الرئيسية » كتب وإصدارات



سلسلة الجيرة الإلكترونية، إصدار رقم: (27)

سيمفونية الكون

(مجموعة قصصية من الأدب المَمْدَري)

ـــــــــــــــــــــــ

المؤلف:

محمد محمد البقاش

أديب مغربي من طنجة

ــــــــــــــــــــ

النشرة الإلكترونية الأولى

الأحد: 22 يناير 2018م

ـــــــــــــــــــ

سلسلة الجيرة الإلكترونية إصدار رقم:  (27)

ـــ الكتاب: سيمفونية الكون (مجموعة قصصية من الأدب المَمْدَري)

ـــ المؤلف: محمد محمد البقاش أديب وإعلامي..

ـــ الحقوق المادية غير محفوظة للمؤلف خلاف الحقوق المعنوية، ولكن رجاء إشعاري قبل طبعه فربما عدلت فيه، كما يجوز النسخ والاقتباس شرط ذكر المصدر..

ـــ النشرة الإلكترونية الأولى: الأحد 28 يناير 2018م

ـــ الطبعة الورقية الأولى: لم يطبع الكتاب بعد.

ـــ الإيداع القانوني: 462 ـ 98.                                     

ـــ ردمد 1114 – 8640    ISSN.

ــ للاتصال بالمؤلف:

حي الزودية زنقة 10، رقم 16، طنجة، المغرب.

الهاتف المحمول:

 671046100  (00212)

0671046100

www.tanjaljazira.com

mohammed.bakkach@gmail.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كلمة النشرة الإلكترونية الأولى

سيمفونية الكون (مجموعة قصصية من الأدب المَمْدَري) كتاب كتب منذ مدة ولم ينشر ورقيا ولا إلكترونيا، وكانت رتبته في سلسلة الجيرة الورقية 15 ولكنه لم يحظ بالنشر الورقي نظرا لضغط مؤلفات أخرى سبقته، واليوم قررت نشره إلكترونيا تعميما للفائدة ريثما يتيسر لي نشره ورقيا، وللعلم فإن كتاب: جاهلية الشيعة وسخافة عقولهم (دراسة مقارناتية للدين الشيعي) وكتاب: الإعلام والطبيعة (الجزء الثاني) هما الآخران لم ينشرا ورقيا، ولكنني نشرتهما إلكترونيا، جاهلية الشيعة وسخافة عقولهم (دراسة مقارناتية للدين الشيعي) نشر بتاريخ: الاثنين 14 مارس 2016م، والإعلام والطبيعة (الجزء الثاني) نشر يوم السبت بتاريخ: 13 يناير 2018م، وهذا الكتاب أنشره هم الآخر إلكترونيا اليوم بتاريخ: 22 فبراير 2018م حتى لا تبقى الحاجة إليه وهو بعيد عن القراء في انتظار نشره ورقيا.

نُشرت لي الكتب الورقية التالية:

(1) تائية الانتفاضة (ديوان شعر بقصيدة واحدة في ألف بيت) الطبعة الأولى سنة 1998 والطبعة الثانية 2002.

(2) الكلام الذهبي (مجموعة حكم) الطبعة الأولى سنة 1998 والطبعة الثانية 1999.

(3) حكومة الجرذان (قصة بالكاريكاتير للأطفال) الطبعة الأولى سنة 1998.

(4) الديك المترشح (قصة بالكاريكاتير للأطفال) الطبعة الأولى 1998.

(5) الهجرة السرية (مجموعة قصصية) الطبعة الأولى سنة 1998 وهي أول كتاب عن الهجرة السرية من مضيق جبل طارق والطبعة الثانية سنة 2003 والنشرة الإلكترونية الأولى وقد صارت فيها المجموعة من الأدب المَمْدَري سنة: 2007م

La  Inmigración Clandestina (Historias Cortas)

(6) الهجرة السرية بالإسبانية، الطبعة الأولى سنة: 2008.

(7) انتفاضة الجياع (رواية) الطبعة الورقية الأولى سنة 1999، والنشرة الإلكترونية الأولى 18 فبراير 2008م، وقد صارت من الأدب المَمْدَري.

(8) التفكير بالنصوص (بحث أكاديمي). الطبعة الأولى سنة: 1999.

(9) وجه العالم في القرن الحادي والعشرين (دراسة مستقبلية للمؤسسات الدولية المالية والاقتصادية والسياسية) الطبعة الأولى سنة 1999.

(10) الإعلام والطبيعة (الجزء الأول) الطبعة الأولى سنة 2001.

(11) الأقصوصة الصحفية (تقنية الكتابة والبناء) منشورات المهاجر غرناطة فبراير 2002.

(12) الليالي العارية (أقصوصات صحافية) الطبعة الأولى سنة 2008.

(13) ظلال الطفولة (مجموعة قصصية من الأدب المَمْدَري للصغار والكبار) النشرة الإلكترونية الأولى نوفمبر سنة: 2008، والنشرة الورقية الأولى 2009.

(14) طنجة الجزيرة (رواية من الأدب المَمْدَري للصغار والكبار) الطبعة الورقية الأولى: 2009، والنشرة الإلكترونية الأولى: 2009.

(15) نساء مستعملات (رواية من الأدب الممدري) الطبعة الورقية الأولى 2010.

(16) سخف الحداثة وخواء الحداثيين (في النقد والنقض) الطبعة الورقية الأولى: 2010، والنشرة الإلكترونية الأولى: غشت 2009.

(17 طنجة النصرانية (رواية من الأدب الممدري) الطبعة الأولى 2011.

(18) حركة تصحيح مسار 20 فبراير (دراسة للشعارات المرفوعة) الطبعة الأولى 2011.

(19) النظرية المَمْدَرية (في الفكر والأدب والفلسفة)، الطبعة الأولى: 2012.

(20) الجهاز المناعي للقرآن (دراسة أسلوبية) الطبعة الأولى: 2012.

(21) المؤامرة البيئية على ساكنة طنجة (ظلم المحكمة الابتدائية وأمانديس؛ شاطئ مرقالة أنموذجا) الطبعة الأولى: 2012.

(22) بوتين.. حسن نصر الله.. والتلذذ بقتل الشعب السوري (رسالة من أديب مغربي إلى كل من السفير الروسي واللبناني بالرباط) الطبعة الأولى: 2012م.

(23) لصوص ثورة الشام المجيدة (أمريكا، أوروبا، روسيا، الصين، إيران، الشيعة، إسرائيل، تركيا، حزب الله والعرب) الطبعة الورقية الأولى، يوليو سنة: 2013م.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سيمفونية الكون

(مجموعة قصصية من الأدب المَمْدَري)

ــــــــــــــــــــــــــــــ

القاص:

محمد محمد البقاش

ــــــــــــــــ

الطفل المستنسخ

قبالة قارة إفريقيا بمحاذاة الأطلسي على بعد آلاف الكيلومترات توجد يابسة ضخمة، يستوطنها الدخيل على سكانها الأصليين وينفث السم الزعاف يتناقله الهواء ليعولمه حتى يستنشقه سكان العالم.

وفي بقعة رحبة إلى الغرب البعيد حيث ولد فيه صاحب النظرية المَمْدَرية يوجد مستشفى ضخم يضم تخصصات عديدة، وأجنحة كثيرة لأمراض متنوعة، كما يضم قسما للإنعاش الطبي والمستعجلات، تدخله أفواج وأفواج من المرضى والجرحى.

يدير المستشفى جراح جبار في تخصصه، طبيب شاب يضم إلى مهنة الطب مهنة التجسس والعضوية في وكالة الاستخبارات ـ الأييسي ـ A.I.C يساعده ممرضان لهما نفس الانتماء إلى نفس الوكالة، يساعدانه على أعمال سرية بقسم خاص عند الجناح المطل على المجهول.

يقوم القسم بنشاط يثير حفيظة الأطباء والممرضين وزوار المستشفى؛ ولا أحد يملك القدرة على كشف ما يقوم به، أو معرفة ما يرمي إليه هذا التكتم وتلك السرية.

وتحدث في البلد حالات تضطر الواقعين فيها إلى المستشفى يترددون عليه، تستدعي التلبس بسياج التعلق بالحياة والعافية، كما تضطر غيرهم إلى نقلهم عبر سيارات الإسعاف.

وصبيحة يوم مشهود على قتل أطفال جياع مرضى جراء حصار غاشم على المواد الغذائية والأدوية تمارسه دولة الطبيب الشاب "جورج" على أحفاد المعتصم؛ دخل المستشفى شاب في مقتبل العمر بسبب حادثة سير، أدخل قسم الإنعاش الطبي، ثم تمت المناداة على المدير.

حضر "جورج" مسرعا يصطحبه الممرض: "رونالد" والممرض "بيل" حضروا جميعا بلباس يظهر للبصر أبيض وللبصيرة أسود، يحملون قلوبا غلفا في أكنة من السواد تضخ الدماء في الشرايين والأوردة من قطران، يخرج من أفواههم زفير نتن تنفجر له عند ملامسته ذرات الهواء..

وقف جورج على السرير حيث المصاب وطالب من رونالد مساعدته، أشار لبيل بإخراج  ممرض وممرضتين حضروا مسرعين وتسمروا للدخول مدخلهم تحت طرب المطرقة فلم بسمح لهم، ثم أمرهم بإغلاق الباب.

وعندما تم إحكام الإغلاق جلس جورج على كرسي ثم طالب من رونالد وبيل الجلوس، جلسوا جميعا والشاب ينزف مشفاقا لغلظتهم، لم يعرف الممرضان الغاية من سلوك جورج فبادره بالقول:

(( انظر سيدي جورج لقد بدأ المصاب يحتضر )).

فرد عليه:

ـ ذلك ما كنت أبغي، أريده كذلك، انظر إليه، أليس شابا وسيما يجدر بجماله وحسن قوامه ألا يمحى؟

فهم الممرضان عندها قصد الطبيب فطفقا يعدان العدة لعمل الاستنساخ.

ظل المصاب على حال النزيف حتى قضى، تم إهماله في تلذذ سادي لارتعاشاته ومعاناته، ثم نقل أخيرا على سرير آخر لا يزال نظيفا نضرا.

ما كاد الموت يتحقق للمصاب، وما كادت المنية تصيب جميع خلاياه حتى أخذ منه ما يلزم لاستنساخ صورته بعد موته.

نزل الطبيب جورج والممرض بيل ورونالد إلى أسفل المستشفى حيث المختبر، ثم شرعوا في العمل. دام عملهم لبعض الوقت في تفان وجدية قل نظيرها، وما إن أوشكوا على الانتهاء حتى اعتزلهما جورج وأخذ السماعة:

وفي ظرف وجيز لم تمض عليه غير دقائق تسعة حتى حضر المختبر امرأة.

حضرت أم نحوم التي ينتهي نسبها إلى بني قينقاع، والتي فقدت وحيدها على يد مستنسخ ثقافيا عن سليمان خاطر، لا تزال شابة، يغشاها العنفوان، عجزت أن تلد  بعد فقدها ولدها ولذلك فهي دائما قلقة منفعلة، جاءت على عجلة من أمرها تريد المكوث طويلا في المستشفى، ولكن شرط أن يحقق لها ما تريد. دخلت على الطبيب جورج، ثم سألته:

ـ أي خبر سار هذا الذي أحجمت عن ذكره في التلفون؟

فأجابها:

ـ لقد أخذت خلية غير جنسية من شاب وسيم يمكنك إلقاء نظرة على جماله ووسامته..

ـ كيفما كان وسيما فأنا لا أريد ذكرا، أريدها أنثى..

ألقت قولها بانفعال، ثم خرجت المختبر تسرع الخطى على موعد مع عملية اغتيال يقوم بها الموساد بمعلومات بقدمها له مرتزقة عبابسة ودحالنة، وتقوم هي فيها بدور رئيسي وهام.

