الرئيسية » كتب وإصدارات



 

 

سلسلة الجيرة الإلكترونية

الإعلام والطبيعة

 (الجزء الثاني)

ـــــــــــــــــــــــ

المؤلف:

محمد محمد البقاش

أديب ومفكر مغربي من طنجة

ــــــــــــــــــــ

النشرة الإلكترونية الأولى

السبت: 13 يناير 2018م

ـــــــــــــــــــ

سلسلة الجيرة الإلكترونية إصدار رقم: 26

ـــ الكتاب: الإعلام والطبيعة (الجزء الثاني)

ـــ المؤلف: محمد محمد البقاش أديب باحث وصحفي..

ـــ الحقوق المادية غير محفوظة للمؤلف خلاف الحقوق المعنوية، ولكن رجاء إشعاري قبل طبعه فربما عدلت فيه، كما يجوز النسخ والاقتباس شرط ذكر المصدر..

ـــ النشرة الإلكترونية الأولى: الاثنين 13 يناير 2018م

ـــ الطبعة الورقية الأولى: لم يطبع الكتاب بعد.

ـــ الإيداع القانوني: 462 ـ 98.                                     

ـــ ردمد 1114 – 8640    ISSN.

للاتصال بالمؤلف:

حي الزودية زنقة 10، رقم 16، طنجة، المغرب.

الهاتف المحمول:

 00212671046100

0671046100

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كلمة النشرة الإلكترونية الأولى

الإعلام والطبيعة (الجزء الثاني) كتاب كتب منذ مدة ولم ينشر ورقيا ولا إلكترونيا، واليوم قررت نشره إلكترونيا تعميما للفائدة ريثما يتيسر لي نشره ورقيا، وللعلم فإن كتاب: جاهلية الشيعة وسخافة عقولهم (دراسة مقارناتية للدين الشيعي)  هو الآخر لم ينشر ورقيا، ولكنني نشرته إلكترونيا بتاريخ: الاثنين 14 مارس 2016 م، وهذا الكتاب أنشره هو الآخر إلكترونيا حتى لا تبقى الحاجة إليه وهو بعيد عن القراء في انتظار نشره ورقيا.

الإعلام والطبيعة (الجزء الثاني) يفيد بصدور الجزء الأول منه وقد صدر فعلا سنة: 2001م، والجزء الثاني كتب قديما بحيث كان جاهزا في السنة التي تلت الطبعة الورقية الأولى للجزء الأول، ولكنني لم أنشره نظرا لضغط بعض المؤلفات التي ارتأيت نشرها قبله وهي: ـ الأقصوصة الصحفية (تقنية الكتابة والبناء) منشورات المهاجر غرناطة فبراير 2002. ـ الليالي العارية (أقصوصات صحافية) الطبعة الأولى سنة 2008. ـ ظلال الطفولة (مجموعة قصصية من الأدب المَمْدَري للصغار والكبار) النشرة الإلكترونية الأولى نوفمبر سنة: 2008، والنشرة الورقية الأولى 2009. ـ طنجة الجزيرة (رواية من الأدب المَمْدَري للصغار والكبار) الطبعة الورقية الأولى: 2009، والنشرة الإلكترونية الأولى: 2009. ـ نساء مستعملات (رواية من الأدب الممدري) الطبعة الورقية الأولى 2010. ـ سخف الحداثة وخواء الحداثيين (في النقد والنقض) الطبعة الورقية الأولى: 2010، والنشرة الإلكترونية الأولى: غشت 2009. ـ طنجة النصرانية (رواية من الأدب الممدري) الطبعة الأولى 2011. ـ حركة تصحيح مسار 20 فبراير (دراسة للشعارات المرفوعة) الطبعة الأولى 2011. ـ النظرية المَمْدرية (في الفكر والأدب والفلسفة)، الطبعة الورقية الأولى: 2012. ـ الجهاز المناعي للقرآن الكريم، الطبعة الورقية الأولى: 2012.

ستجد حضرة القارئ المحترم حديثا عن الإعلام المركب وتحدثت فيه عن الراديو والتلفزيون ولكنني لم أتحدث عن الوسائل الجديدة التي ظهرت، لأني كما قلت كتبت كتابي في الظروف التي لم تكن فيها وسائل الإعلام قد وصلت إلى هذا التقدم الهائل فاعذرني إذ لم آت على دراستها أو الإشارة إليها نظرا لعدم وجودها في ذلك الوقت أو على الأقل لعدم حصولي عليها وانتشارها بالشكل المطلوب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد محمد البقاش

طنجة في: 13 يناير 2018م

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

إعلام الطبيعة

الطبيعة مجموع الأشياء والأنظمة. فهي الشيء والنظام. أي أنها من الذرة أو ما دونها إلى جميع المجرات فالسماوات بجميع أنظمتها وقوانينها.

والانتظام الذي نلمسه ونحس به في جميع موجودات الكون ما هو إلا نتيجة وجود الشيئين معا: النظام، والأشياء. فالنظام لوحده لا قيمة له لأنه سوف يفتقد لأشياء ينظمها. والأشياء لوحدها لا قيمة لها لأنها سوف تفتقد لنظام ينظمها حتى يبدو الانتظام. فلا يوجد شيء اسمه الصدفة إلا في كلامنا وقواميسنا، حتى حياتنا اليومية وما نصيبه فيها من أحداث تأتينا هكذا كما يقال من غير ترتيب ولا طلب ليست صدفة، وإنما هي محبوكة في العلم الأزلي تكون قضاء قضي ولا مرد له، ويكفيك أن تكتب قصيدة شعرية على سبورتك، ثم تمسحها وتجمع مسحوق طبشورك، ثم تعيده إلى سيرته الأولى بصرف النظر عن إمكانية ضياع بعض حبيباته لترى هل يستطيع كتابة قصيدتك من دونك؟

لا يوجد شيء اسمه الصدفة والمصادفة في الطبيعة، هذا ما تعلمنا به هذه الأخيرة، والسبب في اعتبار المصادفة هو نفس السبب في اعتبار الاحتمال؛ مرده إلى الجهل بالماهية، ماهية الحدث الذي اعتبر صدفة، ولا يقال أن لنظرية المصادفة أسس رياضية تقوم عليها، لا يقال ذلك لأن ما جعل أُسا لها في عدة مجالات يدل على القصور الكبير في معرفة الحكم الصحيح، وأما إذا اقتصر على طلب الحكم الأقرب إلى الصواب، فإن ذلك معقول إلا أن ينسب إلى الصدفة والمصادفة. ولنلقي نظرة على إمكانية حصول أشياء بالمصادفة كما يراها العلماء ليتقرر على ضوء ذلك التخلي عنها، أو على الأقل التشكيك في شأنها.

((إن البروتينات من المركبات الأساسية في جميع الخلايا الحية. وهي تتكون من خمسة عناصر هي: الكربون، والإيدروجين، والنيتروجين، والأوكسجين، والكبريت. ويبلغ عدد الذرات في الجزء البروتيني 000 40 ذرة. ولما كان عدد العناصر الكيماوية في الطبيعة 92 عنصرا موزعة كلها توزيعا عشوائيا، فإن احتمال اجتماع هذه العناصر الخمسة لكي تكوِّن جزيئا من جزيئات البروتين يمكن حسابه لمعرفة كمية المادة التي ينبغي أن تخلط خلطا مستمرا لكي تؤلف هذا الجزء، ثم لمعرفة طول الفترة الزمنية اللازمة لكي يحدث هذا الاجتماع بين ذرات الجزء الواحد.

وقد قام العالم الرياضي السويسري تشارلز يوجين جاي بحساب هذه العوامل جميعا فوجد أن الفرصة لا تتهيأ عن طريق المصادفة لتكوين جزء بروتيني واحد إلا بنسبة 1 إلى 10 160، أي بنسبة 1 إلى رقم 10 مضروبا في نفسه 160 مرة، وهو رقم لا يمكن النطق به أو التعبير عنه بكلمات، وينبغي أن تكون كمية المادة التي تلزم لحدوث هذا التفاعل بالمصادفة بحيث ينتج جزء واحد أكثر مما يتسع له كل هذا الكون بملايين المرات، ويتطلب تكوين هذا الجزء على سطح الأرض وحدها عن طريق المصادفة بملايين لا تحصى من السنوات قدرها العالم السويسري بأنها عشرة مضروبة في نفسها 243 مرة من السنين (10 143)).

هذا مثال واحد عن إمكانية الحصول على البروتين بالمصادفة علما بأن الإنسان استطاع الحصول على البروتين من المادة المركبة كالبترول، ولكنه لم يحصل عليه بالمصادفة، وهكذا يظهر حيثما كنا، وفي أي جهة صرنا، ومن أي سلم فكري أو معرفي تعلقنا وتسلقنا؛ يظهر الشيء ونظامه، وفي علاقاتهما يظهر الجمال البديع وهو الانتظام الذي يشمل جميع الموجودات، ويطلق على هذه الموجودات مع نظامها؛ الطبيعة.

والطبيعة تتضمن شيئا اسمه الكون، إذ تحتوي عليه، والكون بما فيه وبمن فيه جزء منها لأنه شيء أو أشياء كثيرة لا تحصى ولا تعد. ولجميع محتوياته، ولجميع مواده وأشيائه سنن وقوانين ونظم يخضع لها. فكان الجمع بين الأنظمة والأشياء الملموسة والمحسوسة مؤد إلى شيء اسمه الطبيعة.

والطبيعة وسيلة وأداة إعلامية ضخمة، بحيث كلما اتجهت إليها إلا وبهرتك بسحرها وجمالها وعظمتها ودقة صنعها، وشوقتك لسبر أغوارها لأنها أسرار وأسرار.. ولكنها على كل حال غير ممنوعة عليك، فهي كتاب مفتوح لكل قارئ يريد أن يتلقى إعلامها، ويطلع على مكنوناتها حتى يفهم ويتعظ ويبجل بارئها.

وسواء أجلت بصرك في فضائها، أو ركزته في مجراتها، أو اقتصرت به على نجومها وكواكبها، أو قصرته عن كل ذلك إلى محتويات أرضها_ أرضنا_ من نبات وطير وحيوان وأسماك وحشرات وإنسان.. فإنك غير بالغ قراءة صفحة واحدة من صفحات هذا الكتاب المفتوح، ولذلك لا يسعك إلا التسبيح بإجلال لخالقها ومدبرها، وبعد ذلك لا بأس عليك أن تتناول ما تشاء من محتويات بالدراسة والتقصي والبحث رجاء إشباع نهمك الاستطلاعي الذي لن تشبعه مطلقا.

لقد قلنا عن الطبيعة بأنها وسيلة إعلامية ضخمة، وكونها وسيلة إعلامية فإن ذلك يكشف أثرا لقوة واعية تدير دواليب الطبيعة وتشرف على تسخيرها للإنسان بالدرجة الأولى وهي من صنع يده وآية من آياته الباهرات. ولكي لا أستبق الأحداث أود الإشارة إلى إعلام واحد فريد ترسله الطبيعة إلى كل ذي لب من أجل الإقرار بحقيقة أزلية سرمدية كانت سبب وجودها.

لقد علمنا أن الطبيعة مجموع الأشياء والأنظمة. والأشياء دون نظام تظل بلا معنى. والنظام بلا أشياء ينظمها يفقد معنى وجوده. وبمجرد معرفة هذا يتأتى إدراك حاجة النظام إلى أشياء، وحاجة الأشياء إلى نظام، وبه يظهر جليا عدم الاستغناء في النظام والأشياء سواء كان النظام ملتحما مع الأشياء أو لم يكن. وسواء كانت الأشياء ملتحمة مع النظام أو لم تكن، لأن مجرد بروز حاجة شيء إلى شيء يؤكد عجزه عن إيجاد ما يحتاج إليه، وحين يؤكد ذلك يظهر احتياجه إلى غيره لأنه بصفة الحاجة يكشف عن النقص والعجز فضلا عن المحدودية فتكون النتيجة هي أن الطبيعة غير مستغنية بذاتها لأن مجرد وجود الحاجة في نظامها وأشيائها منفردين أو مجتمعين يقر بعدم أزليتها فهي لم توجد نفسها فكان أن أوجدها غيرها، فهي مخلوقة له، ومحتاجة إليه، وبهذا تكون الطبيعة بأوصافها المذكورة تعلمنا عن المغيّب الذي خلقها هو الله تعالى، وأنها مجرد آية من آياته.

هذا ما تظهره الطبيعة وتكشف عنه لمن يتأملها ويدرسها حتى يقف على الحقيقة الأزلية التي كانت سبب الوجود كله، وهي وراء الطبيعة، وفوق العقل والخيال، هي الله جلت قدرته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إعلام النجوم

إذا جلت ببصرك في السماء ليلا بهرتك السماء الدنيا بالمصابيح ((وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ)) () سورة الملك، والمصباح هاد كاشف ((وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ )) () النحل، ((وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)) () الأنعام.

وإذا تأملت كثيرا في المصابيح وجدتها نجوم قد صوبت أشعتها في جميع الجهات، وخصتك أنت بنورها وإشعاعها حتى لكأنها تخاطبك، وتعلمك أنها لم توجد إلا لك ((أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ)) () لقمان.

هذه النجوم تهديك في ظلمات البر والبحر، وتطرب شعورك حين تنظر إليها، وتزين أفقك كما تفعل أنت في بيتك بالمصابيح. وإذا أنت تناولت مصباحا وعلقته فوق رأسك وجعلت البعد بينك وبينه بضعة أمتار فإنك تتمتع به وتنتفع بضوئه، ولكنك إذا أدنيته كثيرا حتى لامس رأسك فإنه سوف يؤذيك ويقلقك، وقد تستغني عن نفعه فضلا عن تأذيك بحرارته الزائدة التي يحدثها حين يقارب فروة الرأس أو أي عضو من أعضاء جسمك، فكذلك النجوم في السماء، إنها كراة ضخمة ملتهبة يصدر عنها إشعاع لا يطاق، وحرارة لا تذيب الإنسان فقط، بل تذيب الكواكب ككوكبنا الأرضي، ولكنها بعدت عن كوكبنا بملايين السنين الضوئية وبعدت عن مجموعتنا بمسافات شاسعة أصابت الدقة في اقتعادها لتلك المكانة مرغومة على قبولها حتى تأخذ شكل المصباح، وكان بعدها عن الأرض بالوضع الذي هي عليه عاملا نافعا لسكان الأرض من جميع المخلوقات، فصارت على هيئة المصابيح التي لولاها لكانت الأرض مظلمة ليلا يستحيل على الإنسان تحت طائلتها أن يقوم بأي نشاط فيه إذ سوف يقتصر نشاطه على النهار الذي يكون مبصرا عند من يسكنون النصف الذي يتلقى ضوء وأشعة الشمس، ويكون النصف الآخر غارقا في ظلمة لا يستطيع معها رؤية جسمه أو أي عضو منه، فكيف برؤيته غيره؟

ولنا أن نتساءل قائلين: لماذا كانت النجوم على هذه المسافة بالضبط حتى تكون مصابيح ولم تكن غير ذلك كشمسنا وهو نجم مثلها مثلا؟؟

والجواب على ذلك أن احتلالها لهذا البعد فيه عامل إعلامي يخبرنا عن الدقة والتقدير اللذان لولاهما لما كانت هناك حياة بشرية بالخصوص ولما كان الإنسان إن قدر له أن يكون على هذا المستوى من العقل والتعقل، فكان ذلك إعلام من النجم نقرؤه ونشاهده ونحن نراجع حرفا واحدا من كلمة واحدة من جملة واحدة في سطر واحد من صفحة واحدة من صفحات الطبيعة.

ولا غرابة فمعارفنا عن النجوم والمجرات والكون والطبيعة لازالت في طورها الأول، ومهما بلغت فإنها لن تكون إلا كقطرة ماء في محيط. فلكي تقرأ هذا الكتاب أو أي كتاب آخر لا بد أن يستغرق بعض وقتك. وإذا استطعت قراءة كتاب واحد في ظرف ساعة واحدة وكان هذا هو معدل قراءتك لأي كتاب صغر أو كبر، وقررت أن تقسم وقتك، فجعلت أربع ساعات للنوم والأكل والعمل والنزهة والرياضة، أو جعلتها لسد جميع حاجاتك العضوية والغريزية، وأنفقتها على سائر اهتماماتك.. وأبقيت عشرين ساعة (20 ساعة) خالصة للقراءة فقط، فإنك تستطيع قراءة عشرين (20) كتابا في اليوم والليلة، فيكون عدد الكتب التي قرأتها في سنة واحدة سبعة آلاف وثلاث مائة كتاب (7300 كتاب)، وإذا أفنيت عمرك في القراءة بهذا الشكل وعلى نفس الوتيرة والايقاع فإن عدد الكتب التي تستطيع قراءتها في ظرف ستين سنة (60 سنة) من عمرك يصل إلى: أربع مائة وثمانية وثلاثين ألف كتاب (000 438 كتاب)، وإذا وصلت أرذل العمر فإنك وبنفس الطريقة دائما تصل إلى قراءة ما مجموعه ثمان مائة وستة وسبعين ألف كتاب (876000) في ظرف مائة وعشرين سنة (120 سنة) من عمرك المبارك.

ولا أظنك تخالفني الحكم على وجود الملايين من الكتب الأخرى التي تنتظر دورها للقراءة لن تستطيع قراءتها إلا إذا عشت القرون الطوال وليس السنين.

إن الرصيد المعرفي الموجود عند البشرية حاليا لا يستطيع المرء الاطلاع عليه كله لأنه يستغرق وقتا لا يستطيع الإنسان أن يملكه ولو عاش القرون. وإن المعارف المتعلقة بالكون رغم ضآلتها سوف تكبر وتزداد فتتكدس في المقروءات، أو تحفظ في الكمبيوترات، أو أجهزة أرقى منها تطورا لا قبل للإنسان باستيعابها بسبب عمره القصير جدا فلا يسعه بعد ذلك إلا طلب ما يريد منها لحاجته إليه.

وللإشارة فإن الكثير من المقروءات اليوم يضيّع الإنسان وقته في قراءتها بسبب رداءتها وسخافتها، وما يطلب منه اليوم هو البحث عن الثقافة التي تساير الكون فتأخذ نفس مجراه إلى الحقيقة التي وراءه وهي الله تعالى حتى يحيا الحياة التي أرادها الله له في جميع علاقاته.

إن سبر أغوار الكون عملية دراسية تنتج أفكارا ولا شك، ولكن هذه الأفكار قد ترقى إلى مستوى الحقيقة وقد تظل مجرد أفكار ظنية، غير أن الشيء المطلوب ملاحظته في جميع البحوث هو استفراغ الوسع، وطلب مطابقة الفكر للواقع سواء بتجريب ما يمكن تجربته أو ملاحظة علاجه فعلا لما يراد علاجه. والبحوث النظرية التي تهمّ الأمور العلمية يراعى فيها عدم خروجها عن الأخبار القطعية الواردة في القرآن والسنة المتواترة لسبب بسيط هو أن النصوص القطعية هي العلم القطعي اليقيني، وإذا لم يكن فنحن سواء مع العقلاء الذين يطلبون الحقائق نخوض فيما يخوضون ونطلب ما يطلبون ولكن مراعاة للإذن من الشارع ووقوفا عند أخباره الغيبية القطعية.

والنجم المتوهج واحد من بين البلايين من النجوم الموجودة في السماء الدنيا، هذا النجم وسيلة إعلامية من بين الملايين من وسائل الإعلام الموجودة في الكون، يخبر من يتلقى إعلامه عن ذاته ومحيطه، كما ينبؤنا عن موجود أوجده بحيث يظهر أثر وجوده فيه فضلا عن سائر الأشياء، ويزيده إعلاما كونه يظهر مختلفا في لونه وحجمه عن غيره، وقد يتشابه، ولكن إذا تشابهت نجوم وأحجامها وألوانها فإن غيرها لا بد مختلفا، وهو مشاهد بالعين المجردة، ونحن نستطيع أن نقول عن نجم بأن لونه أزرق، أو أحمر، أو أصفر، ولكن زرقته أو حمرته أو صفرته حتى وإن كانت ثابتة في أعيننا إلا أنها ليست هي كل ألوان النجوم، فالألوان سببها الشعاع الآتي من النجم. واختلاف أطوار أمواج الشعاعات هو الذي يجعل الألوان مختلفة. هذه الشعاعات عبارة عن إشارات إعلامية يستخدمها العلماء حاليا لمعرفة البعد والقرب بيننا وبين النجوم، بحيث يستدلون على بعدها أو قربها بما ترسله من إشعاع يصل أرضنا ولهم في ذلك استدلالات أخرى، فالنجم بلونه الأزرق يخبرنا عن بعده الكبير عنا، كما يخبرنا بمدى ارتفاع درجة حرارته، فهو أشد حرارة وأعلاها. إن اللون الأزرق يعني السعير، سعيرا في دنيانا، وهو أدنى فوق التصور من سعير جهنم والعياذ بالله، بينما النجم الأحمر يخبرنا بانخفاض درجة حرارته، ويخبرنا أيضا بكبر حجمه ويسمونه النجم العملاق، ومهما تكن درجة حرارته منخفضة فهو الذي ينتج حرارته وضوءه، ولا تأتيه معكوسة عن غيره. إنه مفاعل نووي عملاق ولكن حرارته أقل من حرارة النجم الأزرق سواء على سطحه أو في قلبه. وأما النجم الأبيض كشمسنا فإن حرارته دون النجم الأزرق وفوق الأحمر، ويكون النجم لا يزال في ريعان شبابه. وهناك نجوم حمراء لا تراها العين العارية في قبة السماء لأنها صغيرة تكبر شمسنا بكثير. وشذت عن القاعدة نجوم عملاقة جبارة تظهر للعين العارية بلونها الأحمر ولكنها كبيرة جدا، وما إن تجمع مقدار 400 شمس (نجم) كشمسنا فإنها لا تصل إلى حجمها. وشمسنا وإن بدت صغيرة معلقة في السماء فإنها لو قورنت في حجمها بجميع كواكبها التابعين لها لكانت أكبر منهم بكثير، ولو جمعت 300 أرض بجميع مخلوقاتها ومحتوياتها من مادة لما كانت كتلتهم جميعا تساوي كتلة الشمس، فإلى هذا الإعلام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإعلام الشمسي

الشمس نجم ضخم يبدو معلقا في الفضاء، ويظهر قريبا إلينا، نرى سطحه النير بالعين المجردة، ولا نرى أسطحه الأخرى التي تأخذ أشكالا وألوانا غير التي عهدناها بنظرنا هذا. فالنتوءات والبقع السوداء وألسنة اللهب الحمراء العالية جدا التي تصدر عنها وتبلغ ارتفاعا مذهلا في الفضاء لا ترى إلا بوسائل أخرى كالتلسكوبات عند الملاحظة والمراقبة، كما ترى طبقتان غازيتان مختلفتا الخصائص هما جو الشمس والإكليل. فالذي يظهر لنا بالعين العارية هو القرص والسطح النير، والشعاع الذي يعطينا الضوء والدفء والحرارة. هذه الشمس كما قلنا ليست لوحدها بل هناك شموس أخرى تعد بالبلايين لأنها نجم يكبر كثيرا عن غيره، ويصغر عن بعضه. وتأخذ لون البياض الناصع الفاقع حين تكون في كبد السماء. وتأخذ لون الاصفرار حين تميل إلى الغروب، كما تأخذ لونين مختلطين حين يصير إشعاعها أفقيا في الغرب فيظهر قرصها وقد أحيط بجو تخرج منه إشعاعات تعطي ألوانا مختلفة.

