إعلام قطعي يقيني ورد عنها في القرآن العظيم، والقصة باختصار لا تترك مجالا للتخيل، فقد دمر الله قوم لوط بأن جعل عالي قراهم سافلها، وأمطر عليهم حجارة من سجيل مُسومة (مُعدَّة) عند ربك، فكان عذابا مهولا، وزلزالا فظيعا أحدث ولا شك دويا هائلا، وانفجارات عظيمة وصلت عند بعضهم إلى درجة نشوء بحر جديد يسمى البحر الميت، ولكنها بالطبع ليست انفجارات نووية، ولم نقرأ في التاريخ عن الزلازل أنها أحدثت انفجارات نووية، ولم نر إلى الآن غير الزلازل بالانفجارات الضخمة أو الضعيفة وما أكثرها وأقربها للتذكر مثل زلزال الأصنام بالجزائر، ولكن واحدة منها لم تكن انفجارا نوويا، ولم يُر مطلقا أثر للإشعاع عند حدوثها، و أما كون ما حصل لقرى قوم لوط قديما عذابا لهم فهو بنص القرآن العظيم، ولا يحق لأحد مطلقا اعتبار الزلازل عذابا من الله للناس، بمعنى غضبه عنهم وسخطه عليهم رغم ظهور العذاب المتجلي في الآلام والأعطاب وخسارة الدور والعمران والممتلكات لأن لا أحد يمكنه أن يعرف الغيب، أو يخبرنا عن كونه عذابا، بمعنى غضبا وسخطا علما بأن الله تعالى يعذب الناس بالناس، ويعذبهم بالملائكة، ويعذبهم بالكوارث الطبيعية، ولكن العذاب لكي يدرك أنه عذاب غير ممكن، وبذلك يجدر بكل مخرِّف أن يتعظ ويعتبر، ولا يرمي بسهامه في المجهول على حساب المعلوم.

         ويرد إعلام من نوع خاص لا يكاد يجهله أحد يتعلق بالأطباق الطائرة. وقد ذكرت هذه الأطباق الطائرة في كتب قديمة، ثم أحياها المعاصرون حاليا، أذاعوا إعلامها بشكل ملفت للنظر، ورآها الناس رأي العين، ورأوا أناسيَ تنزل منها في أماكن معينة، ثم تختفي بسرعة خاطفة.

         وتشكلت لجان خاصة من عدة دول لبحث الظاهرة، ثم انتهت إلى اعتبارها حقيقة. ورأى أهل قرية من البرازيل طبقا طائرا ينزل بقريتهم، ثم يخطف دجاجات وخنازير، وذلك في 15 أغسطس سنة 1962م. وأذيع خبر عن تسجيل الرادارات الأمريكية والسوفيتية (الاتحاد السوفيتي سابقا) لصور وأصوات للأطباق الطائرة. وتقابل "إيزنهاور" مع رواد لطبق طائر طلبوا مقابلته، وما قرأنا وسمعنا عن الأطباق الطائرة، وما رأينا من محاولات لفهم الظاهرة لا يدل على جدّية خصوصا ونحن نعلم تعطّش الإنسان للمعرفة حتى خارج الغلاف الجوي للأرض. فكيف لا يهتم بالأطباق الطائرة اهتماما مصحوبا بملاحقتها جديا؟ لماذا لا يتم رصدها من أجل إسقاطها وتدميرها حتى نعثر على أثر لها فندرسه؟ أم أنها ألاعيب الكبار؟

         إن قصة الأطباق الطائرة إذا شوهدت بالعين المجردة فهي مرهونة بمدى صدق الإعلام عن حقيقتها، وإذا صدق وأظنه صادق فهي حقيقة، ولكنها حقيقية استأثر بها الكبار، واختصت بهم لوحدهم، فجعلوها لعبة يكشفونها للناس بين الحين والآخر. جعلوها وسائل للرصد والبحث والتقصي والتجربة وسوف يكشف أمرها بعد حين، ولكن المهم أنها ليست لسكان الكواكب الأخرى، بل هي أطباق من الإنسان يركبها الإنسان ويجوب بها الفضاء، أو تسير موجّهة من قبله لغايات معينة، أهمها غاية التجسس، إلا أنهم يوهموننا حتى لا نفهمها على حقيقتها ليظل الفهم مقتصرا على الكبار دون الصغار، ليظل ذلك حكرا على أمريكا وروسيا ويظل ما يحيط بها من ألغاز وأساطير عاملا مبعدا التفكير إلا في الأساطير والتخيلات غير المعقولة.