مضى أسبوعان كاملان والطبيب جورج في كل يوم يلقب نظرة على المرضى والجرحى في قسم المستعجلات دون أن بظفر بمن ينتخبها، دون أن يجد بنتا أو امرأة تروق أم نحوم لاستنساخ صورتها.

وعند بداية الأسبوع الثاني دخلت قسم المستعجلات كاثوليكية يظهر عليها الصغر، لم تتجاوز عقدها الثاني، تم اغتصابها في مكان مقدس بكنيسة من طرف قس يكاد يكون مستنسخا عن راسبتين، ولكنه على غير مذهبها.

حضر إسعافها الطبيب جورج وحفل بها كثيرا، عرضها للتخدير، ثم قام بإنعاشها مسعفا إياها موازاة مع أخذ خلية جسدية من ثديها الأيمن.

تركها، ثم نادى على بيل ورونالد إلى مكتبه بمختبر المستشفى، وحين حضرا انشغلوا جميعا بتهييء السبل لاستنساخ صورة الشابة فرانسين، أخذ الطبيب ينزع نواة الخلية التي أخذت من ثدي فرانسين، ثم زرعها في بويضة أنثى غير أمّ نَحومْ بعد أن أفرغها من نواتها، تمّ ذلك بشكل يشبه الإخصاب الصناعي، كما يشبه التلقيح غير انه ليس تلقيحا، ُسُلِّّطت مواد كيماوية خاصة، وتيار كهربائي معين حتى تم دمج نواة الخلية مع البويضة ثُمَّ

قفز الطبيب جورج من مكانه من شدة الفرح لتحرير حرف (( ثُمَّ )) من قيده، فتناول السماعة واتصل بأم نحوم ليزف إليها البشرى.

وعلى جناح الصقر الأشهب حضرت صونيا وبيدها باقة ورد تطرب العين لرؤيتها، ويبسم الثغر عند شم أريجها، ولكنه يتأذى من ملامسة صونيا له.

دخلت المختبر واقتيدت إلى غرفة بها سرير ومعدات في قسم المستعجلات والإنعاش الطبي، جلست إلى السرير المعد لها، وجلس إلى جانبها الطبيب جورج، ووقف أمامها الممرض بيل ورونالد، طالب منها جورج الاستلقاء على السرير فرفضت على التو لانشغال ذهنها. استغرب الطبيب هذا السلوك وكاد يخيب ظنه لولا أن أخرجته من دوامة ظنونه تساؤلاتها، سألته: ((إنتاج الأولاد بالاستنساخ ليس من الفطرة في شيء، فهو غير طبيعي، أليس كذلك؟)).

فأجابها:

ـ نعم.

ـ سأكون مجرد وعاء للبويضة، فالجنين الذي سأحمله، والوليد الذي سوف أضعه بعد بضعة أشهر لن يكون له أب أو أم؛ لأن البويضة ليست بويضتي، والخلية التي اندمجت معها ليست خليتي، وليست خلية ذكر.

ـ أجل.

ـ إذن ضاعت الأنساب واختلطت.

نهضت صونيا من مقعدها فرحة مغتبطة واندفعت نحو السرير واستلقت عليه وهي تقول للطبيب:

((عجل، عجل حتى ُيعجَّل بزوال القوانين والأحكام المتعلقة بالزواج والأبوة والأمومة والبنوة والحضانة والإرث والنفقات..)).

بدت من شدة غبطتها وحبورها كما لو فقدت عقلها.

وجاءت لحظة تحرير حرف (( ثُمَّ )) نُقلتِ البويضة إلى رحم صونيا بعدما تم دمجها مع نواة الخلية لتتكاثر وتنمو وتتحول إلى جنين، ثم إلى وليبد يكون نسخة طبق الأصل عن فرانسين المسكينة التي غادرت المستشفى وهي لا تدري. حملت صونيا جنينا بشكل عادي في رحمها، ثم وضعت وليدا فكان أنثى بطبيعة الحال، وضعتها وهي تسخر من قول قدسي أشار إلى أن الذكر ليس كالأنثى، ظل الوليد يكبر بين يديها ترعاه ويرعاه معها جورج وبيل ورونالد وعصابة تعتلي الهرم في دولة  استنساخ البشر سرا، وتنقسم على نفسها بشأن قتل فرانسين، أو تركها تحيى. تمت ولادة أول طفل مستنسخ سرا في ولاية كاريويون لا يعرفه أحد إلا شبكة من رواد ماسون، ولا يعلم بعد ما سيكون من أمر الوليد المستنسخ، فلقد بلغ من العمر سبعة أشهر وثلاثة أيام وعشرين دقيقة.. تكاد البنت المستنسخة تقف مستقيمة على رجليها، وتكاد تتكلم. يكاد صوت المستنسخين يسمع مستنكرا مدينا.. ويكاد العالم يحتضن شعبا مستنسخا.

رحيل العزيز

 

عجبا من أمره، يرتفع ويتّضع. عجبا من أمره، يختبط في ذله وكأنه مصروع، يقاوم ويقاوم، ثم يذوب في شعبه وأمته.

تركه العزيز شابا يافعا. وثق في رجولته. تعلق بمروءته. تشبث بفكره. فرس في تفكيره. رأى النور يعلوه، والضياء يكسوه. يؤمل عليه لصفاء طويته..

لطالما صحب أباه إلى مستودع البلدية حيث يعمل حارسا، يتابعه وهو يجمع قطعا نحاسية دائرية تغرس في أرصفة المدينة، تثبت في شارع محمد الخامس وبلجيكا وباستور كعلامات للراجلين.

صارت البلدية تنزعها وتضع بدلا عنها الطلاء الأبيض والأصفر، ينزع عنها القضبان الحديدية، ثم يعرضها للنار. وفي اليوم الموالي يمنحها صغيره فيذهب بها إلى زنقة سيدي بوعرّاقية ليبيعها بالكيلوغرام.

ينقلب الصبي إلى أبيه على موعد معه في بيتهم بزنقة المعدنوس، ينتظره بإحساس أبوي لا يفقهه الأبناء أو يجدونه إلا عند ارتداء لباس الأبوة، يعود إليه ببعض الدريهمات فرحا مسرورا قد حقق رغبة أبيه وانتشى لطعمها. يتبادلان شعورا لا يعرف أي منه أبوي، ولا أي منه بنوي. يجد الوالد نفسه في ولده. ويجد الولد نفسه في والده، يسر لذلك الأب أيما سرور فيمنحه بعضا منها: درهمين أو ثلاثة، يقدمها له بوجه مغتبط يعلوه الرضى، ويستوطنه الحبور، يخاطب ابنه: ((بّا: اليوم نمْشيوْ بكْري بشْ نْهَرّْسو العْوادْ ونْعدّْلو الدّْكَّة ونْطَيّْبو العْشا)).

سنوات حياته إلى جانب أبيه لحظات. ذكرياته معه في صيد سمك الشرغو بمرقالة لا تنسى حتى من أحاديث الناس. ذكرياته معه عن صيد الأرانب في فضاء لم يكن قد أنبت بعد إعدادية محمد بن عبد الكريم الخطابي ولا السيبيير لا تمحى من ذاكرة الرجل الطفل. لم تكن حينها قد عبدت طريق الرباط من جهة حومة الموظفين والبوغاز.. فضاء نقي شاسع واسع ظل على حاله الجميل كباقي أفضية طنجة ومناطقها الخضراء الساحرة حتى نبت في مجالسها أناس كالجعل لا يفتأ يدهده النتن أنفه.

انحرف الابن وهو في سن الثانية عشرة، وازداد انحرافا في مراهقته وشبابه. هام على وجهه يعاقر الخمور بمعدة تسع ما وسع برميل خوان في حانته بطريق الجبل. لم ييأس من استقامته والده. يرى فيه شعلة من الذكاء تذكو ذكوا لافتا. الأب مكلوم بفقره وعوزه وهو كثير العيال، والابن تافه تائه لا مبال. أب يتقطع أسى ويتمزق ألما لطعامهم وشرابهم، يبتئس عند الأعياد لكسوتهم، وابن يسرح ويمرح بليد الإحساس لمعاناة والده، ومع ذلك أحبهم حبا جنونيا، وأحبوه بشغف.

مرض الوالد، أصيب في صدره. تآمر على صحته الدخان من نوع رياض، والداخلية في هضمها لحقوق المياومين الصحية.. أوصله مرضه في ظرف ساعات إلى الإغماء، يغمى عليه بين الحين والآخر، في غرفة بيته منطرحا يتوسد كف بكره. يحيط به أبناؤه، يتحلقون حوله حتى إذا غلبهم النعاس ناموا، يظلون نائمين حتى يفيق أبوهم فيتنبهوا فرحين لاستفاقته، مؤملين عافيته. صغارا تلطمهم الأحداث فيئنون لها دون فهم، يترقبون الحياة وينشدون السعادة، ولكن الحياة عندهم حياة أبيهم، والسعادة حياة أبيهم.

لحظات من النظر إلى بدر سمائهم بقلوب منقسمة على نفسها لا تستقر على ما يحبون؛ يشهق العزيز ليدخل في غيبوبة تهز كيانهم، وتزلزل أفئدتهم، فيعلو الصراخ وهم يتزاحمون لملامسته، يناشدون ربهم في اللا وعي سرا ينادون على أبيهم: ((بّا..  بّا .. بّا ..))

ولا يعرف إن كان يسمعهم أم لا ، منهم من ينهض ليبكي بعيدا في الغرفة المجاورة، ومنهم من يتسمر مكانه دون بكاء، منهم من يبكي في حضرته، ويبقى بكره رابط الجأش يود البكاء فيتمنع عليه.

تم استدعاء ساعفة، ثم بالكاد أخرجوه محمولا من المنزل لضيق الممر، وهو يدعو لأبيه ويتأمله والسيارة تقطع الطريق عاد إلى وعيه عند شارع الإمام مسلم، فنظر إلى ابنه وكان يود تكليمه والسكاكين لا تفتأ تقطع رئتيه، فانحنى يلامسه ويرفـع إليه رأسه برفق. أسر إليه العزيز قائلا: ((خليت خوتك أبا صغارين)) فرد عليه ابنه:  ((خليتي الرجال أبا، رد بالك مع الله )).

سكن في روع الولد رحيل أبيه بتلك الكلمات، أطلقها العزيز بلهجة واثقة؛ وكأن الإنسان يعرف أجله.

في مستشفى القرطبي تم فحص المريض من طرف ممرضة، لا يوجد أطباء في الحراسة، يحضرون من بيوتهم أو أماكن سمرهم عندما يكون الطارئ من غير الفقراء والمعارف.. ثم طالبوه بالعودة غدا صباحا ليفحصه أخصائي في أمراض الصدر والقلب.

حمله هذه المرة إلى طبيب عام، ثم نصحه الطبيب بضرورة أخذه الراحة لخطورة الإصابة.

ذهب به إلى المستشفى الإنجليزي، هكذا يطلق عليه شعب طنجة لاحتضانه أطباء وممرضين من أهل الصليب، يمارسون فيه التبشير والتنصير، كان أبو بوعاتو إذا ضاق عيش أهله يطلب من زوجه حمل أبنائه إلى المستشفى لأخذ المساعدات مع ممارسة طقوس دينية، يتنصرون في الداخل، ثم يعودون إلى دينهم في الخارج. غادره الإنجليز وورثه المغاربة، به أخصائي واحد من أخصائيي القلب، حمله إليه، وفي الممر عند الانتظار عيي العزيز فأشفق لحاله ولده فطرق غرفة الطبيب يستعطف قلبه لعله يؤثر المجهض على مرضى أحسن حالا منه، فنهره الطبيب وأغلق دونهما الباب. لا يقوى الوالد على الوقوف والحركة. لا يوجد كرسي متحرك يمكن أن يجنبه بعض الأذى، سرت في جسد العزيز قوة فاحمر وجهه وتحركت فيه عضلات العبوس مزمجرة وهو يقول: ((خصني نقتل باباه)).