والملاحظ أن شمسنا وإن كانت نجما إلا أنها لا تأخذ شكل المصباح، ولا يستحسن اعتبارها مصباحا ضخما لأن المصباح مهما عظم وضخم فإنه يظل مصباحا يضيء في الظلمة ولا يطردها نهائيا الشيء الذي ينطبق على النجوم ولا ينطبق على شمسنا إلا إذا بعدنا عنها حتى تأخذ شكل المصباح، وكونها لا تأخذ شكل المصباح فإن ذلك يعود إلى القرب، فهي قريبة منا ولا تبعد إلا بمقدار مائة وأربعة وأربعين مليون كيلومتر ( 000 000 144 ) وفي بعض التقديرات الأخرى ( 000 000 150 ) كيلومتر. وهي أم مجموعتنا الشمسية، فهي التي تمسك بأرضنا وقمرنا وعطارد والزهرة والمشتري وسائر الكواكب والكويكبات والأقمار والمذنبات الموجودة في النظام الشمسي. وهي التي سوف تبتلعهم بعد حين عندما تنتفخ فيكبر حجمها ويصير نجما أحمر يتمدد وفي تمدده تتسع دائرته المغناطيسية فيجذب إليه مجموعته ثم ينطفئ لأن الانطفاء والانكدار والتكوير آماد وزوايا سوف تصل إليها النجوم حتما ومن النجوم الشمس. وهي وإن كانت شابة تستطيع القيام بدورها في مدة معينة تصل إلى خمس مليارات سنة كما في بعض التقديرات، فإنها لا بد منطفئة. هذا النجم الأصفر أو هذه الشمس لم تأخذ شكل المصباح لأنها لم تهيئ لذلك بالنسبة إلينا. وإذا استطاع الإنسان الابتعاد عنها بمقدار ابتعاد النجم عنا الذي يأخذ نفس مواصفاتها فإنها سوف تظهر له على شكل مصباح ينير ولا يضيء ولا يقوى على طرد الظلمة نهائيا من نصف الكرة الأرضي فلماذا هيئت إذن؟؟

إن الشمس المستعرة وسيلة أخرى من وسائل الإعلام المودعة في الكون. وهي وإن كانت نجما إلا أن علاقتها بنا، وعلاقتنا بها لم تمنحها صفة النجم إلا من جهة كونها كرة ضخمة ملتهبة تقوم بعمل النجم تكبر عن الكثير وتصغر عن الكثير. وأما كونها مصباحا فهذا لا ينطبق عليها لسبب بسيط هو أنها تطرد الظلمة بصفة نهائية حين تشرف على نصف الكرة الأرضي حتى حين، كما أن ضوءها القوي يحجب عنا رؤية النجوم في السماء نهارا إلا في حالات الكسوف للقمر. ولقد خلقت لمهمة عظيمة تتعلق بنا نحن البشر، ولولاها لكنا في ظلمات لا يقدر على إزالتها إلا خالقها قال تعالى: ((قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ () القصص، فهي تمثل شيئا آخر، أو تريد أن تعلمنا بأنها هيّئت لبث الدفء والحرارة والضياء.. هيئت لنشر ذلك على أرضنا حتى ينتفع به سائر المخلوقات. فإعلامها هذا إعلام يكرس سبب الحياة وتعمير الأرض دون إرادة منها إذ لولاها لما كانت هناك الحياة التي نعرف، حتى أن هذه الحياة مربوطة بها ربطا محكما. وأما الحرارة التي تصدرها الشمس فهي هائلة جدا، ولقد قدر العلماء درجة حرارة وسط القرص ب 6000 درجة مئوية، بينما أطراف القرص فأقل من ذلك، ولكن قلبها النابض فقد قدرت درجة حرارته ب 000 000  20 درجة، وفي بعض التقديرات الأخرى وصلت إلى 000 000 40 درجة مئوية. إنها السعير حقا. والطاقة والحرارة أخضعها العلماء لقوانين الديناميكا الحرارية، بحيث تجعل من كل جرم صغر أو كبر يحمل طاقة أو حرارة يفقد طاقته وحرارته خصوصا إذا كانت صادرة عنه كالشمس، وسائر النجوم النابضة. فعلى الرغم من الحرارة الجهنمية التي تصدر عن الشمس، وكميات الطاقة الضخم الذي تشعه بلا انقطاع قدر بـ 000 89 سعر حراري عن كل سنتمتر مربع من سطحها في ظرف دقيقة واحدة أو أكثر، وعلى الرغم من التفاعل النووي الذي يحدث فيها وينتج الحرارة فإن جميع هذه الحرارة منبعها مواد قابلة للفناء، وإذا كان كذلك وهو كائن حتما فإن الشمس سوف تفنى حين تفقد طاقتها ومخزونها من الوقود النووي؛ الإيدروجين. وكونها تفنى حين تفقد طاقتها كما حصل لكثير من النجوم في السماء فإن ذلك لا يعني أن الكون سائر إلى نهايته المحتومة عبر قوانين الديناميكا الحرارية، لا، لأن الكون مخلوق، وكونه مخلوقا فإن خالقه قد يفنيه قبل بلوغه أجله وفقا لقوانين الديناميكا الحرارية، وقد يبقي عليه حتى يبلغ الأجل لأن الكون ملك له. والمالك للشيء متصرف فيه بإذن وبغير إذن، والله تعالى فعّال لما يريد، ولا يسأل عما يفعل، وبه يفعل ما يشاء متى شاء دون إذن أحد أو استشارة أحد، ولم أسوغ لنفسي هذا القول إلا بعد الرجوع لقوله تعالى: ((يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)) () الرعد، وقوله أيضا: ((فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا)) () الكهف، وقوله جوابا على هذا الاستفهام الوارد على لسان موسى مع الرجل الصالح: ((وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا)) () الكهف، أي لم نرد للغلام أن يصل بنموه وكبره إلى مرحلة الشباب أو الرجولة حتى يرهق أبويه ويذقهما المرارة بعقوقه وكفره وطغيانه رحمة بالوالدين الصالحين، وهذا يعني أن الغلام سوف يكون كافرا طاغيا لما سبق في علم الله تعالى بالرغم أن ذلك لم يشاهد أو يحتضنه مسرح الحياة، فالله تعالى وضع حدا لحياته في الصغر، ولو كبر فإن كبره سائر حتما إلى الكفر والطغيان فمحى الله المرحلة التي تلي صغره وهو غلام، ووضع حدا لقانون لن يتخلف مطلقا إلا إذا تدخلت إرادة الله، وهنا تدخلت لتضع حدا لمسيرة الغلام منعا لإرهاق الوالدين ورحمة بهما، ومن هنا يمكن القول بأن سير الكون وفق سنن وقوانين إلى غايته قد يظل سائرا حتى يبلغها، ولكن يمكن القول أيضا أن الله تعالى إن يشأ منعه من بلوغ الغاية وفق قوانين الديناميكا الحرارية فله ذلك وهكذا.

هذا ما أرشدني إليه الإعلام القرآني، ولمزيد من التوضيح عند الوقوف على قوانين الديناميكا الحرارية وجعلها الوحيدة في تصور مصير الكون أسوق بعض الإشكاليات يمكن أن تطرح لمناقشتها وهي:

أولا: حصول أشياء في الماضي لا تساير نظام الكون والطبيعة وفي حالة فريدة من نوعها قانون الديناميكا الحرارية.

ثانيا: اعتبار الكون كساعة الرحى يعمل بالحركة الأولى.

ثالثا: حتمية تدبير هذا الكون.

رابعا: القول بأزلية الكون.

خامسا: احتمال وجود عناصر يبنى بها الإيدروجين داخل النجوم.

سادسا: احتمال وجود دورة للإيدروجين يقطعها في الكون يبني بها نجوما أخرى وهكذا دواليك.

سابعا: إمكانية نفي التوقيت في قوانين الطبيعة عند حدوث المعجزات وإمكانية عدم نفيها.

أ_ إن من يرى مصير الكون وفقا لقوانين الديناميكا الحرارية لا بد مصطدما بتعطل هذا القانون وقتا من الزمن في حالة معينة حصلت تاريخيا، وكان محتما أن يطبق عليها قانون الديناميكا الحرارية.

لقد قص علينا القرآن الكريم قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه. فقد ائتمروا على إحراقه بالنار، وحفروا حفرة كبيرة ملئوها بالحطب وأوقدوها بالنار الرهيبة. ولإدراك رهبتها ننظر إلى الكيفية التي قذفوه بها في النار، لقد استعملوا المنجنيق ورموه بواسطته إلى قلب النار. ولا يهمني في هذه العجالة أن يقال بأنه قد قذف من مكان شاهق وليس بالمنجنيق، لا يهمني هذا القول إن ورد رغم أني لا أعرف أحدا يقول به. المهم أن لهيب النار يتعالى وحرارتها تتمدد في كل الجهات كلما كانت النار قوية الشيء الذي لا يمنع اقتراب الإنسان منها إلا بواسطة وسائل معينة كالألبسة الواقية من النار، ولكن إبراهيم عليه السلام لم يكن يلبس بذلة رجل المطافئ المضادة للنار لأن الإنسان لم يكن يعرفها في ذلك الوقت، وإبراهيم واحد من الناس الطبيعيين، وجسمه جرم صغير يخضع لقوانين فسيولوجية وغيرها، كما يخضع لها الناس، والنار تحرق جميع الأجسام القابلة للاحتراق كجسم النبي إبراهيم، ومع ذلك رموه في النار المستعرة وبقي فيها فترة من الزمن حتى أتت على سائر وقودها ثم خمدت وخرج منها إبراهيم بسلام وأمان. ترى ماذا نستنتج من هذه الحالة الفريدة من نوعها؟

بالنسبة لقوانين الديناميكا الحرارية فإن جسم إبراهيم لا يختلف عن جسمنا مطلقا مما يحتم إحراقه إذا تعرض للنار وذوبانه بسرعة، ثم إحالته إلى غازات نظرا للنار الملتهبة القوية ذات الحرارة العالية التي حوت جسم إبراهيم وشخصه الكريم. وهو يخضع لقوانين الطبيعة كما نخضع لها نحن تماما، إذ هي تحتم مثلا الحفاظ على مستوى معين من الحرارة داخل جسمه وفي محيطه أيضا، ولكن عند تعريض هذا الجسم أو أي جسم آخر لأي مخلوق من جميع الكائنات الحية للحرارة فإنه يستحيل العثور على رفاته، إذ لا يبقى من أثر الأجسام إن أردت اعتبارها آثارا إلا الرماد، ولكن إبراهيم عليه السلام ومع حمله لصفة البشرية وخضوعه لما يخضع له الناس لم يحرق بالنار، بل لم يفقد درجة حرارته اللازمة لبقائه حيا، وحتى محيطه الذي كان فيه وهو في قلب النار كان بردا وسلاما عليه، لم يكن إلا بردا عاديا يستطيع من خلاله الإنسان البقاء حيا دون تأذّ، إذ لم يكن زمهريرا، وكذلك كان، فلماذا لم تأكله النار؟ ولماذا لم ترتفع درجة حرارة جسمه مسايرة لارتفاع الحرارة التي خضع لها؟ ولماذا لم يتعرض إبراهيم لأي خلل يعتبر شرطا من شروط الحياة؟ هذا الذي حصل لإبراهيم مخالف لسنن الطبيعة البشرية ولطبيعة النار التي عجزت عن إخضاع إبراهيم لقانونها الشيء الذي يجعل ما حصل معجزة لا يقدر على جلبها أحد، ولا تستطيع النار ولا الطبيعة محاكاتها. فأين القوانين هنا؟ وأين الديناميكا الحرارية؟ إنها معجزة أظهرت سلب الله تعالى لخاصية الإحراق من النار، وأظهرت في المقابل سلب خاصية الاحتراق من جسم إبراهيم عليه السلام وهو أمر غير مألوف، وبه تظهر إرادة الله تعالى في مخالفة القوانين الطبيعية لتؤكد خضوع الكون له، وتفتح الباب أمام القول بإمكانية إيقاف سير الكون دون بلوغه غايته وفقا لقوانينه، كما تظهر بشكل لا يقبل الجدل حاجة الكون إلى مدبر دائما وأبدا. ولا يقال أن إبراهيم شخصية تاريخية مشكوك في أمر ثبوتها وحقيقتها. لا يقال ذلك لأن الخبر ورد في كتاب الله تعالى، وهو إعلام وإن كان غيبا إلا أنه يقيني وهو الأصدق قال تعالى: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا () النساء، ولا يقال أيضا أن الخبر خاص بالمسلمين لأنهم يعتقدون من منطلق قرآنهم في قصة أبيهم إبراهيم. لا يقال ذلك لأن نفي القصة لم يعتمد إلا على الرجم بالغيب، فلا يستطيع أحد نفيها بأدلة معينة، وهم سواء والعلماء الماديون الذين يقولون بعدم وجود خالق للكون لأنهم إلى الآن لم يستطيعوا تقديم أدلة على عدم وجوده، وما جاء على ألسنتهم لا يرقى إلى مستوى الاستدلال العلمي والعقلي، وربما ظهرت في الحفريات آثار تشير إلى قصة إبراهيم. فالبابليون أهل كتابة، وإبراهيم منهم، سكن بلادهم، وشهد شعب بابل مهرجان إحراقه بالنار وهو مشهد تحفظه ذاكرة الأجيال ويستحق التسجيل، كما شهد شعب مصر مهرجان المناظرة الكبرى بين سحرة فرعون ونبي الله موسى. أقول هذا حسرة على الذين فاتهم تصديق كتاب الله وتكذيب المستشرقين.

ب_ اعتبار الكون كساعة الرحى يعمل بالحركة الأولى لا ينفي وجود الله تعالى ولكنه ينفي عنه صفة من صفاته، أو يضيقها فيجعلها في الماضي دون الحاضر والمستقبل، هذه الصفة هي صفة التدبير، وهي صفة لازمة لذاته العلية، يشهد عليها العقل المتدبر في الكون والطبيعة، ويشهد عليها القرآن الكريم، وذلك مثل قوله تعالى عن التدبير: ((إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ () يونس، وقوله: ((قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ () يونس، وقوله: ((اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ () الرعد، وقوله: ((يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ () السجدة.

فإذا كان الكون في البدء شيئا مجتمعا متراكما بعضه فوق بعض، ثم انفتق حسب التعبير القرآني، وانفجر حسب النظرية العلمية الحديثة التي يسمونها بيك بانك Bing Bang أو الانفجار الأعظم ولا يزال يتوسع ويتمدد كما يقول العلماء سبقهم إليه القرآن الكريم في قوله تعالى بسورة  الذاريات: ((وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ()))، فمعنى ذلك أن الله تعالى قد وضع للكون سننا وقوانين ضبطه بها، وجعل له حيزا يشغله، وبدفعته الأولى والحركة الأولى ظل سائرا وسيبقى سائرا بسبب قوة الدفع الأولى التي أنتجت حركته بعد جموده إلى أن ينتهي بانتهاء أجل القوة الدافعة كما يحصل للسيارة حين تكون سائرة وفق سرعة معينة، ثم تنطفئ الشعلة فجأة فيتوقف الموتور عن الدوران والحركة، ولكن السيارة تظل سائرة بقوة الدفع الأولى حتى نفاذ طاقة الدفع، هذا ينفي كما قلت حقيقة التدبير، وإذا قيل أن التدبير قد كان قبل خلق الكون بحيث سبق في علم الله تعالى خلق الكون على هيئة معينة، وحالة خاصة سوف يخضع لكذا وكذا، ويسير وفق كذا وكذا، ويشهد في تطوراته كذا وكذا دون تخلف، علمناه أم جهلناه، إلى أجل مسمى في الغيب، وكذلك كان، فكان الكون ميكانيكيا، أو كساعة الرحى لا تتوقف إلا بتوقف الحركة، لا يقال هذا لأنه يجعل التدبير في الماضي ويصرفه عن الحاضر والمستقبل، وهو غير جائز عقلا ما دام الإنسان قد شهد خرقا لقوانين الطبيعة والكون في معجزات الرسل الشيء الذي يشهد على حضور التدبير في الحاضر والمستقبل.

وللخروج بحكم نهائي نسوق الآيات الأربع الوحيدة التي تتحدث عن التدبير، هذه الآيات استعملت صيغة المضارع ليشمل الماضي والحاضر والمستقبل، ثم إنه وإن كانت اللغة العربية خاضعة للزمن، والزمن يشمل الماضي والحاضر والمستقبل إلا أن الله تعالى فوق الزمان والمكان، فقوله تعالى: ((وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ()   النساء، وقوله: ((مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا () النساء، وقوله: ((وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ())) النساء، وقوله: ((وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ())) النساء، هذه الآيات بصيغة الماضي لغة تدل على الدوام والاستمرار، صحيح أن فعل كان لغة يعني الحدوث والوجود ويفيد التوقيت بزمن مخصوص ولكنه قد يعرى عن معنى التوقيت بزمن مخصوص فيصبح بمعنى صار، وصار يصير صيرا وصيرورة في حق الإله لا تعني الرجوع والتحول والانتقال، أبدا،  ففعل كان لغة يأتي بمعنى الثبوت ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض ثم استوى على العرش)) فالله تعالى لم يبتدأ إذ لو ابتدأ لكان مخلوقا ثم لوجب البحث عمن أوجده ولكنه الأول ليس قبله شيء وبه يكون الآخر ليس بعده شيء وهذا يعني أنه غير محدود وبه يكون كاملا الكمال التام والمطلق الذي يليق بجلاله عز وجل،  ومن صفات الكمال أنه القيوم، والقيوم قائم على أمر خلقه مدبر له، وبه يظهر جليا أن الكون ليس ماكينة كبيرة صممها الله تعالى في البدء بعدما خلقها وضبط قوانينها، ثم حركها إلى أجل مسمى يوجد في قوة الدفع الأولى، بل هو متحرك بتدبيره في كل لحظة وحين، يمسكه ويدبره، وما من يوم إلا والله في شأن من شؤون خلقه، قال تعالى: ((يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ())) الرحمن، وقال تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ())) فاطر.

ت_ حتمية ظهور التدبير في الكون فيما يتعلق بقوانين الديناميكا الحرارية لا أريده أن يذهب بنا إلى الاستدلال على وجود المدبر، بل يذهب بنا إلى ضرورة وجود إرادة يظهر عليها أثر التدبير في الواقع دائما، تتدخل في شؤون الكون لتجعله يسير وفق قوانين وسنن معينة كما تمنعه بالإرادة عن مسايرة قوانينه أحيانا، وبه يمكن القول أن الكون يسير وفق قوانينه وسننه بإرادة الله ويخالفها بإرادته أيضا، والإرادة والمشيئة تفسران لنا ما ظهر خارجا عن قوانين الطبيعة لتؤكد في المقابل عنصر التدبير، وتذهب سخافة القول بأن الكون آلة ميكانيكية ضخمة تعمل وفق تقدير يؤدي إلى تغييب التدبير الشيء الذي يعكس نقيض لسان حال الكون ويعطل صفة من صفات الله وهي القيومية، والقيومية لا معنى لها إن تعطلت، ولا يقال أن القيومية ستتعطل حين يفني الله الخلق كله، لا يقال ذلك لأن الصفات تابعة للأسماء والأسماء ليست تابعة للصفات فقد تجد اسما لا مدلول له في الصفة وهو الوحيد وهو اسم الجلالة الله جلت قدرته، فاسم الله تعالى لا مدلول له في صفة ولكنه يجمع جميع صفات الكمال فإن أردت الاستعانة مثلا تحتاج إلى قادر على إعانتك والقادر اسم من أسماء الله والقدرة صفة من صفاته، وإذا أردت العزة تحتاج إلى عزيز والعزيز اسم من أسماء الله والعزة صفة من صفاته، وهكذا يجري التنقل بين جميع صفات الكمال وفي النهاية تجدها مجسدة في الذات العلية ذات الله تعالى وبغير قابلية أن تتجسد في ذات غير ذاته سبحانه وتعالى فكان الله هو الله وهو المستغني بذاته.

وقد تجد اسما لا يدل على صفة حامله مثل أن يكون اسمه عزيز وهو ذليل، وكريم وهو بخيل وبذلك لا نسقط في اعتبار ما ظهر خارجا عن قوانين الطبيعة والمألوف حافزا على جلب منفعة أو دفع مضرة دون أي اعتبار للقيم الروحية، أو ارتباط وثيق بأمر الله ونهيه بالنسبة لمن ظهرت على أيديهم الخوارق، وحتى لا نعتبر ذلك مجرد أمر مجهول لم نكشفه بعد للدلالة على كونه ذاتيا من شخص الإنسان ظهر مرة مما لا ينفي تكراره مرة ثانية وثالثة إلخ.

وللتوضيح أكثر أسوق قصة الطوفان التي حدثت في الزمن الغابر مع نوح وقومه، فقد حدث أمر عظيم حقا، وإذا قيل أن إعلام نوح لقومه بالطوفان كان عن علم ذاتي انفرد به لوحده لأنه كان عالما بالأرصاد الجوية نفع به نفسه ومن صدقوه ولكنه كان يستهدف زعامتهم والسيطرة عليهم بصرف النظر عن كون الطوفان شمل الكرة الأرضية برمتها أو شمل قسما منها فإن هذا القول ينحصر في حتمية هلاك نفس نوح وقومه إذ لا قبل لهم جميعا بتحمل الطوفان خصوصا وأنهم كانوا محمولين على سفينة بدائية لا تستطيع مقاومة الأمواج التي بلغت قمم الجبال وغطتها الشيء الذي لا ينتج إلا غرقهم جميعا، ولكنه لم يحصل رغم علو الموج وعتوه ليدل بوضوح على وجود عناية إلهية وإرادة حكيمة وتدبير محكم وتحد لجبروت الطبيعة حتى لا تنقرض السلالة البشرية من أجل تعمير الأرض من جديد بعد هلاك قومه الذين كذبوا نوحا واستخلاف المؤمنين.

وإذا تناولنا قصة أخرى هي قصة هود مع قومه عاد وإعلامهم من قبله بالهلاك المحقق إلى حين وقوع الرجس والغضب عليهم، هذه القصة قد يحلو للبعض تكذيبها على نفس سياق قصة نوح واعتبار عنصر الزعامة والرياسة والتحكم والسيطرة هي الباعث على إخفاء علمه عنهم، وعلمه هو علم بالأرصاد الجوية يريد تسخيره لصالحه لعله يحظى باتباعه وملك رقبتهم حتى يسودهم، وكذلك قصة نبي الله لوط وزعم أنه كان عالما بالجيولوجيا والزلازل.

فتكذيب القصص القرآني الذي ينسب ما حدث إلى الله تعالى بمحض إرادته ورغما عن كل شيء يقعّد للعديد من التصورات والآراء، وهو تقعيد ينتهي إلى نتيجة واحدة هي الهراء ليس غير.

ث_ القول بأزلية الكون وقِدَمه قول قديم جددته الماركسية، وأنعشته اللينينية، وقال به الكثير من علماء الفلك والرياضيات والفيزياء والطبيعة، وقال به الشيعة الاثنا عشريون.. ولكنه كان يصطدم دائما بإشكاليات ضخمة عجزوا عن تجاوزها فضلا عن إيجاد حلول لها، ومع تقدم العلوم بدأ يقل الاعتقاد بأزلية الكون وقِدَمه حتى غلب الاعتقاد بحداثته وفنائه عند الذين يشتغلون بالعلوم التجريبية اليوم، وأقر أكثر العلماء بوجود خالق لهذا الكون وصفوه بالحكمة والتدبير.. ولا غرابة فقد اصطدموا دائما بآيات الله في الكون بهرتهم وحيرت ألبالهم بجمالها ودقة صنعها وعظيم بنائها...

ومن جهة أخرى يكفي النظر إلى هذا الكون مادام محسوسا، فلقد علم الجميع أنه عبارة عن مجموعة من الأجرام يستطيع الإنسان العادي بواسطة عينه العارية الإحاطة ببعض أجرامها كقرص الشمس والقمر ينتج عنه الإقرار بمحدوديتها، بل يستطيع ببصره العاري الإحاطة بقرص مجرته درب التبانة، وقرص مجرة الأندرومينادا التي تأخذ شكلا حلزونيا وتقارب في وسعها مجرتنا، وإذا كانت الأجرام واقعة في المجرات يستحيل على الإنسان تعدادها فإنها جميعها محدودة مادامت واقعة في مجرة تبدو للعين المجردة محدودة، وإذا كان الكون مجموعة من المجرات أو الأجرام الكبرى التي تحتضن أجراما أصغر منها فإن جميع هذه المجرات أعداد تتسع باستمرار وتسبح في فراغ لا يمكن إلا أن يكون إطارا وغلافا لها لم تصل بعد إلى أبعاده، فهي كالسمك في المحيط لا بد أن تكون محدودة، وغلافها أو إطارها من الفراغ لا يمكن أن يكون غير محدود لأن محتوياته من المجرات يحكمها قانون التوسع، وما دام الأمر كذلك فإن الكون سوف يبلغ تلك الأبعاد، ويلامس إطاره وغلافه، وحينئذ يهتك ستار الكون ويتمزق كما لو كان كرة من مطاط، ثم ينفجر لأنه هو نفسه محدود دلت عليه حركة الكون، وإذا جمعت ما شئت من المحدودات فلا تحصل إلا على المحدود سواء تصوره خيالك أو عجز عن ذلك، وهو عاجز قطعا، ومع ذلك تكون المحدودية عقلا معقولة، والمحدودية دليل النقص، وبلوغ الكمال لا يكون باجتماع المحدودات وضمها إلى بعضها لأنها لا تنتج إلا نقصا، والمحدودية أيضا دليل العجز، وبلوغ القدرة على إيجاد ما يُحْتاج إليه لا تكون ممن يسعى بصفة العجز ولو ضمت إليه جميع المحدودات لأنه يسعى بصفة ملازمة له تنبع من ذاته لن توفر له القدرة على بلوغ الهدف لأنه لن يبلغه مهما سعى لأن السعي مجرد سعي لطلب ذلك يدل على القصور، ولذلك كان الكون في غنى عن طلب ذلك وهو بجميع محتوياته يرشدنا إلى كونه مجرد آية من آيات الله الباهرات خالق الكون والعالمين جلت قدرته.

ج_ احتمال وجود عناصر أو عنصر واحد يبنى به الإيدروجين مجرد فرضية أسوقها لسببن هما:

أولا: اعتبار الأيدروجين الوقود الوحيد للنجوم لا يستطيع الجزم به أحد.

ثانيا: جهل الإنسان بجميع عناصر الكون.

فاعتبار الإيدروجين الوقود الوحيد للنجوم وتحوله إلى هليوم يعني تناقصه مهما كانت ضخامة الاحتياط الذي تحتفظ به النجوم، وهذا يؤدي إلى أن تنطفئ النجوم، ثم ينكمش الكون، أو يعود إلى أصله الأول كما يقول بعض العلماء وفي ذلك فناء الكون، ولكن جهل الإنسان بجميع عناصر الكون يجعل ذلك الاعتبار أو الاحتمال أمرا ليس مقطوعا به، كما ليست هناك أخبار قطعية بشأن ذلك في القرآن الكريم، وهذا يفتح الباب على مصراعيه للبحث في ذلك، وربما وجد من العلماء من يكلف نفسه عناء البحث عن ذلك العنصر الذي بواسطته يبنى الإيدروجين أو يتولد حتى ولو كان سرابا، وهنا تحل الكارثة على الذين يعتقدون بفناء الكون، ويعاد النظر في كل البحوث المتعلقة بالكون حتى ولو لم يوجد ذلك العنصر وإنما فرضه الباحثون وقبلوه كفرضية يمكن التأسيس لها ما دام الإنسان يرى إمكانية تحويل المادة إلى طاقة، والطاقة إلى مادة.

