|
سلسلة كتب تصدرها مجلة "الجيرة" إصدار رقم: ( 08 )
...........
وجه العالم في القرن الحادي والعشرين
( دراسة استشرافية لنصف قرن القادم )
..............
المؤلف:
محمد محمد البقاش
منشورات الجيرة
......................
المؤلف: محمد محمد البقاش ( أديب باحث وصحافي )
الكتاب: وجه العالم في القرن الحادي والعشرين ( دراسة مستقبلية )
الحقوق المادية: غير محفوظة.
الحقوق امعنوية: محفوظة للمؤلف.
الطبعة الورقية: الأولى جمادى الثانية 1420 هـ الموافق: شتنبر 1999م.
النشرة الإلكترونية الأولى شتنبر 2010
الإيداع القانوني: 462 / 98.
الترقيم الدولي: ردمد 1114 – 8640 ISSN
التصفيف والإخراج: دينا الزميج وثريا بلكوش.
السحب: مصلحة الطباعة، طنجة.
...........
الفهرس
الفهرس ـ ديباجة الكتاب ـ الإهداء ـ تقديم ـ توطئة ـ تحرير المستقبل من الماضي ـ تصور المستقبل وتصويره ـ صور عقائد وحضارات المستقبل ـ الحضارة الإسلامية ـ الحضارة الرأسمالية ـ الحضارة الاشتراكية ـ الصراع العسكري ـ الصراع الإعلامي ـ الصراع السياسي ـ صراع بالعملاء ـ الصراع الفكري والثقافي ـ شروط قيام الحضارات ـ إصدارات عن صراع الحضارات وتصادمها ـ صور الاقتصاد العالمي في المستقبل ـ قواعد النطام الاقتصادي الرأسمالي ـ الندرة النسبية ـ قيمة الشيء ـ الثمن ـ الحاجة إلى المخدرات سبب وجيه لإنتاجها ـ انهيار الاقتصاد الغربي ـ التضخم والعجز من جونسون إلى كلينتون ـ الاقتصاد العالمي هو الاقتصاد الرأسمالي ـ الاتحاد الأوروبي وعرقلة العولمة ـ صورة صندوق النقد الدولي خلال نصف قرن القادم ـ صورة منظمة التجارة العالمية خلال العقود الخمسة القادمة ـ دين العالم هو المبدأ الرأسمالي ـ قصف النيتو وذبح مسلمي كوسوفو ـ صورة البنك الدولي في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين ـ صورة منظمة الأمم المتحدة في القريب المنظور ـ سبب نشوء هيئة الأمم المتحدة ـ القرارات الدولية قرارات أحادية ـ هيئة الأمم المتحدة هيئة صليبية ـ منظمة الأمم المتحدة عبارة عن عصابة من العنصريين ـ مزبلة التاريخ هي المكان المناسب لمنظمة الأمم المتحدة ـ عدم التعامل مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أمر ملح ـ نقض التوقيع على صك العبودية بمراكش واجب ـ الخوصصة ظلم واعتداء على الملكية العامة ـ متى يستحسن التدخل في الانتفاع بالثروة؟ ـ مطالبة الاستعمار بسددا فواتير الاستغلال ـ خاتمة الكتاب.
.............
ديباجة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم :
((إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)).
آل عمران، الآية: 140
.............
الإهداء
إلى الأجيال القادمة:
إليكم أهدي هذه الدراسة راجيا منكم أن لا تحقرونا، فلقد جبُنّا حين تقاعسنا عن النهوض لمحاربة الظلم والضرب على يد الظالم، واستمرأنا الذل والهوان، وأبينا إلا أن نسير بإمَّعيّة خلف حضارة عبارة عن مصنع يتم فيه مسخ الإنسانية، وأخرى عبارة عن عربة يجرها خنزير أعمى.
..........
تقديم
''وجه العالم في القرن الحادي والعشرين'' كتاب بعدة عناوين فـ '' تحرير المستقبل من الماضي'' عنوان، و''وجه العالم بالمؤسسات الدولية خلال نصف قرن القادم'' عنوان، واستشراف خمسة عقود من القرن الحادي والعشرين '' عنوان، و ''التكهن الموضوعاتي'' عنوان...
وهذه الدراسة تتضمن بحوثا في عدة قضايا، فهي تستشرف صورا عن كيفية تحرير المستقبل من الماضي، وبحدوث هذا يكون وجه العالم على صورة تتشكل تبعا لما حدث فيه من تغيير.
فقد تناول الكتاب في بداية البحث لفظ التحرير ومقابله لإزالة الأدران عما يراد إبرازه حتى يبدو واضحا للقارئ الكريم، ثم قسم التحرير إلى قسمين: قسم كلي، وقم جزئي.
وتناول تصور المستقبل وتصويره مبينا اختلافهما عن بعضهما البعض، إذ أن أحدهما مساهمة في إيجاد المستقبل، وذلك برسم معالمه حتى يرى المستقبل صورة وشكلا في الواقع الموضوعي وهو التصور.
فالأول يعني تصور المستقبل من خلال مشروع عقلاني كلي أو جزئي، أو هما معا يحمل بين جنبيه طريقة محددة لإيجاد حضارته في واقع الحياة، وطريقة للمحافظة على المبدأ، وأخرى لحمله قيادة فكرية خارج حدوده ومحيطه، وهذا لا يتأتى إلا بالعمل الفكري والثقافي والسياسي يعتمد الحزب أو الكتلة، أو يعتمد العمل العسكري الانقلابي، بينما الثاني رؤية له مجرد رؤية، أو هما كما ورد تنظير وتنظار، أي توقّع وتكهّن من غير قياس وتدبير عملي ممارس، أو تفكير وتقدير من غير ما فصل بين الفكر والشعور سلوكيا، وذلك إما بأخذ الكلي والجزئي معا، أو أخذ أحدهما.
وجاء بصور عن عقائد وحضارات المستقبل القريب، وتحديدا النصف الأول من القرن الحادي والعشرين، شرح العقائد بشكل يكاد غائبا تماما، أو هو غير مطروق إلا نادرا جدا، وشرح الحضارة شرحا ينطبق على واقعه الدال عليه فحقَّ له أن يكون حقيقة. وتنبأ للعالم في مجال العقيدة والحضارة فقال باستحالة ظهور جديد في هذا المجال خلال الزمن الموضوع كإطار ومضمار للبحث والدراسة والاستشراف..
تناول القرن العشرين واستخرج منه ثلاث طرق متباينة للعيش عاشتها شعوب عديدة ولا تزال، تناول ما تضمنته المبادئ من أسس وقواعد، تناول نظرتها للكون بما فيه من إنسان وحياة، نظرتها للسعادة والقيم.. حتى انتهى إلى ملاحظة الصراع بين حضارات ثلاث، وتوقع الاستمرار لهذا الصراع، ولكن بين حضارتين اثنتين وليس ثلاثا، بين الحضارة الرأسمالية الديمقراطية، والحضارة الإسلامية، تناول الصراع العسكري وبين كيف يستعمل فيه السلاح من جانب واحد بسبب غياب دولة تواجه دولة أو دول الطرف الأول.. وأشار إلى ما حدث من صراع عسكري يُتوهم فيه أنه صراع بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية علما بأنه ليس كذلك فتلك مغالطات. وفي الأخير طالب بعدم تعميم الحكم بالخيانة على الجميع..
ثم تناول الصراع الإعلامي مشيرا إلى أنه يكاد يكون غير موجود بسبب فقدان الحضارة الإسلامية لوسائل الاتصال والإعلام، معرجا على الظلم الممارس في حق الشعوب الإسلامية والعربية حرصا على إبقائها حيث هي من الانحطاط والتردي والانقسام..
ثم انتقل إلى الصراع السياسي وبين الحضارتين، الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية. وأشار في دعوة تكمن في صيغة الكلام إلى ضرورة رفع الظلم والحيف عن النشطاء في صف الحضارة الإسلامية وترك التباري الفكري والسياسي يأخذ مجراه ليعلم في النهاية للبشرية أيّ الحضارتين أولى وأجدر بالتبني والأخذ والتقمص..
ثم تطرق إلى صراع خبيث يمارس بالعملاء لإفساد عقول الناس وقلوبهم حتى لا يثبتوا على شيء، يظلون مستعدين دائما للقيام بدور الحرباء التي تغير لونها بحسب الحاجة ولا يهم غير ذلك..
ثم تطرق للصراع الفكري والثقافي مبينا أنه لا تكافؤ في الفرص بين الحضارتين اللتين تتصارعان على قيادة البشر والعالم، ولكنه كما يرى الكتاب صراع قائم حقا وبارز وعلى أشده بين دعاة هذه الحضارة وتلك، فلن يصفو جو للشعوب لإدراك الحقائق في الحضارتين بشكل ملفت للنظر يستحق اتخاذ موقف واضح وجدّي إلا في نهاية النصف الأول من القرن الحادي والعشرين ترجيحا، لأن الأمر في وقتنا الحاضر وإلى مدى خمسة عقود يحمل بين جنبيه البلبلة والغموض وكثرة الأدران والأوساخ، بحيث لا تستطيع الشعوب إزالة ما علق بالحضارتين لتراهما على حقيقتهما حتى يستقر لديها الرأي على واحدة تُؤخذ وتُتبنى وتكون الأصلح والأنفع، وسبب هذا يعود إلى الدفاع المستميت على الحضارة الغربية من قبل أربابها وأرباب المال.. كما أن الحضارة الإسلامية تعاني من أبنائها وكأنهم عاقون لها، فكثيرون منهم يحاربونها حين يدعون الناس إلى أفكار ومفاهيم ليست من حضارتهم، لم تبن على عقيدتهم، ولم تنبثق عنها، يتصورونها إسلام بسبب جهل مركّب أصابهم، الشيء الذي يجعل الصفاء والنقاء والبلورة أمور بعيدة جدا عنهم، وهؤلاء لا ينفع معهم إلا أن يبتعدوا عن السطحية، ويدوروا حيث يدور المبدأ الذي يتبنوه، أما إذا ظلوا يدورون حيث يدور شيخهم وعالمهم أو ملقنكم، فإنهم بذلك يبتعدون عن ضرورة اتخاذ المبدأ عقيدة فكرية وقيادة فكرية. فالدوران حول شخص أو حزب يجعل الدائر كالسن في الدولاب، إذا كان الشخص موقفا انعكس ذلك عليه، وإن لم يكن هلك وأهلك..
ويستمر الكتاب في إبراز معالم الصراع الفكري والثقافي إلى أن يكشف حقيقة ممارسة من طرف الغرب، بحيث يحاول هذا الأخير جعل المسلمين يفهمون دينهم بحسب فهمه هو له، أو ينعت بالتطرف والإرهاب والظلامية، ويأتي بمفهوم العرقية والجنسية والإقليمية ويعتبرهم جميعا حوائل تحول دون سيادة الحضارات مبينا أن الحضارة الإسلامية لا وجود لها في الموقف الدولي. وعرج على كتب صدرت في الغرب تتناول الصراع الحضاري أو صراع الحضارات مثل كتاب: ((قيام وسقوط الدول الكبرى)) لمؤلفه ((بول كينيدي))، وكتابه الآخر: ((التحضير للقرن الواحد والعشرين )). وأشار إلى كتاب آخر لمؤلف اسمه: "فوكوياما" تحت عنوان ((نهاية التاريخ))، وكتاب: ((لقطاء فولتير)) لجون سول، وكتاب ((الغرائز الشيطانية)) لمؤلفه " تيواهمان"..
وتناول الكتاب الاقتصاد العالمي وحاول رسم صورة له في المستقبل بعد أن فصل بين الاقتصاد كعلم والاقتصاد كنظام، بيّن القواعد التي يقوم عليها الاقتصاد الرأسمالي شارحا إياه بشكل تفصيلي إلى أن استقر على القول بأن العالم سيترأسمل في العقود القادمة أكثر مما ترأسمل في العقود الفائتة، ولكن على حساب المبدأ الاشتراكي والحضارة الاشتراكية.
وتناول الاقتصاد الأمريكي منذ عقد الستينات إلى عهد "كلينتون مونيكا" مبرزا بعض الجوانب السلبية فيه، وتناول العولمة بشكل موجز، والصراع الأمريكي الأوروبي في الأساليب والوسائل..
ثم تناول صندوق النقد الدولي وبيّن كيف تهيمن عليه الدول الكبرى بزعامة بغيضة العالم وزعيمته المقيتة؛ الولايات المتحدة الأمريكية، وهي هيمنة فكرية وسياسية وإدارية ومالية..
ثم تناول منظمة التجارة الدولية معتبرا إياها أعظم إنجاز غربي، فهي أعظم مشروع استعماري رأسمالي لخدمة الغرب والسيطرة على العالم والتحكم فيه كلية.. وُجدت بقوانين تؤمِّن السيطرة المطلقة، وتحقق العبودية في حق الدول الفقيرة بما في ذلك العربية والدول القائمة في العالم الإسلامي كلها كباكستان وإيران وتركيا..
وتناول البنك الدولي كمؤسسة مالية عالمية ذات نفوذ قوي مبينا كيف تسيطر عليه الدول الكبرى بزعامة من تحتقر الشعوب وتظلمها (أمريكا) واعتبرها الكتاب مؤسسة ناجحة وجدت لإحراج الدول وإغراقها في الديون من أجل السيطرة عليها، مع بعض الأرقام المتعلقة بالديون الخارجية لبعض الدول.
ثم تناول مؤسسة منظمة الأمم المتحدة وبيّن دورها العالمي في خدمة العالم، ولكنها خدمة تسير وفق مصالح الدول الكبرى بزعامة راعية الإرهاب العالمي، وبيّن أنها منظمة منحازة وعنصرية، كما أنها ملحق تابع لوزارة الخارجية الأمريكية، وأشار إلى أنها لا تصلح لمد الجسور بين شعوب العالم مادامت أمريكا قد عنصرتها (صيرتها عنصرية)، ودعا الكتاب إلى إسقاطها، أو على الأقل الخروج وسحب العضوية منها مع ضرورة ملحة ومسؤولية كبرى تقع على عاتق الأحرار، وهي العمل على دفع أمريكا إلى العودة إلى مبدأ مونرو إذا رضيت بذلك شعوب وبلدان القارة الأمريكية، وإن لم ترض يجب على العالم أن يسعى إلى حلزنتها مع مساعدة كل شعب ولاية أن يحكم نفسه بنفسه باستقلال تام، يقيم دولته بشكل كامل بدون فيدرالية أو كونفدرالية أو حكم ذاتي ولا أيّ شيء آخر غير الاستقلال التام لتصير الولايات المتحدة الأمريكية عبارة عن مجموعة من الدول، بل يستحسن أن تنزع عنها جميع مقومات الدولة حتى تصير كالقرى والمداشر، أو تكون شبيهة بالدول الكرتونية القائمة في كثير من بلدان العالم اليوم، خصوصا البلاد العربية والإسلامية.
..............
توطئة
لا أبيع أدوات التجميل حتى أجمّل وأزيّن وجه عالمكم البغيض هذا. ولست جراحا حتى أنزع الأورام الخبيثة من أدمغة الرعاة الذين ضاموا البشر وقادوهم إلى التهلكة معتقدين أنهم بقر.
وليست لديّ عصا موسى ولا خاتم سليمان حتى أغيّر معالمه الممقوتة والمشوهة، ولكن رويدكم، فلدينا عقول تفكر وقلوب تنفعل.
لدينا نتاج تفكير يدين الغرب بزعامة الطاغية الجبانة ( أمريكا )..
لدينا حل نتمنى الترويج له والعمل من أجله يتعلق بإرغام الولايات المتحدة الأمريكية على الرجوع إلى مبدأ مونرو إذا رضيت بذلك شعوب القارة الأمريكية.
لدينا رغبة في الحلم برد الصاع صاعين وذلك بتحويل سلاح القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة خارج أمريكا بالسعودية والكويت وتركيا وإيطاليا وألمانيا.. إلى وسيلة إحراق رهيبة تحرق بها أمريكا، وذلك بالاستيلاء عليها والاستحواذ على ما بها من أسلحة وذخيرة توجه إلى نحر الطاغية الجبانة..
لدينا تمنّ يتجلى في نقل الأعمال المتعلقة بضرب المصالح الأمريكية إلى أمريكا نفسها.. لدينا اقتراح بتفجير جميع الأقمار الصناعية في الفضاء لإتلاف أعمال التجسس، وإضاعة الأهداف، وفسح المجال لبروز الجديد في الموقف الدولي..
لدينا قلوب تنفعل لظلم الحضارتين للإنسانية، الشيء الذي شوه عالمنا وأتلف ما فيه من بقايا خير وغاص به إلى الأعماق ليتعسر استهدافه والتعلق به..
هذا العالم لم يكن قبيحا في القرن التاسع عشر إلا في العالم المسيحي، وحين انتهى الربع الأول من القرن العشرين قبح عالمنا وعم قبحه كل الدنيا واستمر إلى نهاية القرن العشرين، ولا أتوقع له إلا مزيدا من الاستقباح حتى نهاية النصف الأول من القرن الحادي والعشرين مادام محكوما من طرف من لا يستحق قيادة البقر، فكيف بقيادة البشر ( أمريكا )؟..