يهتز الولد من داخله لنصرة أبيه، ويود فعل شيء، ربما جريمة لولا خشيته من تأثير ذلك على صحة أبيه، كتم غيظه، ثم عاد بأبيه إلى البيت.

اقترضت سعاد بعض المال للذهاب به إلى أخصائي القلب والصدر ذي الجنسية المزدوجة، كان وحيدا في طنجة إلى جانب أجنبي.

دفع الأبناء عجلة الزمن فدار دولابها بسرعة يطرد اليل حتى دخل مدخله؛ فحمله إلى الأخصائي.

دخل عليه عيادته بشارع محمد الخامس، فرحب به، وبش في وجهه، تتغير الوجوه مثل سماء الربيع، وتنقلب إلى النقيض تماما، تستحيل الغلظة رقة، والقسوة رحمة.. كل ذلك من فعل الدرهم . يسود الدرهم، ويستأسد الدرهم، تنشط الجوارح خدمة للدرهم وأبي الدرهم وأخي الدرهم. أجرى له تخطيطا للقلب، ثم نادى على ساعفة ليحمله إلى مستشفى القرطبي، يستغل سيارة الدولة لحسابه الخاص، ولم لا وهو المختص  الوحيد في طنجة ممن يقدمون خدمات في المستشفى العمومي؟

قدمت الساعفة يسوقها حارس يحمل رخصة السياقة، ليس إلى جانبه ممرض، وما كانه هو، يخضع خوفا من الطبيب، يستغل وقته وجهده لحسابه الخاص، ولا يستطيع رفع الظلم عن نفسه.

مساء حزينا يود الإفصاح عن دخيلته فلا يقدر. حمل العزيز إلى المستشفى مرة أخرى. يسير السائق بإحساس بليد لمريضه، تتعرض السيارة لاهتزازات بسبب الحفر في الطريق العام، تسير مسرعة وتود لو تسرع أكثر. وضعوه في غرفته مع مرضى القلب هادئا، منحوه الأكسيجين، وحين اطمأن الابن على أبيه، وأصابه منه فأل وجده؛ تركه هناك ومضى. قضى المريض بالمستشفى سويعات وأبناؤه في بيتهم قلقين يدعون له. يدفعون دولاب الزمن مرة ثانية ليدور مسرعا حتى يهل وقت الزيارة، لم يكن يفهم أحد منهم سر الذهاب إلى المستشفى في غير الزيارات المعهودة للاطمئنان على المرضى، ولم يكن أحد من العائلة الكبيرة يعير اهتماما لما نزل بوالد حفنة من الكتاكيت الصغار.. وجاء موعد الزيارة، قدم اليوم الموعود يتستر على أنبائه. صعدوا سبيلة الجماعة راجلين حتى دخلوا المستشفى؛ يرشدهم كبيرهم إلى الغرفة التي ترك فيها أباه، دخلها فلم يجده مكانه، ارتبك لأعين النزلاء؛ لأنها كانت ناطقة قبل اللسان، سأل عن أبيه: ((أين الوالد؟)).

- رحمه الله.

ألقاها إليهم نزيل فانطلقت مانعة زيارة الدم والأكسيجين عن مخ بعضهم؛ فأغمي عليهم، كانت جنازة في غير موعدها.

......................

غرناطة في:  30 يناير 2006م

هذه قصة واقعية ، فالعزيز فيها هو والدي رحمه الله ورحم أمواتنا جميعا، حصلت في سبعينيات القرن الماضي، وكانت الوفاة سنة 1978.

 ـ 1 ـ بّا يعني أبي هيا نذهب باكرا ونجمع الخطب فنجعله جذاذا، ثم نغلي الماء لتهييء الشاي، أي الدكة في عامية شعب طنجة. ـ 2 ـ السيبيير مدرسة تكوين الأساتذة. ـ 3 ـ تركت إخوتك صغارا. ـ 4 ـ تركت الرجال ، توجه إلى الله ولا تفكر في هذا. ـ 5 ـ أريد قتله. ـ 6 ـ شهر مارس زائف مثل العملة الزائفة يكنون بها عن التقلبات المناخية السريعة غير الثابتة فيه.

الديمقراطية النطيحة

يقبعون في جحر كالجرذان.

يتداولون كيفيات كثيرة، وسيناريوهات عديدة للقتل الجماعي.

يختارون الضحايا، ثم يعدلون عن استهدافهم حتى حين.

انزلقت دولتهم إلى الهاوية.

يود المحيط الهادي والأطلسي لو يكونان فكّيْ كمّاشة للإطباق عليها.

تتزحزح تحتها الصفيحة وتتمنى لو تُرجّ بمقدار طول قامة ريشتر. أغرقها العجز وفاق ألف مليار دولار.

ظهرت دراسات تحدد زمن الانهيار الفظيع.

استنجدوا بالجنيّ بَغْ بَغْ، وكان يخطط بعيدا عنهم، لطالما استهدف بنجاح زعماء الكرملين، ولكن لم يعد الكرملين مشجبا تعلق عليه الأوساخ؛ فرفضوه. حاروا في إيجاد عبقري ينجدهم، يرسم لهم خطة تركب؛ ولا تثير الامتعاض بغبائها. في اجتماع ضم خنفسة الدفن طرحوا تجربة الجنرالات في الجزائر مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وقفوا طويلا يدرسونها ويقلبون حيثياتها، نشط لها ذهن الرئيس فدفعه إلى مبادرتهم قائلا:
ـ إن القتل الجماعي الذي مارسه الجنرالات في الجزائر، ثم نسبوه إلى الإسلاميين أتى أكله، أليس كذلك؟

_ كادوا يخفقون في ضياع السلطة لولا ركوبهم زورق الإرهاب، فقد نجحوا عبر قناة الدم، استطاعوا تغييم الأجواء، وتعتيم الأفضية، فطن لمخططاتهم بعض الساسة ولكنهم ظلوا في منأى عن التأثير الحائل دون سقوط الحكم في أيد الجنيرالات.

تناقشوا طويلا، وظلوا حائرين، افتعلوا صراعا مع عدو مفترض، أشاعوا كذبا كثيرا، لوّثوا الإعلام وخلطوه حتى جعلوه مربكا، ظهر فيه ساسة وصحفيون يستحقون الإشفاق، عمي لمخططاتهم المخلص والعميل، الأجير والمرتزق.

 استنجدت الأقلام بفرسان الكلمة الصادقة.   

رامت توعية الشعوب، ولكن بكلام أضرب عن حمله الأثير والورق واليافطة والقمر الصناعي.. تارة ينعتون حفدة الرشيد والمعتصم بتطوير أسلحة العز الكامل، وتارة أخرى ينعتون جهات بالتطرف. ظلوا كذلك حتى طفح الكيل وبلغ السيل الزبى، خشي على تبخر فلسفة فوكوياما فتمت المناداة على شياطين من كوكب البِكَوْك، حضروا ومعهم مقترحات خطيرة تصب كلها في الإبقاء على الشموخ الزائف قائما يتقبله الناس دعائيا، ولو لم يكن حقيقة.

طرح بيلْ مقترحا يقضي باستدعاء خبراء في تحريك الأشياء عن بعد، لم يكن بينهم محرِّكوا المكانس من المشعوذين العرب، عن مهندسي الطائرات والصواريخ التي تسير موجهة. استنجدوا بوكالة نازا .سأل بيل المهندس كولْ عن إمكانية صنع طائرة كبيرة تسير موجهة عن بعد، فرد عليه قائلا:

ـ لا، لا داعي، فما هو موجود يمكن إخضاعه لنفس التقنية.

ـ هل يمكن توجيه طائرة مدنية عملاقة بالتيليكوموند؟

ـ نعم.

ضجّت القاعة لصوت هيرالدْ، غطّت فرحته الجو وطفق الجميع يرقص حبورا. اقترب منه الرئيس وكان ظربانا بئيسا لا يخفي إعجابه فطلب منه أن يحضر لاجتماع خصه لثلاثة أفراد عينهم فقبل.

وجاء الموعد يجر نفسه المنهكة، وحضر الفيلسوف:

ـ من يحرك الآلة على بعد مآت الآلاف من الكيلومترات في الفضاء الخارجي لا يعجزه تحريك طائرات من حجم البوينك والكونكورد والتحكم بها، ولكن ما أخشاه هو أن يتم توجيه الطائرات وبداخلها طاقمها.

ـ ولكن كيف؟

ـ من يضمن لنا النجاة من الخطر؟

ـ أي خطر؟

ـ هل تأمن جانب المهندس والتقني الذي يملك القدرة على التحكم في الطائرات وهي محلقة في الفضاء إذا خرج عن سلطانك؟

ـ صحيح.

ـ يمكن أن يتم التحكم في الطائرات من الأرض رغم وجود طاقم يقودها، فقد يُرغم ربّانها على فقد السيطرة عليها، وعندها تحل الكارثة، وهذا لربما أشد خطرا من السلاح النووي والجرثومي؛ وبخروجه من أيدينا نفقد الهيمنة على العالم.

ـ هل نحجم عن ركوب الطائرات؟ هل يبطل سفر الناس ويقتصر على البضائع؟
ظلوا حائرين من هذه التصورات، ولكنهم ارتاحوا قليلا لعدم انتشارها في العالم، وغياب من يشتغل عليها.

أصرا على ركوب مخطط شيطان كوكب البكوك، وليكن ما يكون، اختلفوا قليلا بشأن مصير العلب السوداء وكيفية تغطيتها إعلاميا، ثم أهملوا التفكير فيها لاهتزاز كيانهم، وسيطرة مشاعر الرغبة في إنقاذ اقتصادهم، وضرب من افترضوه عدوا لحضارتهم. رابضة هي في المطار ببطن منتفخة دون حنين. لا زفير فيها ولا شهيق. خزّانات متخمة وريح ألفرد يملأ حيزها.

على الأرض يقبع المهندسون كما يقبع الظربان في جحره.

هرع الرئيس إلى مخدعه كما لو كان عذراء في خدرها.

كل مهندس يحمل في يده أداة توجيه عن بعد. يعملون وفق إرشادات غاب عن متابعتها الرئيس، ولكنه يعلم تفاصيلها. تحركت البدينتان في وقت متباعد، قصدتا رمزي الشموخ الزائف، وكان قد نبتت لهما قرون، فنطحت كلتاهما رمزا زائفا لم يخر لتوه، ظلا يحتضران حتى انتفض من تحتهما نوبل. حييت لهما ديمقراطية السطو على الأرواح والممتلكات، انتعشت لهما المبررات للقتل الجماعي ولم تزل.

....................

غرناطة في:

ــــــــــــــــ

بوشتسونامي

تطير فوق رؤوس طلعها كأنه رؤوس الشياطين . تحلق باحثة عن مهبط رحيب. وجب لها القلب فاصطفته للهبوط كأنه مطار وهي طائرة. سكنت قلبا مثقوبا من شدة تصريف الدماء العادمة، قلب راع بليد يرعى خنافس الدفن وماشية النمل. يمعن المرهاب في القضاء على زمن الإرهاب. يزداد إمعانا كلما أسقطت في يده الحيل.

فتح النار من فكرته على حرب الحرية والطغيان؛ يستبدل بها حرب الإرهاب، ثم استأذنته للعودة إلى الرأس حيث نتن مصطفى لتفاوحه، فغرزت فيه سهما ساما منتظرة جمعا لحرب جديدة، هي حرب الطوفان.

انفض الزمان من حوله غضبا حنقا لا يلوي إلا على نفسه. مضى يطوي عمره نفورا من فظاعة الظلم، وصفاقة الظالم، أسرع نحو حتفه كأنه غلام موسى الذي كبر ولم يكبر، أو ثعبان مهرج ولد ولم يولد.

في بيت نكرة لا يعرف إلا بلون عدو الناس الأزرق، يبدأ الأملح فيه يومه بالصلاة للخشبة.