         وورد إعلام جاءنا من خيال من كتب التوراة المعتمدة عند اليهود ـ والتوراة هذه ليست هي توراة موسى عليه السلام في سفر أخنوخ ـ وأخنوخ هو نبي الله إدريس ـ يذكرون فيها صعوده إلى السماء، ثم هبوطه منها مع وصف الأداة التي ركبها للصعود تخيلها بعض المتخيلين أنها مركبة فضائية دون أن يكلف نفسه ملاحظة مصداقية السِّفْر، فضلا عن الإعلام الوارد به بهذا الشأن.

         ونبي الله إدريس صادق ولاشك ولكن ما نسب إليه هو الكذب عينه، فقد حكى القرآن العظيم عن إدريس في آية من سورة مريم ماذا فعل به ربه  مع وصف صدقه ونبوته، ووصفه بالصبر في آية ثانية من سورة الأنبياء ولا يوجد غيرهما في القرآن الكريم. والذي فعله به ربه جل وعلا هو رفع منزلته عنده قال تعالى: "واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا ورفعناه مكانا عليا" سورة مريم، الآية: 57. وقال: "وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين" الأنبياء، الآية: 85. وورد عن كعب الأحبار من الإسرائيليات أن إدريس مات في السماء الرابعة، ومعنى ذلك أنه صعد إليها من كوكب الأرض حمله ملك بين جناحيه، وورد في التوراة ذكر صعود إدريس إلى السماء، ثم هبوطه منها، ولكن جميع هذه الأخبار لا أقول عنها أنها ظن ترجيحي مما يبقي على جزء من الحقيقة في سردها، وإنما هي مجرد تخيلات وهمية، وقد يقفز فصيح فيقول بأن صحيح البخاري يتضمن خبرا عن لقاء نبي الله محمد مع نبي الله إدريس، أو مروره عليه ليلة الإسراء والمعراج في السماء الرابعة، فأقول بأن الخبر يتعلق بالعقيدة، والعقيدة يحرم أخذها بالظن، والحديث الصحيح ظني، ولذلك يظل الخبر أصدق من جميع الأخبار الواردة، ولكنه لا يصل إلى رتبة اليقين، فنصدق به ولا يهمنا الدخول في التفاصيل لمعرفة اليقين لأنه غائب قطعا، والغيب أمر متعذر الخوض فيه، ومستحيل معرفته، فلا يبقى إلا اعتبار الرأي القائل بارتفاع منزلته وليس ارتفاعه هو إلى السماء هو الرأي الصواب، وأما ما دونه من الآراء فليست صوابا، وقد تكون، ولكنها لكي تكون كان لا بد من خبر قطعي بشأنها من القرآن الكريم وهو غير موجود إلا ما كان مجرد فهم لكعب الأخبار، وليس خبرا قطعيا من القرآن العظيم أو الحديث المتواتر أيضا، بل إنه من الإسرائيليات كما أشار إليها ابن كثير رحمه الله.

         وورد في التوراة كذلك، تخيُّل خبيث، وأسطورة مُقرفة، فقد ذكر اليهود وبكل وقاحة أن نبي الله لوط عليه السلام وابنتاه الوحيدتان هم الذين بقوا على ظهر الأرض، ولم يبق غيرهم، وذلك بسبب الهلاك الذي حاق بالقرى التي كانت بفلسطين حيث بعثه الله فيهم، ولما كان لا بد من استمرار الجنس البشري قامت البنتان فسقتا أباهما خمرا، ثم ضاجعتاه لتحملان منه والعياذ بالله.