لدينا إرادة يجب أن لا تنحرف فتسير في اتجاه مليء بالمغالطات يجلب التضليل والتلويث، بل يجب أن تسير بوعي يحرص على رؤية انطباق الفكر على الواقع الذي يدل عليه أو يعالجه، لأن المسألة مسألة حقائق، والحقيقة غير الفكرة، وعند ذلك يستهدف التغيير بفكر التغيير، وعقلية التغيير، وإرادة التغيير..
وهذا الكتاب وإن كان دراسة استشرافية إلا أنها تلبي حاجة الإنسان في طبيعة ميله إلى إحداث التغيير في نفسه ومحيطه وبيئته ومجتمعه... وعليه فإن الدراسة تتضمن دعوة إلى تغيير العالم، تغيير مؤسساته، تغيير دوله، تغيير حكامه، تغيير حدوده، تغيير نمط حياته، تغيير أسلوب عيشه في ثقافته وحضارته، تغيير ريائه ونفاقه، وأخيرا تغيير تغييره.
.............
تحرير المستقبل من الماضي
التحرير يقابل لفظ الاستعمار. والتحرير أو التحرر من هذا الأخير يعني الانعتاق منه، والانسلاخ عنه، والخروج من قبضته، والفكاك من أسره، والكسر لقيده.. والتحرير الذي ورد أعلاه ليس معناه لغويا حتى نرجع في تفسيره إلى اللغة العربية كأن نقول رجل حر عكس رجل عبد، أو نأتي بالمجاز فنقول حر الدار، أي وسطها، أو أرض حرة، لا سبخة فيها.. بل معناه اصطلاحي، نسوق هذا حتى تتحد دراستنا، ويسهل فهمها فهما لما تدل عليه فعلا دون تشعب الأفهام وتضاربها.
لا يراد بتحرير المستقبل من الماضي إلا أحد أمرين وهما:
أولا: إما أن يتم تحرير المستقبل من الماضي بشكل كلي.
ثانيا: وإما أن يتم تحرير المستقبل من الماضي بشكل جزئي.
ولا يتأتى هذا أو ذاك إلا بالاعتماد الحتمي على تصور المستقبل تصورا ذهنيا يصرح العقل أنه ممكن التحقيق عقلا، لأنه إن لم يكن ممكن التحقيق عقلا لما كان ممكن التحقيق فعلا.
إذن لدينا ثلاثة أمور مجتمعة لا بد من ترتيبها ترتيبا معقولا، ثم مباشرة الدراسة وإنتاج الفكر، ثم وضع كل ذلك ضمن إطاره الصحيح والموضوعي.
..............
تصور المستقبل وتصويره
إن التصور غير التصوير، وكلاهما ضروريان لبحثنا هذا، ذلك أن تصور المستقبل يعني المساهمة في إعداده من خلال تهيئ مناخه، وافتعال ظروفه حتى يتحقق ويوجد على أنقاض ما كان سائدا قبلها، بينما التصوير لا يعني التدخل المباشر، ولا يأبه للإعداد له لأنه ينبني على التفكير السياسي الواعي الذي ينظر للأمور ويأخذ ظروفها وملابساتها، ثم يتنبأ بالنتائج فتكون قريبة مما تصوره إن لم تكن كذلك، والصواب والأصح في السلوك الإنساني هو ممارسة التصور، وهذا موجود ويتمثل في الحركات السياسية بالدرجة الأولى التي تهدف إلى تغيير الواقع أو الحاضر لتوجد مستقبلا متحررا من سيطرة الماضي الذي هو الحاضر المعاش. ويسار إلى ذلك بالنظري والعملي.
والنظر إلى المستقبل يعني تصوّره وتصويره، والتصوّر هو التنظير، والتصوير هو التنظار، والأول أرقى من الثاني لأن الإنسان بطبيعته يسعى إلى التغيير ولو كان تغييرا طفيفا، أو في جزئيات بسيطة، وسبب ذلك رؤية الكون والحياة يتغيران ولا يفتران عن الحركة في طي للزمان سريع، يسير نحو النهاية المحتومة للوجود كله، كما يرى بأم عينه التغيرات التي تطرأ عليه في عيشه، فدورات الحياة يعيشها، وسير الكون والطبيعة بمحتوياتهما نحو الأمام غير القابل للرجوع يدركه ويلمسه، ومن هنا أريد بالتصور إعطاء صورة ذهنية، أو صور كثيرة عن المستقبل تأخذ الكليات والجزئيات، تأخذها أخذا يراد به جمع الذهني بالجارحي، وتحدد بشكل عام أو بشكل خاص، تأخذ شكل الخاص أكثر من شكل العالم غالبا، وتأخذ شكل العام أكثر من الخاص عند الذين يعملون للترقيع والإصلاح.
ولا بأس من التعرض للتصوّر ثم التصوير، نسوق التصوّر للمستقبل مع شيء من التفصيل في عدة مجالات، نصور المستقبل على ضوء الظروف والملابسات القائمة، والتي تعطي صورة صحيحة تظل كذلك ما لم تتبدل الظروف والملابسات لتؤدي إلى نتائج أخرى، ولا يكون المرء مدركا لها أو مخطئا في اعتبارها.
والتصوّر للمستقبل هو نفسه يقضي أخذ الكلي والجزئي، والكلي ليس شيئا واحدا، بل هو كليات كثيرة، وكذلك الجزئيات، غير أنه توجد كلية واحدة كفكرة أساسية ليس قبلها ما يسبقها، إذ هي الأساس والمنطلق، وهي العقيدة أيّ عقيدة، وهي القاعدة التي تقوم عليها الكيانات سواء كانت كيانات بذات واحدة كالأفراد أو بعدة ذوات كالدول والمجتمعات، وهذا يؤدي إلى ضرورة أخذ العقائد الموجودة في العالم اليوم، ومحاولة تصور مستقبلها المنظور على ضوء الصراعات العقائدية التي تنتج صراع الحضارات، ومن هنا وجب أخذ العالم كله وتصوّر مستقبله الحضاري والعقائدي.
.................
صور عقائد وحضارات المستقبل
العقائد عبارة عن أفكار أساسية، أي عبارة عن كليات، وهذه العقائد بواسطتها يتم تفسير علاقة الكون والحياة بالإنسان، وعلاقة الجميع بما قبلهم وما بعدهم، يعرف بواسطتها الإنسان أنه مخلوق لخالق واحد أحد فرد صمد هو الله تعالى، وأنه ما وجد إلا ليبتلى ويمتحن بأوامر الله ونواهيه، وهذه الأخيرة جاءت بها الشرائع السماوية فكانت الملل والنحل، وكانت الشعوب والأمم، كما جاء بعقائد أساسية أفراد تصوروا الكون والإنسان والحياة تصورا يخالف ما جاءت به الأديان السماوية فكانت المبادئ الوضعية مثل المبدأ الرأسمالي الديمقراطي، والمبدأ الاشتراكي الشيوعي، هذه المبادئ أوجدتها تصورات كلية عقائدية اعتنقتها شعوب وأمم حتى قامت عليها دول تحافظ عليها وتعمل على نشرها وسيادتها، فكان الصراع الفكري والكفاح السياسي، ثم الصراع المادي، وهذا هو الوجه الحقيقي لكل عقيدة تتضمن قابلية إنتاج فكر آخر عليها بالبناء أو الانبثاق، وهو الذي يوجد الصراع بشتى أنواعه كالصراع الحضاري..
ولا يتوقع للعالم في القريب المنظور والبعيد المأمول أيّ عقائد جديدة يفسر بواسطتها الكون والإنسان والحياة ليحلّوا العقدة الكبرى التي لازمت الإنسان ولا تزال من مثل قوله: من أين جئت؟ وكيف؟ وإلى أين المصير؟ لا يتوقع ظهور عقائد جديدة ذات شأن لأن التقدم العلمي والتقني أبرز حقيقة كون الكون والطبيعة يسيران سيرا منظما لا يختل نظرا للتفرد في إنشائه وتسييره في تدبير محكم لم تستطع العقائد الكائنة تحدي مديره أو تصوره عقليا تصورا سليما إلا ما كان من عقيدة الإسلام ودين الإسلام، وهذا وصف للواقع لا تقع المغالطة فيه.
والحضارات عبارة عن مجموع المفاهيم عن الحياة، وهذه المفاهيم مختلفة ومتضاربة بين معتنقي هذه المفاهيم ومتبني تلك الحضارات، ويشمل الخلاف الحياة كلها ولا ضرورة أن ينطبق ذلك على جميع المفاهيم.
((لقد شهد القرن العشرون ثلاثة أنواع متباينة من طرق العيش، عاشتها شعوب عديدة في بلاد شاسعة واسعة سهرت عليها دول مختلفة.
الحضارة الإسلامية
لقد كانت طريقة العيش الأولى هي النمط الإسلامي في العلاقات تبادلتها شعوب كثيرة في بلاد واسعة تحت ظل دولة الخلافة (الخلافة العثمانية) شملت العالم القديم بثلاثة أرباعه، بدأت منذ القرن السابع الميلادي بشكل متحكم بارز في الموقف الدولي، ثم انحسر مع بداية القرن التاسع عشر حتى سقط بسقوط دولته سنة 1924م.
وطريقة العيش أو النمط الحياتي الذي عاشت عليه مئات الملايين من المسلمين في ظل الدولة الإسلامية ناتج عن وجهه النظر الأساسية التي قامت عليها حضارتها، وهذا الأساس هو العقيدة الإسلامية التي تعتبر الوجود كله مخلوق لخالق واحد أحد هو الله تعالى، وتعتبر حساب الله على الأعمال، أعمال الإنسان في الحياة الأخرى أمرا واقعا لا محالة، وأن حياة الإنسان لم تترك دون توجيه من الله تعالى، ولذلك أرشده بالشريعة الإسلامية إلى أفضل السيل ليسير السير الصحيح في حياته وعلاقاته، كما وجهه إلى التفكير وبين مزايا هذا الأخير الذي جعله مناط التكليف، حتى أن الاهتداء إلى وجود الخالق كان بالعقل حيث قام الدليل العقلي على وجوده سبحانه وتعالى، وحصر تصديقه وإيمانه بالمغيبات بالخبر النقلي اليقيني واشترط بناءه على العقل.
وفي تصويره للحياة جعل أعمال الإنسان مسيرة بأوامر الله ونواهيه، مسيرة بالشريعة الإسلامية وبناها على العمل لنوال رضوان الله تعالى.
وهذه الحضارة الإسلامية سادت لمئات السنين وذلك منذ ما يزيد عن أربعة عشر قرنا حين أقيمت أول دولة إسلامية بالمدينة المنورة على يد الرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله إلى أن انحسرت بفعل الانحطاط وتآمر الأعداء والمنافقين، ثم زوالها حين استبدل نمط العيش الإسلامي بنمط العيش الرأسمالي في جل البلاد الإسلامية ونمط العيش الاشتراكي في بعض البلاد الإسلامية فيما كان يعرف سابقا بالاتحاد السوفيتي.
الحضارة الرأسمالية
وطريقة العيش التي عاشت وتعيش عليها مآت الملايين من البشر، وكل الدنيا تقريبا في الوقت الحاضر تحددت من وجهة النظر الأساسية التي قامت عليها الحضارة الرأسمالية؛ وهي عقيدتها، هذه العقيدة هي فصل الدين عن الحياة، وبالتالي عن الدولة، وقد بُنيت على حلّ ترضية كما هو معروف تاريخيا بين رجال الدين ورجال العلم والفكر، وهذا الحل الوسط هو الأساس الذي ارتكزت عليه الحضارة الغربية الرأسمالية، فهو قاعدتها الفكرية وقيادتها الفكرية، وبناء على ذلك اختيرت مفاهيم الحياة من منطلق فرعيات أربعة، وهي الحريات: حرية التدين، وحرية الرأي، وحرية التملك، والحرية الشخصية، فجاءت تبعا لذلك النظرية الديمقراطية واختيرت أساسا للحكم.
وتصوير الحياة في الحضارة الرأسمالية الديمقراطية اعتبرت قائمة على شيء واحد ليس غير؛ هو النفعية المادية، فلا قيمة لغير المنافع المادية ولا وزن لها، وأما ما يظهر من منافع خارج نطاق المنافع المادية فليست ذات شأن لأن الأمر فردي وذلك مثل المنافع التي تحقق قيما روحية وقيما إنسانية وأخلاقية..
فالناحية الروحية محصورة في الكنيسة، والقيم الإنسانية محصورة في الأفراد والمنظمات غير الحكومية، والقيم الأخلاقية محصورة في الأفراد كذلك.
ومفهوم الحضارة الرأسمالية الديمقراطية للسعادة هو إعطاء الإنسان أكبر قدر ممكن من المتع الجسمانية والماديات الصرفة، وتوفير أسبابها له، علما بأن هذا يأخذ طابع الميز بين إنسان وإنسان، وشعب وشعب، فحين يتطلع أفراد وشعوب من العالم الثالث إلى تحقيق ذلك ولو كانت رأسمالية في تفكيرها فإنها لا تأخذ نفس العناية التي يأخذها الرجل الغربي.
الحضارة الاشتراكية
وطريقة العيش الاشتراكية التي عاشت عليها شعوب ولا تزال إلا أنها في احتضار لن يطول كثيرا، هذا النمط من العيش قامت حضارته على أساس عقائدي مثله مثل الحضارة الرأسمالية والحضارة الإسلامية من حيث الارتكاز على أساس وقاعدة، أو مبدأ، هذا المبدأ أو العقيدة الاشتراكية اعتبرت الكون والإنسان والحياة مادة لا يوجد قبلها ولا بعدها شيء مطلقا عبّر عنه بالمادية الديالكتيكية، وعلى هذه النظرة الأساسية تم بناء جميع التصورات، فقد صورت الحياة تصويرا ماديا مثلها مثل الحضارة الرأسمالية، انطلقت إلى التصوير من المادة، وركزت على الجانب الاقتصادي بشكل يكاد يكون مطلقا، واعتبرت الشيوعية آخر مرحلة من مراحل الحياة حيث الجنة الموعودة، وحيث يتمتع جميع أفراد المجتمع بالسعادة، وكانت السعادة في نظرها هي نفس السعادة في نظر الحضارة الرأسمالية الديمقراطية، هي السعادة المادية التي تعني تحقيق أكبر قدر ممكن من المتع الجسدية في سعي دؤوب لتوفير أسبابها..
وقد نشأت الحضارة الاشتراكية كما هو معروف تاريخيا في أذهان كثير من الماديين عبر التاريخ حتى مجيء كارل ماركس وإنجلس.. حيث جمعا شتاتها وأضفيا عليها نظرة يجوز إيجادها في معترك الحياة إلى أن تجسدت في الثورة البلشفية سنة 1917 م فاحتضنتها دولة، وعملت على تطبيقها وحمل قيادتها الفكرية إلى العالم، ثم بدأت في الانحسار منذ سنة 1961م حيث أمكن إيجاد ما سمي آنذاك بالتعايش السلمي ليكون الوقود الذي عجل بسيرها إلى حتفها على يد جورباتشوف..
وبذلك يمكن القول بأن الصراع بين حضارتين، الحضارة الرأسمالية الديمقراطية والحضارة الإسلامية قد بدأ منذ سقوط ما كان يعرف سابقا بالاتحاد السوفيتي، بدأ من غير بدء من التاريخ المذكور، ولكن مع ذلك يمكن اعتباره مبدءا مادام قد أخذ توجها جديدا، ومادام قد حصل التفرد للحضارة الغربية في الموقف الدولي.. فكان لا بد من تسجيل الصراع بدءا من انهيار الاتحاد السوفيتي لأن انهياره غيّب الحضارة الاشتراكية من الموقف الدولي، وحوّل وجهة صراع الحضارة الرأسمالية الديمقراطية إلى الحضارة الإسلامية علما بأن هذه الأخيرة كانت مستهدفة حتى في ظل صراع الحضارتين الرأسمالية والاشتراكية، ولكن غياب تأثير من يملك قوة متمثلة في دولة يحمي بها حضارته فسح المجال لحصر الصراع بين حضارتين اثنتين (الحضارة الرأسمالية والحضارة الإسلامية) إحداهما تملك القوة المادية والأخرى معزولة.. وهذه الحضارات الثلاث تتصارع فيما بينها، وهذا الصراع يؤدي في النهاية إلى نتيجة الغلبة أو نتيجة الضمور والانكماش.. وهو صراع تختلف الأدوات والوسائل والأساليب المستعملة فيه، إذ هناك الصراع العسكري والصراع الإعلامي والصراع السياسي والصراع بالعملاء والصراع الفكري والثقافي، وإذا أخذنا الحضارة الرأسمالية الديمقراطية والحضارة الإسلامية من أحل تلمّس عناصر الصراع القائم بينهما نجده كما يلي:
الصراع العسكري
الصراع العسكري يستعمل السلاح من جانب واحد، حيث لا توجد للطرف الثاني دولة تواجه الطرف الأول، والملاحظ في هذا النوع من الصراع غير المتكافئ غياب قوة تحملها دولة الحضارة الإسلامية.