وفي البيت الأسود من شدة تدافع الجراثيم وازدحامها؛ طفقت عجول عربية تقدم ولاءها للرئيس وهي خائفة من عقوبته، تخشى على علفها الذي ألفته، تتقدم وكأنها سيقان نباتات تستطيل خلاياها من جانبها المظلم، وعند نشوة التفرج على الموت بعد طول جفاف الخلايا قعد حفيد هرقل على رفات يتأمل لونها، وحال ضجرها منتظرا دق ساعة الحسم، ودقت الساعة وما كانت لتدق لولا ضيق الحياة من سفالة الأحياء، وسخرية العجلة من غايات خيالية. وحضر منظروا حرب الحرية والطغيان وفي جعبتهم بديل لحرب أخرى أكثر قذارة وفظاعة..

تتقدم الحضور خنفسة الدفن، وهي ابنة قس مندس. تمشي على سوءة منفوخة كأنها مطوى محشوة بمخدر الشيرا، بنيت من نفس خلايا السامري، تحمل قلبا بلون جلدها، في فمها فلجة كأنها ثقب فتحه ياجوج وماجوج في غفلة عن ذي القرنين، إلى جانبها يمشي كولين باول على أربع، في عنقه حبل يجر منه جنبا إلى جنب مع كلبة رئيسه المدللة. عن يمينه يسير جرذ غزاه الشيب دفعة واحدة في الحادي عشر من سبتمبر سنة ألفين وواحد ميلادية، اختبأ مذعورا منتظرا ردة فعل العالم على تمثيلية رئيسه الأبلد.

بمحاذاة الجعل الرئيس تنحني هامة مقوسة تتبادل الحديث معه. وثق الرئيس فيها وثوق المريض بطبيبه. يسير ولا يحفل إلا بها حتى دخلا قاعة الاجتماعات، وعندما اطمأن بادر مرءوسيه يقول:ـ لقد جمعتكم لحرب الطوفان، فماذا ترون؟

رد عليه الخبير النووي ذي الهامة المقوسة قائلا:ـ إنها ممكنة الوقوع يا سيدي.

من غير مقدمات، وبدون توقع قفز الجعل من مقعده مندفعا في فناء القاعة يرقص رقصة الصامبا، رمى نفسه في هواء القاعة فرحا مرحا قد انتشى وثمل لقول الخبير.

قفزت خنفسة الدفن تحاكي فعاله وارتمت في أحضانه فشرعت تلعق عرقه وتمتص لعابه كأنما هي متبركة بصوفي زنجي، أو قس راسبوتيني..

وعاد الرئيس إلى قعدته يقول للخبير النووي:

ـ وأين يكون تفجيرها؟

نطق كولين باول قاطعا الحديث على الخبير يقترح المحيط الأطلسي. يذكر موريتانيا والمغرب والبرتغال وإسبانيا وفرنسا وبريطانيا، وما إن هم بنطق دولة أخرى بعد التجمع الجزائري حتى قاطعه رئيسه يقول منفعلا:

ـ لا، لا يكون البدء إغراق حلفائنا؛ سنغرقهم، ولكن بعد حين.

ـ كما ترى يا سيدي.

ـ أريد قتلى بعدد خلاياكم العصبية. لا يسعدني رقم ناكازاكي وهيروشيما ولو كانا مضروبين في فقرات رواية: انتفاضة الجياع، أو نصوص: نساء مستعملات. يفرحني رؤية تيه الأطفال وشرودهم. يطربني التفرج على رؤية الناس فوق قمم الأشجار مذعورين كالقردة.

ـ فأي الدول تقترح سيدي للطوفان؟

ـ لا أقبل بأقل من إحدى عشرة دولة أكثرها من آسيا. أريد خليج عدن، وضفتي البحر الأحمر، ولكن حذار من إغراق مدينة اللد لأنها لبيادقنا. أعيدوا إن شئتم سيل العرم للتسلية مع أبناء محمد.

ـ سنصل إلى عشرين دولة، ولكن فوران التنور لن يكون من شمال جزيرة سوماطرة.
ـ طيب، لتكن سوماطرة. سنعود للتسلية معك يا محمد؛ انتظر.

عند أعياد الميلاد، وعلى بعد أيام يونيية من السادس والعشرين لآخر شهر في سنة ألفين وأربعة تنتهي باليوم العالمي للبيئة؛ تحركت بوارج بحرية تمخر عبابا متأوها، تحمي في جريانها غواصة منبطحة على مجمر نووي، يدفعها الوقود الصيّاح مستعجلا التخلص من الجنين. تسرع به نحو أجل الوضع، ولكنها لا تعرف أوانه ومكانه. تحمل جنينا ضخما كأنه ناقة ثمود تنط في سفينة نوح.

تحمل قنبلة لا إشعاعية، أعدت خصيصا للانفجار الأفقي، يستهويها قاع البحر ولا تتعامد فيه أبدا حتى تطل على سطحه، يراد منها صناعة مد بطول رقم اليوم العالمي للمياه، يراد لها أن تصنع أمواجا عاتية يفشل في التزحلق عليها أشرس قرش.

حطت الغواصة قرب جزيرة سوماطرة. تلطف الضباط مع القنبلة الوديعة وهم يخرجونها. وضعوها في قاع البحر وفي رأس كل واحد منهم صور شق المحيط الهندي والابتعاد عن مركز التفجير، ثم تفجريها عن بعد.

وما إن أشعلوا المحرك النووي حتى قامت القنبلة من نومها، فجَّرها الجُعْل عن بعد بنفس تقنية النطح للنطيحتين النيويوركيتين.

وانطلق المارد يصهر اللحم والمعدن.

انطلق فهزّ الماء تحت سطح البحر هزا عنيفا ودفع به أفقيا.

زلزل اليابسة زلزالا شديدا كاد يصل به إلى رقم اليوم العالمي للمعاق. اهتز له رفات ريختر مصياحا.

انفجرت القنبلة أفقيا ولم تطل على سطح البحر استحياء.

دفعت مياه البحر في جميع الجهات.

أحدثت فراغا في قاع المحيط تحاكي به فراغ عشرين تورنادو، واندفعت بلايين الأطنان من مياه البحر في جميع الجهات. صنعت مدا بطول الحبل الشوكي للإنسان البالغ، ولكـن من الأمتار. أشفق الهدير المرعب على الأحياء فنزل بمده حتى كان بنفس رقم اليوم العالمي لمحو الأمية.

تقدم المد يشكو جراح المهانة. قصد الهند وإندونيسيا والصومال وسيريلانكا وتايلاند وماليزيا والمالديف وبانغلاديش ..

أحدث المد الخراب والدمار. يتم الولدان وأثكل الأمهات. أهلك الحرث والنسل؛ وأغرق الناس أمام عدسات الكاميرات.

جلس الجعل إلى مكتبه يتفرج على صور حية تبثها له أقمار التجسس من على بعد مائة وستين كيلومترا فوق سطح البحر، يتفرج وعلى لسانه همهمة شادية بقوله:

ـ أذقتكم ما أذقتكم، واستلذت بذلك ولم أزل. خلاق أنا للهوان. خلاق أنا للذل. صانع الموت أنا. فموتوا.. موتوا.. وليتني أميتكم ميتتين.

نادى الجعل على خنفسة الدفن وطالبها بالإعلان عن مساعدة مالية بخمسة عشر مليون دولار مشترطا أن تؤخذ من خزينة مال الشعوب المسروق، ثم دخل مكتب الصحافة يعاين أقوالها وتقاريرها، وحين علم بإجماعها على ما حصل أنه زلزال؛ انخرط في قهقهة بليدة شامتة، ثم شرع يشرب نخب نجاح حرب الطوفان.

احتفل بنصره وأعياد الميلاد في ضيعته ببلدة كارا فورد، رقص طربا، وثمل انتشاء بحرب جديدة لم يعد يهم فيها صناعة ألف من بن لادن، ولا مائة ظواهري، أو عشرة من الزرقاوي، لم يعد يهم فيها سوى الزلزال المائي؛ والطوفان الجورجي.

مهوى البطوطي

-         إما أن تفكك أضلاع مذاهلكم، أو يباح للجميع ملك نظيراتها.

-         لا، لا، لن يكون هذا.

أعياها الحوار وسط النهاق، وأضنتها المناقشة وسط النعاق، قوم عالون كما يحسبون، وغيرهم دونيون كما يظنون، أوصياء على البشر، على الماء والهواء، على الطوب والحجر. إصدار الأحكام حق لهم، فما استحسنوه حسن، وما استقبحوه قبيح، يتداولون في قضايا الناس بإحساس الألوهية، يستعيرون فلسفة نيتشة، ولسان هتلر، وللتلويح يرفعون يدي موسولوني. يتلذذون بإراقة الدماء، يطربون لإزهاق الأرواح، ينتعشون بمعاناة الناس وعذابهم، ويسمنون بتجويعهم.

قدمت طلبا لمقابلة الرئيس، ثم استبطئ الموعد بتحريض محرض، نائبه يختفي ملفوفا في أشعة سينية، ومستشارته تختفي في محجر عينه الزرقاء، ينزل من مؤقها سائل نتن، تصطف على مجراه ديدان عربية، يستطعم الذباب مؤخراتها فتبخل عليه، على جبينه المقطب خطوط خمسة، من يمنى عينه الغامزة إلى يسراه اللامزة رسم مفتاح صول، وفوق الخطوط وخلالها وضعت رموز دو غي مي فا صول لا سي دو من أجل عزفها على آلة العود أو البيانو يعوز عنوانها المنسي المذكور،  فإما أنه قطعة:

((الرئيس الغبي))

أو قطعة:

((غباء من نصب الرئيس)).

استقطع من الساعة البيولوجية زمنا لجرثومة نائمة في مخه أمدا طويلا، حتى الأفاعي خرجت من بياتها الشتوي مخدوعة، ثم أصغى:

-         لماذا رطمتموهما بالراكبتين المركوبتين من الأعلى، ونسفتموهما بالديناميت من الأسفل ؟

 

 

-فأجاب:

-         قريبا أرفع عنكم عناء رمضان.

لم يجب على سؤالها، دخل عالم الهذيان من مذهل أهدل ليس له قرار. يجيب على أسئلة غائرة في عقله، يسأل ويجيب كالأطرش، يحوم بعينيه كأنما ينتظر استواء على كرسي كهربائي، يرتفع بخيال وتدبير غيره، وحين عزم على الهبوط فوق صعيد صلب صار قُطْرُسا.

بدنت بها محلقة فوق طاعم المتوسط، وحين كانت على مهوى البطوطي اخترقتها أرواح شبيبة عليمة ، تحمل رسالة من الأموات تقول:

((لقد استهدفونا بنيران علمها رئيسنا نقلتنا إلى جيث تعلمون، فنحن سعداء، وها قد صنعوا لكم أفظع مما صنعوا لنا، فهل أنتم منتبهون ؟)).

نجح في الاستحواذ على أضلاع المذاهل في جميع بلدان العالم، استقدمها إلى بلاده يبشر العالم بإتلافها في الفضاء الخارجي، ستحملها الصواريخ والمركبات الفضائية خارج الغلاف الجوي للأرض، ثم يتم إتلافها بعيدا عن كوكب الماء.

نشطت معه وهي تصدق مقولته، رأى العالم جدية غير معهودة في هازل عابث، وحماسا غير مسبوق في دجال مخادع، أرسلت نشطاءها يبشرون العالم ويستحثونه للتعاون، للتخلص مما يهدد كوكبنا. يجمع المساعدات لصنع الصواريخ المرشحة لحمل أضلاع المذاهل، لحمل مركبات فضائية خالية من البشر، ولكنها مثخنة بمعرة الشياطين الكبار.

فرح العالم وابتدأ يلين ويغير مواقفه من الرئيس ودولته، ولكنه يحتفظ بالعودة إلى الفيض. طفقت أرامل ويتامى وثكالى العالم يضغطون على قلوبهم ويترجونها في إلقاء بعض الكراهية والضغينة، في التخفيف من حمولة الحقد.