وللخروج من هذه الإشكالية نأخذ الإعلام القرآني نسترشد به، ونؤسس لتصوراتنا من خلاله، لأنه المقطوع بصحته وأخباره، ومن أدرانا؟ فقد يظهر في الكون ما يدل على سرمديته ولو بعد حين، ثم يظهر لنا عكس ذلك كما هو واقعه، ولذلك يجب القول بأن خالقه لا يمكن أن تلحق تدبيره الألباب، وأن العلوم بفرضياتها تظل ظنية فيما لم يحسم ويدرك يقينا، ولا تكون أبدا دليلا على كتاب الله تعالى، وبذلك وجب جعل القرآن دليلا عليها حتى لا نضيع في المتاهات إذا نحن جالدنا بحوثا تنتهي إلى ما يخالف القرآن حتما ما دامت قد انطلقت من مخالفته مبدءا، ولذلك نحسم في أمر الكون بأنه فان سواء كانت الأدلة له أو عليه، ونقف في وجه جميع التغيرات التي يمكن أن تحصل ولو خالفنا في ذلك العلم والعالمين، ولحسن حظنا أن العلوم التي تعنى بمصير الكون جاءت موافقة لما نص عليه القرآن الكريم، فانكماش النجوم وانكدارها وانتثارها أو انطفاؤها يقول به العلماء سبقهم إليه كتاب الله في قوله: ((وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ)) () التكوير، وعودة الكون إلى أصله يقول به العلماء أيضا سبقهم إليهم كتاب الله تعالى في قوله: ((وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)) () الزمر، كناية عن ضمور الكون وتقزيمه وتصغيره حتى يصل إلى حجم معين، وكتلة معينة لا داعي لمقارنتها بأصلها الأول، كما لا داعي لتصورها تصورا لغويا لأن الله تعالى واسع عليم ومحيط بالكون والعالم والوجود، وكنتيجة فالكون سائر إلى الفناء حتما وفق ما جاء في كتاب الله تعالى بصرف النظر عن النتائج العلمية والقوانين الطبيعية...

ح_ احتمال وجود دورة للإيدروجين يقطعها في الكون ليبني بها نجوما جديدة أو يزود بها نجوما قديمة لا ينفي فناء الكون، ولكنه يعطينا صورة عن زمن مجموعتنا الشمسية. فشمسنا إذا قدر لها أن تستمر 5 مليار سنة أخرى فمعنى ذلك أن عمر الحياة على وجه الأرض هو عمر الشمس في النهاية وليس البدء. وإذا ضاعفنا الزمن حتى صار 10 مليار سنة فإن عمر الكون ليس مربوطا بعمر الشمس وإن كانت جميع توابعها والحياة بجميع أصنافها مربوطة بها. فالشمس مجرد نجم لا قيمة له في اعتبار الكون، وزمن الكون، وربما كان هو مربوطا بعمر الشمس مادامت الحياة مربوطة بالشمس لأنه لا يمكن أن تكون للكون قيمة بدون الحياة العاقلة. ولا يقال أن الكون قد قضى مليارات السنوات وهو خال من الحياة العاقلة البشرية، لا يقال ذلك لأن النصوص القطعية تجعل من الكون أداة مسخرة للإنسان، وغياب الحياة في القرون العديدة بالملايين يعني أن الظروف لم تكن مهيأة بعد لاحتضان الحياة، وكلنا يعلم أن الأرض قد كانت جزءا من الشمس مما يجعل من المستحيل على الحياة أن توجد، ولذلك كان مسرح الحياة في القديم غير ملائم للبشرية، وكانت تهيئة ظروف الحياة جارية حتى أخذت الأرض مكانتها من دورانها حول الشمس وأخذ القمر مكانته هو أيضا، ثم تمت عملية إنبات الأرض وخلق الكائنات حتى جاء أوان الإنسان، فسكن الأرض وهي مهيأة له وجاهزة للحياة، وكلنا يعلم مختلف طرق السعي لتهيئة الظروف لاستقبال مولوده، أو أحبابه، وتظل ظروف الاستقبال قائمة حتى حضور المستقبل، وتستمر حالة الرعاية والإحسان حتى النهاية.

وهنالك نجوم لا شك أن أعمارها يفوق عمر الشمس، وهنالك نجوم تولد من جديد، وهذا يعني أن الكون سوف يستمر حتى في غياب الحياة العاقلة بسبب انطفاء الشمس، وسوف لا يفنى إلا بعد بلايين المليارات من السنوات، ولا يفنى إلا في زمن يستحيل تصوره، بل قد يحلو القول بأن عمر الكون في غياب الحياة العاقلة سوف يكون بعدد السنوات مكتوبة في صفحة الكون من أرضنا حتى آخر مجرة في الكون الشاسع مضروبة في عدد الذرات الموجودة فيه، وهذا الرقم غير معقول مطلقا رسمه فضلا عن قراءته أو النطق به ولكنه مع ذلك رقم معقول للزمن لأن الأعداد المذكورة والمسافات المقترحة محدودة وكونها محدودة فإن ذلك يعني إمكانية الإحاطة بها ولكن هذه الإحاطة مستحيلة على البشر وسائر المخلوقات، ممتنعة قطعا، ولكنها غير مستحيلة ولا ممتنعة أبدا عن خالق الكون جلت قدرته.

قد يصعب تصور هذا في الدماغ وقد يتيسر، وقد يقول المسلمون استنادا إلى قول الرسول (ص): ((لقد بعثت بين يدي الساعة)) أنه يعني الوسط من عمر الشمس، أو عمر الكون، أو عمر الأجل الذي ضربه الله للساعة.. فإذا ماتت الشمس مثلا أفنى الله الكون برمته لأنه مسخر للإنسان، ولا يكون له معنى إذا فني الإنسان وظل الكون فارغا من مخلوق عاقل هو الإنسان الشيء الذي يجعله سبب وجود الكون وخلقه من قبل الله تعالى وسبب فنائه على يد الله تعالى أيضا، وقد يقول غيرهم أن الفناء سوف يحصل دون بلوغ الكون غاية نفاذ ذخيرته ووقوده، وقد يقول الآخرون بأنه سوف يفنى وفق قوانينه وسننه، ولكن القول الصائب والرأي الراجع في الموضوع المطروق هو ما جاء في الفقرة ب آنفا، ذلك أن الكون مخلوق لله تعالى بما فيه وبمن فيه، والله هو الذي يدبره، وهو الذي يمسك بسماواته وأرضه أن تزولا، وله الإرادة المطلقة، والمشيئة القاهرة في فعل ما يشاء متى شاء، فكان الصواب هو أن الكون فان لا محالة، ولكن بأجل يحتضنه علمه، وهو مغيّب عن سائر المخلوقات بما فيهم الأنبياء والملائكة، وغير مربوط بسبب مدرك، أو يمكن إدراكه، فهو فان قطعا بعد حين لا يعلمه إلا الله دون اعتبار لأي شيء علم كان أو رأي، واحتمال أو نظرية، لأن ساعته دخلتها حالة المفاجأة، والمفاجأة تعني الغفلة عنها، هذه الساعة لا يعلمها إلا الله، وقد ثقلت في السماوات والأرض، ولا تأتي الخلائق إلا فجأة، سواء استقر الإنسان على رأي يرى فناء الكون وفق قوانينه وسننه تصل به إلى نهايته بعد آماد طويلة، أو رأي يرى قربها دون بلوغ الكون غايته، أو رأي يرى قربها حسب فهم الحديث الشريف والآيات المتعلقة بها، لأن جميع الآراء في هذا الصدد لا يمكن أن تؤسس لتصورها في زمن معلوم، قال تعالى: ((وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) () النحل، وقال تعالى: ((يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا)) () الأحزاب، وقال تعالى: ((فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ)) () محمد. وقال: تعالى: ((اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ)) () القمر. وقال تعالى: ((بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ)) () القمر، وقال تعالى: ((يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)) () الأعراف، ويقول عن تسخير الكون للإنسان: ((أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ)) (20) لقمان وقال تعالى: ((وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)) () الجاثية.

ومن الطريف حقا أن القرآن الكريم يتضمن آيتين وحيدتين تتحدثان عن تسخير الكون، هما الآيتان المذكورتان آنفا. صحيح أن لفظة التسخير وردت واحدا وعشرين مرة، ولكن آيتين فقط هما اللتان تتحدثان عن تسخير السماوات والأرض بما فيهن، بينما غيرها فتتحدث عن تسخير الليل والنهار والشمس والقمر، والأنهار، والبحر، والفلك، والدواب..

خ _ إمكانية نفي التوقيت في قوانين الطبيعة عند حدوث المعجزات على يد المرسلين، وإمكانية عدم نفيها يسوقنا إلى أحد أمرين هما:

أولا: حصول المعجزة على يد الرسول في وقت معين يعلمه الله تعالى تأتي موافقة لحدث طبيعي يحصل بعد الإعلام عنه من قبل الرسول الذي يتلقى الوحي من الله تعالى. فمثلا قد يقال بأن البحر الميت الذي لم يكن موجودا صار بحرا بعدما حدثت الزلازل العنيفة في زمن غابر، وكان الله تعالى يعلم بما يجري في باطن الأرض، ويعلم بالضبط الأجل الذي سوف تحدث فيه تلك الزلازل ونتيجة في خلق بحر جديد أو بحيرة جديدة، وذلك من خلال وضعه لقوانين وسنن تسير عليها الكرة الأرضية وقشرتها والطبقات الواقعة تحت القشرة، وأرسل رسوله لوطا إلى قرية سدوم بالأردن فمكث في قومه فترة كانت كافية لإبلاغهم رسالات ربه، ولما لم يستجيبوا أوحى الله إلى رسوله بهجران القرية لأن الزلازل سوف تقع بها حتما، ولا عذر لقومه ماداموا في غيهم وضلالهم، وكان ذلك غيبا عبر عنه القرآن بالهلاك حين كشفته الملائكة لإبراهيم بعد أن عرجت عليه، ثم تم كشفه للوط، فهجر الموقع بأمر من الله تعالى. هذا الحدث لا ينفي التوقيت ولكنه قد يفنيه. لا ينفيه بالنظر العقلي والنظر العلمي بل ينفيه بالنظر الشرعي لأن الشرع لم يحدثنا عن هذا أو يكشف لنا شيئا عنه، وبذلك يكون الصواب عدم الجمع بينهما، عدم الجمع بين المعجزة وبين التوقيت الطبيعي الذي يخضع لقوانين الطبيعة، وينجلي هذا أكثر في الأمر الثاني.

ثانيا: نفي التوقيت في معجزات الرسل حتى لا تبدو مسايرة لقوانين الطبيعة تأتي من باب الخروج على المألوف، وتأتي من باب خرق القوانين الطبيعية، وبه يكون التوقيت منفيا عن المعجزات، فلا تكون إلا خوارق يجربها الله على يد رسله الكرام في خروج تام عن قوانين الطبيعة ومألوف السنن، ولا يمكن الجمع بينهما في أحداث حصلت من المعجزات، يعجز كل من سعى إلى تلمسها في غيرها من المعجزات، فإحياء الموتى، وخروج إبراهيم من النار في سلام وأمان يستحيل توقيتها مع القوانين الطبيعية، وكذلك الأحداث التي لم تكن معجزات جاء بها الرسل لأقوامهم، بل كانت خوارق ومعجزات أجراها الله تعالى على يد عباده الصالحين من الرسل وغيرهم ممن ذكرهم القرآن والسنة. منها ما جاء لمعالجة بعض القضايا كقضية البعث، ومنها ما أجراها الله تعالى لحكمة لا نعرفها ولكننا نتعظ بها ونعتبر منها، وذلك مثل ابتلاع الحوت لرسول الله يونس على نبينا وعليه السلام، وخرق السفينة وإقامة الجدار وقتل النفس الزكية على يد العبد الصالح أمام بصر موسى، وإحياء الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه هو وحماره، وطعامه الذي بقي محفوظا لم يتأثر بعوامل البيئة والمناخ، ظل على حاله مائة عام، وقصة أهل الكهف، والإسراء والمعراج...

إن الذي ينظر إلى معجزات الرسل ويحاول جعلها مؤقتة مع قوانين الطبيعة وسنن الكون لا يستقيم له فكر، فهو كمن يمشي مكبا على وجهه لا يستطيع أن يوجد لنفسه قرارا، ذلك أن الإنسانية في غابر الزمن لم تكن على مستوى من العلم والعقل يؤهلانها لإرسال معجزة من قبل الله على يد رسول من رسله تكون جامعة مانعة تثبت في الحياة دائما حتى زوالها ليظل الإنسان متحمسا لها لا تبلى أو تتغير مثلما كان في معجزة النبي الأمي التي هي القرآن العظيم، وأشهد الله أنني مؤمن أقوى ما يكون الإيمان بحقيقة تحديها للعالمين..

هذا الذي يحاول تفسير ذلك مسايرة لأنظمة الكون يخفق في بلوغ الغاية حتما. وإذا كنت أيها القارئ الكريم ممن تدرك مثلا حتمية الإخفاق في بحث الميتافيزيقا فالصواب ترك العمل الذهني بهذا الشأن، والصواب هو الترفع عنه، لأنه قد يؤدي إلى الضلال والعياذ بالله، وليس بعيدا أن يقع فيه من يحاول تفسير ما ذكر بالشكل المذكور. فكون النتيجة نتيجتين لا يعني أن كلاهما صواب خصوصا عند إخضاع الأحداث الماضية للعلوم التجريبية، فتكون النتيجة الصحيحة ليس غير؛ هي أن معجزات الرسل لم تأت مؤقتة أو غير مؤقتة مع قوانين الطبيعة وأنظمة الكون. صحيح أنها تأتي مسايرة لعلم الله تعالى وكونها تأتي كذلك لا يعني أنها الوحيدة، بل إن جميع ما وقع ويقع في الحاضر والمستقبل يستحيل أن يتخلف عن مسايرة علم الله تعالى، وهذا لا نبحثه الآن، فتكون المعجزات أخيرا خوارق ترغم الطبيعة ويرغم الكون على أخذ تلك الحالات ويسخران طوعا أو كرها حتى تظهر المعجزة تأييدا لرسالة الرسول، واستحقاقا لوعد الله ووعيده في الظلمة والطغاة والكفار. وفلاحا ونجاة للمؤمنين بها وبالرسول الذي جرت على يديه بإذن الله وتدبيره، لأن المعجزة لا تأتي مؤقتة أو غير مؤقتة مع قوانين الطبيعة وأنظمة الكون، بل تأتي مفاجأة للجميع بما فيهم النبي والرسول، واذكروا إن شئتم خوف موسى من عصاه التي خادنها لمآرب عديدة حين صارت حية تسعى بين يديه بعد أمر الله له بإلقائها في مناظرته للسحرة حتى يبطل سحرهم ويتم فضحهم وإزالة الغشاوة على أعين الناس. والمعجزة أيضا قد يأتي علمها قبل وقوعها وحدوثها رحمة بالمؤمنين وزجرا للكافرين، وإقامة الحجة عليهم...

هذه هي الإشكاليات التي يمكن أن نصادفها ونحن نناقش الكون ونبحث عن مصيره، وليست هي بالإشكاليات الوحيدة الممكن إشارتها، بل هي إشكاليات أراها دون غيري، وربما ظهر غيرها وتم الإفصاح عنه في غياب علمي بذلك، أو في غيابي كلية، والذي ساقنا إليها هو الإعلام الشمسي فإلى هذا الإعلام مرة أخرى حتى تتمته ذاتيا.

إن جرم الشمس كبير جدا يأخذ شكل القرص قطره 000 390 1 كيلومتر، وكتلته تزيد عن كتلة الأرض بمقدار 000 330 مرة. وهذه الضخامة تكفيها لمسك بناتها من السيارات التابعة لها استنادا لقانون الجاذبية العامة لصاحبها ( نيوتن )، وهي تعمل ليل نهار دون توقف رغم أنها لا تعرف الليل بسبب كونها كوكبا ملتهبا (أي نجما ملتهبا لأن الكوكب لغة هو كل جرم سماوي) تشع كمية ضخمة من الطاقة، وذلك باستمرار تحول الإيدروجين إلى هليوم في تفاعلات حرارية نووية رهيبة.

هذا الجرم الذي يبدو لنا معلقا في الفضاء واحدا من بين ما لا يحصى من الأجرام الموجودة في مجرتنا سكة التبانة، وشيئا غير ذي بال إذا ما قورن بعدد الأجرام الموجودة في سائر المجرات، ولكنها بالنسبة للحياة بمختلف أشكالها وأنواعها هي كل شيء، وما دامت كذلك فإنها ولا شك سبب الحياة، ويعني ذلك أن أهميتها فوق كل اعتبار، فهي أم لكل مظاهرة الحياة.

والعلاقة الموجودة بيننا وبين الشمس، وبيننا وبين جميع توابعها عرفناها بفضل الدراسات العلمية والرياضية، فكانت معلوماتنا عنها مفيدة رغم أنها قليلة. ولسائل أن يسأل عن علاقة الإعلام بهذا الكلام؟ والجواب عليه أن جميع المعلومات المحصلة عنها كانت موجودة، بعضها أشار إليه القرآن الكريم منذ أربعة عشر قرنا، وأكثرها كشف النقاب عنه حديثا بفضل استعمال الأقمار الصناعية والمناطيد والصواريخ، ولكن بما أنها كانت موجودة ألا يعني ذلك أن ما تم كشف النقاب عنه عبارة عن إشارات إعلامية ترسلها الشمس في إشعاعها وعن طريق قرصها يساعدنا على امتطائه لطلب المزيد من الحقائق، ويحثنا على زيادة سبر أغوار الأفضية الموجودة بين مجموعتنا الشمسية، وكذلك السيارات حتى نزداد علما وتثمر معلوماتنا أكثر حتى نقف على الحقائق الثابتة؟ ألا يعني هذا أن الشمس وسيلة إعلامية تخفي علينا أخبارا كثيرة تهييجا لعقولنا حتى يتحرك حب الاستطلاع فينا فنغزوا الفضاء؟ بلى، إنها فعلا وسيلة إعلامية ضخمة لا جدال في ذلك خصوصا بالنسبة للعلماء والمهتمين بالدراسات الكونية. ولمنكر أن ينكر ما ترسله الشمس من إشعاع مختلف يستعمل في مختلف المجالات. فهناك الأشعة السينية التي بواسطتها نلتقط صور الأمراض الداخلية والباطنية لأنها نافذة تخرق جلدنا لتصل إلى الكبد والطحال والأمعاء والكلي وكل عضو داخلي يرجى فحصه. وهناك الأشعة فوق البنفسجية وهي تلك التي تستعمل في الفوتوغراف نصور بها كل خيال ونحصل بها عليه... وهناك الأشعة الحمراء وما تحت الحمراء، وهناك أشعة جاما التي تخرج عند انفلاق الذرة، وهناك الأشعة اللاسلكية وغيرها. جميع هذه الإشعاعات مصدرها الشمس منها ما تراه العين، ومنها ما لا تراه. وكل شعاع يحمل لونا معينا نستطيع تمييز أكثر من ستة ألوان منها وهي كثيرة بالآلاف وربما بالملايين، مختلفة في ألوانها وأطوال موجاتها، كل هذا من الشمس، منها النور والضوء والحرارة والطاقة.. ولمنكر أن ينكر سبب طاقة كل مخلوق يوجد في الأرض، في جوها وبرها وبحرها من البكتيريا والميكروب إلى الفيل والحوت والإنسان، إنها طاقة الشمس تختزنها الأجسام والنباتات، وهي السبب في حركتها ونشاطها، ومن لم يحصل على طاقته يموت، وإذا منعت نبتة عن تعرضها للشمس مثلا فإنها تحصل على طاقتها من الضوء محمولة بالهواء، فيمتصها ويختزنها للانتفاع بها حفاظا على حياته، وتحقيقا للغاية من وجوده. والبترول والفحم الحجري والشجر الأخضر وغير ذلك تختزن طاقة أخذتها من الشمس.

ونحن وإن كنا لا نأخذ طاقتنا من الشمس مباشرة إلا قليلا كالفيتامين (أ) فإننا نأخذها عن طريق النبات مباشرة كالخضروات والفواكه، ونأخذها من غير النبات من الحيوان والطير والسمك، ولكن بعد أن يكون قد أخذها هو من النبات، فما من طاقة نتزود بها إلا وهي من الشمس بشكل مباشر أو غير مباشر. والنبات بعمليته الرائعة في تحويل الماء وثاني أكسيد الكربون عن طريق التمثيل الضوئي إلى سكر، هذا السكر الذي لولاه لما حافظ الإنسان والحيوان والطير والسمك وسائر المخلوقات الحية على حياته أو حجمه ووزنه ليدل دلالة واضحة على بديع الصنع، وتصوروا معي إنسانا يأكل ويشرب وليس في مواد أكله سكريات تحرق الطعام داخل جسمه، تصوروا كم طنا يبلغ وزنه في ظرف وجيز، هذا كله من مصدر واحد هو الشمس، فما أعظم هذه الشمس، وما أتفه من عبدوها. إنها فعلا سبب الحياة، كما أنها مجرد آية من آيات الله خلقها وجعلها طيعة في يده، وسخرها لنا وأودعها في الكون مع أسرارها غير الممنوعة عنا، ولكننا لم نزل دون مستوى كشفها، فهي إعلام من نوع خاص وذو أهمية قصوى، بها ترتبط حياتنا وحياة جميع المخلوقات، ومنها جميع أنشطتنا. فالطاقة المبذولة من الإنسان في معصية الله تعالى منها. والطاقة المبذولة في طاعته منها أيضا. والسجود والركوع والقيام والصوم والحج والتسبيح والجهاد.. يكون بطاقة هي مصدرها. والصد عن سبيل الله وظلم الناس وحكمهم بالقوة والقهر.. يكون بطاقة صادرة عنها مبدءا بشكل أو آخر، ومع ذلك فهي ومثيلاتها مسخرة للإنسان قال الله تعالى: ((إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(54) الأعراف، وقال تعالى: ((وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ () إبراهيم، فهي جرم لا يعصي الله تعالى، وإذا منحت الإنسان طاقته ليعصي بها ربه، فهي غير مسؤولة عن معصيته قال تعالى: ((وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ)) () الرحمن، وقال تعالى: ((وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ)) الرعد () فما أعظم الشمس، ما أعظم هذه الوسيلة الإعلامية، إنها حقا أصل جميع وسائل الإعلام، وما كان للإعلام المرئي والمسموع والمقروء أن يكون لولا الشمس، وهل يستطيع أحد إنكار سببها المباشر للإعلام المرئي والمقروء والمسموع؟ فالمرئي منها يستعمل الأقمار الصناعية، وهي بدورها تستعمل الإشعاع في إرسالها وهو من الشمس مبدءا. والمسموع يستعمل أجهزة للبث والاستقبال والدفع، وتسير الأصوات عبر الأثير ينقلها الهواء على شكل أمواج، والشمس هي التي تقلب الهواء، وهي التي تعطي الكهرباء مباشرة أو عن طريق أشياء سبق لها أن اختزنت طاقتها.. والمقروء يستعمل ورقا كان في أصله شجرا أو نباتا أو حيوانا بنته الشمس بحكمة ربها وتقديره، حتى الأدوات المستعملة في إعلامنا من أشرطة وميكروفونات وأدوات كهربائية وأجهزة الراديو والتلفزيون والفاكس والتيلكس والرادار وغير ذلك كلها أدوات مصنوعة من مواد كانت الشمس سببا في إيجاد مادتها الخام.. هذه الشمس وبهذه الأهمية ليست إله يعبد من دون الله تعالى، ولا شيئا يقدس، وإنما هي آية من آياته جعلها دليلا على حكمته، وأثرا من آثار وجوده وقدرته جلّ وعلا، كما أنها وسيلة إعلامية شأنها شأن الكون أجمع فيه من الإشارات والإخطارات ما يكفي ويزيد على الإقرار بوحدانية الله تعالى وبديع صنعه.. والشمس بحكمة ربها وتدبيره تسير بنا جميعا وبسائر الموجودات في مجموعتها من الكواكب والأقمار والمذنبات والجبال الطائرة.. في رحلة دائبة من غرب لشرق فكأنها تخطرنا برفضها للسكون، كما أنها بمعرفتنا تعمل على تطهير أجسامنا وسلامتها والمحافظة عليها من العفن والسقم، حتى أهل الكهف لم تغب عنهم، أو تمتنع عن إرسال الدفء إليهم والحيلولة دون انحلال وتفسح أجسامهم وهم نيام، فقد كان ربهم يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال حتى لا تبلى الجهة اللاصقة بالأرض فتتحلل من الرطوبة، وكانت شمسنا تزّاور عن كهفهم فتقرضهم ذات اليمين صباحا، وذات الشمال مساء نظرا للفجوة التي وجدت في كهفهم، وذلك إعلام يرشدنا إلى ضرورة التعرض للشمس في اعتدال، لقد فعلت كل هذا بإذن ربها. ولست أسأل عن سر بقاء أهل الكهف أحياء مدة تزيد عن ثلاثة قرون كاملة لأن ذلك لا تستطيع الشمس إعلامنا به بحيث لم تهيئ له، وقد شهدت وشهد الناس معها أمورا مخالفة للقوانين الطبيعية لا يستطيع عاقل أو جماد محاكاتها، أو منعها لأنها تكون مفروضة فرضا لا مرد لها يسوقها الله تعالى معجزات وآيات أخرى على تدبيره وقيامه على السماوات والأرض بما فيهن ومن فيهن، كما لا أسأل عن سر الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه ليريه الكيفية التي تنشأ بها الحياة، فلقد بعثه الله تعالى من موته بعد مضي قرن كامل من الزمن، وقد تعجب من أمر البعث في سؤال سأله وهو مار على قرية يسكنها الأموات فقال الله تعالى مسجلا تساؤله: ((أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) () البقرة، وأول ما أحيا الله فيه عينيه لينظر بهما صنع الله وقدرته، فرأى جسمه عاريا من اللحم تماما، رأى هيكلا عظميا يقف، أو رفاتا منتشرا في مكانه بالذات لم يعد لاصقا مع بعضه، رآه مهترئا، ثم بدأ ينظر إلى جمعه مع بعضه وتركيبه حتى استوت العظام ولصقت في مكانها، عظام الرجلين للرجلين، وعظام اليدين لليدين إلخ، ثم بدأ ينظر إلى تكوين العروق والأعصاب، ثم اللحم، ولا أقول بدأ ينظر إلى تكوين الخلايا والشعيرات الدموية والأعضاء الداخلية وما دق وجل، لا أقول ذلك لأن العين لا تستطيع رؤية الخلايا مثلا إلا بالميكروسكوبات المكبرة، بل لأن الله تعالى لم يخطرنا عن ذلك بشيء وليس على الذي بعث الميت أدنى صعوبة في إمداده بنظر ثاقب أقوى من الميكروسكوبات، حتى قام سويا فأيقن بالبعث، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل أحيا الله له حماره، فنظر إليه وهو يقوم أمامه ويبني جسمه بعد أن كان هيكلا عظميا هو الآخر حتى وقف ينهق وقد دبت فيه الحياة، كما لا أسأل عن سر طعامه الذي لم يتغير رغم طول المدة، وتعرضه للمناخ، وبقائه عرضة للدواب.. لست أسأل عن كل هذا بغية طلب حقيقته، بل إن سألت فلا أسأل إلا التماسا للحكمة من وراء ذلك، أما الحقيقة فلا يسعني إلا الإقرار اليقيني بثبوتها في غياب المعهود من سنن الطبيعة وقوانين الكون، فما أعظمك ربي وما أحكمك...