ولا يقال بهذا الصدد أن الجيوش في البلاد العربية والإسلامية قد واجهت قوى الحضارة الغربية، لا يقال ذلك لأن سائر المواجهات التي تمت كانت بجيوش تحمل الولاء لحكامها، وأن الحروب التي سجّلت كانت مصطنعة ومحدودة، وأولا وأخيرا لم يظهر في هذا الصراع وجه للحضارة الإسلامية فجاز اعتبارها مسرحيات خسيسة مورس فيها خداع الجيوش والأمة، وما لم يتحول ولاء الجيوش إلى الحضارة الإسلامية فإن أيّ صراع عسكري أو حرب ليس سوى جزء من صراع أبناء الحضارة الواحدة فيما بينهم، كما ينبغي أن لا يفهم من هذا الكلام أن الخيانة كانت عامة شملت الجميع، لا لأنه قد سجلنا إخلاصا وبطولات ونكرانا للذات، ثم إن بعضه وإن اختلط بالعرقية والوطنية إلا أنه حين الانفراد بقوى الحضارة الغربية كان جيدا يردّ إلى علاّم الغيوب في معرفة النيات التي بُيِّتت لله وحده، أي للحضارة الإسلامية.
إن استعمال الجيوش من طرف واحد واستخدامها لمواجهة أمة معزولة يعتبر نذالة، ولكن النذالة قيمة رفيعة في الحضارة الرأسمالية مثلها مثل فعل الجعل الذي يدهده النتن بأنفه لا يعاب على فعلته، ورغم ضخامة الأسلحة وكثرتها نسجل الخوف والهلع والارتباك أحيانا عند الأعمال للحيلولة دون عودة الإسلام ودولة الإسلام إلى الموقف الدولي، ومن هنا جاز القول بغياب الاحتكاك المادي بين الحضارة الإسلامية والحضارة الرأسمالية بسبب فقدان القوى المادية لدى الحضارة الإسلامية.
الصراع الإعلامي
الصراع الإعلامي بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية صراع يكاد يكون غير موجود بسبب فقدان الحضارة الإسلامية لوسائل الاتصال والإعلام، فالسيطرة الغربية على الإعلام شبه مطلقة، تستعمل فيها أجهزتها ووسائلها لنشر الحضارة الرأسمالية وتشويه صورة الحضارة الإسلامية، وحين تريد ضرب النشطين والمخلصين من أبناء الأمة تسخر وتجند وسائل إعلامها لتشويه صورتهم وصورة ما يدعون إليه، فهم حين يراد ضربهم ينعتون بالتطرف والإرهاب والأصولية والتزمت والتشدد، وأنهم يشذون على الأعراف الدولية..
ولا تملك الحضارة الإسلامية من وسائل الإعلام والاتصال غير الندر اليسير، وما إن يستعمل حتى يحظر ويقمع رغم محدوديته، ولكن الملاحظ أنه استطاع رغم كل ذلك ممارسة التنوير والترشيد، واستطاع خرق الحظر والقمع، ولو يخلى بينه وبين الأمة رغم بساطته ومحدوديته لفاق تأثيره تأثير غيره، ولصنع المعجزات..
الصراع السياسي
الصراع السياسي هو الآخر شبه مفقود بسبب عدم تكافؤ الفرص بين الحضارتين، الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، وبسبب السيطرة التامة على الساحة السياسية من قبل الغرب، ولكن مع ذلك نجد أعمالا سياسية رغم قلتها تمارس لصالح الحضارة الإسلامية لتسجل صراعا مجديا في كل الأحوال، وقد أثمر خلال عقود قليلة منذ بداية الخمسينات وإلى يومنا هذا، ولو يخلى بين المخلصين وبين أمة الإسلام لنقلوها بسرعة في ظرف وجيز جدا إلى اكتساح الساحة السياسية في جميع البلاد العربية والإسلامية، وصياغتها لصالح الحضارة الإسلامية..
لقد قطع الغرب شوطا بعيدا في الدجل والخداع ولكنها (أي الأمة الإسلامية) بدأت تدركه في مجموعها، وذلك بفضل الجهود المبذولة من قبل السياسيين المخلصين حتى بات مطلب الأمة بتطبيق الشريعة الإسلامية رأيا عاما لا يحتاج إلا إلى وعي شامل هي أقرب إليه من ذي قبل، وكذليل يكفي ذكر أن الأثر يدل على المؤثر.
وبهذا الصدد يجب أن لا ننسى أن هناك تجربة سياسية تعد من أفشل التجارب السياسية بمنطقة الشرق الأوسط، وهي تجربة أريد بها أن تكون خنجرا يدس في جسم الأمة بغية القضاء عليها نهائيا، ولكنها على ما يبدو تجربة فاشلة لأن جسم أمة الإسلام جسم منيع لديه من الإمكانات للتعافي الشيء الكثير، والتجربة هي إقامة إسرائيل.
صراع بالعملاء
إذا كان العملاء مبدئيين فعمالتهم لمبدئهم عمالة مشروعة لأن الولاء الحقيقي يجب أن يكون للمبدأ، ولكن إذا كانوا محسوبين على مبدأ ليس مبدأ هم فهم الخونة والمنافقون. وهذا النوع من الناس خطير جدا لأنهم لا يترددون في استبدال الولاء، فهم أحقر بني البشر، وأخبثهم على الإطلاق وقد استُعملوا في الصراع الدائر بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية الرأسمالية، استطاع الغرب أن يجندهم لصالح حضارته فألبسهم لباسا غير لباسهم ظهروا به في وسط أمة الإسلام حتى تطمئن إليهم، ثم بعد ذلك شرعوا في هدم قيمها الرفيعة رجاء إبعادها عن إسلامها وتشكيكها فيه، فكان منهم العلماء والفقهاء والحكام.. وهذا النوع من الصراع يستعمل من جانب واحد، وجميع جهوده يراد بها تحديد مواطن الخطر على الحضارة الرأسمالية، وبالتالي تفاديها سواء بالسجن أو التصفية الجسدية..
الصراع الفكري والثقافي
الصراع الفكري والثقافي لا تتكافأ فيه الفرص بين الحضارة الرأسمالية والحضارة الإسلامية نظرا للسيطرة الغاشمة التي تمارس على عقلية الأمة من أجل خداعها وتضليلها وتلويث فكرها وثقافتها، ولكنه في كل الأحوال صراع، وهو صراع قائم حقا بين الحضارتين، كما أنه أهم أنواع الصراع، بل هو الأصل والمبتدأ، يستهدف الأسس التي تقوم عليها الحضارة الرأسمالية والحضارة الإسلامية، ويستهدف المفاهيم التي بواسطتها يحدد نمط العيش أو طريقته، ويستهدف تصوير الحياة إلى غير ذلك مما يتعلق بالمبدأ ككل. فالأمة الإسلامية تتصارع عمليا من الناحية الفكرية والثقافية، يحمل مشعل هذا الصراع أفراد وجماعات، بينما في جانب الحضارة الرأسمالية الديمقراطية يحمل مشعل الصراع الفرد والجماعة والشعب والدولة، تتصارع الثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي من أجل إيجاد الحضارة الإسلامية في واقع الحياة، وتتصارع الثقافة الغربية والفكر الغربي من أجل الحيلولة دون عودة الحضارة الإسلامية إلى الموقف الدولي، كما تعمل بصراعها على المحافظة على المبدأ الرأسمالي.
ومن الممارسات الملاحظة في الجانب الغربي من أجل الحفاظ على الفكر الرأسمالي والثقافة الرأسمالية وضع برامج التعليم ومناهجه والإشراف عليه بشكل مباشر وغير مباشر.
صحيح أن الاستعمار القديم وضع للبلاد التي استعمرها برامج التعليم ومناهجه، أشرف عليها بإشرافه على حكمها مباشرة، ثم إنه إن لم يباشر نفس ما باشره في السابق اليوم، فإنه إذ لم يفعل في غالب الأحيان إلا أنه مطمئن للعقليات التي تمارس ذلك، وتشرف عليه، فهو راض عن عقليتها الرأسمالية الديمقراطية، يعتبرهم عملاء فكر وثقافة، وجنود الحضارة الغربية يرتدون لباسا انخدعت له الأمة، وعمل على سلخها وإبعادها عن ثقافتها وفكرها. وهو إذ يهتم بالتراث على حد تعبيره، ويبدي نفاقا إعجابه به واحترامه له، يفعل ذلك مجاملة ورياء حتى لا يفتضح أمره، وهو إذ يبدي رفعة منزلته عنده يباشر من طرف خفي وبشكل ذكي صياغة الفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية تجعلها تتماشى مع الحضارة الغربية. واستطاع بذلك إنجاب علماء وفقهاء ومفكرين وساسة ومثقفين.. يعملون ويعقلون ويفكرون بالفكر الرأسمالي الديمقراطي ويحسبون على الفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية والأمة الإسلامية. والغرب يريد من أبناء الحضارة الإسلامية أن يفهموا دينهم على طريقته، فمفاهيمه تصاغ لتظهر وكأنها مفاهيم إسلامية، يريد فهم الفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية على ضوء فهمه هو لها، فإذا أراد محو الآيات المتعلقة بالجهاد، أو على الأقل تحريفها عن طبيعتها يجب أن نوافقه، وإذا أراد اعتبار الأخوة المبدئية مسألة مغلوطة، وأن الأخوة الحقيقية هي الأخوة الإنسانية لنضحى إخوانا لليهود والنصارى يجب أن نوافقه وهكذا، ومن يشذ عن فهمه، ومن يرفض عقل الأشياء والأفعال وإدراكها بغير عقليته ينعت بالتطرف والإرهاب والأصولية ويشهّر في وجهه سيف الإعلام والعملاء والساسة حتى يوجد رأيا عاما ضده في الداخل والداخل يصفه فيه بالعداء للإنسانية، يصفه بالظلامية والعدوانية بغية الوصول إلى ضربه مباشرة، أو بواسطة عملائه أفرادا ودولا، وهكذا يقلب الحقائق ويزيفها، ويجري المغالطات فيها، ولا يأنف عن فعل ذلك كالشيطان.
هذا هو الصراع الحقيقي الذي يمارس من قبل دعاة الحضارة الغربية ضد الحضارة الإسلامية. وهو صراع خطير ومؤثر إلى أبعد الحدود، والنجاح والفشل فيه لا يعود إلى القوى المادية، بل يعود إلى القوى الفكرية، وهو سلاح أمضى من السيف لا ينتصر فيه بالنهاية إلا الفكر الصحيح.. ولولا القوى المادية التي تسكت الأفواه وتمنع الكتابات من الوصول إلى الأمة لكان للحاضر المعاش وجه آخر، ولولا أن دين الله تعالى حق، ولولا أن الفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية والحضارة الإسلامية تستند في وجودها إلى عقيدة الإسلام وشريعته، و أن الله تكفل بحفظهما لصار أثرا بعد عين )).
هذه هي أهم العقائد وأهم الحضارات الموجودة في العالم اليوم، وهناك إلى جانبها عقائد لم تقو على بناء حضارات، فكانت بذلك غير قادرة على استهواء الشعوب والأمم، وغير موفقة في صهر معتنقيها ضمن إطار من المقاييس والقناعات والمفاهيم لأنها خيالية، أو على الأقل ضيقة النظرة والاهتمام بالكون والإنسان والحياة.
وعلى ضوء ما ذكر يمكن القول أنه من المتوقع أن لا تسود مطلقا، فلا يبقى إلا اعتبار ما هو موجود عمليا كالعقيدة الاشتراكية والعقيدة الرأسمالية، وكذلك حضارتهما، ثم الموجود الآخر إلى جانبهما وجودا نظريا وهو العقيدة الإسلامية.
شروط قيام الحضارات
إن الحضارة أيّة حضارة إذا أريد لها أن تقوم فلا بد لها أن ترتكز على عقيدة أو نظرة كلية للكون والإنسان والحياة، ولابد أن لا تكون من مفاهيمها؛ الإقليمية والعرقية والجنسية حتى يتأتى الانتماء إليها، ويسهل ذلك. وهذه الصفات موجودة في الحضارات الثلاث، الحضارة الاشتراكية، والحضارة الرأسمالية، والحضارة الإسلامية.
صحيح أن الحضارة الإسلامية لا تؤثر في الموقف الدولي لأنها بدون كيان تنفيذي يطبقها ويحميها ويحملها قيادة فكرية إلى العالم، ولكنها مع ذلك حية بإسلامها، وإسلامها يستوي الناس بعدله وصفائه، وأما الاثنتان فإنهما تسودان العالم حاليا، وعليه لابد من طرح هذا السؤال:
_ إذا كان الواقع اليوم تسوده العقيدة الاشتراكية والعقيدة الرأسمالية وكذلك حضارتهما، فهل هذه السيادة بقابلية الاستمرار إلى غاية تشكيل المستقبل باختلافات غير جوهرية، أم لابد من زوال هاتين الحضارتين أو ضمورهما حتى يفسح المجال لقيام حضارة جديدة هي حضارة الإسلام ثم يكون ذلك هو وجه العالم في المستقبل القريب يتم به حتما تحرير المستقبل من الماضي؟
إن تصورنا لمستقبل العالم في القرن الحادي والعشرين ينحصر في خمسة أجيال كاملة، أو بتعبير آخر يتناول نصف قرن، فالمتوقع في الجانب العقائدي والحضاري أن تظل العقيدة المادية والحضارة الاشتراكية قائمة في إطار من الوطنية والعرقية منكمشة تضمر شيئا فشيئا حتى بروز حضارة جديدة غير الحضارة الرأسمالية، ثم تزول في النهاية من العلاقات حيث يهيئ لها موقع في التاريخ الحديث، وتوضع في رف من رفوفه. صحيح أن الشعوب في البلدان الاشتراكية بدأت تتحول الحياة فيها إلى الرأسمالية، ولكن هذا التحول مرهون بفقدان البديل الحضاري الراقي، غير أنه عند ظهور الحضارة الجديدة بشكل ملفت للنظر، أو عن طريق حمل قيادتها الفكرية إلى الشعوب المذكورة فإنها ستتحول بسرعة كبيرة عن الحضارتين الاشتراكية والرأسمالية، وعند هذا الحد سيظهر بشكل بارز تحرر المستقبل من الحضارتين في الجانب العقدي والحضاري..
وأما العقيدة الرأسمالية والحضارة الغربية فإن المتوقع لهما أن يظلا في العلاقات وفي الموقف الدولي طيلة قرن، فهما الماضي والحاضر والمستقبل، وبهذا لن يتحرر المستقبل من الماضي، بل يظل امتدادا له، ولكن ذلك لن يكون على حساب خمسة أجيال قادمة، فلا يتوقع للحضارة الغربية بعد بضعة عقود إلا الضمور، ثم الزوال لأن نفس أهلها بدأوا ينكرونها ويستنكرون إفرازاتها في التردي والبهيمية.
هذا هو التصور الذي انتخبنا لأخذه بإلحاح شديد، فالظروف الموضوعية وحيثيات شروط الحكم على الوقائع جعلنا نقرر ما ذهبنا إليه تقريرا لا يرقى غيره إلى مستواه وهو ظني، وهذا الذي ذكر يمزج بين الكلي والجزئي، فالعقيدة مثلا فكر كلي، ومفهوم واحد من مفاهيم الحياة التي تشكل الحضارة فكر جزئي، والجمع بينهما جمع لجنس واحد.
إصدارات عن صراع الحضارات وتصادمها
ولمزيد من الإيضاح نسوق انهيار الإتحاد السوفيتي كسبب رئيسي في بروز أبحاث ودراسات، وصدور كتب تعنى ببحث الحضارات، تعنى بتساؤلات عن صراعها وتصادمها، تعنى بتهيئة العالم لدخول القرن الواحد والعشرين بتصورات عديدة، حتى أن مؤتمر عمان 1995م تحت عنوان: ''المسلمون وحوار الحضارات في العالم المعاصر'' قد استقطب اهتمام مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة درم البريطانية، وكذلك وفد من هذه الأخيرة _ كما أن صموئيل هنتنكتون كتب في مجلة '' شؤون خارجية fireign affais الأمريكية في عددها 3. 7240 vol مقالا عن تصادم الحضارات.
لقد صدرت في الغرب بأمريكا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا.. كتابات فكرية كثيرة تتحدث عن تصادم الحضارات وصراعها في العقد الأخير من القرن العشرين.
فقد نشرت مجلة السياسة الخارجية في عددها 89 ربيع 1995م مقالا تحت عنوان: ''المبدأ القادم'' أو الإيديولوجية المقبلة'' لكاتبه ''غراهام فولر'' وله أيضا كتاب نشر في سنة 1991 م بعنوان ''فخ الديمقراطية و...'' العالم ما بعد الحرب الباردة'' وهذا الكاتب سياسي مشهور عمل نائبا لرئيس الاستخبارات المركزية الأمريكية. وتوالت الإصدارات من هذا النوع وكلها تصب في خانة العقيدة والحضارة فكتاب: ''قيام وسقوط الدول الكبرى'' لصاحبه ''بول كينيدي'' يرى أن أمريكا إلى الزوال، وأن ما أصاب الإتحاد السوفيتي سيصيبها. وله كتاب آخر بعنوان: ''التحضير للقرن الواحد والعشرين''، يصور فيه ما يعترض سبيل الدول الغربية أثناء استقبالها للقرن المذكور. وهناك: ''نهاية التاريخ'' لفوكوياما يمجد فيه الليبرالية، ويراها قمة، فلا يتصور غيرها كبديل أو منازع بعد زوال الإتحاد السوفيتي، وحين ينظر إلى الإسلام لا يأبه له إلا في حدود ما يمكن أن يشوش على الليبرالية في العالم الثالث خصوصا العالم الإسلامي. وهناك كتاب لجون صول بعنوان: ''لقطاء فولتير'' يرى فيه مشاكل العالم اليوم نتيجة لمراحل التفكير التي مر بها العقل.