بنيت محطات، ونصبت صواريخ إطلاق في بلاد العمين، وتأهب الناس لمشاهدة مهرجان التحرير، لم يكن يعرف أن العم الابن قد استبقى لدولته آلاف أضلاع المذاهل وعشرات الآلاف، يبيح لنفسه ملكيتها لحكمه بالأحقية المطلقة، زرعتها في ذهنه ثقافة التاريخ الحديث، وفلسفة القرن السادس عشر، ثم أخيرا فوكوياما.

انطلقت الصواريخ في يوم مشهود، اخترقت الأجواز إلى الفضاء الخارجي، تعامدت مثخنة بدينة بالشر والهول، تسرع وهي محكومة بقانون السير الزاوي، تطلق الصواريخ على دفعات في أزمان متباعدة، تتلاحق كفريق غطس يصعد من قاع البحر، يقف العالم مودعا الشر، مفكرا في عالم خال من أضلاع المذاهل، يمسك بقلبه على كف مشدود خشية الانفطار، وترتعد فرائصه وجلا من تكرار صورة تشالنجر.

وقبيل العسعسة استسمح الزمن العنكبوت القافز للتوقف ثوان بعدد عيونه لقراءة: ((من لم يكن معنا فهو ضدنا)).

انطفأت محركات بعض الصواريخ الدافعة ونكست رؤوسها إجلالا لفظاعة هدفها في السماء، بدت كمن نبتت فيها الحياة، أو استيقظ فيها العقل، انقلبت تنزل منكسة وتحذو حذو حذوها، لا يزال الغلاف الجوي يحكمها، تقترب وتقترب حتى كانت أقرب مما بين قوائم طويل القوائم من مسافات فهوت مرتطمة بالتي لم تطلق بعد، حصلت انفجارات رهيبة اهتز لها قاعي المحيطين حتى فرج عن المكما فانطلقت منها الحمم تلاحق الصواريخ، انتصب لها رفات بوعراقية في مدينة طنحة، ثم عاد إلى ترابه بعدما علم أن طنجة ليست مدينة عزير. اشتعلت بلاد العمين كشميسة في نصف الكرة  لكوكب الأرض، انصهر لها التراب، وذاب لها الصخر والحجر، والتقى عليها الماء كأمر قد قدر، ثم صارت أثرا بعد عين.

رقيت الصواريخ فوق نيرانها مبتعدة عن كوكب الأرض، قطعت عشرات الآلاف من الكيلومترات والعالم لا يزال مطمئنا إلى وعد الرئيس البائد، وحين تجاوزت الثلاثمائة ألف استيقظ القلق على شح شديد، شح في مواصلة التصديق لزيغ الصواريخ، ولما كانت في مدى الربع مليون ميل زاغت متمايدة إلى جهة القمر، فتبين أنه هدفها، وأنهم مخدوعون.

اشتعل القمر بأضلاع المذاهل، علته نيران رهيبة، غشيه دخان كثيف رقي مثلما يرقى الماء في جبال البرد، بدنت به سحابة بدت وكأنها تستولد مجرة صغيرة، يتبعثر فيها النور وينتشر ضالا طريقه.

استوى القمر على غيب ظنه قد حضر، لطالما انتظر شيخوخة الشمس وكبرها حتى تتسع دائرتها غير المرئية فتعانقه، لطالما اشتاق لجمعه بها رغبة في الاقتران.

تغير شكل القمر وفقد توازنه، قلت جاذبيته لكوكب الأرض لاستنبات إرادة القتل قبل أوانها، تحتضر الملايين من الطيور والكائنات البحرية، أضرب عن إحداث المد والجزر، انفلق إلى أنصاف تصغر أصغر  مذنب أو جبل طائر، تاه القمر مقطع الأوصال لا يملك جمع أطرافه وهو لا يشتهي الصوم عن الإنارة، ولا ذبح الأهلة.

ـــــــــــــــــــــ

الشهيد ديدوش

تحت نجوم زائغة من هول مذبحة سْكِيكْدا توقف الزمان يأبى إلا أن يسجل ظلم الاستعمار الفرنسي وفظاعة جرمه على انتفاضة مدنية سلمية تطالب بالتحرير، أسقط فيها خمسة وأربعين ألفا من المدنيين العزل في ملعب لكرة القدم؛ وكأن  يومه يوم نكازاكيّ أو هيروشيميّ شهد إرهابا نوويا.

على نغمات غسقية تستولد ليلة واعدة جلست شبيبة إلى بعضها يجمعها حب الوطن وكراهية المستعمر، قضى أجدادها بثورات وثورات ظلت تداعب إرادة التحرير بانتفاضات ولود، ورّثوا أبناءهم وأحفادهم تلك الإرادة، لم يستح الاستعمار وأنّى له الاستحياء من استعباد بشر ولدتهم أمهاتهم أحرارا.

 ونبت الجيل الواعد، ونضج أشبال عبد القادر الجزائري لا يفارقهم طيفه، ولا تغيب عنهم ذكراه، غرز فيهم رفض الاستعمار والدنيّة.

لم يتعجّل عملهم أكتوبر؛ وأمّ سارد قصتهم يجيئها المخاض في طنجة، ولكن تعجّله الفاتح من نوفمبر في لجنة ثورية للوحدة والعمل، فدفعوا بعقارب الساعة على بساط مولودهم الجديد؛ جبهة التحرير الوطني بغية انطلاق المهرجان التاريخي، بغية انطلاق عرس التحرير.

دعوْا كل جزائري وكل حرٍّ أبيّ أن يلتحق بالثورة ويتجنّد ليوم الحسم الذي تتجزّأ ساعاته إلى أيام، وتتجزأ أيامه إلى سنوات لن تطول على الشباب.

وأطلّت برأسها ليلة الأحد تقترن بعريسها الاثنين، أقبلت ساعة الانطلاق تجرّ جراحها قبل المعركة، تذرف دموعا على ستّ سنوات من القتل والتشريد والتهجير بمباركة إنكلترا وأمريكا وفرنسا.. وقفت بعد اغتصاب فلسطين يوم وقَفَ أجل خروج المَمْدَري للحياة.

تحمّس الشباب وركبوا إقدامهم نحو العلى، اتّجه مصطفى بن بولعيد إلى منطقة الأوراس، تحرك يشق مستقبل الجزائر وعزّ شعبها، تؤنسه في فدائيته أجنّة لم تزل في غيبها، ولكنه يجد في فكره حسيسها؛ وما ألطفه، يحمل سلاحا بسيطا وهمّة عالية لا تطالها النجوم ولا المجرات..

واتجه ديدوش مراد إلى الشمال القسنطيني يجر معه نفسا لا تلين ولا تجبن، تصْدق في اللقاء صِدْق آبائه وأجداده، تحرّك في ربوع الجزائر يتبعه ظلّه وينقاد له، يقود شبيبة أثقل الصبر ظهرها، وبلغ الجزع منها مبلغا، يتحمسون لملاقاة الجنود الفرنسيين ومقاتلتهم، سار بهم أميرهم نحو غايته المرسومة له.

واتجه كريم بلقاسم إلى منطقة القبائل، يصطحبه رجال آثروا الموت على الحياة في رائعة الشباب، تهتزّ تحت أقدامهم أرض تغضب لهم، يمشون في مناكبها ولا يتجاوبون مع خطابها، حرّضت معهم كائنات ومنحتها سلاح كرْه المستعمِر وبغض الظالم..

واتجه رابح بيطاط إلى الوسط وهو يعشق الموت عشق المستعمِر للحياة، نصب عينيه الشهادة وعيش السعداء، أنجبته أمّ في عهد يكاد يغلق باب الرجاء على الأجنة، ينجب فيه النساء أبطالا ولا يعجزن.

واتجه العربي بن مهيدي إلى الغرب الوهراني يقود عظماء تتمنى الاقتران بهم كل فتاة لعظمتهم، يود أحدهم لو يزوجه ابنته للتبرك به أو ربما لتوريثه النبل والشجاعة.

أقسموا ليهددن السماء على رؤوس المستعمر أو يرحل، ليشعلن الأرض نارا أو يرحل، ليدققن عنقه أو يرحل.. تجمعهم كلمة جامعة لافتة، بها ذكر من لم يكن ينام أو يترك أحدا ينام، بها المقسم فوق جواده في رمال المحيط بخوض البحر لو علم بيابسة بعد المحيط  بها شعب، ساروا وكلمة السر اسم ذلك الفارس واسم بطل معركة اليرموك. 

فتحت ذراعيها باتنة وأريس وخنشلة وبسكرة لمصطفى بن بولعيد والأبطال الذين معه، زغرد الريح والطير، ورقص الشجر والحجر، تنبهت له الكائنات والجمادات فأسرعت للطيب والمسك تجمعه لتطييب الأحياء، وأرسلت للملائكة تدعوهم لحضور التكريم العظيم بالشهادة.

ونحت نحوها قسنطينة وسمندو تعانق ديدوش وتحتفي بزملائه، أقامتا مهرجانا للسعادة والفرحة تصيب الجزائر بجهاد شبيبتها العظيمة.

ويسوح المجاهدون غيثا من سماء التحرير، ويدخل بهم كريم بلقاسم العزازقة وتيغزيرت وبرج منايل وذراع الميزان، يسيرون مطمئنين وكلهم شوق للمنازلة.

ويشق طريقه في الجزائر وبوفاريك والبليدة رابح بيطاط وعينه لا يكاد يطبق جفنها لشدة الحذر وثقل العزيمة.

 ويتواعد مع سيدي علي وزهانة ووهران العربي؛ بن مهيدي ويكون عند الموعد.

ألف ومائتان مجاهد بحوزتهم أربعمائة قطعة سلاح وقنابل تقليدية وبنادق صيد يهاجمون أهدافا على عدة جبهات، ضربوا في عمق مراكز الدرك والثكنات العسكرية ومخازن الأسلحة فقتلوا وجرحوا وكبدوا الاستعمار خسائر مادية كبيرة.

وانطلقت الثورة العظيمة يحركها رجال عظماء، انطلقت الرصاصة الأولى فتجاوب الشعب معها، احتضن أبناءه البررة وهو يردد: ((الرائد لا يكذب أهله)) النساء والشيوخ والأطفال يحملون في قلوبهم حب المجاهدين، ويدفعون بالقادرين إلى الانخراط في معركة القرن، تبني النساء ثقافة وتروِّج لها وسط أبنائها وبناتها، وسط جيرانها وفي بيوت أقربائها، لا مكان للجبناء، ولا موضع للعملاء، يحدِّق الصغار في أعين الكبار فتمتلئ عيونهم بالتقدير لهم، والرغبة في تقليدهم، ينظر النسوة إلى أبنائهن وأبناء جيرانهن وشعبهن والدموع تنهمر على خدودهن وتشق أخاديد على وجَناتهن، قلوبهن منفطرة على الأهل والولد والبلد، وألسنتهن نشطة في مقارعة البخيل بنفسه وماله وولده.. يقارعن اليائس الميئِّس من جدوى العمل المسلح، لم يفتّ في عضدهنّ معسكرات الاعتقال الجماعي، أو تنكيل المستعمر وبطشه وإرهابه، وسادت ثقافة العز وانهزمت لها ثقافة الذل، ونبت الرجال نباتا حسنا، وسقى الفتيات أجيالهن بماء العيون المحنانة المشفاقة، لقد ورّث قوم نوح أبناءهم كراهية نوح والصدّ عن دعوته، وورّث شعب الجزائر كراهية الاستعمار ورفض السكون عن حركة المقاومة. أقاموا مؤتة صغيرة مهّدت للتحرير ودفعت بأجله نحوه، وسقط منهم من سقط، سقط شهيدا أبطال عظماء سلّموا شعلتهم إلى رفاقهم وتدافع الرجال يدفعون الرجال غبطة بصنيع بن عبد المالك رمضان وقرين بلقاسم وباجي مختار والقائد ديدوش مراد. أغروْا المتطوِّعين بالدخول في المعترك ليخوضوا حربهم، ويصنعوا مستقبلهم، سقط الشهداء وقد خطّوا بدمائهم الغالية طريقا إلى العز، ورسموا سبيلا إلى التحرّر. رحلوا بعدما شكلوا حلقات في سلسلة العظمة للمليون ونصف المليون شهيد.