         أيّ تجرأ على الله هذا؟ وأي افتراء على نبيه الطاهر لوط؟ وأي رماية دنسة للبنتين الطاهرتين؟ لا غرابة فقد رموا بالبهتان الصدّيقة مريم. كيف يخطر على البال مثل هذا الهراء؟ إن لوطا كان معاصرا لإبراهيم، بل هما أبناء عمومة، ورسل الله الملائكة حين بعثهم الله لإهلاك قوم لوط مروا على إبراهيم فأكرمهم بأن قدم إليهم عجلا، ولما رأى أيديهم لا تصل إليه أوجس منهم  خيفة، وبعد ما طمأنوه ونبئوه بأنهم رسل الله وأخبروه بالهلاك القريب للفسقة شرع يجادلهم حتى تمام القصة،  ولست أسوق هذا دليلا على أن لوطا وابنتاه لم يكونوا لوحدهم على وجه الأرض، وأن إبراهيم فرد من شعب بابل بالعراق، وأنه جاب مصر والحجاز، وأنه قد كانت هناك شعوب كثيرة تستوطن كثيرا من بقاع الأرض، بل أسوقه تشويقا للرجوع إلى قراءة قصتيهما في القرآن العظيم.

         وهناك خيال يأتي من جانب الأثريين. فالأثريون حين يعثرون على آثار معينة يذهب بعضهم إلى الخيال، فيطلقون له العنان، ثم يفترضوا لآثارهم ما يشاءون. وليت الأمر يأتي من جانب الترجيح حتى يبقى المجال مفتوحا لغيرهم ليعيدوا الدراسة، ويحاولوا التدليل بشكل أفضل على الآثار لعله في يوم من الأيام يخدم الحقيقة بالوصول إليها، ليتهم يفعلون هذا، أو يكتفون بالدراسة المتعلقة بمعرفة تاريخ الآثار المكشوفة، كما ليتنا نحن نرفض كل إعلام يناقض إعلام القرآن العظيم. ومن ذلك مثلا أنهم عثروا بالقرب من مأرب باليمن على بقايا سبأ، وسبأ هذه هي المدينة المشهورة في التاريخ القديم، وسميت سورة في القرآن الكريم باسمها، فكانت سبأ حقيقة، وكانت باليمن، ولكنهم عثروا على شيء فسروه تفسيرا يناقض الحقيقة القطعية، إنه عرش بلقيس. وهنا يجدر بنا أن نتساءل قائلين: إذا كان لبلقيس عرشين فمن المحتمل أن يكون العرش الذي عثروا عليه هو العرش الثاني. وأما إذا لم يكن لها غير عرش واحد فإن الذي عثروا عليه ليس عرش ملكة سبأ.

         إن عرش بلقيس لم يبق في اليمن، ولم يدفن تحت ثراه، بل نقله الذي عنده علم من الكتاب من اليمن إلى فلسطين، نقله من سبأ إلى القدس، ثم وضع بين يدي نبي الله سليمان عليه السلام، هذه هي الحقيقة القطعية، وما عداها تخريف إلا أن يكون العرش قد استرجع بعد وفاة سليمان إلى مكانه بسبأ، وهو مجرد خيال أسوقه للتسلية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  

 

 

 

 

 

 

       خاتمة الكتاب

 

 

عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

 

    " يا معشر من آمن بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من يتبع عورات المسلمين يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله".

 

رواه الحافظ أبو يعلى في مسنده

   

 

                 

 

 

 

                                       مصادر الـبحث

 

القرآن العظيم.

صحيح الإمام مسلم.

تفسير ابن كثير.

المعجم المفهرس لألفاظ القرآن، محمد فؤاد عبد الباقي.

مجلة "الجيرة"العدد الأول يناير 1997.

الجديد في البحث الأدبي، حنا الفاخوري.

الإعلام من الخصاص إلى الكفاءة،  محمد العربي المساري.