وصدر باللغة الألمانية كتاب تحت عنوان: ''الغرائز الشيطانية'' لـ: تيواهمان سنة 1995م، يرى فيه أن الإسلام وحده كقوة يستطيع تخليص العالم من الأزمات السياسية والأخلاقية والاجتماعية علما بأن المؤلف نصراني، ومن مؤسس الحزب الحاكم بألمانيا. وخلاصة القول في تصور عقائد وحضارات المستقبل نجد أن الصراع الحقيقي سيخاض ضد عقيدة الإسلام وحضارة الإسلام، ولقد كان الكاتب غراهام فولر موفقا في مقالته (المبدأ القادم) حين رشح مصر والجزائر وإندونيسيا وإيران لقيادة العالم الإسلامي في القرن الواحد والعشرين بصرف النظر عن اختلافي معه في ترشيح إيران أو إندونيسيا، ولكنه كان مخفقا حين خلط بين هذه الدول وبين الصين والهند وروسيا.. وذلك أن المبدأ القادم لن يكون الاشتراكية، كما لا يوجد مبدأ مخلوق حديثا تمت الدعوة له، والمناداة به، بل يوجد مبدأ واحد هو مبدأ الإسلام الذي يقوم على عقيدة التوحيد التي بنت حضارة متميزة تستند على الخيرية والشرية والحسن والقبح استنادا لا يمكن إلا أن تتم ملاحظة أنه من تحسين الشرع الإسلامي.. فلا يتوقع إذن إلا تصور لصراع جدير بالاهتمام والمساهمة فيه نظرا لحتمية قيادته العالم إلى سيادة الحضارة الرأسمالية أو الحضارة الإسلامية، فإذا صار الصراع باعتماد ما يسمى التفاعل الفكري دون إكراه ولو مورست المغالطات، فإن الحق في النهاية سينتصر، وتعلم البشرية أيّ المبدأين أحق وأجدر بالأخذ والتبني والإتباع، وأما إذا مورست أعمال أخرى كالاستعمار المباشر (الاستعمار التقليدي) فإن ذلك كفيل برد العالم الإسلامي إلى الوراء خصوصا إذا أكل جيلا كاملا رجاء إحياء الذي يليه في الجهل والأمية والتخلف وإن كان هذا بعيدا جدا. وأما افتعال غير هذا فإنه بالظروف القائمة والظروف الآتية المنبئة بتقدم إعلامي يستخدم الوسائل والأدوات بشكل يكاد يكون عاما لن ينجح، فلم يعد العالم سهل الخداع كما كان، ومن هنا نستطيع القول أن المستقبل بعد نصف قرن أو يزيد قليلا سوف يتحرر فعلا من الماضي الذي هو حاضرنا الحالي، وهو تحرر حقيقي لأنه يعتمد التغيير الجذري في طريقة العيش، ونمط الحياة، فلا يأخذ من الماضي إلا العلوم التجريبية وما يلحق بها، ويأخذ من الماضي أيضا وهو ماض وحاضر تراثا معينا وهو عقيدة الإسلام وشريعة الإسلام ونظام الإسلام، وعند ذلك يتحرر من الماضي لأنه ماض نظري لم يشهد علاقات متبادلة بأفكار الإسلام، ولم يشهد قيما ومثلا تبرزها حضارة الإسلام ويشهد عليها نظامها وشريعتها.
هذه بعض صور عقائد وحضارات المستقبل، والشيء الهام فيها هو عنصر الصراع والتصادم، وهو على واجهتين، فكري ثقافي (أي حضاري) ومادي (أي عسكري)، والصراع الأخير غير قائم حاليا نظرا لغياب القوة المادية في الحضارة الإسلامية، وسيكون الصراع والتصادم ماديا في المستقبل، ويتوقع أن يكون ذلك في النصف الثاني من القرن الحادي والعشرين.
لقد أشار كثير من الكتاب والساسة الغربيين إلى أطروحات اختلقوها، منها تحذيرهم للعالم وللغرب خاصة من الإسلام، كما دعوا أبناء المسلمين إلى تبني أطروحات تنطوي على خبث وجبن إذ يدعونهم إلى شيء يصرفون عنه أبناء جلدتهم، ومن ذلك مثلا دعوتهم المسلمين إلى حوار الحضارات ووحدة الأديان، ودعوتهم الغربيين إلى الاستعداد لمواجهة الحضارات الأخرى والصدام معها، يقول مدير مؤسسة الدراسات الإستراتيجية وأستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد السيد (صموئيل هينتينكتون) في محاضرة طويلة بعنوان: "صدام الحضارات"، نشرتها له مجلة الشؤون الخارجية الأمريكية بتاريخ: يونيو (حزيران) عام 1993م (إن التصادم بين الحضارات سوف يهيمن على السياسة الخارجية. والخطوط الفاصلة بين الحضارات سوف تكون خطوط المجابهة في المستقبل.. إن الدين يميز بشدة بين الناس، فقد يكون المرء نصف فرنسي ونصف عربي، أو حتى أن يكون مواطنا في دولتين إلا أنه من الصعب أن يصبح المرء نصف كاثوليكي ونصف مسلم..)) ويقول: ((إن الاختلافات في الثقافة والدين تولد الاختلافات حول السياسة)) ويقول: ((وعند الحدود الشمالية للإسلام فإن الصراع ازداد تفجرا بين الأرثوذكس والمسلمين في البوسنة، والعنف يغلي ببطء بين الصرب والألبان.. والمذابح المتبادلة بين الأرمن والأذريين، والعلاقات المتوترة بين الروس والمسلمين..)) ويقول: ((إن الحضارة الغربية هي الحضارة العالمية التي تلائم البشر..)) ولا يفوتني بهذا الصدد القول بأن الحضارة الرأسمالية (الغربية) عبارة عن مصنع يتم فيه مسخ الإنسانية، والحضارة الاشتراكية عربة يجرها خنزير أعمى، بينما الحضارة الإسلامية سكة معبدة تؤدي إلى سعادة الدنيا والآخرة.
إن صورة العقائد والحضارات في المستقبل القريب ستكون على شكل حوار، الطرف الغربي يحاور فيه أهله والقائمين على المبدأ الرأسمالي، بينما في الطرف الآخر سيكون المحاور هم عملاء الغرب، ويظل الحوار حوارا لا تكافئ فيه حتى يستلم أهل الحضارة الإسلامية زمام الأمور في بلد إسلامي كيفما كان وضعه وموقعه إلا أن يكون غير مؤهل لصنع وضعية الارتكاز، وإذا كان كذلك فسيكون مرفوضا وسيظل ما دام قائما لأنه غالبا ما تتم محاولة التحرر منه، ولكن المتوقع أن يطوي عدة عقود، وربما كان نشاط الجيل القادم نشاطا عظيما يمكنه من طي الزمن والمسافات، ثم يبدأ القرن الحادي والعشرون بوجه جديد مغاير لوجه القرن العشرين كلية..
...............
صورة الاقتصاد العالمي في المستقبل
الاقتصاد بمعنى التوفير لغة ليس موضوعنا. والاقتصاد بمعنى تدبير أمور وشؤون المال بالإيجاد والتكثير والتأميم ففيه كلام.
كان الإغريق يعنون بالاقتصاد تدبير أمور البيت، ومنه اشتُقَّت اللفظة، ثم توسع مدلوله فصار يشمل الجماعة.. فيكون المعنى الاصطلاحي للاقتصاد الذي هو تدبير شؤون المال هو موضوعنا، وعليه نقول بضرورة التفريق بين شيئين اثنين غالبا ما يتم الخلط بينهما كما يحصل عند ذكر الحضارة والمدنية.
الاقتصاد يقسم إلى قسمين، قسم يعنى باستخراج الثروات والبحث عنها وإقامة التأمينات عليها، وهو ما يسمى (علم الاقتصاد) والثاني يعنى بكيفية توزيع الثورات وترشيدها وتمكين الفرد والجماعة من الاستفادة منها، وهو ما يسمى (النظام الاقتصادي)، فالأول لا يهمنا في هذه الدراسة لأنه متعلق بالوسائل والأدوات، بينما الثاني فهو موضوعنا لأنه فكر، ويتعلق بوجهة النظر لأن المشكلة الرئيسية ليست في الوسائل والأدوات، بل في كيفية تمكين الناس من حيازة المنافع وإدارتها في المجتمع.
قواعد النظام الاقتصادي الرأسمالي
إن النظام الاقتصادي الرأسمالي يقوم على قواعد ثلاثة هي:
أولا: اعتبار المشكلة الاقتصادية في عدم كفاية الخدمات والسلع، يعتبر الندرة النسبية للسلع والخدمات مسألة تحتاج إلى علاج حتى تفي بمتطلبات الإنسان، فحاجاته متعددة ومتجددة، وهذا هو المشكل القائم دائما في المجتمع الرأسمالي.
ثانيا: يعتبر النظام الاقتصادي الرأسمالي قيمة الشيء المنتج أساسا للأبحاث الاقتصادية، وبذلك صار أكثر دراسة، وكان حافزا قويا عليها.
ثالثا: لا شيء يعتبر حجز الزاوية في النظام الاقتصادي الرأسمالي غير الثمن، فهو الذي يقوم بدور طلائعي في الاستهلاك والإنتاج..
الندرة النسبية
_ أ _ فيما يتعلق بالندرة النسبية للخدمات والسلع فإن الاقتصاد الرأسمالي يعتبرها من الحاجات التي تشبع بها الطاقات الحيوية للإنسان (الحاجات العضوية والغرائز) ولكن هذه الحاجات كلها مادية، ويجب أن تكون مادية بحثة سواء كانت محسوسة أو ملموسة، فالكساء والغذاء وهو الملموس، وخدمة الطبيب والمهندس وهو المحسوس هما ما يجب العناية به، وأما غير ذلك من الأمور المعنوية كالفخر، والروحية كالعبادة أو التقديس، فهي مسائل لا يأبه لها لأنها غير مدرجة لكونها غير موجودة في نظر الاقتصاديين الرأسماليين وإلا فكيف يفسر عدم الاعتراف بها؟
إن النظر إلى إشباع الحاجات هو ما يهتم به الرأسمالي ويعنى به نظامه، وهذا الذي يشبع حاجة ما لا ضرورة أن يكون مشبعا حاجات جميع الناس حتى يمكن اعتباره اقتصاديا من جهة النفع لأنه أصلا نافع ما دامت هناك حاجة إليه، وبهذا تعتبر الرغبة في الحاجات هي المنفعة في النظام الاقتصادي الرأسمالي، يجب توفيرها والسعي إلى إيجادها فلا يأبه لمضارها لأنها نافعة، ولو لبعض الناس كالخمر والحشيش والمخدرات والفسق والفجور وما إلى ذلك مما يعتبر غير مرغوب فيه عند كثير من الناس؛ أمور نافعة، فهي وسائل إشباع تعتبر مادة اقتصادية تشبع حاجة ما عند فرد أو اثنان، وهذه الوسائل التي تشبع حاجة الإنسان في نظر الاقتصاديين الرأسماليين محدودة في الكون، وبهذه المحدودية تعتبر نادرة، أو ستندر إن عاجلا أو آجلا لأن الطلب عليها لا يتوقف، فتكون الندرة النسبية مسألة واقعية تجثم على قلب النظام الرأسمالي وتحتاج إلى علاج لأنها مشكلة، وهي المشكلة الأم، فتكون النتيجة الحتمية في نظرهم هي وجود الفقر والحرمان ما لم تحل المشكلة، وحلها يظهر منطقيا في زيادة الإنتاج، وبهذه النظرة يتبين أن الاقتصاد الرأسمالي يعنى بزيادة الإنتاج لسد حاجة المجتمع، ولا يعنى بالإنسان من جهة كيفية توزيع السلع والخدمات ولو كانت نادرة، وهذا يؤدي دائما إلى الذهاب إلى علم الاقتصاد ليحل مشكلة النظام الاقتصادي الرأسمالي مادام الموضوع محصورا في زيادة الإنتاج، وبه يتبين أن مشكلة النظام الاقتصادي الرأسمالي التي تواجه المجتمع لم تحل، ولن تحل لأن الطريق إليها ليس المسلوك من قبلهم.
قيمة الشيء
_ ب _ فيما يتعلق بالقيمة، قيمة الشيء فإن الذي يحددها هو الشخص نفسه، وبتحديده لها تبرز أهميته بدرجات عند إنتاج الشيء، سواء لشخص بعينه، أو لشخص آخر، والأولى هي قيمة المنفعة، والثانية هي قيمة الاستبدال، ويمكن تلخيص قيمة المنفعة بأنها عادة حركة الأسواق، وبتعبير آخر عندما يكون الدقيق متوفرا في السوق حتى ولو ظل الفقير ينظر إليه وهو جائع دون القدرة على شرائه، كما يمكن تلخيص قيمة الاستبدال بأنها صلاحية الشيء لاستبداله بسلعة أو خدمة، وهو القيمة، والقيمة فقط، ولكن بشكل مواز على الأقل، ولا ننسى أن عصرنا هذا قد جعل قيم السلع غير منسوبة لبعضها البعض، بل نسبها إلى سلعة عينها، وهي النقود، وهو ما أطلقوا عليه عند نسبة الاستبدال اسم (الثمن).
_ ت _ وأما فيما يتعلق بالثمن؛ فإنه الجهاز الذي يملك شارة المرور للسوق، ذلك أنه يقرر من سيدخل الأسواق من المنتجين ومن سيظل بعيدا. وجهاز الثمن يذهب بنا مباشرة إلى موضوع العرض والطلب لأنهما لا يمكن تعيينهما من غير الثمن، والعرض هو عرض السوق، والطلب هو طلب السوق، وكلاهما يقاس بالثمن، وعندما يتقرر (وهو مقرر في النظام الاقتصادي الرأسمالي) إدخال بعض المنتجين إلى السوق، وإخراج البعض الآخر يتقرر بالمقابل بشكل منطقي استمتاع بعض المستهلكين بإشباع حاجاتهم، وحرمان البعض الآخر.
ومن صميم النظام الاقتصادي الرأسمالي في موضوع العرض والطلب زيادة الثمن عند قلة العرض، وزيادة الطلب عند قلة الثمن وهذا الذي يحكم الإنتاج والاستهلاك.
الحاجة إلى المخدرات سبب وجيه لإنتاجها
وهناك حقيقة في النظام الاقتصادي الرأسمالي قلما تتم الإشارة إليها وهي أن المستهلكين هم الذين يقررون نوعية الإنتاج وكميته، يقررون ذلك من خلال قاعدة العرض والطلب، فالمخدرات مثلا يتم إنتاجها بسبب وجود الطلب عليها، أي هناك من يستهلكها، وطالما بقي المستهلك لها فإن إنتاجها يتبع استهلاكها، وإذا قل الطلب عليها أو انعدم فلم تعد مستهلكة يتوقف طبيعيا إنتاجها لأنه يكون إنتاجا لشيء غير مربح، وهذا غير مطروق في التفكير الرأسمالي، ولكنه مقرر عمليا حتى كأنه سلوك غير إرادي كنبضات القلب مثلا.
وعند استعراضنا للحافز على الإنتاج والاستهلاك نجد أن الاقتصاد الرأسمالي لا يعترف إلا بالقيمة المادية، ولكنه لا يستطيع إنكار الحوافز الأخرى التي يراها ويدركها عند رؤيته للموجودات المبذولة والتضحيات الممارسة من طرف الإنسان، والحوافز دوافع، والدوافع ليست مادية فحسب، بل مادية وأخلاقية ومعنوية وروحية، وإنكار هذه الحوافز أو تأويلها بما لا يليق بواقعها اعتداء على الإنسان لأنه ممارسة حقيرة لمغالطته، فالجزاء لا يكون نقديا دائما (ماديا) بل يكون روحيا وأخلاقيا ومعنويا.
هذه هي صورة النظام الاقتصادي الرأسمالي، أي صورة (الاقتصاد السياسي) كما يسمونه لخصتها في الأسطر الماضية، وهي حقيقة دالة على واقع النظام، وهذا الأخير معمول به في العالم الرأسمالي (العالم الغربي)، ومعمول به ملاحق الغرب في البلدان النامية، ويكاد يجد موقعا له في الصين، وأما روسيا فقد ألحقت بالاقتصاد الغربي، وأما كوبا فإنها جزء لا يتجزأ من القارة الأمريكية التي تعتبر ملكا للولايات المتحدة الأمريكية بغير منازع، فهي ملحقة بها، ومن هنا نستطيع الإقرار بأن العالم في أواخر القرن العشرين يشهد نظاما واحدا يسوده، وهو نظام بدأت تلتحق به بعض الشعوب والبلدان لتعلق بمؤخرته، وأما مقدمته المتمثلة في زعيمته والتي قررت عولمته فإنه بدأ يفقد ثوابته، وهو على وشك الإفلاس ثم الانهيار والسقوط، سقوط يبدأ بالولايات المتحدة الأمريكية، ثم ينتقل إلى غيرها من الدول الرأسمالية. وهذا النظام الاقتصادي الرأسمالي وإن ساد العالم اليوم وعم كل الدنيا تقريبا فإنه لا يحمل في كيانه أسباب النجاح..