ـــــــــــــــ

دوحة فلسطين

أورقتْ واخضَّرتْ فظلَّلتْ، ثم أثمرتْ. بسطت رداءها وأوسعت في بسطه حتى ليكاد يتحيِّز بمظلتها نصف الكرة الجنوبية. عمّرت على حال النضارة والبهاء قرونا تنبت الحياة في ظلالها، والسلام في رحابها، ثم بدأت في الانحسار، ابتدأت وكأنها بحر قصرت به ثيابه عن تغطية شطئانه، انحسرت شيئا فشيئا حتى ’قطع جذعها فأفلت ظلالها وعقم رحمها وهلك المتعيِّشون على ثمارها، محوها من على وجه الأرض، ولكنهم لم يجتثوها لظنهم بقضائها، حتى أهلها يئَّسوهم من محاولة بعثها فلم يتطلَّعوا إلى إحياء مجدها، ظلّت بجذور قليلة تصارع الموت تحت الثرى، وتتحدى قاطعها بالتخفي في رحم الدنيا، تضرب بما تبقى في باطن الأرض بحثا عن أسباب الحياة، وتتوسع في محيطها بحثا عن حاضنة، تشق الأرض شقا، وتقطع البحر حين يحول بينها وبين اليابسة، تركب سفينة التربة، وتستميت في التعلق بالحياة، تدفع وتدفع  حتى وصلت القدس.. انتشرت بكل فلسطين ولم يتنبه لها إلا رائد الأقصى فانبرى يتعهَّد جذرا موصولا بخلاياها الجذعية، ويمدّه بأسباب الحياة، ظل ينفش فيه علمه، وينفث فيه عبقريته وهْو يمتد بنشاطه تحت البساط.. حمل سرّه المهجَّرون في النكبة، كما رفع رايته المبْعَدون..

نشط في قرية الشجرة أبوان في جمع ما يقويان على جمعه من متاع وحمله معهما إلى بيروت، وبعد الاستفاقة من صعقة الكارثة التي غيبت وعيهما تذكرا طفلتهما التي نسياها، وحين عادا إلى حملها ’منعا من دخول قريتهما..

وهرعت أم أخرى إلى ميناء حيفا هربا من القتل علها تجد من يحملها منه إلى لبنان، وعند النجاة من رصاص اليهود انحنت على طفلتها التي تحملها بين يديها للاطمئنان عليها لتجدها قد مُسخت وسادة..

شهود وقفوا يسجلون لجيش الإنقاذ العربي زعمه تدمير المشروع الصهيوني، لقد أشرف محاربوه على القضاء على المشروع أكثر من خمس مرات، وكلما همّوا بقطع دابر المحتل تأتيهم أوامر عليا تأمرهم بعقد هدنة تفسح المجال لليهود لاستعادة أنفاسهم وتجميع قواهم وتجاوز أخطائهم ليكرّوا مرة أخرى حتى يصلوا إلى هدف وضعته بريطانيا وأمريكا وتآمر في السير في تطبيقه زعماء عرب مزوّرون..

ارتوى ثرى فلسطين بدماء زكية.’سفكت بسادية فظيعة من طرف الهاجانا في بلد الشيخ، وجماعات يهودية في قرية سعسع والخصاص.. وفي دير ياسين من الإرجون .. لم يسلم بيت الخوري ولا نصر الدين ولا الرامة.. طالت المجازر عين زيتون وأبو شوشة وصفد وحيفا ويافا وطمرة وقزازة.. امتدت الأيادي الآثمة  تسفك الدماء وتتلذذ في صرفد وقالونية وقرية سريس وبدّو ودهمش وطيرة والدوايمة وصفصاف والبعينة والأسد.. استحالت دماء المكلومين أنهارا فساحت في طول البلاد وعرضها ولم تزل. ’ضخّت وكأنها ماء طهور يجري رقراقا فتهتزّ له الأرض وتربو لتنبت من كل زوج بهيج.

بين نباتها براعم نمت على غير عادة النمو، وتفتحت في غير أوانها، نمت بجذوع أصلب من الصخر في حياة، و أصلد من الحجر في حياة، ’تسقى بقيم دخيلة فتستنبت ما ليس منها، ظلت تنمو حتى شبّت في مملكة النبات، لم تتنكر لها ماهية الأشياء لاشتباهها فيها، وما رفضت جوارها ساكنة الثرى لارتوائها منها، سعدت منخدعة بدوحة ضربت بجذورها في أعماق الحياة تبغي فروعا تلاحق السماء بتثبيت قيمها، ولكنها قيم واردة تطفئ جذوة العقل، وتوِّرم أرواح الناس، ستكون في العمق أوسع من محيط الأرض، وفي الأجواز أوسع من  مليون شجرة السيكويا، تبغي أن تظلل الأحياء والأموات في كل فلسطين، ولكن بأوراق جيناتها معتلة، ومظلة شبكية من حبكة  العنكبوت.

أزهرت فيها وردة جميلة ترتدي الأحمر والبنفسجي فقام لها ثغر الزهر يبتسم، ثم انبرى بهاء الإبداع من روعتها للشعر ينظم، نهض الكون معظما لجلال قدرها، ذهبت أسماء بعدما خلّفت وعْدا واعدا، رحلت  إيمان حِجّو إلى عالم لا يُظلم فيه الناس، يسعد فيه السعيد، ويشقي فيه الشقيّ،  شربت من دمها عناصر وعناصر، ثم وزّعتها على أشبال فلسطين فتنوَّر لها كوكب دُرِّيّ لن يُطمس أبدا.

أُسقط الشبل من بين يدي والده على صوت: "احمني يا أبي.." ورحل. رحل إلى جنة يلهو فيها مع العصافير التي أحبها، عُقد ذلك في وثوق بقلب شقيقته الصبية عندما افتقدته، راحت بنت الدرة تعاتب طفلا رأته يتسوَّر على عشّ أخيها، وتصيح به:

"أيها الطفل لماذا تتسلَّق شجرة الصفصاف؟ العشّ فوقها فارغ، لقد غادرته الفراخ، لقد كبِرت، وأنت ما تزال طفلا ".

 ساح دم شقيقها ليروي براعم تتفتح للتحرير، قطفه العدو بعد أن حفر أخاديد يخبئ فيها أسراره، ويدّخر فيها وديعته، حملت الأرحام أجنّة تنتخبها حتى لا تسقط في الدسّاسة لتظفر بالمحرر الذي لم تدر برحيله بعد إلى رحم هدى شاطئ غزة.

هدى تلكم الجميلة التي شاهدتموها مروّعة في الفضائيات وأعدتم المشاهدة؛ فلم تنصفوها. وهل ينصفها الجبان؟ هدى أدمعت مقل الأجنة في البطون، ولم تدمع ’مقلكم لقسوة قلوبكم.

هدى سلبت رجولتكم ومنحتها للصبيان.

 هدى أخرست ألسنتكم وفضحت نفاقكم.

 هدى تقول عنكم أنكم أنتم الجبناء، وحكامكم أجبن، حتى التمثيليات عدمتموها، ماتت قلوبكم، عميت بصائركم، وسقطت حججكم.

هدى تلكم التي أسقط اليهود أبويها، وسلبوا الحياة من حياتها، وكلموها في قرة عينيها.

 هدى تلكم التي على الشاطئ في غزة صرختْ، تمرَّغتْ، وبكتْ حتى رقصت لبكائها خنفسة الدفن، وانتشى لمصابها سّيد الجِعْلان.

هدى تلكم التي يترجّاها الكون عندما تَکْبر ألا تتزوّج ذرياتكم خشية أن تمنحكم شرف النّسب، لأنكم السقط، لأنكم التبن، ولأنكم الهشيم.

عندما تيقنت من تربص بني صهيون بجذور الشعب قررت دوحته السياحة بحمولتها تحت الأرض من قرى الجليل وفي كل الجهات، حملت معها عجوزا تبكي متحسرة على تراب بلدتها التي تحلم بضمها إليها وانطلاق روحها منها واطمئنانها على وديعتها فيها من رفاتها، دفعت بجذر فتي يمتص طعامه وشرابه في غفلة عن الرقيب العربي والرقيب الصهيوني حتى وصل ديارا اطمئن لها قليلا فدفع بالتربة لتفسح له حتى يتمكن من نصب جذعه في مخيم ضبية، يتسمّع لصوت مُسِنّة تناجي السماء وتقول:

"أريد أن أدفن في قربتي"، وامتد متسللا يضرب في الأرض هربا من القتل والذبح، وعندما ضاق به المقام قرر الخروج وليكن ما يكون، فوجد نفسه لحسن حظه بعيدا في مخيم نتية يقيم جذعا ثانيا على أصوات باكية وعيون دامعة، منها ما تتحسّر على فقدان عزيز قتله اليهود، ومنها ما تدعو بالثبور على المفرِّطين. وأقيم جذع ثالث استقدمه الحال البئيس لشعب عظيم، قدموا من الحولة وقرى الناصرة يجرون خيبتهم من نصرة مزعومة تراوح ألسنا دجالة وأفئدة متواطئة، تدفع بهامتها لتقف على بؤس جلبه اليهود وساندهم عليه دول ظالمة. وانطلق جذر طري يدير ظهره للكويكات وشعب حتى برج البراجنة؛ يود اللحاق بسابقيه لينصب ما نصبوه أملا في استقواء ترجوه المقاومة للتحرير، تُنبت في المخيمات ما لم تُنبته أرحام عقيمة وجينات معتلّة.

وتبعه جذور تدفع بقواها حفاظا على بقاء الخلف، ثم نهضت منتصبة تتنفس الهواء الحارق، وتشرب الماء المستفز في مار الياس وشاتيلا وعين الحلوة والميَّة وميَّة ولا توهم نفسها بالقدرة على النسيان، أو تدفع بعقلها للتفكير في التعويض بديلا..

وما بين دورات الحراسة مخافة الاختلاط والميوعة انتصب روح صبي يقضي وهو يحاور صبيا لم يزل يقيض على الحجارة ويرمي بها طارد أبيه ومهجِّره الذي فصله عن عائلته ويقول له: "لم أفلح في خلفة المحرر لأني قضيت صبيا مثلك، فإذا كبرت فعجّل بخلافته". فرد عليه:

_ المحرٍّر والمخلِّص يمشي بيننا دون أن نتبيّنه.

_ ومن يكون؟

_ إنه الفكر التحرري الحامل لحق العودة والداعي لثقافة عدم التفريط .

_ صحيح ثقافتنا لم تستبدل إلا لدى سماسرة قضيتنا المتاجرين فيها فهم الذين يكذبون على الناس في شأن عودة اللاعودة.

_ كيف عودة اللاعودة؟

_ لقد باعوا قضيتنا ولم يعد يهمهم عودتنا إلى قرانا، إلى دورنا، إلى بلداننا التي ’هجِّرنا منها عنوة.

أرادوا للمهجَّرين أن يتم توطينهم في لبنان وسوريا وغيرهما، يتهالك على التمرير كل نصّاب يعتاش على الإفك ويسمن بالقضية الفلسطينية، يقتلون الصبيان والشيوخ والنساء ويمشون في جنازتهم، تراهم رُكّعا سُجّدا على أبواب رايس وبوش وبلير وألمرت..