راديو الجزائر.

مجلة عالم الفكر المجلد الحادي والعشرون العدد الأول يوليو أغسطس سبتمبر 1991.

الله يتجلى في عصر العلم. تأليف نخبة من العلماء الأمريكيين أشرف على تحريره جون  كلوفر مونسما ترجمة الدمرداش عبد المجيد سرحان الطبعة  الثانية 1968.

دورات الحياة، عبد المحسن صالح.

الكون بين الفتق والرتق، إدريس الخرشاف.

أصل الأنواع، تشارلز داروين، ترجمة، إسماعيل مظهر.

الذين صعدوا إلى السماء، أنيس منصور.

الذين هبطوا من السماء، أنيس منصور.

مع الله في السماء، أحمد زكي.

الشمس والأرض، أندري بواشوط، ترجمة، خليل الجر.

سحر هاروت وماروت في الألعاب السحرية، الجزء 1 و2 و3، عبد الفتاح السيد الطوخى.

السحر الأحمر..، عبد الفتاح السيد الطوخى.

حقيقة الجن والشياطين..، عمر سليمان الأشقر.

حوار صحفي مع الجني المسلم..، محمد عيسى داود.

حكم الإسلام في السحر ومشتقاته، فتحي يكن.

المكروبات والحياة، محمد صابر.

علم النبات، مصطفى عبد العزيز مصطفى.

كشف الغمة عن علماء الأمة، رسالة من الشيخ سفر الحوالي إلى الشيخ عبد العزيز بن باز.

الإذاعة خارج الحدود، أنور شتا.

تقنية التجسس، غراهام يوست ترجمة: الرائد إلياس فرحات.

التفكير بالنصوص (قراءة جديدة في النصوص العربية) المؤلف.

أصول التفكير الإنساني، المؤلف.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                            الفهرس

 

ديباجة الكتاب

الإهداء

مقدمة

تمهيد 

الخطابة

         خطبة الجمعة

         خطب المجاملات والمناسبات

         المهرجانات الشعبية

         ملف الانتخابات التشريعية الجزائرية:   

                   الجبهة الإسلامية للإنقاذ حزب التجديد الجزائري جبهة التحرير الوطني حركة المجتمع الإسلامي (حماس) الحركة من أجل الديمقراطية حزب الحق الإتحاد العربي الإسلامي الديمقراطي الحزب الاجتماعي الديمقراطي التحالف من أجل العدالة والحرية الحزب الجزائري للإنسان الرأسمال  حركة النهضة الإسلامية حزب الجيل الديمقراطي الإتحاد من أجل الديمقراطية والحريات الجبهة الشعبية للوحدة والعمل جبهة القوى الاشتراكية حزب البيئة والحرية التجمع العربي الإسلامي الحزب الوطني للتضامن والتنمية . 

         المهرجانات الثقافية

         المحاضرات

         الندوات

المؤتمرات

         المناظرات

الإعلام الغيبي   

الإعلام الرجمي  

         إعلام العرافين والدجالين

         فاتحو الكنوز

إعلام الجن

إعلام الخيال

خاتمة الكتاب

مصادر البحث

الفهرس

كلمة

 

 

 

 

 

كلمة

حضرة القارئ الكريم:

كان من المقرر أن يصدر كتاب: الإعلام والطبيعة (الجزء الأول) منذ مدة غير أن دار نشر مغربية (الأحمدية) هي التي تسببت في تأخير طبعه بسبب عدم وفائها.

========

بيانات عن صاحب الكتاب

 

محمد محمد البقاش أديب باحث وصحافي من مواليد طنجة سنة 1954.

عمل مدير ورئيس تحرير مجلة (الجيرة) التي كانت تصدر في طنجة، وتوقفت بسبب انشغالاتها في طباعة الكتب الثقافية التي تخرجها على شكل سلسلة.

عمل رئيسا للقسم الثقافي بمجلة (المهاجر)، و جريدة (صوت المهاجر) اللتين كانتا  تصدران في غرناطة بإسبانيا...