إذن صورة الاقتصاد الرأسمالي هي هذه في الحاضر، وستكون كذلك في المستقبل، فالمستقبل القريب مستقبل العقود الخمسة القادمة لن يعرف تحررا من هذا الحاضر الذي سيصير ماض في الثواني والدقائق القادمة..
انهيار الاقتصاد الغربي
لقد توقع كثير من المفكرين والمنظرين انهيارا قريبا للاقتصاد الغربي وخصوصا الاقتصاد الأمريكي، ونحن نشاركهم الرأي، ولكننا نخالفهم في التنبؤ به قريبا، إننا نتوقع ذلك في ظرف نصف قرن. ومن المفكرين الذين تنبئوا بانهيار الاقتصاد الأمريكي دون أن يتحقق ذلك في السنة التي قدروها، المؤلف "هاري فيجي" و"جرالد سوانسون" في كتابهما: ((الإفلاس... الانهيار الاقتصادي لأمريكا)) الأول مؤسس شركة فيجي الدولية، والثاني أستاذ الاقتصاد بجامعة أريزونا ورئيس أكاديمية التعليم الاقتصادي بالولايات المتحدة الأمريكية، والكتاب المذكور كتاب سبع سنوات من الجهد المبذول من المؤلفين يتوقعان فيه انهيارا حادا في الاقتصاد الأمريكي خلال سنة 1995م..
التضخم والعجز من جونسون إلى كلينتون
والاقتصاد الأمريكي وإن لم ينهر خلال السنة التي ذكرها الكتاب فإن ذلك لا يعني أنه ناج من مصير الانهيار الذي يلاحقه، ذلك أن التقدير لم يكن في محله فقط، أما الانهيار فإنه قادم تدل عليه عوامل اقتصادية وسياسية وأخلاقية وحضارية.. نسوق منها الجانب الاقتصادي فيما يتعلق بالتضخم ثم العجز، فما بين سنة 1963م فترة حكم ليندون جونسون وصل معدل العجز (44.8) مليار دولار، ثم تلاه نيكسون مقلصا من المساعدات لينخفض العجز من (33.4) مليار دولار، إلى (6.1) مليار دولار، وذلك ما بين سنة 1972م 1974م، ثم خلفه جيرالد فورد ولم يغادر البيت الأبيض إلا بعد أن خلف عجزا بمعدل (126.8) مليار دولار، وزاد العجز إبان حكم جيمي كارتر بشكل قياسي حيث بلغ حوالي (227) مليار دولار، وترك رونالد ريجان كرسيه والعجز واصل إلى (2،6) تريليون دولار، وبلغ العجز في السنوات الأربع من حكم جورج بوش (1،04) تريليون دولار، وبلغ العجز في السنوات الأربع من حكم جورج بوش (1،04) تريليون دولار، وتوقع الكاتبان معدلا للعجز إبان حكم بيل كلينتون حوالي (3،17) تريليون دولار؛ الشيء الذي لم يحصل تماما غير أنه ظل قائما مادام لم يمح عنصر التضخم والعجز..
الاقتصاد العالمي هو الاقتصاد الرأسمالي
وحين نقول الاقتصاد العالمي فإنا لا نعني به غير الاقتصاد الرأسمالي، ولكن بطابع أمريكي لأن هذه الأخيرة حين تفردت في الموقف الدولي صارت تنادي بالعولمة، علما بأن الفكرة نشأت في عقلية الأمريكان عند نشوء عصبة الأمم سنة 1944م ولكنها الآن أقرب إلى التطبيق عما كانت عليه حين لم تكن متفردة، فالإتحاد السوفيتي لم يكن بالدولة التي يتم تحديها دون تحمل النتائج الوخيمة لذلك..
والعولمة ليست عولمة اقتصادية كما يدعي الكثيرون، بل هي عولمة حضارية تحوي الاقتصاد والتعليم والقضاء والحكم والاجتماع إلخ.
الإتحاد الأوروبي وعرقلة العولمة
والسير بالعولمة نحو التجسيد يلقى معارضة، ويلقى إعاقة من طرف الأوروبيين لأنهم يدركون أهداف الولايات المتحدة الأمريكية، فهم حين أقاموا اتحادهم فإنما أقاموه ليقف في وجه أمريكا حتى تعاملهم معاملة كريمة، وتسمح لهم بالمشاركة في إدارة شؤون العالم الشيء الذي ترفضه أمريكا، ومن هنا كان الصراع في الأساليب والوسائل من أجل سيادة الحضارة الغربية، وتجسيد النظام الاقتصادي الرأسمالي، وعند هذه النقطة نستطيع القول بأن فكرة العولمة فكرة خاطئة ما لم تتحد عليها دول أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية حتى يمكن جر العالم إليها بسهولة، ولا ضرورة أن يعني الاتحاد على فكرة العولمة؛ صحتها.
صحيح أن الغرب قاطبة هو السيد، وصحيح أيضا أن المبدأ الرأسمالي قد عم الأرض بما في ذلك الصين التي بدأت تترأسمل، ولكن الخلاف لا يمكن أن يزول، وبالتالي فإن المؤسسات الدولية لن تنجح في حل مشاكل العالم لأن الغرب نفسه يضع العراقيل ويقيم الحواجز فيما بينه، وذلك بسبب الخلافات المصلحية، وهذه هي التي يتوقع أن تظل حية تسير مع سير الدول الغربية طيلة نصف قرن القادم، كما أن المؤسسات التي تعنى بالاقتصاد والسياسة مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والمنظمات الدولية مثل منظمة التجارة الدولية إلى غير ذلك من الوسائل والأدوات التي يستعملها الغرب، ويسخرها لمصلحته هي الأخرى تعرف خلافا بين أهل البيت؛ الشيء الذي يفيد العالم ويعيقه عن بلوغ الهدف من العولمة.
..................
صورة صندوق النقد الدولي خلال نصف قرن القادم
صندوق النقد الدولي منظمة مالية دولية مرتبطة بهيئة الأمم المتحدة منذ عام 1948م نتيجة لتوصيات مؤتمر الأمم المتحدة للنقد والمالية الذي انعقد في برييتون وودز خلال شهر يوليه 1944م وصادقت عليه الدول التي بلغت أنصبتها ٪80 من موارد الصندوق في ذلك الحين.
وهذا الصندوق الدولي تهيمن عليه الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، وهذه الهيمنة فكرية وسياسية إذ يمارس الصندوق إدارة اقتصاديات الدول بشكل مباشر فلا يمنح قرضا لأية دولة من الدول التي سماها نامية أو سائرة في طريق النمو أو متخلفة إلا بناء على شروط ملزمة، وهذا ديدنه قديما وحديثا، غير أنه يزداد تغطرسا وجبروتا بسبب ما أحدثه من خراب في بعض الدول ((فقد فرض صندوق النقد الدولي برنامجا تقشفيا اضطرت حكومة البلد _ السودان _ لقبوله، وقد أسموه شد الحزام، وقف استيراد الكماليات، تخفيض عجز الميزانية، تخفيض الدعم الحكومي لأسعار بعض السلع الأساسية..))، ((هذا البرنامج لا يعالج شيئا، بل يعمل على إرباك الأوضاع الاقتصادية والمالية والاجتماعية وينتج الفقر والفوضى وهذا ما ترغب فيه الدول الاستعمارية وعلى رأسها المهيمنة على المؤسسات العالمية)).
وله من العيوب ما لا يمكن غض الطرف عنها أو تركها تتكرر، وما حصل لسوهارتو وحبيبي وغيرهما إلا بسبب سياسة هذا الصندوق، وانظروا إن شئتم إلى روسيا واستجدائها للمؤسسات المالية العالمية من أجل إنقاذ نفسها وإيقاف انهيار اقتصادها دون أن تظفر إلا بدعم خجول، وما مجيء بريماكوف، ثم خلفه إلا محاولة فاشلة لأن الغرب لا يريد أن يتخذ من روسيا خليلة مهما بالغت في تجميل نفسها، ولكنه يخشى من السلاح الذي تملكه _ السلاح النووي _ ولا يريده أن ينتقل إلى يد لا يثق فيها.. وقد تنبهت الدول النامية إلى خطورة هذه المؤسسة التي كانت مطالبها متمحورة ((حول حقوقها في السيادة والسيطرة على مواردها وثرواتها بما فيها الحق في التأميم وعلى حقها في معاملة تجارية مالية تفضيلية...))..
إذن يستفاد مما ذكر أن صندوق النقد الدولي قد قطع أشواطا بعيدة في التأثير على اقتصاديات الدول، ومن ثم صار متحكما في الاقتصاد العالمي، بل مديرا له، يشرف على تسييره من وجهة نظر النظام الرأسمالي، ويزداد قوة يوما عن يوم، وما تفرد الولايات المتحدة الأمريكية في الموقف الدولي إلا تفردا للنظام الاقتصادي الرأسمالي عالميا، حتى أن التكتلات الاقتصادية التي قويت وتزداد قوة وتأثيرا يوما بعد يوم ليست سوى تكتلات اقتصادية رأسمالية لا تختلف إلا في جوانب معينة تتعلق بالأسواق والمزاحمة والمنافسة كالإتحاد الأوروبي..
إن صورة صندوق النقد الدولي في المستقبل هي صورة النظام العالمي الجديد، ذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية تدرك أنه لا توجد تكتلات اقتصادية لأن ما يظهر للعيان من تكتلات ينظم الحياة الاقتصادية بالفكر الرأسمالي، فهو يعتمد على وجهة النظر الغربية في المبدأ الرأسمالي، وحق لها أن تقرر ذلك، فلكي تكون هناك تكتلات اقتصادية حقيقية أو سياسية أو ما شابه ذلك يجب ألا تكون فكرا رأسماليا ومعالجات رأسمالية، وهذا لم يعد موجودا بانهيار الاتحاد السوفيتي، وغياب النظام الاقتصادي والسياسي الإسلاميين، ولا داعي لذكر الصين لأنها تسير نحو الاقتصاد الحر والليبرالية..
إن صندوق النقد الدولي ما وجد إلا ليوفر السيولة النقدية لأعضائه، هذا ما بزعمه الصندوق، ولقد حصل هذا في عديد من الدول التي اقترضت منه بحيث أمدها بالقروض، وأمدها بالخبراء، واشترط عليها شروطا، والحقيقة أن الصندوق أداة بيد الدول الكبرى الممولة له، وهو أداة بيد الولايات المتحدة الأمريكية تصول وتجول بواسطته، تصل إلى درجة إيصال الدول إلى الفقر المدقع والكساد الشامل ثم الانهيار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.
وعلى الرغم من مفاسد هذا الصندوق فإن الدول النامية تلتجئ إليه كلما عنّ لها ذلك، علما بأنها هي نفسها تدرك كماشته وشراكه، وقد جربت ذلك، وإذا طرح سؤال كما يلي:
لماذا يتم اللجوء إلى صندوق النقد الدولي بالرغم من مفاسده ومساوئه؟
والجواب على ذلك أن القائمين على أمر الشعوب في الدول النامية من السياسيين بالدرجة الأولى يدركون أنهم إنما يرعون شؤون الناس ويديرون نظامهم بشكل مؤقت، أي أنه لا توجد هناك ثقة متبادلة بين الحكام والشعوب، ولذلك بعمد الحكام إلى إغراق دولهم وشعوبهم في الديون، ويستغلون الظروف، ويغتنمون الفرص لجلب القرض ولو بواسطة مباركة المؤسسات الشكلية كالبرلمانات، يتم هذا بتواطؤ مكشوف من الدائن والمدين، لأن القرض يظل قرضا منسوبا إلى الشعب وليس إلى الحاكم، وإذا حصل وعزل الحاكم بالانتخابات أو الانقلابات فإن الصندوق ووراءه الدول المهيمنة تظل مطمئنة على أموالها ومطمئنة على الفساد الاقتصادي والإداري والاجتماعي.. كما أنها مطمئنة أكثر للتقلبات وعدم الاستقرار في الدول النامية لأن هذا الأخير هو الذي يولد الحاجة إلى الاعتماد على المؤسسات الدولية. وباختصار فإن هيمنة صندوق النقد الدولي سوف تظل قائمة، ويتوقع أن تستمر في القرن الحادي والعشرين لمدة عقود قد تصل إلى ثلاثة أو خمسة، تصل إلى نهاية الجيل الذي بدأ عهده في العقد الأخير من القرن العشرين حسب المعدل الطبيعـي للوفيات العاديـة، وقد تستمر _ وهذا هو الأرجح - إلى الجيل الذي يليه..
وكما سبقت الإشارة فإن صندوق النقد الدولي قد نشأ في سنة 1945م واستمر إلى حاضرنا هذا، ومعنى ذلك أن المستقبل الذي هو حاضرنا لم يتحرر منه، وسيظل غير متحرر إلى غاية العقود الخمسة القادمة، وهذه الأخيرة تعتبر مستقبلا، وإذن فهي المستقبل الذي لن يتحرر من صندوق النقد الدولي وهيمنته وجبروته.. وعليه تكون هذه هي صورة صندوق النقد الدولي في المستقبل مع إضافات جديدة يصعب إن لم يستحل تصورها، ولكنها لن تخرج عن الإطار العام الذي يشكل الجوهر والمتمثل في الهيمنة والاستغلال والتحكم والاستعمار الاقتصادي بواسطته..
..............
صورة منظمة التجارة العالمية
خلال العقود الخمسة القادمة
منظمة التجارة الدولية حلت محل (الغات) منذ التوقيع على إعلان مراكش في 15_04_1994م من طرف ما يزيد عن 124 دولة..
وكانت حصة العرب في هذا الإعلان بتسع دول، وهي المغرب الدولة المضيفة، والإمارات العربية المتحدة، وموريتانيا، والكويت، وقطر، والجزائر، وتونس، ومصر، والبحرين.
لم تنشأ منظمة التجارة الدولية من فراغ، فالحرب العالمية الثانية بنتيجة انتصار الحلفاء بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية أفرزت رغبة ملحة في السيطرة الثقافية والاقتصادية والسياسية.. إذ بمجرد ما انتهت الحرب حتى وضعت الأسس لاتفاقية التعريفات الجمركية والتجارة (الغات) وقد وضعت تلك الأسس في كتاب وصل إلى 22 ألف صفحة بوزن يصل إلى 145 كيلوغرام، وكلها تتحدث عن موضوع تنظيم التجارة العالمية، غير أنها لم تجد نفعا على مستوى مثير بارز بسبب التشويش الذي كان يقوم به الإتحاد السوفيتي، وحيثيات الحرب الباردة مما أدى إلى تجميد تلك الاتفاقيات فضاعت سبع سنوات من المفاوضات فيما سمي بـ ((جولة أوروغواي)).
إن منظمة التجارة العالمية مؤسسة جديدة تم إنشاؤها لتؤدي دورا مهما في التجارة الدولية، فهي والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي بحق من أعظم المشاريع الرأسمالية لخدمة الغرب والسيطرة على العالم والتحكم فيه كلية، فالسيطرة على الزراعة والخدمات والمال والاقتصاد والنقد والعمالة والهجرة والقوانين المتعلقة بتنظيم كل ذلك هي بيد الغرب بواسطة المؤسسات المذكورة، فهي القناع الذي ستر الوجه السافر للاستعمار الغربي الرأسمالي. والمتمعن في واقع النظام الدولي الجديد بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية يدرك بسهولة مدى خطورة الإلزام، إذ صار حقا من حقوق المنظمة الدولية بعد ما تم الاتفاق والتوقيع والمصادقة البرلمانية عليها أن تلزم أعضاءها بما تراه مثلها مثل المؤسستين المذكورتين آنفا.
ولذلك فالمنظمة الدولية "منظمة التجارة العالمية" لم توجد إلا لتزيد من سيطرة الاقتصاد الرأسمالي على العالم من أجل تحويله إلى الليبرالية، وقد وضعت نصوص القوانين من طرف الدول الغربية وذلك لكي تؤمن سيطرة مفاهيمها وحضارتها دوليا، وذلك إدراكا منها بوجود تصادم الحضارات في الوقت الراهن، فقد أعدت العدة وتأهبت للسير قدما نحو رأسملة العالم، وتحويله إلى الحضارة الغربية غير مهملة للعراقيل التي تعترض سبيلها، فالمتوقع للعالم أن تسيطر عليه ثلاث مؤسسات دولية إحداها منظمة التجارة العالمية، وهذه السيطرة بقابلية الاستمرار لعقود كثيرة، ولكنها في النهاية سوف تسقط لأنها تحمل في طياتها بوادر الانهيار، والنموذج الأمريكي من الداخل والخارج خير دليل..