انتفض جذر أبيّ من تحت الثرى فدفع بجذعه إلى الضوء فقام على ناصية سامقة يطلق أغصانه وينشر أوراقه وظلها يتمدد ويتمدد محاكاة لشجر الجنة، نُشرت وكأنها أجنحة منشورة في الفضاء الواسع تظلل محررين أشبالا وتدفع بهم نحو المقاومة حتى لا يتلبد إحساس الناس، وحتى ييئس كل متاجر في تركيع الشعب الفلسطيني لليهود ولحلفائهم في انتظار الأسد. يكاد يثبت جذعه في التربة لبعث الدوحة العظيمة لولا الخوف والحذر.. تصدر أصوات لا تبهم وترسَل تحت الأرض وهي تقول:  "الدجل في الوعد بالعودة شبعناه، وإلقاء الخطب الرنانة مللناه حتى ما عادت قلوبنا وعقولنا تسع غير التوعّد، فتعْسا لكم، لن نحتفل بعرس العودة إلا بإقامة الجذع مرة أخرى تحت رماح المقاومة، نثبته حتى ينشر أغصانه وأوراقه، ثم نعود إلى ديارنا وقرانا، لنعود إلى  فلسطيننا الحبيبة".

ـــــــــــــــــــ

الطاووس الأبيض

نادية شقراء فاتنة. تقيم عند قَدم تاريخ مُشط فيه الناس بالحديد، وسُحقت عظامهم بآلات..

تارة تمسي جنوبية، وأخرى تصبح شمالية.

تقيم بمدينة شهيرة بإحراق عشرات الآلاف من الكتب الأندلسية بإذن من الكنيسة وإشرافها، مدينة شهدت في باب الرملة حرق جثتين لرجلين حيّيْن بتهمة استقبالهما القبلة واغتسالهما.

حُرِّقا بالنار حيَّيْن في احتفال ديني شهده الرهبان سنة ألف وخمسمائة وتسعة وعشرين للميلاد، بمدينة لقي فيها مصيره كل من رفض حظر الختان والاغتسال والاستحمام..

بمدينة تطأ نادية مستحثاتها ولا تدري ما تدوسه قدماها.

يُضْرِب فيها الزمهرير حينا، ويضرب فيها القيظ حينا آخر، تأتي من ريح الصحراء أنسام عليلة تمجِّد عبق ريح البعير والنوق..

تُجرّ جرّا لجرّ ما تعْلق فيه من لحم ودم وثوب.. يقصدها الزائر ليستبدل ريحها الزكي، ترفض التحول ولا تستجيب إلا مكرهة وتحت أنين الجلد والسياط، ترفض مزجها بروائح الجعة والويسكي والكونياك..

يثور الشوق إلى شهوة تديرها ببراعة أم القوّادين، يتحرك بعناوين يخبئ منها ثنتان ويظهر الثالث، ليس هو بصدد القوادة الثقافية ولا القوادة السياسية، يتحرك تحت ظل القوادة العهرية، يتحرك ويمخر العباب المتأوه فوق بحر تحته أسماك ودلافين تدعو عليه بالثبور، تتبعه لعناتها حتى يستقر به مركبه عند مدينة ماربياMarbella. يرسو في مينائها المسلوخ بالرقابة، والمقتول بها قتلا.

شواطئ لطالما شهدت إنزالا لجنوبيين كوكْتيليين عِرْقا وفكرا ونَسَبا، قدموا من إفريقيا وآسيا يحملون كتابا دوّخوا به دنيا الشمال إلى حين صيرورتهم موريسْكيّين؛ وحرق غيرهم وذبحهم ورميهم في البحر..

ويتحرك المقدام بناصية يسعفها شياطين بحجم وعدد طول خلايا دمه. يتحرك راجلا حركة عشرة من الحيوانات المنوية.

يحمل بطنا يحتاج إلى ذنَب يحفظ عليه توازنه، يسير كالحامل ببطن ممتلئة كحولا وغازا طاردا للحشرات، ترافقه جحافل من القوادين الذين لا يعرفون غير المتاجرة في الدعارة حتى لكأنهم بقية باقية من نُصَيْرِيّين شاميين عُرفوا في التاريخ بعبدة الفرج.

وتهتز نادية وقد كانت غارقة في ضحك مع شبّان مغاربة في مقهى ليسْ بُوا، تهتز لاهتزاز جوّالها فتتناوله قائلة: 

((ألو، آلو..)).

ـ من معي؟

ـ أنا نادية.

ـ لقد حضر طاووسك الأبيض.

تفلّتت من مجلسها كما تتفلّت السمكة من أخمص قدم المَمْدري الأول حين يزيل الصنارة عن السمكة العالقة فتسقط عند رجليه، يحمل قدمين وصفهما أحمد البوهالي عند إصابتهما بعين ساخرة أنهما شبيهتين بقدم الديك، هكذا وصفه، بأخمص قدميه فراغ لافت لا تثبت تحته سمكة صغيرة عند وطئها مخافة سقوطها في البحر، تشكلتا خارج الرحم بكثرة الإصابات في لعبة كرة القدم  بوادي اليهود. نسيت نادية مجلسها لحرارة النبأ. أخذت حماما ساخنا، ثم استقلت سيارتها وكأنها جَمْبَري قد سقط من فتحة في سطح ظهره حبات رمل؛ ولم تنتبه إلا وهي تستأذن في الدخول على ولي نعمتها. رشقها بنظرة تتذكّرها، فرشقته بأخرى يذوب لها، يثمِّن فيها حسن سلوكها، ويقدِّر براعتها في إثارة مكامن شهوته، يختصها بابتسامة قلّما اختص بها غيرها فتكون خاتم الرضا و...

تستأثر بفراشه فتبرع في تحفيز شهوته بلسعة تحيله إلى ضحية أثنى الزنبور المثقلة بالبيض، يستسلم لها منتشيا سعيدا.

وفي الغد تغادر وفي جعبتها أربعون ألف يورو euro.

عن ليلة واحدة تقبض ما تقبض، فكيف لو تلتها ليال تلو ليال؟ 

تأمل ذلك.

في سنة واحدة تتعدى لياليها الحمراء ثلاث ليال إن أقبل طاووسها للاستجمام.

ترضى بليلة واحدة من طاووسها الذي يبحث عن شهوة مزدوجة.

تتمنى لو يُبدَّل لها جنسها، أو تصير كديدان الأرض والحلزون فتقضيها له، ترضى عن ذلك وبذلك ، ولكنها باتت تعيسة.

أضحت تتعس في تَعْسها لغياب طاووسها الأبدي ولم تزل.

المرأة التي باضت

طفقتُ أسعى راكبا انفعالي، منقادا إلى فضولي، متربِّعا فوق بساطي أسير فيه متربِّصا بالعلم والمعرفة، حذراً من السطحية والغباوة.

 بينما أنا متلبس بالجدّية أجاهد في العثور على المرأة التي باضت؛ وجدتني على سطح علميّ شفّاف لبحر المعرفة، غطست فيه أسبح بأطراف مدركة غير مرئية حتى مسافة ألفين وستة في عمق البحر، عندها ألفيتني عند بنت طاهرة  قد أنجبت من بيضة غير ملقَّحة، حضن رحمها بيضتها ونمت فيه واكتمل خلقها فكان معجزة.

قلت : عجبا كيف يخرج جنين من بيضة غير ملقَّحة؟

تركتها لابنها وجبت القيعان دون حصيلة. سبحت إلى الشواطئ لأجدها حاضنات البيوض، بها بيوض غير ملقَّحة لا تنبت جنينا؛ تستحيل طعاما ميتا لكائنات حية، وأخرى لم تتجاوزها نطف ذكور السمك فتنسل وهي مخصَّبة.

اعتليتُ البحر إلى اليابسة أبحث عن شبه للطفل المعجزة، حفرت في التربة أبحث عن ساكنيها فإذا بي أقف على كائنات تحمل في جسمها الذكورة والأنوثة، بها مصانع للبيوض، وأخرى للماء المخصِّب،  تتبعت طريقة تزاوجها فوقفت متعجبا، ليس لأن بيوضها تعطي نسلا من دون تلقيح، لا، فهذا ليس لها رغم وجود جنسين اثنين فيها، بل في تبادل الصفات الوراثية وطريقة ذلك، فماء هذا وهذه يمنح لذاك ولتلك وكلاهما ذكر وأنثى، عجبا وأيّ عجب، تُخصَّب البيوض من الخارج وهي تملك ما تخصِّب به بيوضها؛ ولكنها لا تفعل، فهل أسألها بمعيتكم: لماذا؟

 تُلقِّح بيوض غيرها ويلقِّح بيوضها غيرها حتى لا تنقرض. فالسامريون اليوم بفلسطين كادوا ينقرضون لولا رجل دين ظهر فيهم يبيح لهم التزاوج من غيرهم. يأتي نسل جديد حاملا صفات من غيره وذلك ديدن الكائنات الحية عند اقتعادها على الجادة الصحيحة في منأى عن الاستنساخ .

ارتفعتُ في الفضاء بسرعة الشمس، ثم حملت على العودة إلى الأرض حملا  وبأسرع منهما، وأنا أهوي أتأمّل رقما يباعد بين سرعتهما في حدود ثلاث كيلومترات في الثانية الواحدة؛ ومن الأرض إلى القمر بحروفه وهْو نكرة، لم أتوقَّف عن مهواي المخالف لمهوى البطوطي إلا على إثر طنين لافت، وقفتني عند  حفل زواج فضائيّ ساحر، حشرات كريمات تتراقص منتشية وتطنّ وتطنّ وهْي مبتهجة، تتبعتها على الأرض أنتخب من بينها عروسا مميزة، عروسا ذات منصب وجمال، ملكة شابة تقف على عتبة الإنجاب وتخشى من أيّ صبغيّ معتلّ؛ خرجتْ من خدرها وسط إعجاب طافح، تتقدم في مهرجان آسر، منظر بهيج ومعجبات تكاد تجنّ، انطلقتْ إلى الفضاء متعامدة وانطلق على إثرها كل الذكور، بقي الإناث ينتظرن عودتها وهنّ متراصات لا شغل لهنّ إلا الانتشاء بحلم مطلع سلطانتهنّ، طارت واعتلت وظلت تعلو، وكلما اقترب منها ذكر كلما ازدادت ارتفاعا في الجو، يتساقط الضعاف، تتكسر أجنحتهم وتخور قواهم فيهوون مستسلمين لحتفهم، ويبقى المقدام متمثلا شعر شوقي يغني في سعادة، يستميت لنيل حظوة عند العروس، هلكوا جميعا وثبت الجسور وبقي وحده، وحين َعلم بانفراده سُرَّ، ولكن الملكة علت تريد منه أن يرتفع أكثر، عندها استسلم لليأس مُبْقيا على قوى نحيفة لرحلة العودة، أو للإخصاب، فتنبهت له، ثم هوت إليه تحتضنه، حملته فوق ظهرها لأخذ قسط من الراحة، ثم تزوجته؛ والكون من حولهما يغني لأم كلثوم :

وما استعصى على قوم منال  ........   إذا الإقدام كان لهم ركابا

رجعتْ إلى خليتها والزغاريد تعلو مقدمها، والأعناق مشرئبّة ترقب مطلعها؛ وهي حامل، وهنّ فرحات مبتهجات، تتبعتها لأجدها بعد نضج حملها تضع بيوضا في حدود مائتين وخمسين ألفا، تضعها عاهلة مملكة، وملكة خلية وهي ملقَّحة وغير ملقَّحة، ظننت أن ما لم يلقَّح؛ وهْو قليل سيستحيل طعاما لها، أو لغيرها، تأتي الشغالات بستة عشر زوجا من الكروموسومات من البيوض الملقَّحة، ولا يأتي منها ذكر واحد ذو الستة عشر فردا، فقلت: عجبا، قبل مديدة كانت الذكور تتسابق لتلقيح الملكة فانتخب منها واحد، تُلقَّح الملكة في الفضاء فينحسر نسلها في الإناث، ولكن أين الذكور؟ ثم انفقس عن بيوض غير ملقَّحة؛ حشرات كلها ذكور، فقلت: ليس العجب في صفة الذكورة من البيض، ولكن العجب في تفقيسه من بيوض غير ملقحة، وتذكرت أخت هارون .