أستاذا محاضرا في المؤسسات الثقافية بغرناطة في المعهد الأوروعربي، والكليات منها محاضرة عن الإرهاب في كلية العلوم السياسية بغرناطة  بتاريخ: 14 / 12 / 2001 .

حاضر في المؤسسات الثقافية بطنجة منها محاضرة خاصة للأساتذة الإسبان الذين يقدمون من شتى المدن الإسبانية يتطوعون في جمعية الأمل المغربية لتعليم اللغة الإسبانية.. كانت المحاضرة عن الهجرة السرية في المعهد الوطني للعمل الاجتماعي  INAS بتاريخ: 13 غشت سنة 2008م بمناسبة صدور كتابه الهجرة السرية (مجموعة قصصية) مترجما إلى اللغة الإسبانية في نفس السنة.

ومحاضرة عن الأدب الممدري في غرفة التجارة والصناعة والخدمات بطنجة في: 13 مارس 2009.

عمل معدا ومقدما لبرنامج: دنيا المرأة، وبرنامج: أدبيات بإذاعة  مدي أنطر (إذاعة المنار اليوم) ببروكسيل سنة 1987 1988.

وأستاذا بالمدرسة العربية ببروكسيل  سنة 1987 1988 .

ومعلقا سياسيا بإذاعة ميدي 1 ببروكسيل سنة 1987 1988.

فاز بجائزة أحسن رسالة صحفية بجريدة الشرق الأوسط سنة 1988 .

فاز بجائزة المربد للقصة القصيرة سنة 2006.

فاز بجائزة ناجي نعمان للإبداع سنة 2007.

منحت له مطلع سنة 2009 الدكتوراه الفخرية وهي درجة تمنحها الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب للشخصيات العربية التي قدمت إسهامات بارزة في ميادين الترجمة والعلوم اللغوية واللغة العربية والثقافة والإبداع، وذلك بهدف تكريم وإبراز الشخصيات الأكثر عطاءً وإبداعا وتأثيرا في حركة الثقافة العربية.

نشرت له أعمال بكل من جريدة الشرق الأوسط، والسياسة، والحياة الجديدة، وحق العودة، ومجلة الناقد، والمهاجر، والوعي، ومعظم الصحف المحلية والجهوية الصادرة في طنجة..

ـ يعمل حاليا مدير سلسلة الكتب الثقافية لمنشورات مجلة الجيرة.

ـ يعمل رئيس جمعية الجيرة للتفاعل الثقافي.

ـ مدير ورئيس تحرير طنجة الجزيرة ( جريدة إلكترونية ).

 

نشرت للمؤلف الكتب التالية

ـ1ـ تائية الانتفاضة. (ديوان شعر بقصيدة واحدة في ألف بيت) الطبعة الأولى سنة 1998. والطبعة الثانية 2002.

ـ2ـ الكلام الذهبي. (مجموعة حكم) الطبعة الأولى سنة 1998. والطبعة الثانية 1999.

ـ3ـ حكومة الجرذان . (قصة بالكاريكاتير للأطفال) الطبعة الأولى سنة 1998.

ـ4ـ الديك المترشح. (قصة بالكاريكاتير للأطفال) الطبعة الأولى 1998.

ـ5ـ الهجرة السرية (مجموعة قصصية) الطبعة الأولى سنة 1998 والطبعة الثانية سنة 2003 والنشرة الإلكترونية الأولى وقد صارت فيها المجموعة من الأدب المَمْدَري سنة: 2007 والطبعة الأولى بالإسبانية سنة:2008.

ـ6ـ انتفاضة الجياع (رواية) الطبعة الورقية الأولى سنة 1999، والنشرة الإلكترونية الأولى 18 فبراير 2008م، وقد صارت من الأدب المَمْدَري. 

ـ7ـ التفكير بالنصوص. (بحث أكاديمي) الطبعة الأولى سنـة: 1999.