ولا يقال بأن الغرب يعمل على إسقاط كل الإيديولوجيات وإبادة جميع الحضارات من أجل الإبقاء على الحضارة الغربية بغية تعميمها، لا يقال ذلك لأن شعوب الدنيا في غالبيتها وإن سهل جذبها واستمالتها للحضارة الغربية إلا أن بعضا منها وبالخصوص الشعوب التي تشكل أمة الإسلام يستحيل ترويضها ومصادرة حضارتها.
صحيح أن الاستعمار نجح نجاحا منقطع النظير في إبعادها عن حضارتها، ولكنه لم يستطع ولن يستطيع هدم ثقافتها وحضارتها، وعليه يكون وجه العالم في القرن الحادي والعشرين وجه رأسمالي، ولكنه مصاحب للوجه الإسلامي يتصارعان، ويتوقع لصراعهما أن ينتهي خلال نصف قرن القادم عندما تتم الغلبة لأحدهما، ولن يكون سوى المبدأ الذي يستمد مصداقيته من الكمال المطلق بحيث يكون العالم قد ملّ الحياة البهيمية، وحياة الاختلاف على أمور وأشياء نسبية قد حسمها المبدأ المذكور بشكل يقنع العقل ويوافق الفطرة ويملأ القلب بالطمأنينة..
دين العالم هو المبدأ الرأسمالي
إن دين العالم في نظر الولايات المتحدة الأمريكية يجب أم يكون المبدأ الرأسمالي، هذا المبدأ الذي يعكس وجهة النظر في الحضارة الغربية يجب أن يُسن قانونا يلزم الدنيا بالتقيد به، والانصياع له، ويسار إلى ذلك بالقوة، ولكنها قوة على شكل يبدو جميلا مؤدبا، قوة تنسب إلى مجلس الأمن، والشرعية الدولية المتبناة من طرف الأمم المتحدة..
إن صورة المنظمة الدولية للتجارة على مدى عقود خمسة على الأكثر هي صورة مؤسسة ذات سلطان تمسك بعقال الاقتصاد العالمي، تتحكم فيه، وتسير به إلى الأهداف المرسومة له، والمنظمة مجرد أداة بيد الدول الكبرى بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية بحيث تقوم بدور عالمي بإشراف فكري وحضاري يراد منه عولمة الحضارة الغربية بجميع مقوماتها ومعالجاتها، مقومات ومعالجات لا تسلك سبيل الإقناع، بل سبيل الإكراه والإلزام بأساليب خبيثة ماكرة منها التظاهر بالإنسانية، والتظاهر بالعدالة والشرعية، والتلويح جديا بتقرير المصير وحماية الحقوق إلى غير ذلك مما هو كله دجل وخداع ونفاق، ثم إنه حتى وإن أظهروا للعالم شيئا من ذلك فإنهم لا يفعلون إلا ما يتناسب مع وجهة نظرهم، ويخدم مصالحهم، وأهم منه الإغراق في التضليل بغية تلويث الرؤية عند الأفراد والشعوب حتى تقبل بهم وبأفكارهم ومخططاتهم.
وإذا أردنا تلمس مدلول هذا الكلام وتحقيق مناطه نسوق أنين واستجارة _ غورا جْدا _ ولكن لا مجير بالرغم من إعطاء الأمان من طرف الأمم المتحدة لسكان _ غورا جْدا _ فالمواثيق الدولية التي تتبجح باحترامها منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وادعاؤهم بحفظ الحقوق كل ذلك دل على التواطؤ السافر والمؤامرة الدنيئة لقتل الأبرياء والعزل، فهم حين خرجوا إلى العالم بتصريحاتهم التي تصب في هذا الاتجاه كان الصرب يجلبون المدفعية والدبابات والصواريخ وضروب كثيرة من الأسلحة الثقيلة من صربيا، ثم اقتحموا _ غورا جْدا _ ودمروا المدينة والقرى من حولها، وذبحوا الناس، وروعوهم، وتفننوا في التمثيل بالجثث، وحفروا قبورا جماعية لدفن العزل. كل هذا يحصل على مرأى ومسمع من الهيئات الدولية والمنظمات العالمية، حصل كل ذلك والعالم متمثلا فيما ذكر يستنكر و يهدد ويندد ولكنه لا يفعل شيئا حتى تتحقق الأهداف الموضوعة للمنطقة، وحين يحصل الاختلاف على شكليات عند ذلك يحصل التدخل وقد حصل من طرف الحلف الأطلسي.
قصف " النيتو " وذبح مسلمي " كوسوفو "
وأواخر القرن العشرين يشهد لنفس العنصريين الصرب، ولنفس المنظمات الدولية نفس السيناريو ولكن في جهة أخرى، جهة الألبان، نفس الشيء يحصل ولا مغيث ولا مجير حتى يتحقق ما يراد، وإلى 24 _ 03 _ 1999م لم تشهد "كوسوفو" تدخلا عسكريا لمساعدة المدنيين العزل من ألبان "كوسوفو" من مذابح الصرب ومجازرهم، بحيث استمر الأطلسي طول الفترة يندد ويتوعد، استمر يعقد اللقاءات ويقيم الاجتماعات موازاة مع مشاهدته المذابح والمجازر.
وحين بدأ القصف الجوي بالتاريخ المذكور أعلاه، واستمر أحد عشر أسبوعا لم يكن إلا لرفع إيقاع المذابح والمجازر وتسريع مستويات الذبح والتقتيل والتنكيل والتهجير.. وكذلك كان، حيث تم العثور على مقابر جماعية لمدنيين مسلمين بمجرد بدء انسحاب القوات الصربية. تم ذبح مسلمي ألبان كوسوفو بمباركة أطلسية غير معلنة، لم يكن تدخلهم إنسانيا كما يزعمون، فالقيمة الإنسانية والقيمة الروحية والقيمة الخلقية لا قيمة لها من وجهة النظر الغربية، كان تدخلهم لاحتلال كوسوفو وإرغام الصرب على القبول باتفاق فبراير 1999م (اتفاق رامبوي)، ويبدو أن هناك أهداف غير معلنة لعل أبرزها الوصول إلى احتواء روسيا خصوصا حين قبلت على مضض أن تكون تحت قيادة الأطلسي، وكذلك رغبة هذا الأخير الوقوف على تخوم الصين وعلى امتداد حدودها سواء عن طريق كشمير أو غيرها..
إن نوعية البشر التي تتحكم في المنظمات الدولية وتسيطر بواسطتها على العالم هي نوعية خاصة، وخصوصيتها لم تنبع من طبيعة البشر، بل نبعث من طبيعة المبدأ الرأسمالي، لأن الفطرة التي فُطر الناس عليها تتضمن الخير والشر، فيها الجشع والطمع والظلم والحقد والكراهية وحب السيطرة والاستيلاء على أموال الغير، كما تتضمن البذل والعطاء والمحبة، والناظر إلى واقع من يحكم العالم اليوم لن يخطئ في نعتهم أنهم وحوش، ليسوا مهذبين، وللتأكد من هذا نسوق أمورا كثيرة منها الكيل بمكيالين، مكيال خاص بالعراق ومكيال خاص بإسرائيل، وهذا يعطي حقيقة لا مجال لإنكارها وهي ضرورة وحتمية نزع الثقة من المنظمات الدولية، كما يجدر بالعقلاء من بني البشر العمل على إرغام الولايات المتحدة على الرجوع إلى مبدأ مونرو، هذا إذا كانت أهلا ومقبولة من طرف شعوب القارة الأمريكية وإلا ترغم حتى على رفع يدها عن القارة، فلا يصح منح قيادة شعب أو شعوب عديدة لبشر شاذين عن طبيعة الخير في البشرية.
إذن منظمة التجارة الدولية منظمة عالمية متسلطة على شعوب الدنيا بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، هذه التي لا تستحق قيادة العالم ولا حتى شعب الولايات المتحدة، وصورتها _ صورة المنظمة مستقبلا _ سلطوية إلزامية، فهي تمثل القوة، وسلطتها سلطة الأقوياء على الضعفاء تمارس دوليا، ومن هنا يكون دور المنظمة عالميا، يقوم بتحرير التجارة لأنه من مصلحة الدول الكبرى، فتخفيض الرسوم الجمركية أو إلغاؤها هو ما تسعى إليه المنظمة، وتسعى إلى حل الخلافات التجارية بين الدول والمؤسسات والأفراد بشكل إلزامي ما دامت تشرف على التجارة الدولية، كما تسعى إلى تحقيق إعادة النظر في القوانين الداخلية ومراجعتها بما يتلاءم مع المصالح العليا للدول المهيمنة على الاقتصاد العالمي، وقد تسن لهذه الدول قوانينها، وتسعى إلى تسهيل الاستثمار، وتربطه بقوانين البلد الذي يتم فيه الاستثمار بما يتفق مع نظام المنظمة، وهذا يؤمن الحماية للرأسمال الأجنبي، وفرض أرضية شفافة له تعتمد المرونة والحرية المطلقة في التصرف فيه، كما تنسق بين السياسة النقدية والتجارة والمالية، كما تسعى إلى تعميم القوانين حتى تشمل كل شيء يعتبر اقتصاديا، فلا تستثني الزراعة، ولا تهمل قطاع الخدمات والملكية الفكرية بحيث تحمي البراءات، وتحمي الرخص، وحق التأليف، وليست نائمة عن المواضيع المعلقة والمعقدة مثل البيئة والهجرة والإنتاج السمعي البصري (اختلف بشأنه الفرنسيون والأمريكان).
هذه هي صورة المنظمة الدولية مستقبلا، إذن فلا تحرر في المستقبل القريب من هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية، والدول الغربية الكبرى، ومعنى ذلك الزيادة في إفقار شعوب العالم وترويضها للقبول بالمنظمة وقوانينها، وعليه يكون الذي وقع على إعلان (مراكش) والذي وقع فيما بعد متجاوزا 124 دولة التي كانت في 1994.4.15م، يكون كل أولئك قد وقعوا عقدا وأبرموا اتفاقا أوصلهم إلى ميثاق العبودية، فقد اختاروا الاستعمار وأبوا إلا أن يكونوا عبيدا للولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية الكبرى وهذا شأنهم، ولكنهم بإلزامهم شعوبهم بميثاق العبودية يكونون متآمرين عليها، يتصرفون من منطلق يأبى عليهم ذلك، وبذلك تكون الشعوب التي وقع حكامها على صك العبودية للدول الغربية غير معينة بها بالرغم مما تحدثه فيها من معاناة وظلم، وعند هذه النقطة تظل رافضة تعمل على التحرر، ولكنه تحرر يتوقع له أن لا يتحقق إلا بعد خمسة عقود إذا استمر وقع الهيمنة بشكله الحالي، أو فرض إيقاعا في الأداء الحياتي يعتمد البطء في التطلع نحو التحرر، ويسرع وتيرة التضليل والتلويث لخلط الأوراق وإتلاف الدرب السليم الذي ينبغي للبشرية أن تسلكه لتسعد به ويسعد معها الكون كله..
..................
صورة البنك الدولي في النصف الأول
من القرن الحادي والعشرين
البنك الدولي مؤسسة مالية عالمية قامت بناء على اتفاقية 44 دولة عام 1944م، وكان ذلك في اجتماع تم في ((برييتون وودز))، ولقد برز بشكل عملي وقام فعلا منذ 27 ديسمبر 1945م حيث تم التوقيع من طرف 28 دولة، ومارس نشاطه في 25 يونيو سنة 1946م.
والبنك الدولي مؤسسة مالية يساهم في رأسمالها دول كثيرة، وقد بلغ رأس ماله في سنة 1949م 9338 مليون دولار، واستمر في الارتفاع إلى أن وصل إلى 200 مليار دولار أو يزيد قليلا في أواخر التسعينات، وهو رقم لم يتجاوز بعد ميزانية التسليح عند الولايات المتحدة الأمريكية حيث يفوق إنفاقها على التسلح 250 مليار دولار في كل سنة.
قام البنك الدولي للإنشاء والتعمير كما سمي عند ولادته بعمليات الإقراض والاقتراض من سوق المال، وكان جل اهتمامه منصب على الدول الأعضاء آنذاك خصوصا دول أوروبا الغربية المتأثرة بالحرب. ويسيطر على المؤسسة المالية الدولية الدول التي تساهم في رأس مال البنك. وصنع القرار فيه يعتمد على التصويت المرجح في تناسب تام مع حجم الإسهام، وبذلك آلت السيطرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية كما هو الشأن في صندوق النقد الدولي وهيئة الأمم المتحدة، وهذه النتيجة تبقى قائمة حتى ولو نزل إسهام الولايات المتحدة الأمريكية.
قام البنك الدولي بإقراض الدول النامية ومنها العربية، ووضع فوائد على قروضه بربا سريع.
وظل إجمالي حجم الديون الخارجية للدول العربية يهبط ويصعد، صعوده أكبر من هبوطه، وهبوطه يعزى غالبا إلى الإعادة وإلى الإسقاطات فيما سمي بإعادة الجدولة وإسقاط بعض الديون، وبرغم ذلك (أي بالرغم من تخلي البنك عن بعض الديون المترتبة والمستحقة) فإن الديون الخارجية للدول العربية ظلت كبيرة جدا أغلبها مترتب عن الربا حتى باتت تثقل كواهل الشعوب العربية وغير العربية، كما تعرضها للاستعباد الاقتصاد والسيطرة الغاشمة على مواردها.. فالجزائر مثلا فاق حجم ديونها الخارجية 26 مليار دولار، ومصر 40 مليار دولار، والأردن 7 ملايير دولار، ولبنان مليار دولار، والمغرب 25 مليار دولار، وسوريا 16 مليار دولار، والسودان 16 مليار دولار، وتونس 8 مليار دولار، والصومال 2 مليار دولار، وموريتانيا 2 مليار دولار، وجيبوتي 189 مليون دولار..
هذا ما يفعله البنك الدولي من نشاطات مالية واقتصادية على الصعيد الدولي، وهي نشاطات مصحوبة برعاية الدول الأكثر مساهمة في رأس ماله، وعليه تكون قيادة البنك العالمي بيد هذه الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا كاف للدلالة على كونه أداة ووسيلة للتحكم والسيطرة المالية والاقتصادية على الدول المدينة، وكاف للدلالة أيضا على الإملاء، إملاء الشروط. ومن هنا كانت صورة البنك الدولي هي هذه، كما أنها في العقود القليلة القادمة ستظل كذلك، تظل الولايات المتحدة الأمريكية مهيمنة عليه ومسيطرة على قراراته تفرض ما تشاء على من تشاء، تقرض بواسطته ما تشاء وتمنع قروضه عمن تشاء.
إن أسلوب الإقراض والاقتراض أسلوب قديم درج عليه الناس منذ القدم نظرا لحاجتهم إلى ما في أيدي غيرهم، أو نظرا لحاجتهم إلى بعضهم البعض بصرف النظر عن الدين والعرق والجنس. وقد استعمله الفرد والجماعة والدولة، وهو أسلوب صحيح لا بأس فيه يدل على سنة متأصلة في البشر، غير أن ما طرأ عليه أفقده فائدته وإنسانيته. فالقرض مجرد قرض لا شيء فيه، ولكنه حين يربط بالربا يكون ذلك مبعدا لعنصر الإنسانية فيه، وأول من ابتدع الربا؛ اليهود حتى صار غير محرج عند معظم البشر إن لم أقل كل البشر بما فيهم المسلمون الربويون. فالربا يغرق الفرد والدولة في الديون الوهمية المترتبة عن الربا، إذ أن معظم المستحقات تكدست بسبب الربا، والفرد العاجز والدولة العاجزة لا يصح زيادة تضخيم حجم عجزها، ولا يصح الكذب على الناس بإسقاط بعض الديون الوهمية المترتبة عن الربا لأنه من الطبيعي إسقاطها لأن فاقد الشيء لا يعطيه، كما أن الظروف الراهنة مثلا لا تسمح بالاستعمار التقليدي حتى يتم الإشراف مباشرة على مقدرات البلدان وثرواتها، وعليه يكون القرض قنبلة موقوتة إذا كان معتمدا على عنصر الربا، لأن الربا وإن ربا فرباه عرق الأفراد والجماعات والشعوب التي تستحق المساعدة وتقديم العون ابتغاء قيمة روحية وليس ابتغاء قيمة مادية كما هو حاله، وانظروا إن شئتم إلى الأحداث الأخيرة بإندونيسيا والتي صورت بأنها أحداث عنصرية، انظروا إلى ما سبقها من أزمات خانقة، فهل يعقل أن يكون دخل الفرد يوميا نصف دولار (أربع دراهم مغربية أو ما يعادلها) ناهيك عمن لا دخل له؟
إذن من خلال ما تقدم يتبين أن صورة العقود الخمسة القادمة على الأقل للبنك الدولي للإنشاء والتعمير ستظل على حالها كحال دار لقمان، فهي مؤسسة مالية دولية مدعومة سياسيا تتحكم في الاستقرار والاضطراب في جميع البلدان التي تم تكبيلها بالديون، فلو شاء البنك الدولي مثلا انتزاع مستحقات الديون فعل، وإذا فعل أو امتنع عن الإقراض تسوء الأحوال ويسود الاضطراب وتعم الفوضى فتختلط الأمور وتلفظ تراكمات الماضي من المفاهيم، ثم تفسر تفسيرا مغلوطا.