لقد ساقنا الإعلام الشمسي للحديث عن كل ما ذكر، وإذا نحن توخينا المزيد فلا نستطيع استيعابه، من ذلك أن الشمس قد شهدت تقليب الله تعالى لأهل الكهف وهم نيام، كما نفعل نحن بصبياننا في الأشهر الأولى نظرا لعجزهم عن تقليب ذواتهم الإرادي وغير الإرادي، نفعله بالعجزة ذوي العاهات المعيقة والأمراض المزمنة، نفعله لأنفسنا بأنفسنا وهو أمر لا بد منه للحفاظ على الجسم، وتهوية الجزء الذي لا يصيبه الهواء بفعل التصاقه بالسرير أو الأرض، ونفعل ذلك بمفروشاتنا وأثاثنا وأدواتنا وكتبنا.. طلبا للنظافة وطردا للأوساخ والعفن والخمج. وهذه الشمس، ألا تفعل نفس ما نفعله نحن ولكن بالهواء؟ فهي تقلبه بشكل مستمر لا يفتر أو ينقطع. أليس ذلك طلبا للنظافة وطردا للأوساخ؟ أليس هذا العمل الذي تفعله الشمس يوميا وفي كل لحظة تجدد به هواءنا وتنقيه؟ من علمها النظافة؟.

إنها أم مجموعتنا الشمسية حقا، دائبة النشاط، لا تعرف الخمول والكسل، والأم كما نعلم غير محتاجة إلى من يعلمها قواعد النظافة، ولا تحتاج إلى أمر أو إثارة تساق بها إلى فعل النظافة، فهي تعمل من منطلق خصوصياتها كأم، تلبي نداء الأمومة طوعا، فكذلك الشمس إنها هي أيضا تعرف مسؤولياتها فتستجيب لها طائعة راضية، فما أطرف ما سخره الله لنا، وما ألطفه، ما أعظم ما يسره الله لخدمتنا وما أعطفه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإعلام الأرضي

الأرض كوكب سيار في المجموعة الشمسية شأنها شأن سائر الكواكب داخل النظام الشمسي مثل نبتون، وأورانس، وزحل، والمشتري، والمريخ، والزهرة، وعطارد.. وتأخذ شكلا منبسطا بالنظر العادي ولذلك سميت البسيطة، ولكنها بجرمها وكتلتها تأخذ شكلا كرويا ينبطح قليلا، وقد تقرر هذا علميا منذ فترة، وكان الإنسان قديما يعرف عنها أنها كروية، ولكنها معرفة لم تأخذ مكانتها اللائقة بها حتى عصر الطيران، وقد عرف كرويتها الإغريق، ودلل أرسطو الفيلسوف على كرويتها بالسفينة، بحيث إذا ذهبت في البحر، ومخرت مياهه أخذت تختفي عن الأنظار رويدا رويدا، يختفي جسمها أو جرمها، ثم شراعها، ومعنى ذلك أنها تنحني أمام المسافات البعيدة، والمنحني يتكور عند بعد معين يحكمه شكل الانحناء.

والأرض وإن كانت كوكبا سيارا إلا أنها دوارة، لا تسير أفقيا أو عموديا، تدور حول محورها في كل يوم مدة أربعة وعشرين ساعة نجمية، وقد قال بدورانها الإنسان القديم في القرن الثالث قبل الميلاد مثل أرستراكوس، وجاء موبرنيكس فقال بدورانها أيضا ثم جاليليو في سنة 1851م وقد جعل الناس ترى دوران الأرض حول نفسها رأي العين، وتدور هذه الأرض في كل سنة دورة حول الشمس مدتها 24، 366 يوما نجميا، ينتج عنها فصل الربيع، والصيف، والخريف، والشتاء، كل فصل يضاهي غيره بخصوصياته..

ويختلف كوكب الأرض عن سائر الكواكب الدوارة حول الشمس بما فيها الكويكبات أو النجيميات والمذنبات والجبال الطائرة..

وإذا اشترك مع بعضها في خصوصيات معينة فإن ذلك لا يجعل حياة الكائنات متيسرة إلا فيه، خصوصا حياة الإنسان، وإذا كانت جميع الكواكب غير مختلفة في مواد تكوينها والمؤلفة منها، فإن الأرض مختلفة معهم جميعا في يسرها وصلاحيتها لنشوء الحياة..

ودورانها حول الشمس جعل سنتها 24، 366 يوما نجميا، بينما غيرها كعطارد فسنته 88 سنة، والمريخ يقرب من سنتين، والمشتري يقرب من اثني عشر عاما، وزحل يقرب من 30 عاما، وأورانس 84 عاما، ونبتون 165 عاما، وبلوتو 247 عاما، والزهرة مختلف بشأن سنتها وأيامها منهم من يرى أن يومها كيوم الأرض، ومنهم من يرى يومها كشهر الأرض..

ولا يعرف لحد الآن كوكب في المجموعة الشمسية يشبه كوكب الأرض في أيامه غير المريخ إذ يومه 24 ساعة و 37 دقيقة ولكن سنته كما ذكر تقريبا سنتين من سنوات أرضنا.. والأرض من حيث دراستها تعود إلى علم الفيزياء الأرضية، يرى بعض العلماء تقسيمه إلى قسمين، فيجعل قسما لدراسة القشرة الأرضية وباطن الأرض، والقسم الثاني لدراسة الجو، ويرى البعض الآخر دراستها من الناحيتين، وعلى كل حال فالأرض هي الجرم السيار الذي نسكنه مع غلافه الجوي.

وللأرض علاقة مباشرة مع الشمس، علاقة الحياة والموت. فالشمس نجم يمكن أن يعيش بدون أرض سواء ضمها إليه وصهرها فيه، أو رمى بها خارج نظامه، ولكن الأرض لا يمكن أن تعيش بدون الشمس، ولا يمكن أن تظهر فيها الحياة بالشكل المعروف، بالشكل الحاضر والمنقرض لولا الشمس، وحتى خروجها من النظام الشمسي يحتم عليها أن تتواجد في ظروف معينة هي نفس الظروف التي توفرها لها الشمس، وإلا لما استمرت الحياة، وهذا مستحيل لأنه لا أحد مطلقا يستطيع توفير ظروف الحياة إلا خالق الكون، فلا يمكن لأي كوكب أن يأخذ شكله ومداره وأجواءه من ذاته، لا يمكنه توفيرها لأن ذلك من اختصاص الإرادة وهي غائبة عن الطبيعة، وإذا أريد التحدي من حيث المحاكاة؛ محاكاة الكون والطبيعة فإننا نقول بالمحاكاة أيضا لأننا بها نثبت عجز الإنسان عن الإتيان بشيء إلا من شيء غيره فلا بأس من محاكاة ظروف العيش وظروف الحياة فربما أثمر ذلك في إيجاد مكان صالح للحياة خارج الأرض، وربما لا .

والأرض في بحثي هذا لا أتناولها من جهة العلم تناولا صرفا، بل أتناولها من جهة الإعلام أستغل فيه المعلومات العلمية حتى بلوغ الهدف، أحرص على إبراز علاقة الإعلام في كرتنا كما فعلت مع النجوم والشمس..

إن الأرض كرة معلقة في الفضاء، وهي وسيلة من وسائل الإعلام تفيض بالإشارات والالتفاتات من أي جهة تناولتها، وأول ما أجعله أولا هو احتلالها لموقعها الذي هي عليه في الفضاء، فلم لم تأخذ بعدا غير الذي هي عليه عن الشمس؟ لماذا لم تقرب من الشمس أكثر من وضعها الحالي؟ لماذا لم تبتعد عنها من وضعها هذا أيضا؟

هذا الوضع، وهذا الموقع، وهذا البعد لم تختره الأرض من تلقاء نفسها، ولم يختر أي جرم سماوي موقعه وموضعه تلقائيا، لم تختر الأرض موقعها وموضعها في النظام الشمسي ولو اختارته من تلقاء نفسها مبدءا لسعت حثيثا منذ زمن بعيد إلى تغييره واستبداله حتى يهلك الإنسان الذي يطؤها، ذلك الظالم الجهول الذي يعيث فيها فسادا، ويهلك الحرث والنسل ولم يزل، فكانت المسكينة مجبورة على أخذ موقعها وموضعها من الشمس، كانت ذلولا حتى نمشي في مناكبها ونحصل منها على أرزاقنا، فهي مسيرة أكثر من الدواب والآلات الميكانيكية. وموقعها في المجموعة الشمسية يشير إلى يد حكيمة قادرة أبت إلا أن تضعها في مكانتها هذه، ومدارها هذا، واصطفتها للحياة، فأنشأتها منها وفيها، فكانت الأرض بهذا الوضع أحسن الكواكب استجابة لنشوء الحياة بالشكل المعروف، وقد تكون أوحدها في الكون الفسيح أجمع. إن البعد الحالي عن الشمس ليشير إلى ضروريات لا بد منها كظروف وحيدة تصلح لنشوء الحياة واستمرارها، فالبعد على نفس القدر والمتغير قليلا أثناء دورانها حول الشمس في بعض الفصول بسبب دورتها الإهليليجية غير الدائرية الصرفة يحكي لنا قصة الموت، وقصة الحياة، يقص علينا قصص الموت إن هي زادت من بعدها عن الشمس مقدار النصف مثلا، أو أنقصت منه إلى النصف أيضا، وأما قصص الحياة فرواياتها هي المشاهدة المحسوسة والملموسة بسبب عدم تغييرها لوضعها الأول الذي أوجدها عليه خالقها وبارؤها، فتغيير مكانتها من المجموعة الشمسية في مدار أبعد عن الشمس بمقدار النصف يعلمنا بحتمية الانتقاص من الحرارة التي تتلقاها من الشمس، كما يعلمنا بطول مدة دورانها حول الشمس، وإذا نقصت الحرارة عند ذلك البعد دارت الأرض حول الشمس في مدة طويلة، وهذا يشعرنا بتغيير في أزمان الفصول بحيث تطول كثيرا، وإذا فرضنا أن العملية بدأت في فصل الصيف وأمكن استمرار الحياة فإنه بمجرد دخول فصل الشتاء فإن جميع الكائنات الحية سوف يتعسر عليها الاستمرار، وسرعان ما تتجمد من شدة البرودة وطول بقائها تبعا لطول فصل الشتاء بذلك البعد، وعندئذ لا تقوم للحياة قائمة. وأما إذا اقتربت من الشمس أكثر مما هي عليه حاليا، فإن الاقتراب يدفعنا إلى استشعار إعلامي يؤدي إلى حتمية سرعة دورانها حول الشمس، كما يخبرنا بتغيير سوف يقع في أيام الأرض وفصولها، بحيث تنقص الأيام والفصول، ولكن الاستعلام الأهم هو النتيجة المترتبة على أخذ الأرض ذلك البعد، بحيث يؤدي إلى ارتفاع مذهل في الحرارة يصل إلى أربعة أمثال التي تتلقاها الأرض حاليا من الشمس، وهذا ينبئ باستحالة بقاء الحياة وقيامها، وهنا تجدر الإشارة إلى الإعلام الأرضي الذي نتلقاه من خلال استعداداتنا لاستيعابه علما بأنه لا يقف عند حد معين، وأهمه وأعظمه هو إعلام الملاءمة.

فالأرض كوكب أشرف من أي كوكب آخر بسبب ملاءمته للحياة، ولا عجب فقد خلقه الله تعالى للحياة، وسخره للإنسان بما فيه بعد أن جعل سلالته من طين، هو طين هذه الأرض، منها حياته وفيها مماته، ومنها خروجه وبعثه في يوم الدين، فكانت الأرض بحق حقا وليست باطلا لم يخلقها الله تعالى عبثا...

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الغلاف الجوي

الغلاف الجوي المحيط بالكوكب الأرضي مؤلف من غازات، وقد قسمه العلماء إلى طبقات، فقالوا: الجو السفلي، والجو الأعلى، والغلاف الجوي الخارجي، وكل قسم جعلوا له بابا خاصا به ومجالا محددا لبحثه ودراسته. فالأرصاد الجوية مثلا حددوا مجالها على ارتفاع 80 كيلومتر من سطح الأرض، وحددوا للجو الأعلى مجالا بعينه، ومنطقة تخصه، وهي تلك التي تنفكك فيها الذرات، ويتم تأيينها، أو حيث تظهر الأشفاق القطبية، وحددوا للغلاف الجوي الخارجي منطقة معينة عينوها في المكان الذي تكون البروتونات والإليكترونات حرة طليقة، ولكنها خاضعة للحقل المغناطيسي الأرضي، وإذا لم تكن البروتونات والإليكترونات تابعة للحقل المغناطيسي الأرضي بحيث لا تخضع تلك الجسيمات للإنجذاب نحو الأرض، فإنهم لا يعتبرونها من جونا، لا يعتبرون المنطقة داخل الغلاف الجوي لأنها والحياة هذه لا تتبع الأرض في حركتها، ولا تخضع لجذبها، فهي إذن من الفضاء الخارجي، والفضاء الواسع الذي يقع بين المجموعة الشمسية.

والغلاف الجوي بجميع أقسامه جزء من الأرض لأنه يحيط بها، ويخضع لجذبها بحيث لا ينفصل عنها، فهي تجذبه إليها، وتحضنه من جميع أقطارها وزواياها وجهاتها، تحضنه كما الأم بوليدها، ولا تتركه ينطلق بعيدا عنها، وقد تشكلت الأرض بهذا الشكل لحكمة عظيمة حقا، فالقمر مثلا لا جو له، ولذلك بقي على حاله منذ وضعه في مداره المخصص له في النظام الشمسي، بقيت جباله شامخة لم تتغير معالمها، أو تتفتت بسبب فقدانه لعوامل التعرية المربوطة بالجو، والناظر إليه منذ آلاف السنين لم يره إلا كما نراه نحن اليوم، لم يطرأ عليه تغيير لأن الجو الذي يفتقد إليه، ولا يستطيع بحجمه هذا أن يحافظ عليه إن وجد له غلاف، هذا الجو يعمل على تعرية الصخور وتفتيتها ليحقق بذلك فسحة كبيرة لتكوين التراب والأراضي الصالحة للزراعة والفلاحة وهو يفتقد إليه.. بخلاف الأرض فالجو فيها هو الذي ساعد على تفتيت الصخر مع أشعة الشمس ليصلح بذلك أرضنا فيجعلها ميسورة للسكن والفلاحة والزراعة.. كما أن حجمها الذي هي عليه أهّلها للحفاظ على غلافها الجوي بفعل الجاذبية، ولو صغرت عن حجمها هذا لما استطاعت الحفاظ على غلافها..

والغلاف الجوي الذي يحيط بكوكبنا المعلق في الفضاء كثيف جدا، يصل في امتداده حول الأرض إلى ارتفاع 500 ميل، وبذلك صار جنّة للمخلوقات التي تعيش على سطح الأرض، يقينا شر ما يتطاير في الفضاء من أجسام حارقة، وأشعة قاتلة، يمنع وصول الشهب إلى أرضنا وتعد بالملايين حتى لا نتأذى من نارها وإحراقها، وهذه الشهب تنقص على أرضنا بقوة رهيبة سرعتها نحو ثلاثين ميلا في الثانية الواحدة، وهي إن اخترقت جونا بهذه السرعة وبتلك الأعداد فلا ينفعنا عندها التجوال والطواف وتبادل العلاقات.. لا ينفعنا سوى الإحتماء بالكهوف والاختفاء بداخلها، ولكن حتى وإن وقينا أنفسنا بالكهوف، أو أعددنا بنايات مانعة لآثار الشهب وقسوتها، فإننا سوف نضطر إلى العيش تحت أغلفة من الإسمنت المسلح والمطعّم بالمجهول حاليا، ولا نستفيد من أشعة الشمس، ولا نحرث أرضنا أو نزرعها.. هذا إذا قدر لنا أن نبني في العراء... ومن لطف الله بمخلوقاته والكائنات جميعها أن زود الأرض بغلافها الجوي، وما إن تخترق الشهب هذا الغلاف منقضة بسرعة خاطفة حتى تصير رمادا قبل وصولها إلينا، وما يصلنا مما لا نراه، أو نرى أثرا له يسقط على البحر أو في البر يعتبر غير ذي بال مقارنه مع الملايين التي يقاتلها فيقتلها جونا..

إذن فالأرض محقة في جذب غلافها إليها، واحتضانه ومسكه في استماتة طول مدة وجود الأحياء فيها، بل طول مدة تكوين هذا الغلاف حتى نشوء الحياة عليها وإلى أن تنتهي الحياة فيها وعليها، إنها بحق لم تهيئ على هذا الوضع إلا لتكون مسرح الحياة. ترى من علمها ذلك؟ من نبهها إلى ضرورة الإمساك بغلافها؟ إنه الله تعالى، إنه خالقها وبارؤها، فهي وسيلة إعلامية من نوع فريد، أودعها الله تعالى في المجموعة الشمسية وبينها لتكون هناك حياة متنوعة، وحياة عاقلة، إنها وسيلة من وسائل الإعلام الطبيعية المودعة في الكون، وكلها أسرار وآيات غاية في الجمال، من خلالها، ومن خلال السير فيها باحثين منقبين نستشف أسرارا وأسرارا، ونسعى إلى المعرفة بما فيها معرفة كيف بدأ الله الخلق، الشيء الذي يزيد من حرصنا على تلقي الإعلام الصادر عنها وعن كل جزئية من جزئياتها، وذرة من ذراتها.

وإذا نحن حرصنا على المضي قدما لمعرفة كيف بدأ الله الخلق فإننا أولا لا نتحرج لأن ذلك غير ممنوع عنا قال تعالى: ((قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) () العنكبوت، وثانيا نجد الإعلام عن ذلك موجود في هذه الأرض، فما علينا إلا أن نتلقفه منها بشيء من الجهد مع غياب العسر، وأن تكون استعداداتنا كاملة باستفراغ الوسع لتخبرنا الأرض وتعلمنا عن ذلك.

إن الغلاف الجوي المحيط بالأرض كما قلنا مكون من غازات مختلفة اختلافا تركيبيا وعدديا لا ينزع مطلقا إلى الخروج عن وحدة الخلق، فالكون كله مؤلف من ذرات غاية في الصغر، ولكننا بملاحظتنا رأينا الاختلاف بين هذه الذرات في التركيب العددي للجزيئات، فأطلقنا أسماء وأسماء على العناصر، وأسماء وأسماء على المواد العضوية.. فكانت الغازات التي نتحدث عنها ما هي إلا ذرات مكونة من عدد معين من الجزيئات كالأكسيجين والنيتروجين...

كما كانت أيضا جزيئات طليقة في هذا الغلاف عند علو شاهق حيث منطقة التأيين كالإليكترون والأوزون..

والأرض تمسك بغلافها الجوي، تمسك بغلاف من الغازات والذرات تتخذهم أجنحة ومظلة تظلل بها الكائنات الموجودة على ظهرها، وفي سمائها، كأننا كتاكيت وهي دجاجة. هذه الأرض تحضن جوا هو غلافها، بخلاف القمر مثلا الذي لا جو له، فهل هناك إشارات إعلامية بهذا الصدد؟ أجل.

إن احتفاظ الأرض بغلافها الجوي بما فيه الماء المحيط بها ما كان ليكون لولا حجمها وكثافتها التي هي عليها، وهي بذلك تريد أن تعلمنا أنها إن صغرت حتى بلغت حجم القمر، فإن ذلك يجعل من المستحيل عليها الاحتفاظ بغلافها، ولاستحال تبعا لذلك نشوء الحياة لأنها بغير الغلاف الجوي سوف تكون حارة جدا لدرجة الموت، أو تكون يبابا خرابا مثل القمر.. وإذا زادت عن حجمها ولو ضعف القطر الذي هي عليه لزاد بذلك جذبها للأجسام الضعف، وبذلك يرتفع غلافها الجوي كثيرا مما هو عليه بوضعها الراهن، ويزيد الضغط الجوي على الأجسام والمواد بمقدار كيلوغرامين، وهذا إن حصل فإنه يشير إلى حتمية اتساع وازدياد المناطق الباردة، كما تنقص المساحات الصالحة للفلاحة والزراعة والسكن، وتصوروا بعد ذلك إمكانية نشوء العلاقات بين المجموعات البشرية، واستيعاب النمو الديموغرافي مع قلة قوت الناس وأرزاقهم.. وإذا كبرت حتى صارت في حجم الشمس مع احتفاظها بكثافتها فإن ذلك يخبرنا بحتمية حصول تغيرات خطيرة للغاية، منها أن جاذبيتها للأجسام سوف ترتفع بمقدار 150 ضعفا، والغلاف الجوي سوف يتناقص ارتفاعه إلى أربعة أميال من سطح الأرض، ثم يستحيل تبعا لذلك تبخر المياه، ويرتفع الضغط الجوي أكثر من 150 كيلوغرام على كل سنتمتر مربع من سطح الأرض، وماذا يحدث بعد ذلك؟؟

سوف يزداد وزن المخلوقات التي تعيش في الأرض فيصير وزن صاحب الرطل الواحد 150 رطلا، ويتضاءل حجمها فيصير حجم الإنسان هذا حجم كلب صغير، أو قط كبير أو سنجاب... ولا شك بعد ذلك أن الحياة العاقلة سوف تختفي وتنقرض وسائر الحيوانات من جميع الأنواع والأصناف، وإذا قدر لمخلوقات معينة أن تعيش وفق هذه الظروف فإنها بعد حين سوف تموت عطشا هذا إن قدر لها أن توجد، وهو محال وفق المقاييس الحياتية المعروفة لسائر المخلوقات إلا على الله تعالى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأتربة والكائنات الدقيقة

تعنى الجيولوجية بدراسة طبقات الأرض، وفيها من العجائب ما يسحر الألباب. ولست ذاهبا بك عزيزي القارئ إلى دراسة قلب الأرض (الماكما) أو طبقات البازلت والكرانيت.. بل أقتصر معك في رحلتي على الطبقات العليا وبالأخص الطبقة التي تشكل القشرة الأرضية والتي نطؤها بأقدامنا.

يقسم العلماء الأرض إلى طبقات، يدرسونها ويسبرون أغوار أسرارها، فيجعلون طبقتنا هذه، طبقة التربة، قسما، ويجعلون ما تحتها كتلا متخلفة، ثم الطبقة السفلى. ويعتبرون جميع طبقات الأرض ناتجة عن عامل واحد حددوه في التعرية الناجمة عن الجو، فهم يعتبرون الجو وما يسببه من عوامل التعرية سببا رئيسيا في تفتيت الصخور وسحقها على مر الحقب إلى أن نشأت عن ذلك الطبقات، ومنها قشرة الأرض وطبقة الأتربة، وتتم عملية التفتيت عن طريق الجو، ولكن ما يتفتت يكون قبل تفتته حاملا لعدة عناصر لا تصاحبه جميعها لتستقر على وجه الأرض حتى تكوّن التربة، بل تزول عنه لسبب بسيط هو أنها تحمل خاصية الذوبان وقابليته بواسطة الماء، فتنطلق معظمها عبر مياه الأمطار وانسيابه إلى الأنهار والبحار، وتغوص عبر التراب إلى الأعماق لتستقر في الصلصال القلة القليلة منها، فيترتب على ذلك انخفاض منسوب بعض العناصر في التربة ويرتفع منسوب عناصر أخرى. فالعناصر مثل الكلسيوم والماغنيزيوم والبوتاسيوم عناصر موجودة في الصخر، وبالأخص الصخر الناري، وبعوامل التعرية تفقد تلك الصخور هذه العناصر، وحين ينزل المطر يذيبها ويحملها معه إلى الأنهار والبحار، كما يغوص ببعضها إلى أعماق الأرض، بينما العناصر الأخرى مثل الحديد والألوميبيوم والسيليكون فإن أكاسيدها لا تذوب في الماء فتستقر على الأرض لتشكل الغالبية العظمى من الأتربة.