ـ8ـ وجـه العـالم في القـرن الحادي والعشرين. (دراسة مستقبليـة للمؤسسات الدولية المالية والاقتصادية والسياسية) الطبعة الأولى سنة 1999.

ـ9ـ الإعلام والطبيعة. (الجزء الأول) الطبعة الأولى سنة 2001.

ـ10ـ الأقصوصة الصحفية (تقنية الكتابة والبناء) منشورات المهاجر غرناطة فبراير 2002.

ـ11ـ الليالي العارية (أقصوصات صحافية) الطبعة الأولى سنة 2008.

ـ12ـ ظلال الطفولة (مجموعة قصصية من الأدب  المَمْدَري  للصغار والكبار) النشرة الإلكترونية الأولى نوفمبر سنة: 2008، والنشرة الورقية الأولى 2009.

ـ13ـ طنجة الجزيرة (رواية من الأدب المَمْدَري) الطبعة الورقية الأولى: 2009. 

ـ14ـ نساء مستعملات (رواية من الأدب المَمْدَري) الطبعة الورقية الأولى 2010.

وله أعمال جاهزة، تنتظر دورها في الطباعة مثل: النظرية المَمْدَرية (في الفكر والأدب والفلسفة..) والإعلام والطبيعة (الجزء الثاني)  والألق المتمرد (شعر).

 

للاتصال بالمؤلف

 

 

العنوان بالمملكة المغربية:

محمد محمد البقاش

حي الزودية  ـ زنقة : 10 ـ رقم :  16 ـ طنجة  ـ المغرب.

 

Mohammed Mohammed Bakkach

Quartier: Zaoudia – Rue 10 - N: 16 Tanger – Maroc.

 

Site :

www.tanjaljazira.com

www.bakkach.c.la

www.aljyra.c.la               

 

Email:                                                       

mohammed_bakkach@hotmail.com

Asociacion.aljyra@hotmail.com

 

الهاتف النقال:

 212671046100 +

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


[1]  مجلة الجيرة العدد الأول السنة الأولى يناير 1997م

[2] الإعلام من الخصاص إلى الكفاءة، محمد العربي المساري

[3] كشف الغمة عن علماء الأمة، رسالة من الشيخ العلامة سفر الحوالي إلى الشيخ عبد العزيز ابن باز

[4] عالم الفكر، المجلد الحادي والعشرون العدد الأول يوليوز  أغسطس   سبتمبر 1991م

[5]  أصول التفكير الإنساني، كتاب للمؤلف لايزال مخطوطا

[6] رواه أحمد عن أبي سعيد الخدري

 

 التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


 : المشاركة التالية

إضافة تعليق سريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *
 
TO  cool  dry 
عربي  mad  ohmy 
huh  sad  smile 
wub 

طول النص يجب ان يكون
أقل من : 30000 حرف
إختبار الطول
تبقى لك :



 

   ابحث في الموقع


 

   اصدارات الجيرة


 

   مرئيات

اليهود المغاربة مجرمون بهجرتهم إلى إسرائيل، ثم عودتهم إلى المغرب
إشعال الحرب بين المغرب والجزائر هدف إسرائيلي أمريكي
القانون العام لنظام الطيبات للدكتور ضياء العوضي

 

   تسجيل الدخول


المستخدم
كلمة المرور

إرسال البيانات؟
تفعيل الاشتراك

 
 

الأولى . أخبار متنوعة . قسم خاص بالأدب المَمْدَري . القسم الإسباني . الكتابات الاستشرافية في السياسة والفكر والأدب . ثقافة وفنون
كتب وإصدارات . تحاليل سياسية . تعاليق سياسية . بريد القراء . سجل الزوار . من نحن . اتصل بنا

المواضيع والتعليقات المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي الموقع، و إنما تمثل وجهة نظر كاتبيها. ولن يتحمل الموقع أي تبعة قانونية أو أخلاقية جرّاء نشرها.

جميع الحقوق محفوظة © 2009 - 2010 طنجة الجزيرة

تصميم وتطوير شبكة طنجة

ArAb PoRtAl