..................
صورة منظمة الأمم المتحدة
في القريب المنظور
سبب نشوء هيئة الأمم المتحدة
نشأت منظمة الأمم المتحدة بسبب السياسة الخارجية لدولة الخلافة، نشأت بعد حمل الدعوة الإسلامية بطريق الجهاد التي سنها رسول الله إلى قيام الساعة. فالثابت تاريخيا أنه عندما اجتاحت دولة الخلافة (الدولة العثمانية) بلدان أوروبا وبدأت تتساقط دولها إلى أن وقفت على أسوار فيينّا Vienne، في خضم ذلك وجدت رغبة ملحة لمقاومة المد الإسلامي والفتوحات التي طالت اليونان والنمسا والمجر وألبانيا ورومانيا ويوغسلافيا.. نظرا لما أحدثته من رعب وفزع في الأسرة النصرانية بأوروبا كلها لتنشأ على إثر ذلك العائلة النصرانية الموحدة على هدف منع انتشار الإسلام.. قامت تقاوم الدولة الإسلامية لمنعها من توسيع رقعة الفتوحات، ثم ردّها على أعقابها لإخراجها من أوروبا نهائيا، وأخيرا القضاء عليها إذا سمحت الظروف.
في عصر النهضة برزت بأوروبا دول قوية مالت في مؤتمر "وستفاليا" سنة 1698م إلى وضع قواعد ثابتة لتنظيم العلاقات فيما بينها بهدف مواجهة الدولة الإسلامية..
تحالفت تلك الدول مدفوعة بحقد دفين على الإسلام والمسلمين، ثم توسعت دائرة الحلف لتشمل دولا أخرى من العالم غير الأوروبي فتم قبول عضوية دول مسيحية، ثم فسحت المجال لعضوية غير المسيحيين فتم قبول عضوية الدولة الإسلامية (الدولة العثمانية) سنة 1856م بعد أن سميت بالرجل المريض، وخاصة بعدما قبلت بتخليها عن تحكيم الإسلام في علاقاتها الدولية، وقبلت أيضا بإدخال بعض القوانين الأوروبية في دستورها، هكذا سارت الأمور وتطورت بسرعة خصوصا بعد الحرب العالمية التي شهدت إثر انتهائها مباشرة عصبة الأمم، ثم تطورت لتصبح هيئة الأمم ولكن في غياب دولة الإسلام.
إذن الدول الأوروبية المسيحية حين توحدت كان ذلك من أجل الوقوف في وجه الدولة العثمانية لمنع الفتوحات التي مارستها دولة الخلافة، وحين نشأت عصبة الأمم، ثم هيئة الأمم كان ذلك من أجل الحيلولة دون عودة الإسلام إلى العلاقات الدولية والموقف الدولي، وكان أيضا ولا يزال من أجل منع قيام دولة الخلافة، ومنع المسلمين من الوحدة السياسية والجغرافية..
القرارات الدولية قرارات أحادية
ثم إن القرارات "الدولية" قرارات منظمة الأمم المتحدة هي بيد فئة صغيرة، فئة توجد داخل مجلس الأمن، فئة العضوية الدائمة وحق النقص (الفيتو)، وللتاريخ يجب أن تتم تعرية الغطاء الذي تلبسه المنظمة حتى تنعت بما هي أهله، فهي هيئة خاصة، ليست دولية، وقراراتها الأحادية ليست دولية أيضا، وشرعتها ليست شرعية أو ذات مصداقية، فهي قرارات الغالبين والطامعين والمستأسدين.. وللتأكد من هذا يكفي عزيزي القارئ أن تنظر إلى قرارات هيئة الأمم المتحدة منذ نشوئها، ثم تسأل قائلا:
_ هل مست قرارات الأمم المتحدة ولو مرة واحدة مصلحة من مصالح الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن؟
_ هل اتّخذ قرار ضد أمريكا أو فرنسا أو بريطانيا أو روسيا أو الصين ولو مرة واحدة؟
_ هل هذه الدول معصومة من الأخطاء بحيث يكون وضعها الداخلي والخارجي خال من السلوك الإجمالي؟
_ هل يعقل القول بأن سلوك المحتكرين للمنظمة سلوك خيّر كله فهو دائما في خير الناس ومصلحتهم؟
هيئة الأمم المتحدة هيئة صليبية
_ لماذا لا يتم تنفيذ قرارات الهيئة الدولية على إسرائيل مثلا؟
_ هل تم تهديد إسرائيل بحصارها اقتصاديا أو ضربها عسكريا إذا هي لم تمتثل لقرارات (الشرعية الدولية)؟
_ لماذا تم ضرب ليبيا والعراق وأفغانستان والصومال والسودان..؟
_ هل يكون حصر المسألة في المسلمين فحسب أو بشكل دائم مجرد مصادفة أم هو قصد ونية مبيتة وإجرام عن سابق إصرار وترصد؟
_ لماذا يضرب المسلمون ويتم إذلالهم في تعمد مكشوف؟ هل يراد لهم أن لا يفكروا أبدا في الوحدة؟
_ هل أدركت دول "سايكس بيكو" والولايات المتحدة الأمريكية أن الوطنية والقومية لباس اهترأ فتعرت له الأنظمة العميلة؟
_ هل هناك إمكانية لنجاح الغرب في تيئيس المسلمين وإصابتهم بالإحباط بشكل نهائي وغير رجعي؟
_ هل فطن المسلمون لسلوك أمريكا وحلفائها من غير المسلمين حين تجري تجارب عليهم في بلدانهم لترى مدى فعالية ما يتم تجريبه من أسلحة؟
_ هل فطنوا إلى أنهم بنزولهم في بلاد الإسلام إنما نزلوا ليعرفوا وضع المناطق وثقافاتها ومقدرتها القتالية..؟
لقد نتج الوضع القائم على خلفيات فكرية وثقافية وسياسية وعسكرية.. نجح الغرب في قردنة العرب والمسلمين، ونجح بعض من العرب والمسلمين في موالاة أعدائهم فصافحوهم، وحين انتبهوا إلى الأكفّ التي صافحوا بها وجدوها مملوءة بآثار دماء الآباء والأجداد والإخوة والأخوات.. صافحوا عدوهم وسيفه لم يزل يقطر دما، وحين عيب عليهم ما فعلو لم يكترثوا، بل أعلنوها حربا لمؤازرة أولي نعمتهم..
_ هل يتنبه المسلمون ويراجعوا تاريخهم وتاريخ أعدائهم بعقل رشيد وقلب شجاع؟ هل يضعوا مشروعا واحدا يرمي إلى تحرير المسلمين أم يضعوا مائتي مشروع وليس واحدا فيكون ذلك في كتاب يحمل عنوان: (( مائتي مشروع لتقسيم الغرب وتفتيته))، كما وضع المسيو "وجوفار" كتابا جمع فيه مشاريع المفكرين الأوروبيين لتقسيم تركيا سماه: ((مائة مشروع لتقسيم تركيا (يعني دولة الخلافة الدولة العثمانية)، حتى إن الفيلسوف "ليبنتز" كان مشروعه أن تعزل مصر وتؤخذ لأنها مدخل إلى أخذ الدولة الإسلامية والقضاء عليها حيث قال: ((إنه إذا انتزعت مصر من يد الأتراك _ يعني المسلمين العثمانيين _ آل أمرهم إلى البوار))، وكذلك كان حين تمرد محمد علي على دولة الخلافة، ثم حاربها، وكذلك الشأن بالنسبة للشريف حسين ومحمد آل سعود.
ماذا أعدّ المسلمون لتحرير القدس الشريف وسائر البلدان الإسلامية؟ هل لم تعد تحركهم أحداث الماضي والحاضر لبناء المستقبل؟ ماذا لو فعل اليهود مثل ما فعله النصارى حين احتلوا القدس في سنة 1099م هل نسيتم فعلة "جود فيري" لما اعتصم المسلمون في المسجد الأقصى فتبعهم الصليبيون واقتحموا المسجد وذبحوا المسلمين فيه بوحشية رهيبة لم يشهد لها التاريخ مثيلا حيث خاضت الخيول إلى الرُّكب في دماء المسلمين، استمر الذبح والترويع سبعة أيام كاملة وقُتل أكثر من سبعين ألف مسلم وهم عزّل..؟ أمثال هؤلاء وأمثال أولئك بعضهم من بعض، ولنا أن نسأل:
_ هلاّ يوجد في المسلمين من ينسيهم وساوس الشيطان؟ هل يمكن أن يكون الغدر إثما؟ وإذا كان كذلك، فهل الوفاء مع المسلمين أكبر إثما؟
اللهم نعم على لسان البابا نقولا الرابع الذي قال ما نصه: ((إن الغدر إثم ولكن الوفاء مع المسلمين أكبر إثما)).
منظمة هيئة الأمم المتحدة امتداد لعصبة الأمم التي افتخر بها ((ناحوم سوكولف)) رئيس اللجنة التنفيذية في المؤتمر الصهيوني المنعقد يوم: 28 آب (أغسطس) سنة 1952م بقوله: ((إن عصبة الأمم فكرة يهودية))، وهي منظمة سياسية دولية قامت في 24 أكتوبر 1945م، مقرها الولايات المتحدة الأمريكية، ولها ميثاق يشمل الأهداف التي تتطلع إليها المنظمة، من ذلك مثلا المحافظة على الأمن والسلم الدوليين..
والانخراط فيها يتضمن التزامات نص عليها كميثاق المنظمة، وتلعب دورا مهما في العلاقات الدولية، وتعنى بالمشاكل القائمة بين الدول، تعنى بالأمن والغذاء وحقوق الإنسان والطفولة واللاجئين ونزع السلاح وتصفية الاستعمار.. وقديما تصدت هيئة الأمم المتحدة لقضايا عالمية ولم تزل، أخذت على عاتقها قضية كشمير بين الهند وباكستان، والميز العنصري بإفريقيا الجنوبية والنزاع العربي الإسرائيلي..
وعندما انتهت الحرب بين العراق ودول التحالف تخلخل الموقف الدولي حتى برز للوجود توجه جديد يسير نحو الانسحاب من المنظمة، وبالتالي إلغاؤها والإتيان ببديل عنها حتى ولو لم يكن ذلك واقعيا إذ ذكر البديل لوحده كاف للاستدلال على شيء يدبر للمنظمة الدولية، ولكن الولايات المتحدة الأمريكية فطنت لذلك فعملت بجدية على إعطاء المشروعية للمنظمة، وإظهارها بمظهر لائق مع الضغوطات التي مارستها لجلب التأييد، فكان لها ما أرادت، فلم ينحل الحلف، ولم تسقط الهيئة الدولية، وفي خضم ذلك تمت معايشة سقوط الاتحاد السوفيتي الشيء الذي مكن الولايات المتحدة من التفرد في قيادة العالم، فصارت المنظمة الدولية دائرة تابعة لوزارة الخارجية الأمريكية..
منظمة الأمم المتحدة عبارة عن عصابة من العنصريين
إن منظمة الأمم المتحدة منظمة منحازة ومنظمة تخدم مصالح الدول الكبرى، وهي أداة ممتازة سياسيا تصلح للضغط وانتزاع ما يراد، تستعملها الدول الكبرى لتمرير ما تريد وتركبها لتحقق ما ترغب فيه، فهي منظمة عنصرية تمارس الميز العنصري بشكل سافر، وتعتبر نفسها بحق لا يصح تملك مثله من طرف الدول النامية مثلا، فالتسلح لا يكون إلا في حدود معينة، وجميع أنواع الاستقلالات والتحرير ما هي إلا شعارات استهلاكية لأن العالم محكوم بدول تتزعمها دولة إرهابية كاوبية لا تستحق قيادة البقر فكيف بقيادة البشر..؟
وصورة منظمة هيئة الأمم المتحدة خلال العقود القادمة في نصف قرن هي صورة بشعة بحيث تزداد الولايات المتحدة الأمريكية تغطرسا باستعمالها للمنظمة واتخاذها أداة بيدها، تبرر لها وبواسطتها جميع أعمالها، ولا يتوقع أن يطرأ عليها تغيير يحد من سيطرة وهيمنة أمريكا، فحتى لو قبلت _ وستقبل بزيادة أعضاء مجلس الأمن _ فإنها ترفض تملك حق النقض، أو توسيع دائرته لتشمل ستة أو سبعة دول كاليابان وألمانيا.. ولو شملت اليابان وألمانيا فإن حصرها في عدد معين يدل على الحيف والظلم، إذ كيف يعقل أن تحكم شعوب الدنيا من طرف بضعة دول لم تنجح في تحقيق السعادة لشعوبها؟ وكيف يكون ذلك مستساغا وهو دال على ديكتاتورية الولايات المتحدة الأمريكية على غيرها من دول العالم؟.
إن منظمة الأمم المتحدة عبارة عن عصابة من الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى والثانية، وإنشاؤها تم بغرض السيطرة على العالم، وإضفاء الشرعية على هذه السيطرة عن طريق القانون والمنظمات الدولية اقتصادية وسياسية..
وخدمة مصالح الدول الكبرى لم يعد في الآونة الأخيرة كما كان سابقا، لأن المنظمة تبدو وكأنها لا تخدم سوى مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، ومن هنا جاز القول بأنها ملحق تابع لوزارة الخارجية الأمريكية..
هذه باختصار صورة لأربع مؤسسات عالمية فاعلة تؤثر في الموقف الدولي تأثيرا يلاحظ أثره ميدانيا في كل حين، وقد رأيت برأي أعتبره صوابا يحتمل الخطأ مبني على تتبع متصل، واستقراء للظروف والملابسات أن العقود الخمسة القادمة ستعرف لهذه المؤسسات تغييرات طفيفة لا تكاد تذكر، ستعرف استمرارا لها بشكل قوي، وستعرف عولمة للحضارة الغربية الرأسمالية والثقافية وأسلوب العيش على النمط الرأسمالي حتى ليكاد يكون العالم رأسماليا قلبا وقالبا، ولكنني لم أغفل التفاعلات القائمة منذ عقود كثيرة من أجل تغيير وجه العالم، وهذا يتطلب تقعيدا وتنظيرا لمعالم البناء يستند على وقائع، ويركب قرائن ودلالات تصل إلى التغيير الجذري.
ولا بأس من إعطاء صورة عن تصوير ورسم العالم المنشود يمارسه الفرد والجماعة خصوصا في البلدان النامية، وبالأخص البلدان العربية والإسلامية..
إن عرض صورة ما ذهنيا يعني وصفها، وأما تصويرها ذهنيا فلا يعني غير التفكير في شكلها ومعالمها في الخيال كالمهندس تماما، يبدأ في وضع أشكال معينة في ذهنه، ثم يضعها في أرواقه بعد ذلك ليظهر في النهاية صورة بناء، ثم يأتي الحرفيون والعمال لتجسيدها في الواقع، فكذلك التصوير بالنسبة لموضوعنا، بدأنا بعرض صور وأشرنا إلى من صوروها دون المساهمة غير مهملين الصور الذي يعكف على رسم معالمها وأشكالها في ذهنه أولا، ثم العمل لتجسيدها في الواقع من خلال كفاحه ونضاله ثانيا، وعلى هذا الأساس يمكننا أخذ كل شيء يتعلق بالحياة وبالعملية التصويرية لها، ولكننا مؤقتا لا نرى غير تناولها بتناول مؤسسات محددة، وهي مؤسسات أربعة اقتصادية ومالية وسياسية هي منظمة التجارة الدولية وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي ومنظمة الأمم المتحدة.
مزبلة التاريخ هي المكان المناسب لمنظمة الأمم المتحدة
إن منظمة الأمم المتحدة لا تصلح لمد الجسور بين الشعوب والأمم لأنها عنصرية (عنصرتها أمريكا) منحازة تخدم مصالح القوي ولو كان على حساب إشقاء الضعيف.. وعليه تكون الدعوة إلى الانسحاب منها بل والعمل على ذلك أمرا مطلوبا، وهو من ضمن محاولة تحقيق تحرر المستقبل من الماضي، ويمارس هذا دعوة ودعاية الفرد والجماعة بالبلدان النامية، كما أن هناك دولا تتمنى لها السقوط، ولكنها لا تجرؤ على التصريح بذلك.. فغالبية الدول في العالم حاليا تعاني الظلم، ويقع عليها الحيف، وتهضم حقوقها، ويمارس هذا كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول النقض (الفيتو) وغيرها من الدول التي تقع خارج تملك حق النقص لأنها في الدرجة الثانية، ويكفي مثلا خوف الدول الضعيفة من العقوبات الاقتصادية إن هي تمردت على المنظمة بسبب مطالبتها بحقوقها، إذا هي فعلت ذلك نعتتها أمريكا ثم الذي يلي أمريكا في التقردن بأنها خارجة على القانون الدولي، وعلى الشرعية الدولية.. وهذا سبب وجيه وحافز على ضرورة ترك المنظمة تنهار بالانسحاب منها، يجب أن تكون هذه دعوة جميع المظلومين من الأفراد والجماعات والشعوب والدول الضعيفة..