وعناصر السيليكات الأصلية بعد خروجها من الصخور المتفتت بعوامل التعرية تتحلل هي الأخرى لتشكل الصلصال، وهذا الأخير به قدرة كبيرة على تبادل الايونات (الكتيونات)، وهنا يجدر بنا أن نتساءل: إذا كان المطر يذيب سيليكات العناصر القابلة للذوبان ويهرب بها عبر الأخاديد والمجاري إلى البحار ثم يفقر تربتنا، ألا يكون ذلك عملا عدوانيا ضد الكائنات الحية؟ كلا، إن ما يغوص به الماء عبر المجاري والأخاديد وهشاشة التربة إلى أعماقها يجد الصلصال له بالمرصاد، فيعمل هذا الأخير على الاحتفاظ بها. هكذا إذن، فقد ائتمن الله تعالى الصلصال على القواعد القابلة للذوبان، فكان حارسها الأمين حتى يأتي النبات، ثم يمتصها لتساعده على نموه. ألا يرشدنا هذا إلى إعلام يصدر حتى عن التراب؟ ألا ينبؤنا بتقدير بديع أودعه الله تعالى في العناصر والأتربة؟ أليس ذلك تقديرا لأقوات أهل الأرض وتثبيتا لجذور النبات حتى تكتمل صورة هذا المشهد الرائع، وتظهر آياته مستحثة كل ذي لب على تقديس مبدعها؟ بلى.

إن تربة الأرض تكون خصبة، وتكون جدبة، تكون ذات خصوبة إذا احتوت على مواد معدنية ومواد عضوية، وتكون مجدبة إذا احتوت فقط على مواد صخرية ومعدنية متحللة، وبهذه الحالة تكون الأرض فقيرة، وغير مؤهلة للعطاء الجيد والغلال الوفير، فكان لا بد لها من مواد عضوية حيوانية ونباتية، وبين هذه وتلك يوجد الكائن السحري الذي لولاه لما أمكن إيجاد المواد العضوية، ولما أمكن توزيع العناصر تحت الثرى لتستفيد منه النباتات. إنها الكائنات الدقيقة التي تعيش في كل مكان فوق الثرى وتحته وفي الجو على بعد عال جدا.

وبالنسبة لموضوعنا فإن هذه الكائنات الحية الدقيقة هي التي تحرث أرضنا من تحت أقدامنا، هي التي تقلب حبيبات التراب وتنفش فيها، هي التي توزع مواردها تحت سطح الأرض على جذور النباتات. إنها الفلاح النشيط الذي يعمل ليل نهار دون ملل أو كلل، ولكنه لا يعمل دونما مقابل، إنه ينتظر مقابلا على عمله، وإذا لم يحصل عليه فإنه يتناقص في أعداده الهائلة إلى أن يقل كثيرا تحت الثرى فينتج عنه قلة في العمال الذين يوزعون العناصر على جذور النبات، وبذلك تموت أرضنا الزراعية، وتصير جدبة بعد أن كانت خصبة، لا تنبت إلا بمقدار ضئيل أنواعا معينة من النبات هزيلة لا نضارة فيها فضلا عن انخفاض منسوب العناصر فيها وفي ثمارها لينتج عنه ضعف وهزال كل من يتغذى عليها كالبهائم وكذلك الإنسان..

إن المقابل الذي تطلبه منا تلك الكائنات الدقيقة هو المواد العضوية من نبات وحيوان.. إنها لا تطالبنا بإرجاع نصف ما أخذناه على هيئة ثمار ناضجة. لا تطالبنا بثلث ذلك، ولا بربعه. لا تطالبنا بقسمة صغيرة، أو كبيرة من المحصول الفلاحي والزراعي. لا تطالبنا بتفاح، أو زرع، أو عنب.. بل تطالبنا بإرجاع النفايات العضوية إليها لتثميرها من جديد، وتتكاثر بسببها، فيسهل على أعدادها الضخمة الهائلة توزيع العناصر داخل الأتربة تهيئة لطعام النبات الذي يتغذى بالامتصاص عليها، ويتغذى على هذه الأخيرة الحيوان لنتغذى نحن عليه وعلى النبات، إنها ليست ظلومة مثل الإنسان، ولا جاهلة مثله أيضا.

وإذا أخذنا التراب من منطلق قوله تعالى في سورة العنكبوت: ((قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) (20)، فإننا لا نخطئ الكيفية التي تم بها خلقه (تكوينه) والسير من هذا النوع مغر، يشجع على طلب غير التراب ولا بأس، ولكن شريطة أن يعقل تتبع أثره حتى لا نسقط في بحوث لا تجدي نفعا ننفق فيها الوقت والمال من غير نتيجة.

علمنا أن الأرض قد كانت جزءا من الشمس وقطعة منها، فكانت حاملة لبعض صفاتها وعناصرها، ثم لما دحاها الله تعالى بعيدا شيئا ما عن الشمس جذبتها هذه الأخيرة إليها ولم تتركها تنطلق أو تخرج من جاذبيتها، فسارت بها مع سائر توابعها في قبة السماء، فتموقعت في موقعها من الدوران حول الشمس، وتموضعت عند بعد معين منها، لم يختارا هذا، كلتاهما أرغمتا على أخذ مكانتهما ومواقعهما ومدارهما. وبحكم ذلك التموقع والتموضع لم تعد الأرض قطعة من نار كما كانت أو كتلة منصهرة، علما بأن قلبها سائل منصهر ناري لم يزل، ولكن مع ذلك فإنها لا تنتج طاقتها كما يفعل النجم، إذ ليست مفاعلا نوويا كالشمس، وسائر النجوم في السماء، فبدأت تبرد وتبرد عبر ملايين السنين ولو ظلت تبرد من غير جو كما برد القمر لكانت حرارتها اليوم هي حرارة القمر مضروبة في نسبة كتلته إلى كتلتها، فلما دخلها الهواء، وأصابها الماء، وتعاون الماء والهواء وأشعة الشمس بدأت تبرد أكثر مما لو لم يكن لها جو، فتغيرت وتغيرت.. فبتسلط الماء والهواء مع أشعة الشمس على الأرض وجدت عملية تكوين القشرة الأرضية والأتربة وذلك عن طريق تفتيت الصخور النارية وسحقها عبر ملايين السنين فزالت عن الصخر عناصر معينة أثرت فيها عوامل التعرية مثل الحديد والألومونيوم.. واستقرت على البسيطة لتشكل الغالبية العظمى من التراب، كما ذابت العناصر القابلة للذوبان وسير بها إلى البحر إلا أن بعضها هو الآخر استقر في الأرض فكانت تربة الأرض مكونة من حبيبات الصخور والعناصر، وكان ذلك هو الكيفية التي بدأ الله بها خلق التراب تمهيدا لنشوء حياة النبات ليأتي بعده الحيوان، ثم الإنسان، هذا المخلوق من عجل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إعلام النبات

الإعلام الصادر عن مملكة النبات لا حد له. وهو مليء بالأسرار والألغاز، وإلى الآن لم تستطع البشرية الإحاطة به وبأسراره الباهرة رغم أنه طوع بنانها، وما نعرفه عن هذه المملكة النباتية يعتبر شيئا غير ذي بال إذا ما قورن بالأسرار الهائلة التي تنتظر منا إدراكها، وليس من الغرابة القول بأن عالم النبات يفوق عالم الأجرام السماوية بأسراره إلى حد كبير جدا بسبب احتوائه على سر الحياة وبسبب كثرة أصنافه وتنوعها.

والنبات هو المورد الرئيسي للأوكسجين، وهو المدير الفعلي لعملية التبادل الجارية بين غاز الأكسيجين، وغاز ثاني أكسيد الكربون، وهو الحجر الأساس لتثبيت التربة وحمايتها من الانجراف، وهو المغذي الأسمى لجميع المخلوقات في البر والبحر، وما من غذاء لمخلوق كيفما كان نوعه، وكيفما كانت دقة حجمه إلا وفيه يد للنبات، حتى الدواب من غير آكلي اللحوم لا بد أن تكون قد أكلت النباتات، ثم أكلناها.

والنبات هو الذي يزين أرضنا ويمنحها النضارة والجمال.

وتبدأ مملكة النبات من نوع معين من البكتيريا، حتى النباتات الراقية من الشجيرات والأشجار المثمرة والزهريات، لأن هذه البكتيريا تسلك نمط النبات في غذائها، فالنبات يتغذى بواسطة الامتصاص، امتصاص ما في التربة من محاليل مائية، فكذلك هذا النوع من البكتيريا إنه يسلك في اغتذائه مسلك النبات، ويستطيع العيش في معزل عن كائنات أخرى، بحيث لا يحتاج لأن يتغذى عليها كما هو الحال في البكتيريا الأخرى والجراثيم والميكروبات التي تتغذى على بعضها البعض، وتنمو على حساب بعضها البعض أيضا، وبذلك اعتبرت هذه البكتيريا في عداد النباتات، بل هي أول مظهر من مظاهر النبات. والبكتيريا النباتية تستطيع العيش في كل مكان، تستطيع العيش تحت الثرى وفوق الثرى، وفي الماء والفضاء لأن عملية الامتصاص تسهل عليها الحصول على رزقها ولو كانت لاصقة بالغبار تذروها الرياح في الجو بحيث لها من الخاصيات الذاتية ما يجعلها قادرة على الاغتداء في أية بيئة من البيئات شريطة توفر الظروف المواتية، ولها القدرة على تثبيت الكربون الجوي من وجود الطاقة الشمسية والماء للحصول على احتياجاتها من سكريات وكربو إيدراتات، ولها أصباغ ملونة تتماثل فسيولوجيا مع الأصباغ الخضر في النباتات الراقية، ولولا التوازن الذي فرضه الله كقانون على عالم البكتيريا والكائنات الدقيقة الأخرى لما استطعنا منافستها على الغذاء والمكان ولو بلغنا ما بلغنا من التقدم العلمي والتقني.

وإذا نحن طلبنا إعلاما عن البكتيريا النباتية بالمقارنة مع البكتيريا غير النباتية نجد أن عملية الامتصاص تشترك بين جميع أنواع البكتيريا ومع ذلك لم نعتبرها من مملكة النبات، والسبب هو أننا قد تلقينا إعلاما خاصا عن التطفل والترمم، فصاحبتنا غير متطفلة، ولا مترممة، بحيث لا تعيش على غيرها من الكائنات الدقيقة كالبكتيريا المتطفلة والمترممة. ولا تترمم على المخلفات والمواد العضوية، وهذا الفرق بين صاحبتنا وغيرها يعلمنا بوجود منهج خاص تستقل به البكتيريا النباتية، وتختلف به عن غيرها، تسلكه، ولكن إلى أين؟ إلى أداء رسالتها على أحسن ما يرام، وفي سيرها نحو هدفها تكون قد خلفت إعلاما عن وظيفتها، واستعلنت بذلك لإلحاقها بعالم النباتات، مقتعدة أولى درجات سلم مملكة النبات.

ولقد علمنا فيما ذكر عن إعلام الأرض وإعلام الأتربة والكائنات الدقيقة أن بداية التهيئة لاستقدام الإنسان إلى كوكب الأرض كان بتبريد كوكبنا، ثم نشوء اليابسة من حبوب الصخر المفتت مع وجود المساه ونشوء المبردات من الكائنات الدقيقة والنباتات والحيوانات البرية والبحرية.. ولعل أحدا منا يريد أن يسأل عن بداية عالم النبات، والجواب بسيط هو أنه ابتدأ بتلك البكتيريا النباتية أو الطحالب الحفرية أو شيئا آخر لا نعرفه، ثم تلاه نبات من طراز خاص في الحفريات، ثم النبات البذري والزهري.

وجاءنا إعلام من العلماء المهتمين يقسمون فيه النبات إلى ثلاث مراحل. المرحلة الأولى هي الحقب القديم (الحقب الاركي) ولقد عثروا في بعض الحفريات على نوع من الطحالب قدروا عمره ببليوني سنة. وهذه الفترة قديمة جدا قدم الأرض، إذ فيها كانت هذه الأخيرة تمر بعملية تبريد الصخور النارية لتنشأ البحار والمحيطات والأتربة، ثم النباتات الطحلبية. ولا أحد يستطيع معرفة متى بدأت أولى صور الحياة على وجه الأرض، ثم يأتي الحقب الذي يليه (الحقب الباليوزوى)، ثم الحقب المتوسط (الحقب الميزوزوى) ثم الحقب الحديث (الحقب الكاينوزوى) وهو الذي لا نزال نحياه ونعيش فيه، وتسمية العصور في تقسيم الحقب يرجع إلى الأماكن التي تمت فيها دراسة الحفريات.

لقد عرفت الأرض أنواعا كثيرة من النباتات وذلك قبل نشوء النباتات البذرية والزهرية، وسادت تلك النباتات فترة طويلة من عمر الأرض، خصوص النباتات اللابذرية كالسرخيات واستعمرت كوكبنا بشكل مهول طغت فيه على غيرها من النباتات الأخرى وأرغمتها على الأفول أو الانتظار فترة من الزمن حتى انتهى أجلها، ثم طواها باطن الأرض لتتحول إلى فحم حجري، ثم نشأت بعدها النباتات البذرية البدائية ونباتات عارية البذور لا تنتج أزهارا، ولا يعني هذا غياب بعض تلك النباتات عن مسرح الحياة، لا، وإنما وجودها قد كان غير ذي بال نظرا لسيادة غيرها وأخذها مساحات هائلة من الأرض، ولسائل أن يسأل عن هذه الفترة ويتصورها، فهلا تضمنت إعلاما يريد أن يشق الزمن الغابر حتى يصل إلينا؟؟ بلى.

إن تلك الفترة يشير إعلامها إلى عدم اكتمال بناء السكن للإنسان، يشير إلى عدم صلاحيته للاستيطان من قبل الإنسان، والإنسان كريم لا يليق بمقامه إلا أن يكون مكرما، وهو يمثل أحسن صورة من صور الجمال، ولذلك فهو جميل، والجميل لا يحب إلا الجمال، ومسرح الحياة بالنباتات غير الزهرية والبذرية لا يبدو جميلا، حتى الله تعالى لم يشأ أن يسكنه الأرض في تلك الفترة، بل هيأها له، وذللها، وأكمل فيها نباتها، وزينها بمختلف أنواع الزينة لئلا يترك له مجالا لرؤية غير الجمال في الخلق والإبداع وتنوع صور الجمال في أبهى حللها، وأعلى مراتبها من بديع الصنع وجميل الإحكام حتى لا يذهب الإنسان إلا مذهب التقديس والإجلال للبارئ وشكر نعمه عليه غير المحصية عدا.

وتصوروا معي غياب الحدائق ذات البهجة الخلابة، بل تصوروا غياب النباتات المنتجة للأزهار، كيف كان يمكن للإنسان أن يتحسس الأريج وهو غائب؟ كيف كان يمكن له أن يستمتع بالألوان الزاهية؟ كيف كان يمكن له أن يهتز شعوره وتطرب نفسه حتى يخصب خياله لينتج فنا وأدبا في غياب الحب المنتج للأزهار؟ كيف كانت تبدو الأرض؟ وكيف يمكن أن تكون جميلة ساحرة بلا حب وعنب وقضب وزيتون ونخل وحدائق غلب؟

إن الأرض ما كان لها أن تكون صالحة لاستقدام الإنسان لولا مرورها بحقب طويلة من الزمن تتهيأ فيها الظروف المناسبة لنشوء النباتات الراقية، ما كان لها أن تستقبل الكريم ضيفا في رحابها وهي مقفرة مجدبة من النباتات البذرية والزهرية، لم تستقبله إلا بعد حصول الإنبات الموزون يتماشى مع إحساسه وتذوقه للجمال، قال تعالى: ((وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ)) () وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ)) () الحجر، وقال تعالى: ((أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ)) () النمل، وقال تعالى: ((أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ)) () الشعراء، وقال تعالى: ((خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ)) () لقمان، وقال تعالى: ((فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ () أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا () ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا () فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا () وَعِنَبًا وَقَضْبًا () وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا () وَحَدَائِقَ غُلْبًا () وَفَاكِهَةً وَأَبًّا)) () عبس.

ولا يوجد على وجه الأرض مخلوق أكثر طواعية للإنسان من عالم النبات، كما لا يوجد نظيره في أعلى مراتب الجمال  وقممه غير الإنسان ذاته، ولكن هذا النبات وإن اقتعد مكانة عالية بجماله ورونقه ونسيم عليله وضرورته القصوى لسائر المخلوقات فإنه أضعفها جميعها عن حماية نفسه بالهروب من الخطر إن ألمّ به، ولكنه مع ذلك منحه الله تعالى آليات دفاعية معينة بواسطتها يقاتل من أجل بقائه، فهو حين يثبت جذوره في التربة ويتغلغل إلى أعماقها يبدو قويا بعض الشيء بحيث نراه يخترق حبيبات الأتربة الصلبة باحثا عن طعامه وشرابه، ونراه أيضا بسيقانه وأغصانه يخترق الفضاء باحثا عن أشعة الشمس والضوء ورطوبة الجو، ولكنه وإن بدا قويا بعمله هذا وصلبا في سمك بعض أنواعه من الأشجار يستطيع مكافحة الظروف الطبيعية إلا أنه لا يقوى مطلقا على نقل نفسه بنفسه من مكان لا يعجبه إلى مكان آخر يروقه، يظل في مكانه صابرا محتسبا ثابتا للعوامل الطبيعية القاسية، يتصارع من أجل البقاء، غير مستسلم للبيئة والمناخ مهما كانا قاسيين حتى يكسب العراقة والانسجام مع بيئته ويتعود على تحمل قسوتها فينتصر عليها ويستمر، أو يخسر معركته معها فيموت، وكونه يموت في بيئة معينة لا يعني اضمحلاله وانقراضه من سائر البيئات، وإنما يعني أن البيئة التي وجد فيها ليست مواتية له بحيث لم يهيئ للعيش بها، وهذا مشاهد يمارسه الإنسان بعمل يده في الميدان الفلاحي والزراعي، وهنا يجدر بكل إنسان أن يتساءل عن سر نمو النبات في بيئة دون أخرى مع قدرته على الصمود والتصدي.

وجسم النبات يمكن تشبيهه بجسم الكائنات الحية غير الدقيقة من حيث احتواؤه على بعض ما تحتوي عليه أجسام الحشرات والحيوانات والأسماك والإنسان.. فالأجهزة التوصيلية التي يحتوي عليها جسمه تعتبر اعتبار الأوعية والقصيبات والقصبات، تشبه الأنابيب الموصلة للطعام والشراب والدماء والأكسيجين.. مثل معظم المخلوقات، كما له فتحات دقيقة في أوراقه يمكن اعتبارها مخارج للفضلات إلا أن فضلاته ليست كفضلات الكائنات الأخرى إذ هي مخارج لما زاد عن حاجة النبات من المياه لضمان استمرار صعود الماء من جذوره إلى سيقانه وأغصانه وأوراقه حتى لا يتركز إلا عند حد معين لا يخذل نموه الطبيعي وإنتاجه للثمار..

فالنبات له مثل هذه الموصلات تمتد من الأسفل نحو الأعلى، فجذوره تضرب أعماق الأتربة وسيقانه وأغصانه تتجه إلى الجو، ولكنها جميعها تشكل جسم النبات، ولذلك فالجذور تمتص الغذاء والمياه  وبعض العناصر الموجودة في التربة فتتغذى عليها، ولكي تمد أعضاء جسمها لا بد لهذا الجسم من ممرات، ولقد منحها لها ربها، فقد وجدت لديه شعيرات وقصيبات تصل إلى كل غصن من أغصانه، وتربط كل ورقة بغصنها، ولا تترك عضوا واحدا من أعضاء النبات، فجميع ما فوق الثرى يرتبط بالجذور مباشرة، وكل ذلك يعتبر قنوات تمر من خلالها المغذيات والمياه لتصل إلى كل غصن وكل ورقة، إلى كل عضو من أعضاء النبات لا تخطئ زهره وثماره وأنسجته حتى تتغذى جميعها من عطاء الجذور، فيصح جسم النبات بمحتوى ما تضخه جذوره ليعطي الثمار والحبوب والفواكه والأزهار والخير العميم مع النضارة والجمال البديع..

والماء الذي جعل الله منه كل شيء حي ((أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ)) ()  الأنبياء، هذا الماء لا يستغني عنه كائن حي دق أو جل، خفي أو استعلن، فهو يستهلك منه ما يحتاج إليه، وأكثر المستهلكين للمياه من سائر المخلوقات هو النبات، وإذا طولب بأداء فاتورة استهلاكه للمياه فإنه سوف يرفض لأنه كغيره من المخلوقات لا تسقط المياه من السماء، وبذلك كانت المياه شراكة بينها، وأداء فاتورة ما ليس لك به فضل عليه عمل غاشم إلا أن يكون لك بعض الفضل في نقله إليه تستحق عليه أجرة أو أداء فاتورته، ولكن ليس إلى درجة اعتباره ملكية لك تملك حق الانتفاع به مع تملك عينه، فهذا يأباه النبات فبالأحرى من سخّر له، بالإضافة أنك إن طالبته بذلك فلا تنس أنك عالية عليه، إذ لولاه لما استمرت الحياة، ويكفيه ما يقدمه لك من خير كثير.

واستهلاك النبات للماء يختلف باختلاف محتوى ثماره وحبوبه وفواكهه من المياه. فشجرة البرتقال مثلا تنتج فاكهة تحتوي على الماء بنسبة 87،51  فكان لا بد لها من امتصاص المياه بمقدار لا يتطلبه نبات العدس، لأن هذا الأخير لا يحتوي حبه إلا على نسبة 10،25 من الماء، هذا الماء الذي يمتصه النبات من الأتربة بواسطة الجذور ليزود به سائر أعضاء جسمه يأخذ شكلا تصاعديا في مساره، والماء عادة لا يسيل نحو الأعلى فمعنى ذلك أن للنبات آليات خاصة بواسطتها يحبس الماء ولا يتركه ينزل، وحتى إن نزعت عن النبات كل جذوره أو قطعته من ساقه فإنك لا تجد أثرا للمياه تنزل من الأعلى نحو الأسفل. ومن الطريق حقا الإعلام الصادر عن الجذور التي لا تتوقف عن امتصاص المياه، فهي دائمة الامتصاص له بمحاليله من خلال الأتربة، وكونها تمتص المياه فإن ذلك يعني أن الماء يصعد دائما نحو الأعلى، ولكننا حين نجد شجرة مغمورة في المياه مدة طويلة، أو نبات يسقى بدون توقف غالبا لا يصيبه العفن والخمج إلا إذا سدّت عنه أبواب التهوية في التراب، والسؤال هو:

ما دام الماء يصعد من الجذور إلى السيقان، ثم الأغصان والأوراق دون توقف فمعنى ذلك أنه سوف يعمل على تضخيم النبات بشكل كبير جدا الشيء الذي يغيب رغم حالته تلك فما السر؟؟ لقد أعلمنا النبات بأسرار كثيرة مودعة فيه، أودعها رب العالمين جلت قدرته، وهنا يعلمنا النبات مرة أخرى أن أوراقه مزودة بثغور على شكل فتحات، وهذه الفتحات تحفظ عليه توازنه التنموي في حدود مفروضة عليه، بحيث من خلالها يتبخر الماء، ويطرد من جسمه على قدر معين بواسطة أشعة الشمس والجو حتى لا يكون عبئا على النبات فاضلا عن حاجته منه، لأنه قد جبل على سلوك يعتبر قانونا يطيعه ولا يعصي لفارضه أمرا، فيعمل على الحفاظ على عملية صعود الماء بشكل دائمي، وكلما صعد الماء وزاد عن حاجته منه طرده بواسطة فتحات أوراقه كل ذلك للبناء، بناء أنسجته وسيقانه وأغصانه وأوراقه وأزهاره وثماره، وإذا كان الماء قليلا لا يسد حاجته امتنع عن فتح ثغوره حتى لا يتبخر، وإذا لم يقدر على مقاومة أشعة الشمس بأن أرغمته على دفع بعض مخزون مائه إلى الثغور لينطلق بعملية البخر في الجو خصوصا في أيام القيظ، وشدة لفحات الشمس المحرقة؛ فإنه يسايرها في ذلك، ولكنه يبذل جهدا كبيرا بجذوره يضربها زيادة إلى الأعماق باحثا عن الماء، أو رطوبة الأرض ليشرب بمقدار ما ضاع منه، كما أنه سرعان ما يغافل الشمس فيتشكل بأوراقه وفق حاجته من الوقاية وذلك كأن تتعامد أوراقه معها للتخفيف من حدة الأشعة بخلاف ما لو نشر أوراقه أفقيا فإن الأشعة سوف تأخذ منه بخرا كثيرا، كما أنه أيضا سرعان ما يغافلها عندما تكون أفقية في الشروق والغروب مغتنما تدنيا في حدة حرارتها ليستفيد من الجو ورطوبته فيتزود منه بعض الشيء.

وليس هذا فحسب بل زوده الله تعالى بآليات دفاعية يستطيع بواسطتها الحد من تسلط أشعة الشمس عليه وإرغامها له على تحرير مائه بواسطة التبخر، فهو يحدث ما من شأنه الحد من شدة بخر الماء وتبديد أشعة الشمس ولفحتها.

والنبات ينمو على الأرض في كل مكان، ينمو حتى على الجدران وفوق الحجارة والصخور، تنتقل بذوره ونواه بواسطة الرياح والطيور والحشرات وكثير من الكائنات الحية فتأخذ موضعها في أماكن شتى، فإذا كان الموضع غير سطح الماء وكانت البذور والنوى غير تلك التي ينمو نباتها مغمورا في المياه كالأرز مثلا، ثم توفرت لها ظروف الإنبات ولو بالغبار استقرت البذور والنوى ونما نباتها، ثم تغذت على ما في الغبار من مواد عضوية وعناصر حتى ولو كانت هباءات الغبار فقيرة إذ يعيش فيها النبات إلى حين لا يصل إلى مستواه بخلاف ما لو كان في المكان والزمان اللائقين به، وإذا لم يجد ضالته ظلت بذوره ونواه في مكانها حتى تعفن، أو يأكلها طير، أو تحملها الرياح مرة أخرى إلى مكان صالح للإنبات، ثم تنبت، ومن عجائب الإنبات؛ الحب والنوى، فالنوى مثلا من الثمرة وهي جزء منها، فإذا لم تتلق النواة أسباب الإنبات ظلت في حالة كمون وسكون، وهاتان الحالتان لا تدلان على الموت لأن جميع العمليات الحيوية تتم فيها لأنها كائن جنيني، والعمليات الحيوية لهذا الكائن الجنيني بطيئة وفي ذلك البطء يحتفظ الجنين بحياته لأطول فترة ممكنة، وحين تتوفر له أسباب الإنبات ينبت وهي الماء بالدرجة الأولى بحيث يبدأ التشرب للماء من طرف البذرة والنواة فتنتفخ وتتمزق أغلفتها، ثم يظهر الجذير، ثم تظهر الرويشة متجهة نحو الأعلى غالبا، ثم يظهر الساق الذي يحمل الأوراق والأزهار والثمار والأشواك والمعاليق وسائر الزوائد وكل ذلك بسبب الماء الذي ينزل على الأرض التي بها بذور ونوى حية، فلا  يحصل الإنبات إلا إذا كانت البذور والنوى حية، أما إذا كانت ميتة فلا تنبت لأن الميت لا ينبت.

وكون النبات ينمو في كل مكان لا يعني أن ما ينمو في الصحراء مثلا يصلح للإنبات في منطقة سيبيريا، وما يصلح للإنبات في المناطق الجافة لا يعني أنه يصلح للإنماء في المناطق الرطبة، وكونه لا ينمو في المناطق الجافة أو الرطبة فلا يعني أنه يستحيل عليه الإنبات والنمو فيها بل قد ينمو ولكن وفق شروط معينة حتى ولو لم تكن كافية يحددها له عامل أو عاملين أو أكثر من عوامل الطبيعة، وإذا وجدت بعض العوامل نما نموا ضعيفا سرعان ما تجتاحه الأمراض فلا يجد لها من ذاته الضعيفة أية قوة على مقاومتها، ثم يموت، ومنه ما تنمو بذوره ونواه بعامل الماء ووجوده في التراب كعامل ثان، ولكن ساقه بمجرد أن يشق حبيبات التراب متجها نحو الجو يموت وذلك كأن يتوافق ظهور ساقه مع انخفاض كبير في درجة الحرارة، وكذلك الشأن بالنسبة لارتفاعها بقدر كبير يحول بين نمو النبات.

ومن الطريف أن بعض أشجار الفاكهة كالتفاح تنمو بشكل مزدهر في المناطق المعتدلة ولكننا إذا جبنا كثيرا من مناطق الأرض التي تجتاحها حرارة مفرطة، وبرد بصفة الصقيع فإنا لا نجدها، هذا إذا أخذنا الطبيعة كما كانت، ولكننا اليوم نجدها وذلك بفضل جهد الإنسان وعنايته بها وانتقالها إلى تلك المناطق بسببه، وذلك يرشدنا إلى إعلام صادر عن يد الخالق في أرضه، فقد خلق النباتات ووزعها على كوكب الأرض كل بحسب احتوائه على خصائص تمكنه من التلاؤم والتعايش مع الجو المحيط به، ثم جاء الإنسان وراعى هذه العوامل واعتمدها مستفيدا من إعلام النبات.

وشجرة التفاح وإن نجح في نقلها من مناطقها المعتدلة إلى المناطق الباردة إلا أنه غير مطمئن لمردوديتها، فإذا مرت عليها ظروف سمحت لها بالنمو أو تماشت مع متطلباتها التنموية أنتجت ثمارها، ولكن دون مستوى مناطقها الأصلية، وإذا مرت عليها ظروف قاسية من الصقيع قتلت براعمها عند مدة معلومة تتعلق بطول فترة الصقيع فلا تنتج ثمارا إلا إذا استطاعت بعض البراعم مقاومة الصقيع طول تلك الفترة أو أخرت الشجرة موعد إخراجها لبرعمها حتى زوال الصقيع أو انخفاض مستوى تأثيره عليها، وهذا الصقيع وإن أثر بشكل بليغ على براعم شجرة التفاح أو غيرها من الأشجار التي تنمو في المناطق المعتدلة إلا أنه لا يؤثر على أغصانها وسيقانها وجذوعها وجذورها بحيث تظل الشجرة أو الشجيرة حية تنتظر مرور الحائل المؤقت_مرور الصقيع_على هيئة شبيهة بالموت إذ تبدو هامدة حتى لتكاد تكون من غير حياة، ثم يستقبلها فصل الربيع، ولك عزيزي القارئ تصور جمال هيئتها وهي مورقة مزهرة تتخلل أوراقها وأغصانها ثمار ناضجة حلوة لذيذة نافعة.

والعوامل التي تؤثر في عملية الإنبات كثيرة، وحين خلق الله تعالى الماء جاءنا إعلام من الماء ذاته يخبرنا بأنه سبب حياة كل شيء، ثم ذكر لنا بصريح القول في القرآن العظيم، فكان الماء أحد العوامل المؤدية إلى الإنبات مباشرة، وكان عاملا أساسيا فيه مع عوامل أخرى أوجدها جميعها رب العالمين جلت قدرته، وحين شاء الإنبات بعد خلقه للماء أخذ ما خلق من العوامل الطبيعية بعين الاعتبار، فأنشأ هنا ما لم ينشئ هناك، وأنبت هنا ما لم ينبت هنالك، فكان لا بد للإنسان إن أراد زيادة محاصيله من الحبوب والثمار والفواكه والخضروات، أو أراد الإنبات في مناطق لا توجد فيها أصناف معينة من النباتات يرجوها قائمة فيها أن يتعلم من النبات ذاته، فلديه ما يكفي من الإعلام بشأن ذلك، لديه ما يكفي من الأخبار عن العوامل المؤثرة فيه، فعامل المناخ يتضمن الريح ونسبة المطر والبخر والحرارة، شدتها واعتدالها وتدنيها، والضوء، والرطوبة بنسبها، والجفاف بنسبه، وكذلك عامل المنطقة الذي يتضمن تحديد الموقع المخصص للإنبات، إنبات نبات معين ليس البحر طبعا ولا الرصيف أيضا، كما يشمل ما جاء ناتجا عن العوامل الجيولوجية للأرض حين تكوّنها مثل التضاريس، ويشمل الأتربة من حيث ضمان مدى احتوائها على الماء، وصفتها الهشة، وضمان التهوية فيها للنبات، ويتضمن أخيرا الناحية الاحتوائية وتجمع بين الكائنات الدقيقة ومخلفات الكائنات الأخرى من الحيوانات.. فكان المناخ فيما يتعلق بعملية الإنبات هو ما ذكر أعلاه، هو وجود الكائنات الدقيقة والعناصر والمواد العضوية والجو والصفات الكيماوية والموقعية..

وهناك إعلام آخر صادر عن النبات بشأن الحرارة، فهو يعلمنا بإمكانية استمرار حياته عند حد معين من الحرارة لا يتجاوزها مطلقا، ويعلمنا أيضا بإمكانية نموه في نسب معينة منها حسب تقلبات الجو دون أن تؤثر على حياته وإن أثرت مباشرة على نموه وذلك باعتبارها حرارة في مستويات مختلفة من الأدنى لنباتات معينة ولو جاوزت عشرين درجة مئوية تحت الصفر إلى الأوسط، ثم الأعلى ولو جاوزت أربعين درجة مئوية فوق الصفر بالنسبة لبعض النباتات القاطنة في المناطق الحارة، فما لم تكن الحرارة معقولة تسمح بنمو النبات؛ لا ينبت، فإذا نزلت الحرارة إلى أدنى المستويات المسموح بها لنمو النبات؛ لا ينمو، وإذا جاوزت القدر المرغوب فيه؛ فإنه يموت، وليس هذا خاصا بالنبات، بل يشمل جميع المخلوقات بما فيه ذلك الجمادات والصخور الصماء، هذه الأخيرة بدورها لا تستطيع الحفاظ على أشكالها وكتلها وصلابتها إلا في حد معين من الحرارة فإذا جاوزت الحرارة المقدار الضروري للإبقاء على معالمها وصفاتها ذابت تلك الصخور والحجارة الصمّاء وانصهرت هي أيضا.

والنباتات أشكال وأنواع وألوان تتوزع على كوكبنا بحسب خواصها، وخواص العوامل المحيطة بها. فالنباتات الصحراوية بما فيها الجفافية مثلا غير النباتات المائية. والنباتات الوسطية التي لا تستطيع النمو في المناطق الجافة أو الصحراوية، ولا تستطيع النمو في الأماكن المائية غير الاثنين معا، وإلى هذه المجموعة النباتية تنتمي معظم النباتات التي نتغذى عليها، والتي تستقطب جل اهتمامنا وتستحث جل عنايتنا بمحاصيلها، وذلك كالقمح والشعير والذرة..

والنباتات الملحية غير غيرها من سائر النباتات إذ تستطيع النمو في الجفاف والابتلال وكثرة المياه.

وكما وهب الله للإنسان حواسه ومنحها لسائر الكائنات الحية بصرف النظر عن تلبّد بعضها كحيوان السلوثة وكثير من الناس، فإنه تعالى قد زود النبات هو الآخر بالإحساس، بل جعله خلقا يستجيب له بالتسبيح والسجود طوعا أو كرها، بحيث يسجد لجلاله ويسبح لقدسيته جل وعلا من غير أن نفهم نحن سجوده وتسبيحه، قال تعالى: ((وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ))(15) الرعد، وقال تعالى: ((وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ)) () النحل، وقال تعالى: ((أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ)) () الحج، وقال تعالى: ((وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ)) (6) الرحمن، وقال تعالى: ((تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا)) () الإسراء، ولقد سجل العلماء المهتمون في حقل العلوم النباتية إشارات ذبذبية متبادلة بين النباتات قالوا بشأنها أن النبات يتحدث إلى نوعه بتلك الأمواج المسجلة عنه، ولا أعرف أحدا قال بأن أية حركة لأي شيء إلا وتحدث صوتا مهما كانت ضآلة خفوته، وأن أي نبتة بنموها إلا وتحدث أصواتا، فالحركة كيفما كان نوعها ودقة رنينها إلا وتنتج صوتا، لا أعرف أحدا قال هذا حتى أنسبه إليه، وهو ما أراه، وربما في يوم من الأيام يستطيع الإنسان اكتشاف أجهزة تسمح له بتحويل الذبذبات غير الصوتية المسجلة عن النباتات إلى ذبذبات صوتية وآنذاك قد يحاكي النبات في تقديسه لله وتسبيحه له وصلاته الخاصة به والتي يعلمها، فيهرع هو إلى طلب علم صلاته، ثم يقدسه وفق رغبته على النحو الذي ارتضاه لعباده تأسيا بمحمد بن عبد الله رسوله عليه الصلاة والسلام، أو يحولها إلى أنغام في آلات العزف يستمتع بأنغامها، ويطرب لإيقاعاتها، قال تعالى: ((أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ)) () النور.

فالنبات إذن ذو إحساس، يحس بوجوده، ويحس بمحيطه، ولولا إحساسه لما اتجه ناحية الضوء إذا انعدم إلا من ناحية واحدة، وإذا كانت ناحية الضوء شرقية مثلا، ثم سددتها عليه وفتحت له ناحية غربية؛ فإنه يحس بذلك فتراه يعدل من هيئته التي كان عليها حين كان الضوء إلى جهة الغرب لتصبح له هيئة أخرى في ميله إلى مصدر الضوء من جهة الشرق، فهو يعرف حاجته جبليا ويسعى إلى الحصول عليها، كما يعرف رسالته فيؤديها في وجوده.

والأزهار التي تسجن الحشرات بداخلها لا تفعل ذلك إلا بعد إحساسها بنزول الحشرات عليها خصوصا الحشرات التي تزورها لغاية التلقيح، وإذا لم نستلم إعلاما بوجود الإحساس عند هذه الأزهار فما يكون قولنا عند رؤيتها وهي تطلق سراح سجنائها من الحشرات؟ لماذا تفعل ذلك؟ ولماذا تقتلهم أحيانا بمنعهم عن الخروج حتى يموتوا داخل مقصوراتها؟

لقد صدر إعلام بوجود علاقة بين نوع معين من الذباب الدقيق، ونوع معين من الأزهار التي تتضمن مجموعتين زهريتين، واحدة ذكرية وأخرى إناثية، ولكل فرد من أفراد المجموعتين مقصورة ضيقة عند منتصفها، تدخلها الذبابة المتنقلة بين هذه المجموعات الزهرية، فلا تكاد تجتاز منتصف المقصورة حتى تقع سجينة، والسجين لا بد له من عمل شيء ما للخروج من السجن ما استطاع، وصاحبتنا الذبابة رغم وقوعها في سجن الزهرة فإنها تحس بوجود الضوء مما يعني وجود فتحة للخروج لأن الضوء لا ينفذ إلا من فتحات، فلا تيأس، ثم تبدأ بنشاط ملحوظ، وجهد متواضع للخروج، ولكنها لا تجد نفسها خارجة، فتصعّد من نشاطها، وترفع من مستوى جهدها فلا تخرج أيضا، وهنا يدخلها اليأس، واليائس قد يتصرف بجنون، فيطير صوابها وتصل إلى أقصى جهد لها من أجل الانفلات دون جدوى، فتظل تدور وتدور، تخبط يمينا وشمالا متشقلبة مرات ومرات حتى تنفذ طاقتها، وتنهك قواها، فإذا كانت المسكينة قد زادت زهرة إناثية فإنها لا تخرج أبدا، وتصير مقصورة الزهرة قبرا للذبابة، ولكنها إن زارت زهرة ذكرية استضافتها، وفعلت معها نفس ما فعلته الأنثى إلا أنها لا تحكم عليها حكما مؤبدا، بل تطلق سراحها بعد حين، وذلك بأن تعمل الزهرة على تصلب جدران مقصورتها بالمقدار الذي يسمح للحشرة بتثبيت أقدامها حتى تخرج، وقد كانت ساعة دخول الذبابة مغطية جدرانها بمادة شمعية تعمل على انزلاق الحشرة إلى الداخل، ولكنها حين منعتها من الخروج كانت معذورة بحيث أنها تعرف أنثويتها، وتعرف أيضا حاجتها الماسة لمحتوى ما يحمله الضيف من حبوب اللقاح، ويكون هذا الضيف إبان زيارته لها قد أدى رسالته بحيث تم سجنه في زهرة ذكرية، وأحكم سجنه حتى تلتصق حبوب اللقاح بجسمه إبان دورانه ومحاولاته اليائسة للخروج، وبعد اطمئنان الزهرة الذكرية لمعقولية حمولته من اللقاح تطلق سراحه ليحط رحاله على الزهرة الأنثى، ثم يدخل إلى مقصورتها بما حواه من لقاح لتلقح الأزهار الإناث، ثم يموت قرير العين مادام قد أكمل مهمته بعمله المنوط به، وأظنه لا يرضى منا اتهام الزهرة بالإجرام.

ومن بعض أنواع النبات ما يعيش على أتربة فقيرة من الكائنات الدقيقة التي تعمل على تحويل كثير من المواد إلى مركبات بسيطة يستطيع النبات استغلالها بواسطة الامتصاص من أجل غذائه، ولما كانت الأتربة فقيرة بهذا الشكل، ولما كانت هنالك نباتات تعيش فيها وقد ثبتت جذورها تحت ثراها، ولما كان النيتروجين في صورة كيماوية معقدة لا يقوى النبات على تحويله وليس له نصيب معين من الكائنات الدقيقة تحلله وتحوله إلى مركب بسيط حتى يمكن استغلاله وكأن النبات في حالته هذه صبي في أولى مراحل عمره لا يتغذى إلا على السوائل، ولما غابت المبردات، أو وجدت بالشكل الذي لا يفي بإتمام عملية تحليل المواد، وكان لا بد للنبات من النمو والتعلق بالحياة قدر المستطاع في هذه الظروف فإن الله تعالى منحه آليات خاصة بواسطتها يستطيع الحصول على حاجته من النيتروجين، وليس عن طريق البرق الذي يغني حبيبات المطر بالنيتروجين لينزل على النباتات فتستفيد منه خصوصا وأنه يقل كثيرا في التربة بسبب ذوبانه في محاليل المياه، ولكن بشيء آخر ذلك أن النبات يحصل على النيتروجين من خلال اصطياده للحشرات حين تقع على أوراقه، يطويها داخل الأوراق، ثم يصب عليها أنزيماته بغية الحصول على تحلل جسم الحشرة حتى يحصل على ما بجسمها من مواد نيتروجينية لكي يستغلها. وقد قيل بهذا الشأن أن هذا النوع من النبات آكل اللحوم علما بأنه ليس كذلك، بل هو صائد النيتروجين من أجسام الحشرات، حتى المواد العضوية لا يستفيد منها من خلال أوراقه بهذه الطريقة، لأن ذلك يجب أن يتم من خلال جذوره، وبذلك يلفظ جسم الحشرة إلى الخارج بمجرد أن يحصل على رزقه من النيتروجين.

ومن عجيب الإعلام الصادر عن النبات الصياد للحشرات سلوكه المنسجم مع آلياته المزود بها من قبل رب العالمين جلت قدرته، فهو وإن أنبته في مكان فقير من النيتروجين، أو وجد ولكن على صورة معقدة لا يتحلل بإمكانياته، إذ يحتاج إلى عمال مهرة من الكائنات الدقيقة وهي بدورها غير موجودة أو قليلة العدد، فقد عني به وزوده بأدوات، وعلمه طريقة معينة يسلكها للحصول على حاجته من الضروريات، فمنه ما تتغطى أوراقه بشعيرات مركبة من أعناق تنتهي برؤوس غدية تنبلج أطرافها، والرؤوس الغدية في الأوراق تفرز مادة على درجة عالية من اللزوجة تتغطى بها الشعيرات، وتكون مصيدة لكل حشرة تقع على الأوراق، بحيث تلتصق بها، ولا تستطيع منها فكاكا، كما العنكبوت بمصائدها الخيطية، إلا أن هذه لزجية لاصقة، والطريف هو إحساس النبات القوي بوقوع الحشرة، إذ مجرد أن يستشعر حطّ جسمها على أوراقه يزيد من إفراز المادة اللزجة ليضمن أكثر إحكام قبضته على الحشرة، والأطرف هو ما تبديه الشعيرات من استجابات، بحيث تنحني إلى الداخل للإحاطة بجسم الحشرة، ثم يحوّل النبات المواد النيتروجينية التي يحتوي عليها جسم الحشرة بواسطة الأنزيمات التي يفرزها إلى مواد بسيطة يستطيع امتصاصها للاستفادة منها، وهنالك نوع آخر من النبات يصطاد الحشرات لنفس الغاية، ولكن ليس بنفس الطريقة، بحيث يطبق على فريسته بمجرد أن يستشعر وقوعها عليه، والطريف في سلوكه أن عملية الانقضاض بالإطباق على فريسته تتم بسرعة خاطفة لا تصل إلى الثانية الواحدة، وبعد ذلك تشرع في تأمين غذائها بصفة نهائية لتبدأ باسم الله تناول طعامها، بحيث تخرج أشواكا كأنها أسنان لا تلتقي، وإنما تتعشق فيما بينها فتمزق جسم الحشرة، أو تمنع حدوث فراغ يمكن أن تهرب منه الحشرة..

والنبات مخلوق حي، وكونه مخلوقا حيا لأنه يتحرك في نموه، ويتغذى على المواد والعناصر، وبصفة سر الحياة المشاهد أثره فيه؛ نستدل على تعلقه بالحياة، وميله الشديد لمكافحة أسباب مرضه وموته تلقائيا بما فطره الله عليه، حتى الأخطار المحدقة به يوجد لديه ما يعمل بواسطته على درئها عنه، واتقاء شرها، وإذا كان من بعض نوعه ما يقدر على مكافحة أخطار الاجتثاث في ظروف طبيعية قاسية كهبوب الرياح القوية، ومرور الأعاصير المدمرة، وإذا كان من بعض نوعه ما يقوى على مكافحة الظروف المناخية بمقدار محدود، وفي حدود أخطار تناسب قوته وقدرته على التجاوب مع المناخ والرسوّ باطمئنان فوق الأتربة، وإذا كان من غير هذين النوعين نباتات تستطيع مقاومة البكتيريا التطفلية والفطريات الترممية، وإذا كانت الأخرى من نباتات وشجيرات معينة تستطيع درأ الأخطار باستخدام آليات دفاعية تملكها كأن تكون شائكة، أو شعيراتها الغدية أو الوبرية لاذعة قارصة.. فإن هنالك وهناك وهنا نباتات من أنواع شتى لا تتذمر من فعل الحيوانات التي تزورها وتلتهم أوراقها، أو تأتي على الأوراق وبعض الأغصان الغضة لأن النبات يرضى بالاستسلام لها، بل وينتظر بفارغ الصبر تلك الزيارات حتى تقوم الحيوانات بإصلاح حاله من تلقيم لحاجته إليه حتى تتجدد أغصانه، وتنمو أوراق جديدة ويتقوى جسمه، بالإضافة أن صاحبنا النبات يعلم أن الحيوانات مؤدبة معه لطيفة في التهامها لأوراقه وأغصانه، تعرف الحيوانات كيف تلتقط غذائها دون إسراف أو تفريط، بحيث لا تلتهم أغصانه وأوراقه بهمجية، وإن مارست التهامها بشراهة، وإنما يتذمر النبات من يد الإنسان الذي يقتلعه، أو يقطعه، أو يسقط ثماره دون عناية موجهة نحو الحرص على عدم إضراره، أو إيذائه، أو تخريبه رغم حاجة هذا الأخير إليه دائما، فالإنسان في أكثرية تعامله مع النبات أكثر جهلا، وأحط سلوكا معه من الحيوانات، وحين يوقع به الضرر، ويسبب له الخراب والهلاك من غير جناية جناها، فإنه بذلك يؤكد انحطاطه، وإذا كانت يد الإنسان مسببة لموت النبات في كثير من الأحيان من غير إرادة فإن فترة احتضار النبات محسوسة، عليه أن يستشعرها بملاحظاته لأن إعلامها يفيد كاشفا عن حالات صعبة يمر بها النبات، وذلك كأن يبدأ في الذبول، ثم الضمور، أو جفاف أوراقه، وانكماش أغصانه، ثم جذوره وسيقانه بسبب نقص الماء مثلا أو انعدام التهوية أو الضوء.. وربما كان النبات في حالته تلك باكيا شاكيا مثيرا للإشفاق، مستدرا للعطف لعل حالته وهيئته تشفع له بأن يحسها الإنسان فينهض مسرعا لإنقاذه، فإن كان يحتاج إلى الماء زوده به، وإن كان ساقه قد تزعزع عن مكانه بفعل فاعل ثبّته، وإن بدأ مريضا طغت عليه البكتيريا أو الفطريات أو الجراثيم.. عالجه، وإن جنى ثماره جاهلا عملية الجني بأن أدى ذلك إلى الإتلاف الشديد في أغصانه وأوراقه.. عدل عن فعله بتعلم طريقة الجني، ثم منع الجاهل الذي كان شبيها به سابقا، فمن منا لا يستطيع رؤية الذبول على أوراق النباتات حتى داخل دورنا ومكاتبنا؟ لا أحد، فإذا كانت بين يديك عزيزي القارئ نبتة فوق التراب داخل ذورق أو حوض طيني أو بلاستيكي أو خشبي أو خزفي.. ألا يسترعي انتباهك الذبول حين يحصل لنبتتك خصوصا إذا كنت معتنيا بها ملاحظا نموها تراقب حالتها؟ ألا يدل حالها على حاجتها؟ ألا تعلمك بوقوع الضرر عليها، وتثير حفيظتك لإعطائها بعض وقتك من أجل العناية وسد الحاجة بغية إنقاذها؟ بلى.

والنبات كيفما كان نوعه وشكله يعتبر مخلوقا ظريفا يستحق عنايتنا، سواء أنتج الحبوب والثمار.. أو أنتج السموم، لأن النبات الموجود على وجه الأرض لا يخلو من فائدة لنا، أو لغيرنا من المخلوقات الأخرى. وإذا كان بعض نوعه قد أنتج مواد مخدرة تتلف العقول، وتخرب الصحة العامة كنبات الخشخاش الأسود أو الأفيون ومركباته كالمورفين والهيروين.. ونبات القنب الهندي المنتج بالاستخلاص لمادة الحشيش والمواد الأخرى المركبة من زيته.. فإن هذه الأنواع من النباتات قد زودها الله بها، فكانت آلياتها الدفاعية تدرأ بواسطتها كثيرا من الأخطار، ونحن إن لم يكن لنا بد من استعمالها، أو استعمال بعضها في ميدان الجراحة، أو المعالجات المختلفة، فإن ذلك لا يبرر مطلقا استعمالنا لها في غير المجالات الصحية، وإذا تم تبرير استعمالها من قبل فرد أو هيئة أو جماعة فإن هذا التبرير يعد كيدا للبشرية جمعاء، يجب رفضه كيفما كان الحال حتى لا نتحول إلى قطع من كتل صماء فارغة منخورة، أو أجسادا منتنة تحتوي على عقول فاسدة ودماء نجسة...