فصياغة الأمر على هذا النحو ظلم لا يضع الناس في منزلة واحدة في الإنسانية واعتباراتها الشيء الذي يجب أن يثير الإنسان على رفض هذا التفاضل الظالم، فالمنظمة يجب تركها تسقط وتلقى مصيرها حتى تقتعد موقعا لها في مزبلة التاريخ.. ويجدر بالدولة الأبية صاحبة القلب الكبير والعقل الرشيد أن تتمتع بالوعي وتتصف بالشجاعة حتى تتمرد على المنظمة وتنسحب منها، فلعها بذلك تغري غيرها من الدول بتبني طريقتها..
صحيح أن الدول الصغيرة تتهافت على المنظمة وتخشى من طردها منها، ولكن الدول الكبرى مثل الصين وروسيا وألمانيا واليابان مؤهلة لإعلان الانسحاب، وإذا فعلت ذلك تكون قد سنت سنة حميدة سرعان ما تتبعها الدول الأخرى في الانسحاب مع التفكير الجدي لإيجاد البديل عن منظمة الأمم المتحدة التي هي دائرة من دوائر الخارجية الأمريكية..
ولتحقيق ذلك يجب الإعداد له من جميع الجوانب، وإذا أحسنت الدولة المنسحبة سلوكها عند الانسحاب فإنها ستأخذ بشكل طبيعي مبادرة التأهيل للاستحقاق، لأنها تكون مدافعة عن الضعيف، ورافضة للميز والحيف الممارس في المنظمة الظالمة، وعندها تستحق قيادة العالم أو على الأقل إدارته من دون قطبية واحدة، وقضاء مصالحه بشكل عادل لا تظلم فيه الشعوب والأمم الضعيفة كما يقع حاليا.
هذا فيما يتعلق بمنظمة الأمم المتحدة.
عدم التعامل مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أمر ملح
وأما فيما يتعلق بالبنك الدولي فإن الانسحاب منه أمر ملح لأنه يحقق التحرر من الماضي، وهو غاية في البساطة بحيث لا يقترض منه فيتم البحث عن بديل له، ومن كانت له أرصدة مودعة في بنوك تتصل به أو تستعين به تسحب، كما على الدول النامية بما فيها دول الخليج أن تسحب أرصدتها المالية من جميع البنوك التي تتعامل مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بغية التأثير عليه لإصابته بالعطب والعجز والإفلاس ثم الانهيار..
ولا يسار إلى ذلك قبل الاعتماد على قاعدة الذهب والفضة حتى يؤمن الاستقرار السياسي والاقتصادي..
ويقام بنفس الدور، ويسلك نفس المسلك مع صندوق النقد الدولي.
نقض التوقيع على صك العبودية بمراكش واجب
وأما منظمة التجارة العالمية فإنها أظلم منظمة وأخطرها، وهي وإن كانت جديدة إلا أن تأثيرها ظهر للعيان عند بداية التوقيع على صك العبودية في مراكش (المغرب) فهي منظمة أشد جبروتا من الأعاصير، وتشكل دولة داخل دولة، ولذلك يجب التحرر منها وكسر قيودها والاتعتاق من شراكها، ويكفي ما قامت به من سن لقوانين ملزمة لكل عضو فيها تستطيع بواسطتها تغيير أنظمة الحكم والحكام..
الخوصصة ظلم واعتداء على الملكية العامة
إن التحرر الحقيقي من الماضي، أو تحرير حاضرنا ومستقبلنا من الظلم في المجال الاقتصادي مثلا يمر عبر ما يلي:
منع الخصخصة (الخوصصة) لأنها ظلم واعتداء على حقوق الشعوب والأمم، اعتداء على الملكية الجماعية، إذ كيف يعقل تملّك شيء طبيعة تكوينه تمنع اختصاص الفرد بحيازته؟ وكيف يعقل تملّك المعادن التي لا تنقطع؟ كيف يعقل تملك المرافق العمومية التي يتفرق الناس في طلبها إن هي ملّكت للأفراد؟
إن الناس تتفرق في طلب الماء مثلا إذا كان الماء مملوكا للأفراد والشركات، أو تلجأ إلى نفس الأفراد والشركات تستجدي عطفكم ورحمتهم، وتؤدي ثمنا ليس من حق الفرد أو الشركة أخذه، لأن الناس يجب أن يشتركوا (ليس اشتراكية طبعا) فيما كان من المرافق العامة للجماعة أو الشعب أو الأمة لا يحرم منه فرد واحد.
ثم إن المعادن التي سرعان ما تنقطع، ولا تكون بشكل تجاري يجوز تملكها ويؤدى عليها مستحقاتها إلا أن تكون من المعدن العدّ الذي لا ينقطع، عند ذلك لا يصح التملك من طرف الفرد ولا الدولة، لأنه ملك جماعي تشرف عليه الدولة ولا تضمنه إلى ملكيتها، لأنه ليس لها، وتوزعه على الشعب أو الأمة وذلك كالبترول والماء والكهرباء والفوسفات إلخ.
ثم إن ما كانت طبيعته تمنع اختصاص الفرد به لا يملّك أيضا لأنه يكون من مرافق الجماعة، فللفرد مثلا أن يملك عين ماء، ولكنه لا يصح له تملّك نهر أو واد..
وحين نورد هذا فإننا نسوقه للفت انتباه الناس إلى مخالفة ذلك للواقع، ومن هنا كانت الخصخصة أو (الخوصصة) فكرة خبيثة تبيح للفرد تملّك مالا يستحقه، تبيح له الاعتداء على الملكية العامة للشعب والأمة..
متى يستحسن التدخل في الانتفاع بالثورة؟
إن التملك شيء طبيعي، والاعتداء على الحق الطبيعي ظلم، وعليه يجب تملّك الأشياء والمنافع من طرف الأفراد فردا فردا، ولكن هذا التملك يجب أن لا يكون على حساب الملكيات الأخرى، فهناك ملكيات يشترك فيها الناس، وهناك ملكية الدولة بالإضافة إلى الملكية الفردية، وحين نورد ملكية الدولة فإنا لا نعني بها أن يملك الحاكم ما يشاء منها أو بعضها، فلا يحق له تملك ما ليس له، وملكية الدولة ليست ملكية له لأنها ليست ملكية فردية، وبذلك يكون مالكا لحق التصرف فيها ضمن حدود تحول دون الاعتداءات على الملكيات الأخرى، فالحاكم مسؤول عن إدارة ملكية الدولة وفق ما يراه مصلحة لرعيته، يعينها له مبدؤه، له الحق مثلا في توزيع الأراضي على الفلاحين، ولكنه لا يحق له إعطاء أصول الأراضي، يمنحهم حق الانتفاع ويساعدهم على ذلك في الفلاحة والزراعة.. كما أن التأميم ليس حلا للمشاكل الاقتصادية، بل هو اعتداء على الملكية الفردية؛ الشيء الذي لا يصح، لأن الحق الطبيعي يأبى ذلك ولا يجيزه، فنقل ملكية فرد ما إلى ملكية الدولة أو الجماعة والأمة أمر مشين وظلم سافر.
ولا يقال بهذا الصدد أن الفرد مثلا يملك آبارا للبترول ومناجم للذهب والفضة وشركات كبرى وهو غير معقول والحل يكون في نزع الملكية الفردية بالتأميم، لا يقال ذلك لأن الحل هو معرفة طبيعة ما يُتملَّك ونوعيته، فما كان ملكا للجماعة والشعب والأمة لا يحق تملُّكه من طرف الأفراد، وإذا ثبت ما يدل على ذلك ينتزع منه، والعملية لا تسمى تأميما لأنه بمثابة رد مسروق إلى أهله وأصحابه.. كما لا يجوز تملك الحمى لأنه من المنافع العامة، فلا يصح ولو بشكل مؤقت تملك الطريق العام لمنع الناس من الانتفاع به لساعة من الزمن سواء بالمرور أو بالوقوف، لا يصح سد منفذ لمستعملي الطريق العام كما يحصل في البلدان العربية عند مرور الرؤساء والأمراء والملوك، فلا تُملَّك مثل هذه المنافع للفرد، شأنها شأن البحار والأنهار والمراعي.. كما لا يصح منع الفرد من تملك المصانع والمعامل والمؤسسات ولو كانت كبرى إلا أن تكون طبيعة ما تملك ليست حق الفرد.. كل هذه الأمور إن وجدت، فإن وجودها من شأنه ضمان العيش الكريم لكل فرد من أفراد المجتمع في غير ما قلق واضطراب، ومن شأنها تحقيق التوازن في المجتمع، خصوصا إذا قام ذلك على نظرة سليمة للاقتصاد كنظام، وليس كعلم لأن العلم يُعنى باستخراج الثروات وتنميتها، والاقتصاد يُعنى بكيفية توزيع المنافع والخدمات والثروات على أفراد المجتمع بتوازن وعدل لن يقوما مطلقا إلا إذا استند على قاعدة فكرية صحيحة تقنع العقل ووافق الفطرة وتملأ القلب بالطمأنينة..
صحيح أن التدخل في الانتفاع بالثروة قد لا يروق الإنسان، ولكنه حين يوجد نوع من الانتفاع يكون شاذا كأن ينتفع الإنسان ببيع أخيه الإنسان أو المخدرات أو ما شابه ذلك فإن الإنسان يدرك أنه لا بد من التدخل في الانتفاع بالثروة، ولكن السؤال المطروح هو: من يتدخل وكيف؟
والجواب على هذا موجود في المبادئ والعقائد والمفاهيم، فما على الإنسان إلا أن يبحث عن أيها أجدر بالأخذ والتبني.
مطالبة الاستعمار بسداد فواتير الاستغلال
هل يمكن للدولة المدينة الني ذاقت الاستعمار أن تطالب هذا الأخير بأداء فاتورة استغلاله لها طيلة فترة الاستعمار؟
إن الدولة المدينة غالبا ما تم تكبيلها بالديون من أجل السيطرة على اقتصادياتها وسياساتها، وهذه الدول المستعمِرة ـ بكسر الميم ـ تعي جيدا ما تفعله، فقد غيرت أسلوب استعمارها من استعمار تقليدي إلى الاستعمار الحديث، فانخدعت له الشعوب لما فيه من مغالطات أضفت عليه طابع الشرعية من خلال الاستعمار المؤسساتي والسياسي والاقتصادي..
هذا الاستعمار يأخذ مقدرات الشعوب والدول ويضعها رهن إشارته، يستطيع إفقار الناس، يستطيع تأليب القاعدة على القمة، يستطيع إطالة أمده، وفي أواخر القرن العشرين طلع علينا بجديد قديم، وقديم جديد يتمحور حول العولمة، وهي عولمة حضارية، وبما أنها كذلك فهي إذن عولمة اقتصادية وسياسية وتعليمية وإعلامية..
والدول التي تعاني من الديون الخارجية وتعاني الحيف والظلم حين تُسيَّر من طرف المؤسسات (الدولية) والدول المؤثرة في الموقف الدولي، حين تنقاد كالبعير للضغوطات الخارجية فتضر بذلك شعوبها، حين تستمرئ العمالة والتبعية بغية إرضاء الاستعمار فقط من أجل الحفاظ على المناصب والكراسي.. حين تفعل هذا وهي مستعدة لفعل ما هو أقبح وأفظع، فإنها تؤكد بذلك عدم رشدها، وعدم أهليتها للقيادة وتحمُّل المسؤولية، وعليه يجدر بها ولو مرة واحدة أن تقف موقفا مشرِّفا وذلك كأن تفتعل قضية الديون الخارجية من منظور معقول ومنطق مقبول إلا لدى الاستعمار، فهذا الدائن الذي أقرضها ما هو إلا لصّ من جهة كونه استعمرها في فترة ما، أو استعمر شعبا مسلما في أي بلد كان من باب إحساسها أنها جزء من كل، ثم مطالبة الدائنين بشرط الاستعمار في الماضي أو الحاضر بعد تهيئة الفواتير؛ بأداء المستحقات عليهم، وهي كبيرة جدا، بل وخيالية، يقوم المدين بعمل حسابي يأخذ أيام الاستغلال إبّان الاستعمار بالشهور والسنين والعقود ويضع أرقاما ثمنا للاستغلال عن كل يوم، ثم يطالب بأدائها كاملة غير منقوصة..
فإذا كانت الجزائر مثلا قد استعمرت 132 سنة، فإن معدل الاستغلال عن كل يوم في ظرف قرن وثلاثة عقود وسنتين يصل إلى ستة وتسعين مليار وثلاثمائة وستين مليون دولار ( 96.360.000000 ) وذلك بنسبة مليونين من الدولارات عن كل يوم استعماري، وهذا المبلغ إذا ما قورن بالدين الخارجي للجزائر والبالغ نحو 26 مليار دولار أو يزيد قليلا، فإنه لا يكاد يظهر مع المستحقات التي للجزائر على فرنسا مثلا.
وإذا كان المغرب قد استعمر من فترة 1912م إلى غاية 1956 م أي ما معدله 44 سنة، فإن نفس الحساب يعطي اثنان وثلاثون مليار ومائة وعشرون مليون دولار ( 32.120.000000 )، وهذا الرقم يفوق ديون المغرب الخارجية بأكثر من عشرة مليارات من الدولارات..
هذا من جهة، مع ضرورة اللجوء إلى الخبراء لتقييم مبالغ الاستغلال الحقيقية.
وأما من جهة أخرى، جهة قفز فصيح ومطالبته بتغيير وجع التاريخ وذلك كأن يقول بأن المسلمين حين فتحوا البلدان كانوا بذلك ممارسين لشكل من أشكال الاستعمار مما يترتب عليهم هم أنفسهم المطالبة من طرف الغير بأداء فواتير الاستغلال وهي بالقرون الطوال وليس السنين أو العقود، حين يقال ذلك يردّ عليه بأن الشعوب التي تم فتحها واستقطابها للمبدأ الإسلامي صارت مسلمة حين اعتنقت عقيدة التوحيد وصدقت نبي الهدى محمد بن عبد الله ، كما أنها لم تعرف رجوعا عن الإسلام، فلم يثبت تاريخيا أن ارتد شعب عن الإسلام، وعليه لا خوف ولا ضجر حتى من الاستجابة لمثل هذا القول، يبقى شيء واحد هو عدم الاستجابة لإجراء استفتاء بشأن ذلك لأنه مضيعة للوقت وتضليل سياسي..
إذن على الدول والشعوب المدينة أن ترفض أداء الديون المستحقة عليها، لأنها ليست ديون أولا، وإن كان ولا بد وجب إسقاطها رأسا والمطالبة بأثمنة الاستغلال التي مارسها الاستعمار ثانيا.
إذا سار العالم على سياسات سليمة ومفاهيم نظيفة لا يخطئ الطريق المؤدي إلى السعادة، ولكنها سعادة أو طمأنينة دائمة في جزئية واحدة أو اثنتان أو أكثر، ولكن السعادة الحقيقية والتحرر الحقيقي يجب أن يكون في الاقتصاد والسياسة والتعليم والحكم والقضاء والداخلية والخارجية..
إن تحرير المستقبل من الماضي ولو أنه ممكن التحقيق في الجزئيات التي ناقشناها، في الاقتصاد مثلا، إلا أنه يظل تحريرا منقوصا ما لم يأخذ الحياة كلها، يأخذ العقائد والمفاهيم والأنظمة حتى يتغير وجه العالم البغيض هذا..
..................
خاتمة الكتاب
((يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ))
سورة الدخان. الآية: 16.
..............
ملاحظة:
وجه العالم في القرن الحادي والعشرين (دراسة استشرافية لنصف قرن القادم ) كتاب صدر في جمادى الثانية سنة 1420 هـ الموافق شتنبر 1999م.
وهذا الصدور لافت لأنه جاء في نفس الشهر الذي تمت فيه التمثيلية البغيضة في إسقاط البرجين بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 2001 وكان الصدور قبل الحدث بسنة واحدة الشيء الذي كان يجب طبقا لمنطق التمثيل أن أدان على كتابي وربما أتهم بتدبير حدث الحادي عشر من سبتمبر، ولكنه لم يحصل لسبب بسيط هو أنني لا أنتمي لأي حزب سياسي ولا أقود أي تجمع بشري ولا يظهر علي شيء من مظاهر التدين كاللحية واللباس ولم يختاروني كبش فداء..
لقد طبعت من الكتاب ألف نسخة ونفذت في ظرف وجيز جدا وكأن أحدا أعدمها من السوق شراء.
وإني لم أغير في الكتاب شيئا من جمله وفقراته ونصوصه، ولم أعلق عليه رغم بروز بعض تنبؤاته ووقوعها، كل ذلك للإبقاء على مصداقيته في الاستشراف، وستجد حضرة القارئ المحترم ما أضيف إلى الكتاب كالتالي:
الحقوق المادية: غير محفوظة.
الحقوق المعنوية: محفوظة للمؤلف.
النشرة الإلكترونية الأولى شتنبر 2010
الترقيم الدولي: ردمد 1114 – 8640 ISSN
مع فهرس في بداية الصفحات الإلكترونية وهي في الطبعة الورقية تأتي في آخر الصفحات وذلك للفت نظر القارئ إلى مواضيع الكتاب قبل أن يتفحصه.
|