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إعلام المواد المركبة والعناصر

جميع المواد المركبة تصلح لأن تكون أدوات ووسائل إعلام عند تشكلها بأشكال معينة، تصلح أن تكون وسائل يصل عن طريقها الإعلام المرجو إلى المتحسس لها رؤية أو لمسا أو سمعا، فاللافتات واليافطات واللوحات الفنية وسائر اللوحات والحيطان والأقمشة والألبسة والأثواب والورق والكرتون والخشب والزنك والحديد والنحاس والألومونيوم والذهب والفضة والبلاتين والزجاج والماس والطين والجبس والخزف والكرانيط وجميع المواد المركبة أو جميع ما من شأنه عند تشكله وتركيبه قراءة إعلامه مواد قابلة لأن تحتضن إعلاما معينا يراد نشره أو بثه عن طريق تلك المواد، أو من خلالها، في ذاتها أو بواسطتها، حتى الماء وإن كان مادة مركبة سائلة يصلح هو الآخر لاحتضان إعلام ما، ليس من جهة تشكيله بالشكل الذي يجعله ثابتا لا يسيل، بل بالضخ إلى الأعلى كما يحصل في النافورات، وكذلك قطع الثلج التي تصلح للنحت هي الأخرى.

فاللافتات كيفما كانت مادتها المصنوعة منها تظل قطعا لا إعلام فيها غير شكلها الدال على صانعها وتركيبها المخبر عن مبدعه ولكنها إذا تضمنت صورا وعبارات مكتوبة وعلامات صارت وسيلة إعلامية يشع إعلاما بصورها وعباراتها، منها ما يشير إلى الدعوة، ومنها ما يشير إلى الدعاية، فالعبارات المكتوبة تضم دعوات معينة لحضور ندوات أو مؤتمرات أو مهرجانات، أو تدعو إلى حضور تظاهرات رياضية أو سياسية أو ثقافية، وتحمل الدعايات (البروباكندة) للفنادق والمتنزهات.. والدعاية في مجال المصنوعات ترمي إلى لفت الأنظار وتوجيهها إلى الاستهلاك.. ويستعملها الكثيرون للدلالة على إعلام مصور يستطيع المرء قراءته ولو لم يحمل عبارات وذلك مثل صور البقرة السمينة دلالة على جودة اللحم ودعوة لاستهلاكه.. وهناك علامات في مجال حركة السير لتنظيمه وإعطاء الأهمية للالتزام بمدلولاته، وذلك من علامات تنبه إلى وجود الحيوانات البرية لأخذ الحذر من الطريق، والحيوانات الداجنة في مناطق الرعي، وعلامات تنبه إلى وجود مدرسة أو تلاميذ للحيطة.. وهناك علامات للدول في أعلامها.. وهناك لافتات على مستوى العالم مثل أعلام الهيئة الدولية (هيئة الأمم المتحدة العنصرية) ولافتات الصليب الأحمر، والهلال الأحمر، ولافتات للتظاهرات الرياضية الدولية والإقليمية مثل ألعاب البحر الأبيض المتوسط، وكأس العالم.. وهناك تظاهرات دولية تأخذ طابعا خاصا وتستعلن من خلال شعارات وعلامات تختارها مثل التظاهرات البيئية كالتي عرفت بقمة الأرض بالبرازيل في ريو ديجانيرو..

واليافطات تتضمن كتابات معينة تسترعي الاهتمام، فتجد كثيرا منها مثبتا على جوانب الطرقات العمومية إيذانا بحلول ذكرى معينة، أو إشارة إلى ندوة أو مؤتمر سوف ينعقد وينظم، أو إعلاما بزيارة مسؤول كبير، أو إطراءا وثناء للحاكم، أو إخبارا عن منجزاته أو ما شاكل ذلك.

واللوحات الفنية المعروضة بأشكالها وألوانها يستطيع المرء فهم كثير من معانيها، فما تضمنته من خطوط وألوان ورموز تعبر عن شيء أو أشياء معينة تعلم المشاهد به..

واللوحات الفنية الأخرى بخطوط جميلة وبأشكال هندسية مثيرة تشير هي الأخرى إلى إعلام يقبع في خطوطها وعباراتها وكتاباتها وأشكالها الهندسية وذلك مثل فن الكتابة بالخط الكوفي لآيات القرآن العظيم..

وبمناسبة هذا الحديث فقد كتبت قصيدة وقطعتين شعريتين لي على قطع من الثوب بخط غير جيد، ثم دفعتهم إلى من يطرزهم متتبعا الخطوط والكتابة بخيط ملون جميل، ثم صنعت منهم لوحات فنية في إطارات خشبية محاطة بالزجاج وعلقتهم على جدران بيتي لأستمتع بهم، وكلما نظرت إلى جهتهم أقرأ القصيدة والقطعتين، فإلى متى يظل عدم التنبه إلى استخراج قطع أو قصائد من الشعر مكتوبة ومطرزة على قطع ثوب جميلة للحصول على لوحات تمزج بين ما يسمى بالصناعة التقليدية والفن، ثم تعرض على الجمهور؟ متى ننتظر حدوث مثل هذا عند الفنانين؟

لقد تعاطى الفنانون صناعات وحرف دلت على تفنن بديع من نقوش وكتابات وخطوط وأشكال هندسية رائعة، ولكن الجانب المذكور أعلاه لم أره قط أو أسمع به، ولا قرأته في مقروء معين، ولا شاهدت صوره في مطبوعات معينة.

واللوحات من المواد الأخرى معدنية أو غيرها تصلح هي الأخرى لأن تتشكل بأشكال معينة لتدل على إعلام ينبعث من ذاتها مخبرة عنه معلمة بمدلوله، فلوحة السبورة مثلا تكتب أو يرسم عليها ما يدرسه التلاميذ والطلاب تؤدي عملا إعلاميا ممتازا، وحتى وإن ظلت بدون كتابة أو إشارة فإن مجرد صياغتها وتشكيلها بالشكل المعروف يدل على إعلام، إعلام عن الحال دال على صنعة الصانع، وإعلام آخر يحكي بلسان حالها أنها أعدت للدراسة، فلا توجد سبورة إلا ويصدر عنها إعلام يفيد باستعمالها في الحاضر أو الماضي أو المستقبل. والحيطان إذا كتبت كانت وسيلة إعلامية. فالحملات الفاشلة التي تقوم بها بعض الدول لقمع الحريات تؤدي إلى حظر صحف ومجلات وسائر مقروءات المعارضة منعا لانتشار الأخبار التي تتأذى من نشرها لأنها لا تستطيع قبول الرأي المعارض فيؤدي ذلك إلى جنوح المعارضة إلى كل وسيلة ممكنة تصلح للإخبار والإعلام عن حالها ومتطلباتها وإبلاغ الناس بآرائها ومواقفها فتلجأ من بين ما تلجأ إليه خفية إلى الحيطان تكتب عليها شعاراتها وآرائها ومواقفها ودعواتها إن ليلا أو نهارا كلما تسنى لها ذلك للخروج من قبضة المراقبة الصارمة والانفلات من تحكمها المطلق.

والألبسة في صناعة الأثواب من الجلد والقطن والكتان والحرير وغير ذلك يفكر بشأنها من الناحية الإعلامية، فتلجأ المصانع لطبع الملبوسات خصيصا لجهات معينة كالشركات التجارية والنوادي الرياضية ومحلات الخواص.. وتطبع تبعا للرغبة في بيع أكبر قدر ممكن منها وذلك باللجوء إلى الطباعة والكتابة، طباعة أسماء المشاهير أو صورهم، وطباعة بعض أنواع صور الحيوانات البرية والبحرية وصور الطيور والأشجار، وصور الكواكب والنجوم.. ووصل الحال بصاحبة محل تجاري في لندن ببريطانيا أن كتبت آيات من القرآن العظيم في الأحذية احتقارا لكتاب الله وآياته، ثم أحرق المحل التجاري من قبل بعض الغيورين حين لم يستجب أحد لنداءاتهم واحتجاجاتهم وذلك في سنة 1992م.

والورق لا حاجة لذكر أهميته الإعلامية فلا أحد يجهل ذلك. والكرتون وإن أعد للتلفيف والتعليب وما شاكل ذلك فإنه يتضمن ما يخرجه عن هذا، يتضمن أسماء الشركات وأسماء السلع وأنواعها، ويكتب عليه العناوين وأرقام التليفونات وأرقام الفاكس والتيلكس وغير ذلك وكله إعلام.

والخشب يتشكل بأشكال مختلفة، يتعدد استعماله في الصناعات الخشبية وفن النجارة والنّقش، ولا أحد منا يجهل الطابع الفني الرائع للمبدعين من الحرفيين في هذا المجال، ويدل فن صناعتهم على إبداعهم، ويكفي ذلك إعلاما مستعلنا في أعمالهم. وتصلح الألواح الخشبية لأن تكون أدوات إعلامية، ويكفي النظر إلى المصنعات المعدة للمهرجانات العمومية، وتكفي الرؤى للمنابر والمنصات المعدة للخطب، كما يكفي ما يتم صنعه من قطع (فنية) لصور الطيور والحيوانات والأسماك والإنسان وكل ذلك من الخشب.

والزنك والحديد والنحاس والألمونيوم مواد معدنية قابلة لأن تتشكل عند انصهارها بأشكال معينة قابلة لأن تحتضن إعلاما خاصا. وتكفي الإشارة إلى اللافتات المعدنية التي تحمل دعايات لكثير من الصناعات والحرف وغير ذلك. فهناك لافتات تعلم عن فن الحلاقة وحرفته، ولافتات لبيع المواد الغذائية، والعقاقير في حرفة البناء والصباغة، ومواد الحلوى والخبز، ولافتات لبيع المشروبات المعدنية والغازية، وأسماء الصالونات والفنادق والمدارس والكليات والمستشفيات ودور السينما ومؤسسات الدولة والشركات والمحلات التجارية..

والذهب والفضة والبلاتين والماس وسائر المعادن الكريمة تصلح هي الأخرى لاحتضان إعلام خاص. وتكفي الإشارة إلى أنواع عديدة من أشكال الزينة ذات الأشكال الهندسية الرائعة في الخواتيم والدمالج والأسورة بحيث تنقش عليها كتابات لأسماء أصحابها أو أسماء المشاهير أو تنقش عليها نقوش بديعة تأخذ بالألباب، ولولا غلاؤها الناتج عن قلة وجودها لدخلت فيما دخلت فيه صناعة الحديد والنحاس والألمونيوم..

والزجاج عند صياغته للحصول على أشكال خاصة منه يحتضن إعلاما، وتكفي الإشارة إلى اللوحات الزجاجية والنوافذ المكتوبة والمطبوعة بحروف ورموز ورسوم. وتكفي الإشارة إلى الأبواب الزجاجية وقد كتبت عليها أسماء المحلات التجارية، والنوافذ وقد كتبت عليها عبارات للدلالة على نوع السيارات والأغراض الخاصة منها كنوافذ الإغاثة، والجدران الزجاجية وقد رسمت عليها صور المبيعات وكتبت فيها نوعية الحرف كصالونات الحلاقة..

والطين والخزف والجبس والجرانيت والاسمنت.. يكثر التفنن بها في ميادين شتى، فواجهات الدور المراد لها الآتي تغلف بالجرانيت من عدة ألوان وترسم برسوم جميلة أو تكتب بكتابات خاصة، وكذلك أرضية الغرف داخل المنازل. والطين تصنع منه أحواض النباتات والقوارير والقدور والذوالق وغير ذلك. والجبس تلون به حيطان المنازل والمساجد.. وتنقش عليها نقوش بديعة، وتكتب عليها آيات من القرآن العظيم، وكتابات أخرى معينة، أو ترسم بواسطته رسوم لنباتات وطيور وأسماك وحيوانات.. والخزف تصنع منه كثير من الأواني الساحرة من أواني وكؤوس وطناجر وأحواض.. والاسمنت تصنع منه تماثيل للمشاهير.. وكذلك يدل على صناعات يدوية فنية رائعة تسحر الألباب وتطرب العين والشعور.. وجميعها وكثير غيرها من الزليج والرخام وغير ذلك يكتب عليها طباعة أو رسما، وتنقش وتصقل وتشكل بحسب رغبة الإنسان وتفننه وذوقه لتعطي إعلاما أراده الصانع والحرفي، وكل ذلك يدل على أنها قابلة مادامت مواد مركبة لأن تكون أدوات إعلامية ووسائل للتعبير عن مراد الصانع والحرفي والفنان من خلالها إعلام فريد..

وهكذا جميع المواد المركبة من بلاستيك وقطع الثلج والرمال على الشواطئ والصحاري وغير ذلك يستطيع الإنسان جعلها وسائل إعلامية لأنها قابلة لذلك. فطباعة البلاستيك بأسماء المشروبات المتنوعة، وصياغة قطع الثلج للنحت وقابليتها للكتابة عليها، وتبليل الرمال لنفس الغرض كل ذلك يدل على إعلام.

وأما العناصر فإن بعضها يصلح للإعلام. يصلح لأن يكون معطاء لأنواع معينة من الإشارات الإعلامية يريدها الإنسان ويسعى إليها. وللتمييز بين العناصر والمواد المركبة لا بد من الإشارة إلى أقوال العلماء التجريبيين بهذا الشأن. صحيح أن المادة في أصلها عناصر، ولكن العلماء ذهبوا إلى ضرورة التفريق والتمييز بينما ظل عنصرا في هذا الكون منذ نشأته، وبينما تحول من خلال تركيبة العناصر إلى مواد مركبة. فالمادة إما أن تكون عنصرا كالإليكترون والبروتون والأوزون.. وإما أن تكون مادة مركبة ككل مادة ذات كتلة وحيز علما بأنها جميعها من عناصر وذرات، ولم يفصل ويعلمها بمعالم خاصة سوى تركيبها الذري العددي بنسبه المختلفة كذرتي إيدروجين وذرة أوكسجين التي تنتج مادة مركبة هي الماء، وكذلك أوزانها الذرية..

والإعلام تفاعل العناصر وتزاوجها إعلام بديع رائع جدا يعرفه العلماء وينبهرون له، ونحن هنا في هذه العجالة لا نريد ذلك، بل نريد غيره.

فالاليكترونات مثلا تتدخل مباشرة في الأشعة التي بواسطتها يسبر الإنسان  أغوار المادة للاطلاع على خفايا معينة. فهي تعطي إعلاما ساهم في تقدم كثير من العلوم، وذلك كأن تتسلط الأشعة من فوق رؤوسنا بواسطة الأقمار الصناعية التجسسية لاستكناه مواد وحركات على الأرض من أجل الإخبار. وتتسلط الأشعة بواسطة أجهزة الطبيب على أعضاء المريض بغية كشف أمراضه وفحص علله. والمصابيح الزجاجية المتشكلة بأشكال هندسية معينة يتسلط عليها الكهرباء ليعطي إعلاما معينا، فتجد الضوء أو التيار ينتقل بين المصابيح ليجسد شكلا من أشكال الرسوم للحيوانات والجمادات، أو أشكال لحروف وكتابات وعبارات يرجى قراءتها للدلالة على اسم المتجر والمؤسسة والمحلات التجارية من خلال الأنوار المشعة وهكذا.

وإذا نحن أخذنا الاتصالات اللاسلكية نجدها اتصالات تستخدم العناصر، فالأشعة بمختلف أسمائها مجال الإعلام خصوصا تلك التي تستعمل للاتصالات بواسطة الأقمار الصناعية. وإذا نحن أردنا فهم المعلومات الملتقطة بواسطة الرادارات والاستخبارات الاليكترونية فإن ذلك يتم عن طريق العناصر، فتحليل المعلومات يأتي متأخرا عن إثارة مصادرها من رادارات العدو وأجهزة إنذاره وذلك بالطلعات الجوية والاختراق السريع للحدود، أو بوسائل الاعتراض المخصصة لذلك.

إن الاعلام الذي يأتي بواسطة العناصر كثير جدا ومتعدد، فأشعة الليزر يمكن استعمالها لاستراق السمع وذلك كأن يسلط شعاع الليزر على الهدف من خلال نافذة غرفة مثلا، ثم يعدل بواسطة ذبذبات النافذة والمحادثة التي تجري بداخل الغرفة وعندها ينعكس الشعاع من الشباك ويعود للمستقبل الذي يعيده تعديله ويحول المعلومات الواردة إلى محادثة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جهاز الراديو

جهاز الراديو جهاز لا يختلف عن جهاز الرادار إلا في كونه مستقبلا غير مرسل، وكونه أيضا يستعمل موجات متوسطة وموجات طويلة ولا يستعمل موجات قصيرة كالتي للرادار، ومن هنا كان جهازا استقباليا، ولا يتم له استقبال الموجات الخاصة به إلا بواسطة محطات الإرسال المنصوبة في أماكنها المخصصة لها.

وموجاته موجات راديوية، وهي جزء من الطيف الكهراطيسي الواسع vast electramagnetic spectrum ويبدأ هذا الأخير من الموجات الطويلة إلى الموجات القصيرة، والقصيرة جدا، ويبدأ هذا الأخير من الموجات الطويلة إلى الموجات القصيرة، والقصيرة جدا، وكلما قصرت الموجة كلما كان ترددها عاليا جدا، وكلما طالت كلما انخفض ترددها، وتم حساب الموجة الكهراطيسية مع الكهرباء من حيث طولها ب 10 إلى 7 أمتار للموجة، ومع الضوء ب 10 إلى 7  أمتار لكل موجة. والتردد يحسب هو الآخر بعدد الذبذبات. وكل ذبذبة واحدة أسموها (هرتز) نسبة إلى مكتشفها_ رودولف هرتز_ من علماء ألمانيا في الفيزياء في القرن الماضي (( القرن التاسع عشر )).

وهنالك بعض أجهزة صنعت لتعديل السعة (التردد) وما على الإنسان إلا طلبها من خلال الأزرار المخصصة لذلك. والتردد في جهاز الراديو يعرفه كل الناس أو يكاد من خلال ما يستقبلون من إذاعات، فتردد إف إم FM لا يخلو منه جهاز من أجهزة الراديو، وقد يكون التردد الوحيد فيه إذا كان عاديا، وهو تردد من 88 إلى 108 ميغاهرتز، وأما تردد أ إم AM فيبدأ من 550 إلى 1600 هرتز، والراديو بهذا التردد يستطيع استقبال إذاعات كثيرة على بعد مئات الكيلومترات أو الأميال بينما تردد في أش إف VHF فهو تردد عال جدا، وتردد إ أش إف IHF فهو بالغ العلو وهما خاصان بالاستعمالات في مجال الاتصالات البعيدة جدا، ويستعملان في المجال العسكري والتجسسي، وتأتي بعدهما الأشعة دون الحمراء، والضوء المرئي، والأشعة البنفسجية، ثم أشعة وموجات غاما.

وتعديل السعة بتردد 550 إلى 1600 بالإضافة إلى سعة إف إم fm هما اللذان يهماننا في موضوعنا لأنهما المجال الحقيقي باعتبار الراديو وسيلة إعلامية لغير غاية التجسس والاستخدام العسكري.. أو بتعبير آخر اعتباره مستقبلا غير مرسل تمييزا له عن غيره مما يستعمل في الخدمات المدنية والطيران والبوليس..

وتردد إف إم FM هو الآخر يصلح للتجسس شريطة أن تكون بعض المستقبلات، (أي بعض أجهزة الراديو) لديها قابلية استقبال مجال 108 إلى 120 هرتز.

إن جهاز الراديو أداة إعلامية نافذة في الوقت الراهن أكثر من غيرها من حيث بلوغها جميع مناطق الدنيا بسبب صغر حجمها وسهولة استعمالها ويسرة ملكها وقلة جهد حملها وضآلة وقودها من البطاريات الجافة.. ولذلك حملها الإنسان معه إلى كل مكان، وهذا لم يتأت لغيرها حتى الآن.

وإرسال الراديو تدفعه أجهزة دافعة من محطات الإرسال يسير عبر الأثير، ثم يلتقط من قبل أجهزة الراديو بحسب التعديلات الموجودة بها والجارية عليها بحسب الموجات المستعملة. وكان طبيعيا أن تنشأ إذاعات، وتفتح لها مكاتب ومقرات، وتوجد لنفسها طواقم حتى يمكن إتمام العمل الإعلامي المسموع غير المرئي. والأهمية القصوى في هذا النوع من الإعلام لا تكمن في الأجهزة المعدة للبث وناحية التقنية. ولا شيء يجعل إذاعة ما مسموعة، أكثر من غيرها سوى التجاوب مع المستمعين وجودة المادة المقدمة، وكلما تمت إصابة الهدف بشد انتباه الناس إليها كلما حملتهم على الإنصات لبرامجها، ولا شيء يجعلها راقية سوى المواد المقدمة مع حسن عرضها من ناحيتين، ناحية صياغتها، وناحية اختيار الأصوات الإذاعية المحببة إلى ذوق الآذان حتى يضمن عدم وحشة الأذن لها لكي لا تنفر منها ولو كانت برامج مرغوب فيها ومطلوب سماعها لأن الأذن تتأذى من الأصوات المنكرة أو الخشنة أو الغليظة.. وهنا، هنا بالذات وجب اختيار المذيعين باعتبارات جودة الأصوات وحسن رنينها لا باعتبار المحسوبية أو غيرها.

لقد كان الراديو إلى عهد قريب هدف يسعى إلى تملكه كل فرد وكل أسرة. وحين ظهرت أجهزة إعلامية أخرى، وانتشرت في بقاع العالم قلّ الاهتمام عما كان عليه سابقا بجهاز الراديو، ولكن الإنسان لن يستغني عنه في الظروف الحرجة والأحداث المرعبة، صحيح أن جهاز التليفزيون احتل مركز الصدارة في اهتمامات الناس، واحتل مكانة لا ضرورة أن تكون على حساب الراديو من حيث كثرة المشاهدين لنشراته الإخبارية وبرامجه لأن ذلك مؤقت بتوقيت سيطرة الانحطاط على كثير من المشاهدين، فحتى ولو جعل الناس تتوجه إليه بالإنصات والمشاهدة، ولكنه لا يستطيع أن يحل محل الراديو من حيث حمل هذا الأخير ومصاحبته للناس دون حرج، فكان الراديو الجهاز الوحيد القادر على مؤانسة الناس دون ملل أو كلل من حجمه وكتلته، ولا غرابة فقد رأينا الناس بما فيهم رجالات الأمن والجيش والدرك.. في الحرب العراقية الأخيرة مع دركي العالم (الولايات المتحدة الأمريكية) ودول التحالف؛ تحمل أجهزة الراديو وتستمع إلى النشرات الإخبارية بالخصوص وهي منكبة على عملها، أو ماضية في طريقها، أو جالسة في متنزهاتها ومقاهيها.. وهناك جانب آخر للأسف لا نراه يعم إلا السياسيين الحقيقيين وهو الانكباب اليومي دون مناسبة على سماع النشرات الإخبارية من إذاعات مختلفة وهو (أي السماع) لا يقل أهمية عن قراءة الأخبار أو سماعها مصورة في التلفيزيون.

إن البرامج المقدمة بواسطة جهاز الراديو لا بد أن تكون مختلفة متنوعة تتخللها وقفات واستراحات تقصر وتطول، وتكون البرامج أدبية وفنية وسياسية واجتماعية واقتصادية ورياضية أو متعلقة بالصناعة والتجارة والملاحة..

والبرنامج المقدم يعده شخص من طاقم الإذاعة ناذرا ما يكون من التقنيين، وقد يعده شخص من غير طاقمها، وقد يشرف على إذاعته نفس الذي أعده، وقد يشرف عليه مذيع مختار. وإعداد البرامج كيفما كان نوعها يتطلب جهدا وتفكيرا غالبا ما يأخذ عنصر شد الانتباه، واستقطاب المستمعين لإرضائهم. والمستمعون مختلفون في اهتماماتهم وأذواقهم، فإذا وجد المهتمون بالرياضة مثلا وهم كثيرون خصصت لهم حصص من وقت الإذاعة تعنى بالثقافة الرياضية والأخبار الرياضية، وإذا وجد المهتمون بالحقل الثقافي وهم قليلون للأسف خصصت لهم حصص من وقت الإذاعة للاهتمام بهذا الموضوع وعرض ما جدّ فيه وهكذا.

إن أي برنامج إذاعي يبثه الراديو لا يمكن أن يبلغ الذروة من حيث الضرورة القصوى والأهمية البالغة غير البرامج الإخبارية، وخاصة النشرات المذاعة في إبانها، لأن ما عداها يمكن الحصول عليه إذا فات، ولو بعد حين نظرا لفائدته التي لا تبلى، بخلاف الأخبار فإن فواتها يعني مرور أزمنتها، وإذا أذيعت بعد ذهاب ظروفها لم تكن مفيدة، فالنشرات الإخبارية ظرفية مؤقتة بمواقيتها بالدقائق والثواني الشيء الذي يتطلب سماعها في أوانها، والإحاطة بتفاصيلها، والعلم بحوادثها ووقائعها حتى يتسنى الحكم عليها بسرعة، ولقد عرف أهمية الراديو الدول الكبرى فسخرته لخدمة أهدافها الحضارية، ومصالحها السياسية، والدول الصناعية الكبرى تهيمن متحكمة في أكثر من 90 في المئة من الموجات الإذاعية في العالم. وللولايات المتحدة الأمريكية وحدها وسائل إعلامية ضخمة، فوكالتها للاستعلامات أنشأت أكثر من 187 مركزا في أكثر من 111 دولة من دول العالم، وإذاعة صوت أمريكا تعتمد 42 لغة وربما أكثر، وتذيع في الأسبوع الواحد عبر زمن يفوق ألف ساعة من البث الإذاعي. وراديو موسكو كانت ساعات بثه قبل سنتين حوالي 2200 ساعة في الأسبوع الواحد بلغات ولهجات وصلت 81 ما بين لغة ولهجة. وإذاعة الفاتيكان تستخدم موجات قصيرة تمكنها من الوصول إلى المناطق النائية في العالم، ولغاتها المستعملة في البث الإذاعي كانت إلى عهد قريب 30 لغة، والمحطات المخصصة للتنصير تفوق 40 محطة، وبثها يتعدى ألف ساعة في الأسبوع الواحد. وإذاعة صوت إسرائيل تستعمل أكثر من 14 محطة ما بين لغة عالمية ومحلية تذيع عبر خمس عشرة موجة بأكثر من 4 محطات، وساعات البث تفوق 275 ساعة في الأسبوع الواحد.

إن تملك البث الإذاعي المسموع ذو أهمية تأسيسية سريعة الجدوى، فهو يؤسس لمواقف وآراء تعد سلفا إطار البث المطبوخ، خصوصا في مجال الرأي العام، ولذلك صارت الشعوب أسيرة لما يذاع وينشر بواسطة الراديو وغيره من وسائل الإعلام الأخرى.

وتذاع في جهاز الراديو أخبار صادقة وأخبار كاذبة، ولكل من الصدق والكذب مبرراته. وتقدم برامج بناءة وأخرى هدامة. والبناء والهدم يختلف النظر إليه باختلاف المنطلقات الإيديولوجية التي تحكم توجهاته. وإذا لم تختلف المنطلقات كما هو الشأن في الغرب فإن الغرب ذاته يمارس سياسة التضليل، وأشكالا كثيرة من الدعوات والدعايات ترمي إلى الإغراق في الحيوانية والذاتية، وحين يتوجه بإعلامه المسموع إلى البلاد المختلفة فإنه لا يريد غير ربطها بأسلوب حياته، وحين يبخل عليها بكثير من الأخبار بحيث لا يذيع لها ولا ينشر فيها إلا 30 في المائة فإنه لا يريد غير التهميش والتجهيل وتعطيلها عن اللحاق بركب التقدم العلمي والتقني والارتفاع إلى مستوى التعبير عن الذات وبنائها على غير قواعد بنائه هو، الشيء الذي يحاربه ويستميت في منعه عن شق طريقه نحو هدفه.

وحين استسيغ التقليد في إعلام الراديو أنتج ذلك إعلاما استهلاكيا، وحين ترى محاولات لهجر التقليد فإنها تعبر عن إرادة حسنة، ولكنها إرادة ظلت في غالب الأحيان أسيرة يتعسر عليها الانطلاق نحو التحرر الإعلامي في جميع مجالاته، والسبب هو الاحتكار الشخصي والحزبي لهذا النوع من أجهزة ولغيرها من وسائل الإعلام الأخرى حتى بات التفكير في إعداد البرامج يتطلب بالضرورة تغييب الذات والدوران حول محور المالك للأجهزة الإعلامية وإلا بات من المؤكد تغييب التفكير حتى من خلال ذات غير ذاته الحقيقية وذلك بأنواع شتى من التعسفات، فكانت النتيجة التي لا مفر منها هي وجود إعلام راديوي يفتقر إلى المشروعية بسبب قيامه في دولة نظامها السياسي يفتقر هو الآخر إلى المشروعية حتى طمست الحقائق، وانتشر النفاق، وكثر المنافقون، وسيطر الكذب في التغطية الإعلامية، وساد التضليل السياسي، وضل الناس طريق الحقيقة حين زعم لهم عكس ذلك.

ونفاق الإعلام المسموع والمرئي والمقروء لا يختلف عن بعضه البعض إلا قليلا جدا، وأخطر ما فيه هو توجهه نحو أهداف محددة، ولئن كانت الأهداف في صالح الشعوب فإن ذلك يعتبر سيرا حسنا وتوجها صحيحا لأنه يخدم الشعوب ويرقى بها نحو الكمال والسعادة، ولكن إذا كانت الأهداف المتوخاة في غير صالح الشعوب، فإن ذلك يعتبر تآمرا عليها وكيدا لها فكان لا بد والحالة هذه أن يعمد إلى محاولات التحرر من التحكم الإعلامي ذي الأهداف الخبيثة وذلك بتعلم التفكير السياسي، فلا نجاة من سيطرته وهيمنته إلا باعتماد طريقة التفكير السياسي حتى الوصول إلى الوعي السياسي الذي يحصّن الشخصية ويجعلها بصيرة بمواطن تغيير مجرى التفكير والمشاعر فضلا عن الآليات المعتمدة تمهيدا لذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جهاز التليفزيون

التليفزيون جهاز لا يكاد يخلو من بيت في المدن والقرى والبوادي، وهو بحق تحفة البيوت وأجمل قطعة ناطقة ومتحركة بالصور، ولكنه قد يكون غير ذلك، قد يكون مجرد ميكروب وبائي خطير ينشر أوبئته وسمومه على مشاهديه، وذلك إذا كان ملكية فرد، أو شركة، أو دولة لا تريد ببرامجها المقدمة غير إفساد العقول والنفوس والأخلاق والفضيلة.

وقد بدأ أول إرسال له منذ ما يزيد عن خمسين سنة، كان البدء في مدينتي نيويورك ولندن سنة 1941م، ثم توقف الإرسال بسبب الحرب العالمية الثانية بحيث خصه مالكوه لمتطلبات الحرب، واستخدموه لأغراضها حتى المصانع المنتجة لأجهزته توقفت إلى غاية انتهاء الحرب، ولم يبدأ الإرسال المنتظم إلا في سنة 1945م في الولايات المتحدة الأمريكية، ثم بريطانيا، وكان الإرسال لا يزيد عن 45 ميلا وكان باللونين الأبيض والأسود حتى سنة 1951م حيث بدأ الإرسال التليفزيوني الملون، وكانت ساعات الإرسال قليلة جدا بلغت ساعة واحدة ببرنامج أمريكي في قناة بالإرسال الملون.

وتوسع مجال تصنيع أجهزة التلفيزيون، وبنيت محطات الإرسال، وأقيمت في بلاد كثيرة حتى بلغ ما بلغه اليوم من انتشار واسع، واستخدام كبير لعدة أغراض.

والتليفزيون هدف يسعى إلى تملك إرساله وبثه الأفراد والهيئات والمؤسسات والجماعات والدول، كما أن هذه الأخيرة لا تقبل مطلقا غير الهيمنة عليه كلية، أو الإشراف عليه بطريق مباشر كقنواتها الخاصة بها، أو غير مباشر بواسطة الاتفاقات والعقود المبرمة مع القنوات الأخرى، أو الجهات المشرفة عليها، فلا بد أن تهيمن على قناة واحدة على الأقل وتستحوذ عليها لأنها لا  يمكن أن تملك خيرا منها في إبلاغ الجماهير بالصور المتحركة ما يهمها.. كما أنه أقوى جهاز من أجهزة الإعلام، وأرقاها جميعها، حتى الانقلابيون مثلا لا يمكن أن يغيب عن بالهم أثناء التخطيط لعملية الانقلاب موضوع التليفزيون وذلك بغية السيطرة عليه من أجل نشر بياناتهم على الناس أولا بأول.

والشركات التي تفتتح قنوات لها في بلدان معينة لا تسعى إلى تأليب الشعب على الدولة، أو الحاكم سواء كان فردا أو حزبا، لا تستطيع ضرب النظام وإن رأت فساده وعفونته وظلمه الفاضح إلا إذا كانت أقوى من الدولة ذاتها، وهذا لا يتأتى وإن وجد إلا في ظروف خاصة كظروف الحرب، أو الأزمات السياسية المزمنة، بينما في غير هذه الظروف لا تستطيع نظرا لاستحكام القوانين الدولية والأعراف الدولية في الموقف الدولي، بالإضافة إلى الاتفاقيات المنظمة للعلاقات الإعلامية بين الدول، ولا يعني هذا بالضرورة حقيقة استحكام القوانين الدولية، والأعراف الدولية، والاتفاقيات المنظمة لهذا النوع من العلاقات لأن الدول المهيمنة على العالم غالبا ما تبيح لنفسها تفسيرات للقوانين الدولية تساير مصلحتها، كما تبيح لنفسها أيضا تبريرات خاصة بشأن ذلك، مع ملكيتها للقدرة على استصدار القوانين وإلغائها من المحافل الدولية.

وحين انتشرت الأقمار الصناعية في الفضاء صار من المتعسر جدا منع التقاط القنوات التي تشوش على النظام، وشخص النظام لأنها مفروضة فرضا بل من المستحيل حمل جميع أفراد الشعب على عدم التقاط القناة غير المرغوب فيها مثلا. وعادة ما تشرف الدولة على القنوات التليفزيونية، وإذا لم تشرف على بعضها أو الكثير منها كما يحصل في بلاد الغرب فإنها إبان الترخيص لها تتعاقد معها على شروط معينة تتعهد الشركة بشكل ملزم، له تبعاته القانونية بعدم الإخلال مثلا بالآداب العامة، أو المس بأمن الدولة، أو تناول شخص الحاكم.. مع خضوعها المباشر للقانون العام الذي ينظم هذا النوع من الإعلام. وفي البلدان المتخلفة تكثر القيود على افتتاح القنوات، ويستعصي البث الحر، وتسعى الدول إلى الإشراف المباشر على قناة واحدة على الأقل، وتشرف بطريق غير مباشر على غيرها، ولا توجد دولة ليس لديها قناة خاصة بها تشرف عليها عن طريق وزارة الإعلام، والسبب الرئيسي في قلة القنوات ليس ما ذكر، وإنما هو الخوف الشديد من تضاؤل عدد المشاهدين، ثم هجرانهم لها وتطليقهم إياها، وأظن أنه لا بد لقناة ما في يوم من الأيام أن تصير قناة عائلية لا يشاهدها غير أفراد العائلة والأقارب وربما الأصدقاء..

لقد استطاع التليفزيون خرق الحدود بين الدول، واستطاع الولوج حتى مخادع الناس، وكلما كانت قدرة الدول المالكة للأقمار الصناعية كافية لتغطية الفضاء كلما كانت ثقافتها وحضارتها وطريقة عيشها وأسلوب حياتها في شتى المجالات أيسر للانتشار، كما أنها بذلك تستطيع قول ما تشاء، وإظهار ما تريد رغما عن الأفراد والجماعات والدول التي لا تملك مثل هذه الوسائل للاتصال، وإذا كانت هنالك حواجز مانعة كالاتفاقيات الدولية والأعراف الدولية فإنها موانع مؤقتة تقضي بها مصالح الدول المعنية سرعان ما تزول عند تبخر العلاقات مع غيرها وتحولها إلى عداوات أو منافسات حادة على المصالح والنفوذ، وبذلك تستطيع تأليب الشعب مثلا وتحريضه على النظام، وتستطيع كشف عيوب الحكام الذين تريد سحب البساط من تحت أرجلهم لإسقاطهم، وتستطيع بواسطة المعلومات المحصلة عن طريق التجسس كشف خيانات الحكام أو فضحهم سياسيا أو أخلاقيا.. ولا يمكن أن يقتنع كل الناس بعدم جدوى ذلك أو تكذيبه، كما من شبه المستحيل منعهم من التقاط القنوات التي تنشر ما لا يخدم سيطرة الحاكم، ومع تقدم الزمن وانتشار الأقمار الصناعية في الفضاء فإن بثها للصور التليفزيونية والإشارات التليفزيونية أمر مفروض فرضا بسبب وجود الأقمار الصناعية فوق الرؤوس وفي كل مكان ما في الفضاء، ولا يمكن ردع مستعملي الأقمار الصناعية ومالكيها إلا بملك واستعمال نظائرها كرد فعل على الحرب الإعلامية التي يشنها الخصم، أو ملك صواريخ تقوى على خرق أجواز الفضاء إلى غاية الوصول إلى الأقمار الصناعية المنصوبة في الفضاء وضربها أو التهديد بذلك، أو نصب محطات لإطلاق الصواريخ في الفضاء ذاته حتى تكون على مرمى الهدف قريبة منه.. أو الاستعداد للدخول في حرب حقيقية مع الخصم..

ويستعمل جهاز التليفزيون لأغراض عديدة، فتستعمله الدولة لاستمالة الشعب وشده إليها دائما بحيث تهيئ ما من شأنه إرشاد الشعب لاتباع سياستها، وتهذيب سلوكه معها، وخلق ظروف مناسبة تجعله متعلقا بنظامها، أو بشخص الحاكم، وذلك بواسطة البرامج المصورة وحسن مخاطبتها للشعب فوق منبر التليفزيون، كما تستعمله للدعاية (البروباكندة) للحاكم سواء كان فردا أو حزبا أو أسرة أو عشيرة.. كما تدعو بواسطته إلى أفكارها وآرائها وسياساتها المتبعة، أو التي يراد اتباعها فتبذل قصارى جهدها لإنجاح ذلك حتى تؤمِّن لنفسها قدرا أعلى من التأييد في مجال الرأي العام داخل البلاد، وفي وسط الشعب بغية كسبه إلى جانبها، والتقليل من حدة المعارضة أو ضربها أو العمل على ضمورها وإزالة عناصر التأثير والقوة فيها، كما تتخذه وسيلة لتهيئة الظروف وخلق الأجواء والمناسبات بغية سياسة تنوي تطبيقها وذلك كأن تذكي حماس الناس وتهز مشاعرهم وتوقظ هممهم وتستحث جوارحهم وتأييدهم لإعلان الحرب أو استحداث تغييرات مهمة تمس جوانب حيوية كالزيادة في السلع الاستهلاكية الضرورية، أو رفع الضرائب أو اقتطاع حصص من الرواتب الشهرية للأجراء بمناسبة معينة..

والتليفزيون أسرع وسائل الإعلام في نقل إعلامه للجماهير لا يضاهيه إلا الراديو ليس في سرعة وصول الخبر ولكن في صغر حجمه وسهولة استعماله ونقله، وينزل عن مستوى التليفزيون من حيث الصور المتحركة لأنه مسموع غير مرئي ولكنه يتفوق عليه من حيث وصول إعلامه إلى أكبر قدر ممكن من المستمعين للسبب المذكور ذاته.

والتليفزيون ببرامجه يقدم أنشطة مختلفة منها النشرات الإخبارية. والأخبار تكون جهوية ووطنية وتكون دولية، تشمل المحلي والعالمي. فإن كانت أخبارا محلية كان تحريرها وتصوير مشاهدها سهل ميسور لا يتطلب سوى جهد صغير وأموال متواضعة لتغطية الأحداث بالصور، ولكن إن كانت أخبارا عالمية تطلب ذلك عملا شاقا مكلفا، وذلك ببث المراسلين والمحررين في كل مكان، وتزويدهم بالأموال الضرورية والأدوات اللازمة حتى يتمكنوا من التصوير لأنه ينوع صوره بتنوع الإخبار عنها، ويشوق المشاهدين لمشاهدتها حية متحركة بصرف النظر عما يجري أثناء عرضها من مغالطات وتضليل وتعتيم وصدق وإخلاص للعمل الإعلامي من هذا النوع، ولا يفسد قيمة الأخبار في جميع أجهزة الإعلام إلا التصرف فيها أو نقلها ممزوجة بالمواقف والآراء... لأن الخبر لا يقبل إلا أن ينقل كما هو من غير زيادة ولا نقصان، وإذا تقرر التعليق عليه أو تحليله وتبيان الموقف منه فإن ذلك يجب أن يكون في معزل عن عرض الأخبار، أي بعد إذاعتها لأنه إن لم يكن كان عملا يرمي إلى حمل المشاهدين والمستمعين على تبني مواقف المحررين أو استمالتهم إلى جانب تلك الرؤى والتصورات وهذا إن انطلى على الكثيرين فإنه لا يمكن أن ينطوي على الجميع وخصوصا الواعين سياسيا، ولذلك وجب خدمة المشاهدين بعرض الأخبار عليهم دون ميل لجهة ما، ودون التعليق عليها وتحليلها أثناء العرض، ودون إبداء فهم محتواها من خلال نصوصها المعروضة لأنه لا يمكن أن يقبل به الجميع. فالأخبار يجب أن تنتقل مجردة عن الأفهام والمواقف والآراء، يجب أن تغيب أثناء عرضها الذاتية بحيث لا يعرض معها أي شيء آخر، حتى التعابير المستعملة في صياغتها يجب أن تخلو هي الأخرى من كل شيء يؤدي إلى فهم معين إلا ما كان ضروريا لوصف الحدث بدقة وأمانة، أو ترجمة النصوص بأقصى قدر ممكن من الدقة للوقوف على حقيقتها أو جعلها قريبة من حقيقة صياغتها بألفاظ لم تصغ بها حتى يفهم مدلولها. فالأخبار نصوص، وهي نصوص سياسية تختلف تماما عن كل النصوص الأخرى، وفهمها لا يرقى إلى اليقين بحقيقة ما تضمنته، ولذلك مهما حاول التليفزيون أو أي مصدر آخر للأخبار من فهمها فإن فهمه يجب أن يأتي لاحقا عن العرض مع الإشارة إليه، هذا إذا تقرر، ولكن المهم هو موقف المشاهد والمستمع، هذا الأخير هو الذي يجب أن يبذل الجهد الكافي في فهم نصوص الأخبار، والفهم ليس خاصا بالمهتمين والصحفيين والكتاب أو غيرهم، بل هو لكل الناس ولكن شريطة توفر ما يلزم لفهم النصوص السياسية، ومن هنا تجد كثيرا ممن يتوهم فيهم أنهم سياسيون ليسوا سياسيين بما فيهم كثير من محرري الأخبار ومتفقدي الحوادث والمعلقين عليها ومديري دور الإذاعات.. لسبب بسيط هو أنهم لا يعرفون كيف يفكرون تفكيرا سياسيا، من ذلك مثلا عدم التفريق والتمييز بين النصوص السياسية وغيرها من النصوص الأخرى أضف إلى ذلك أخذهم للمعاني الموجودة في النصوص علما بأنها قد لا تكون في النصوص إذ قد تكون موجودة في صياغة الألفاظ والتراكيب كالمعاهدات والتصريحات المسؤولة، وقد تكون في المعاني لا بالصياغة ولكن يجب إدراك ذلك، وقد تكون بالدلالات لا بالمعاني ولا بالألفاظ، وقد تكون وراء هذه المعاني والألفاظ والدلالات، وقد تكون مخالفة مغايرة للنصوص مغايرة  تامة، ومن هنا وجب إدراك ما يعنيه النص السياسي مما هو متضمن للنص أو خارجا عنه، وتكفي الإشارة إلى ضرورة عرض الأخبار عرضا مجردا، فما يعتبر تصريحا صادقا قد يكون مكذوبا، وما يعتبر كاذبا قد يكون صادقا وهكذا..

فإذا أذيع خبر مفاده أن إسرائيل مثلا تختلف أزمات حكومية وتفتعل أحداثا في جنوب لبنان تهريبا من عملية السلام المنطلقة من مدريد، فهذا ليس خبرا مجردا، إنه خبر ممزوج بفهم معين قد يكون صحيحا وربما لا يكون، وهو يعني حمل المشاهد أو المستمع على تقبل الفهم وتبني الرأي الذي خرج به المحرر بخصوص النصوص المعروضة.

ويذاع أيضا أن إسرائيل أعلنت الضفة الغربية وقطاع غزة مناطق أمنية يحظر فيها التجوال من ساعة كذا إلى ساعة كذا تحسبا لتصعيد الانتفاضة أو حيطة من القيام بأعمال (تخريبية) بمناسبة حلول ذكرى معينة، هذا ليس خبرا مجردا إنه خبر ممزوج بفهم معين، قد يكون صحيحا وربما لا يكون، وهنا يتبين أن المشاهد أو المستمع غالبا ما يقع ضحية فهم المحررين وأسيرا لآرائهم ومواقفهم ليعطل بذلك تفكيره فلا يفهم الخبر والحدث إلا على ضوء فهم غيره، ولو سمح له بسماع الخبر ومشاهدة الحدث دون التدخل فيها بفهم أو رأي أو موقف لدفعه ذلك إلى محاولة الفهم التلقائي، ولجعل منه في المستقبل القريب أو البعيد رجلا سياسيا يستطيع فهم ما يجري ذاتيا حتى ولو وقع في الأخطاء الكثيرة لأنها لا تكون إلا أخطاء تتلمذية سرعان ما يتلافاها بتقليل الوقوع فيها من خلال اعتماده على الأخبار المجردة إلا من أخذها بظروفها وملابساتها، ولا يفلت من الوقوع أسيرا بيد أجهزة الإعلام إلا السياسي الحق الذي يستطيع عزل آراء ومواقف المحررين من النصوص المعروضة ليتسنى له فهمها فهما يليق بجهده المبذول الذي يبدأ من تتبع جميع الوقائع والحوادث التي تقع في العالم، ثم يحرص على جمع المعلومات ولو كانت أولية أو مقتضبة عن كنه الحادثة والواقعة، ثم يرفض رفضا باتا تجريد الوقائع من ظروفها إلى جانب رفضه التجريد والتعميم والقياس الشمولي، ثم يكلف نفسه عناء التمييز بين الحوادث والوقائع من خلال التمحيص الجيد حتى يعرف مصدر الخبر ومكان وقوعه وزمانه.. ثم في الأخير تأتي عملية ربط الخبر بالمعلومات، أي ربط الخبر بغيره من الأخبار ولكن ليس ربطا كيفما اتفق، وإنما ربطا يبرز فيه الإدراك والتمييز حتى يستطيع الحكم عليه ويكون صوابا أو قريبا من الصواب فلا يربط مثلا خبرا متعلقا بالسياسة الدولية بالسياسة المحلية وهكذا.

وتتضمن عروض التليفزيون برامج مختلفة من ثقافية ورياضية وفنية واجتماعية وسياسية وصناعية وحرفية.. ونجاحه متوقف دائما على حسن اختيار العروض وجودتها ورعاية جانب الوقت فيها مع الحيوية والفائدة العامة والخاصة، فإذا كانت عروضه خالصة كان ذلك مدعاة للعمق، وهذا غير مستساغ عند الأكثرية من المشاهدين فكان خاصا بالفئات المهتمة والمثقفة، فكان ذلك عرضا لهم، وكان الوقت وحتى هؤلاء يحسن أن لا تقدم لهم العروض تقديما لا تتخلله مشاهدات ولو مشهد أو مشهدين أو إشارات مصورة لجوانب عناها موضوع العرض والمناقشة أو لمجرد الاستراحة ولو بأنغام موسيقية.. ثم تأتي بعدها عروض لفئات أخرى، وعروض رياضية للهواة، وعروض حرفية لأصحابها، ثم العروض العامة يشترك في مشاهدتها الجميع..

ومن أسخف ما يمكن التوصل إليه بشأن التخطيط للبرامج التليفزيونية هو اعتبار عرض ما غير جدير بالاهتمام لدى المشاهدين، فذلك إن حصل _ وهو حاصل _ دل على الاستخفاف بالمشاهدين ولو كانوا أفرادا قلائل، ومن هنا وجب عدم إغفال القبول في أي عرض يرجى تقديمه حتى تتم ملاحظة الجودة فيه وقابليته للتجاوب مع المشاهدين وإلا كان المشاهد مضطرا لإهمالها بعدم إعارتها اهتمامه ولو كانت العروض مسموعة مرئية أمامه لأنه لا يراها ولا يسمعها، وربما تحول إلى قناة أخرى باحثا عما يرضيه.. حتى الأغاني المسموعة غير المرئية عند تمام الإرسال المصور والبث المباشر يجب ضبطها بالشكل الذي يتم به تغييب الخطأ والتكرار أو الانقطاع كما يحصل أحيانا في تليفزيون إم بي سي MBC كما يجب عدم تكرار عروض الأمس بلا مبرر، أو بالشكل الذي لا يعني غير الإهمال، وذلك كأن تتكرر عند إغلاق الإرسال بآيات من القرآن العظيم نفس الآيات القرآنية التي عرضت بالأمس كما في قناة المغرب، صحيح أن القرآن العظيم لا يبلى من تكرار سماعه وتلاوته ولكن الأمر ليس متعلقا بالقرآن ذاته وآياته الكريمة، بل بالأشرطة المسجلة والمشرفين على إذاعتها، فختام البرامج بقراءات الأمس لا يدل إلا على الإهمال، ولا يعقل أن يدل على الفقر في الأشرطة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

 

 التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


  المشاركة السابقة : المشاركة التالية

إضافة تعليق سريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *
 
TO  cool  dry 
عربي  mad  ohmy 
huh  sad  smile 
wub 

طول النص يجب ان يكون
أقل من : 30000 حرف
إختبار الطول
تبقى لك :



 

   ابحث في الموقع


 

   اصدارات الجيرة


 

   مرئيات

قراءة شعرية في ثانوية الرازي بطنجة
تجاهل الآخر
حوار مع محمد محمد البقاش

 

   تسجيل الدخول


المستخدم
كلمة المرور

إرسال البيانات؟
تفعيل الاشتراك

 
 

الأولى . أخبار متنوعة . قسم خاص بالأدب المَمْدَري . القسم الإسباني . الكتابات الاستشرافية في السياسة والفكر والأدب . ثقافة وفنون
كتب وإصدارات . تحاليل سياسية . تعاليق سياسية . بريد القراء . سجل الزوار . من نحن . اتصل بنا

المواضيع والتعليقات المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي الموقع، و إنما تمثل وجهة نظر كاتبيها. ولن يتحمل الموقع أي تبعة قانونية أو أخلاقية جرّاء نشرها.

جميع الحقوق محفوظة © 2009 - 2010 طنجة الجزيرة

تصميم وتطوير شبكة طنجة

ArAb PoRtAl