انشغلتُ قليلا عن المرأة التي باضت فاستأنفت سيري أبحث عنها. ولَّيْتُ وجهي شطر المشرق لعلمي بنية  دجاجة سوداء على المبيض فيه، علمت بحملها جنينا لا يتنفس من مسام بيضتها، تصر على حياته رغم عدم دخول غاز الحياة إلى بيضته، جنينا يكبر في أحشائها بصبغيّ معتلّ لن يسعه مخرجها عند الوضع، وطئت قدماها مطايا كتلك التي كان يستعملها الملك عبد الحفيظ لاعتلاء عربة أو حصان في شمس المغرب، لقيت دايات غليظة، كل داية منها مدموغة وراثيا تحتفي بالحامل ..

اختارت للوضع مصر والسعودية والأردن، ولكن ما استقر عليه قرارها كان لبنان، تنوي جعله بوابة لجنين سمته:

((شرق أوسط جديد)).

هيئت له كل مظاهر الحفاوة وقدَّمت البشرى، صنعت له أجواء كما لو كان ملكا تنتظر طلعته جماهير غفيرة، وحين وصلت لبنان أبت رجلاها أن تخطوان إلا يمنة ويسرة، وفي إصرارهما على ذلك صنعتا فلجا كبيرا في الأسفل موصولا بالأعلى، تباعدتا حتى ما عادت تقوى الحامل على المسير؛ ففتحت رجليها تظن أن أوان الوضع قد حان، تنتظره على أحر من جوف المعدة ، ولكنها ظلت تبيض معتصرة حتى طُوي الأجل وطال عليها الأمد، فظلت بيضتها عالقة في مبيضها لم تنزل، وأضحت هي في مكانها تنوء بجنينها وهو ممسوخ لا حياة فيه، فقلت: ها هي ذي المرأة التي قالوا عنها أنها قد  باضت، ولكنها لم تبض، فقلت أخيرا:

الله سلَّم إذ لم تبضْ .

ـــــــــــــــــ

طنجة في :

16 أكتوبر 2006

ـــــــــــــــــــــــــــ

غزّة والرئيس الوقح

هاجت الدنيا وماجت حين وُقِّعت معاهدة كامبد ديفيد المشؤومة، رفضها شعب مصر والعرب والمسلمون وأحرار العالم، وقّع عليها حاكمها في تحدٍّ لإرادة الجميع، ستظل معاهدة شخصية لا تمثيل فيها إلا لأبطال محرقة غزة الثانية من حفدة قتلة الأنبياء، وأبطال العامرية وغوانتانامو وسجن أبو غريب من رعاة البقر.   

سلك الرئيس المؤمن مسلك إبليس وهو يظنه مسلك مَلَك، تململت الأرض تحت قدميه ومادت به، ولكنه حسبها متحرِّكة لثمالته.

نشط المثقفون والسياسيون المنتفعون يطبِّلون لها ويزمِّرون، تنتفخ أوداجهم للنفخ في الأبواق حتى تنفلت من مؤخراتهم غازات قذرة، وتخرج لنفخهم من عيونهم سوائل وضِرة، يشفق عليهم أطباء فيضعون على إستهم صمّامات كتب عليها: ماركة مسجلة، لم يسلم من الوضاعة والوقاحة علماء كالبيصار، وأدباء كصاحب أولاد حارتنا...

بعد المعاهدة نشطت الصحافة بمقالات، وامتلأت الساحة بحركات، غلت بمحاضرات وندوات. بعض المسئولين الأمريكيين ساهموا في تنشيطها، ومما يعجب له أنها كانت في موضوع خلافة الرئيس المؤمن؛ والرئيس المؤمن لا يزال يدخّن غليونه ويشرب نخبه.

لقد ارتبك الرجل المُسْتَفْرَغ، ولكنه لم يفق من غروره ليقف على ما يُدبّر له، ظن المسكين أنه محميّ بأمريكا وإسرائيل لما قدمه لهما من إنجاز لم يحلما به قطّ...

في خضمّ ذلك كان الإسلامبولي ينشط تحت مجهر لم يكن يعي عليه، مثله كمثل الطائر الحائم في السماء ينتظر صعود الغطاس بسمكة بين منقاريه ليسرقها منه، لم يبادروا إلى إيقافه، أو يعملوا على إفشال مخططه لحاجة في نفس رئيس البيت الأسود...

وكان في الجيش طيّار طموح لا يختلف عن الملك فاروق في استعداده لاستبدال دينه مقابل منصب سام يسعى إليه جاهدا، دفعه غروره وحفّزه طمعه فسافر إلى واشنطن على مرأى ومسمع من رئيسه الذي يظنه صديقه، لم يعترض على سفره، أو يعمل على منعه، كذلك ظن الأغبياء المُسْتَحْلَبين.

دخل وكْر المؤامرات على الشعوب يبغي مقابلة الرئيس، لم يكن على موعد معه، ولم يكن للرئيس وقت فراغ لمقابلة الدّونِيّين، كما ليست تلك من بروتوكولات البيت الأسود، حبسه البواب وطالبه بالانتظار ريثما يعود من مكتب رئيسه.

ولما عاد ألقى إليه قائلا: (( لم يقبل رئيسي بمقابلتك، فغادر غير مطرود)).

ـ ولكنني أريده في شأن هام.

ـ وما هو؟

ـ دعك مما أحمل، فليس هو لك.

انتفخ المسكين على البواب فظنه شبيها بالجندي العربي أو المصري الذي تحت إمرته، يقهره ويسبه ويضربه إن شاء ولا حسيب ولا رقيب إلا أن يتصرف الجندي من تلقاء نفسه فيقوم بعمل جنوني انتقاما لشرفه؛ وكم فيهم ذوي شرف ونخوة وعزّ وإباء، حدث مثله في الصحراء الغربية حين فتح جندي النار على جنراله وهو يأخذ حماما باردا والجنود يشتكون العطش وقلة النظافة، نادى على الجنرال وهو تحت رشاش في يوم حار: ((سيدي الجنرال.. سيدي الجنرال)) ولما التفت إليه أطلق عليه النار ليرسم لوحة يغلب عليها لون المجازر اليهودية في غزة الصامدة.

غضب البوّاب على الطيّار لقلة حيائه، ولكنه لم يطرده، فربما حمل في جعبته ما ينفع دولته، فنهره قائـلا: ((لا تتحرك من مكانك حتى أعود إليك)).

وعاد إليه يقول: ((يرفض رئيسي مقابلتك، ويطلب منك عرض ما جئت به علي، فقلْ وعجِّل إن كان لديك ما تقول)).

انكمش الطيار كما لو كان بالونا انفجر بعد انتفاخه، وتذلّل كلصّ ضُبط متلبِّسا، خفت صوته وانثنى ظهره ولان لسانه وتأنقت كلماته فقال في خجل وهو منكّس الرأس متورِّم الذهن: ((أريد خلافة الرئيس المؤمن)).

لم يرض الرئيس أن يخلف عميله البالي عميل رخيص، فبادر موظف البيت الأسود قائلا: ((عد إليه وطالبه بالعودة إلى بلده واللقاء بالرجل الذي سيخلف عميلنا، وليتفاهم معه)).

رجع الطيار إلى بلده قاصدا المرضيّ عنه الذي اختير لخلافة الرئيس المؤمن، ثم اجتمع إليه وتناقشا؛ فاختلفا، الجنرال يريد رئاسة الدولة لنفسه والاحتفاظ بقيادة الجيش ومعه دعم أجنبي وتأييد داخلي، والطيار حريص على الأبهة والحكم ولا من يسنده، ولكن لم يعرف عن الجنرال أنه طموح، أو شغوف بالسلطة، لم ييأس الطيار فقابله مرة ثانية، ثم قابله حتى حمله على القبول بمنصب واحد هو وزارة الدفاع؛ وكان ذلك بتنسيق مع رئيس البيت الأسود مخافة أن ينقلب الطيار ويتحول عن عمالة أمريكا، لأنه لم يكن في قائمة العملاء المصطفين.

وُعد الطيار برئاسة الدولة، وبعد فترة وقد عُلم إخلاصه للأجنبي وعداؤه لشعبه وأمته؛ اغتيل الرئيس المؤمن، فتولى هو منصبه دون وزارة الدفاع، ثم سُلِّم له الجيش كله، وغادر الجنرال لتولي سفير مصر في أمريكا، ثم تخلى حتى عن السفارة، فاستأثر الطيار بمصر كلها وسام شعبها وشعب غزة سوء العذاب، ولم يزل.  

ــــــــــــــــ

طنجة في:

11 يناير 2009

ــــــــــــــــــ

بيانات عن صاحب الكتاب

 

محمد محمد البقاش أديب باحث وصحافي من مواليد طنجة سنة 1954.

عمل مدير ورئيس تحرير مجلة (الجيرة) التي كانت تصدر في طنجة، وتوقفت بسبب انشغالاتها في طباعة الكتب الثقافية التي تخرجها على شكل سلسلة.

عمل رئيسا للقسم الثقافي بمجلة (المهاجر)، و جريدة (صوت المهاجر)  اللتين كانتا  تصدران في غرناطة بإسبانيا.

أستاذا محاضرا في المؤسسات الثقافية بطنجة آخرها محاضرة خاصة للأساتذة الإسبان الذين يقدمون من شتى المدن الإسبانية يتطوعون في جمعية الأمل المغربية لتعليم اللغة الإسبانية.. كانت المحاضرة عن الهجرة السرية في المعهد الاجتماعي  ASIMA بتاريخ: 13 غشت سنة 2008م بطنجة بمناسبة صدور كتابه الهجرة السرية (مجموعة قصصية) مترجما إلى اللغة الإسبانية في نفس السنة.

حاضر في المؤسسات الثقافية بغرناطة في المعهد الأوروعربي، والكليات آخرها محاضرة عن الإرهاب في كلية العلوم السياسية بغرناطة  بتاريخ: 14 / 12 / 2001 .

ومعدا ومقدما لبرنامج: دنيا المرأة، وبرنامج: أدبيات بإذاعة مدي أنطر ببروكسيل سنة 1987 1988.

وأستاذا بالمدرسة العربية ببر وكسيل  سنة 1987 1988 .

ومعلقا سياسيا بإذاعة ميدي 1 ببر وكسيل سنة 1987 1988.

فاز بجائزة أحسن رسالة صحفية بجريدة الشرق الأوسط سنة 1988 .

فاز بجائزة المربد للقصة القصيرة سنة 2006.

فاز بجائزة ناجي نعمان للإبداع سنة 2007.

نشرت له أعمال بكل من جريدة الشرق الأوسط، والسياسة، والحياة الجديدة، وحق العودة، ومجلة الناقد، والمهاجر، والوعي، ومعظم الصحف المحلية والجهوية الصادرة في طنجة كجريدة الشمال وصحافة اليوم وصباح اليوم وأبعاد متوسطية وجريدة طنجة...

ـ يعمل حاليا مدير سلسلة الكتب الثقافية لمنشورات مجلة الجيرة.

ـ يعمل رئيس جمعية الجيرة للتفاعل الثقافي,

ــ الناطق الرسمي لجمعية سوق الدرادلب للتنمية.

ــ الناطق الرسمي لجمعية الغد للتنمية.

 

 التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


  المشاركة السابقة : المشاركة التالية

إضافة تعليق سريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *
 
TO  cool  dry 
عربي  mad  ohmy 
huh  sad  smile 
wub 

طول النص يجب ان يكون
أقل من : 30000 حرف
إختبار الطول
تبقى لك :



 

   ابحث في الموقع


 

   اصدارات الجيرة


 

   مرئيات

دعوة إلى الانتقال إلى قناة الإشراق الفكريwww.youtube.com/@MohammedBakkach
https://youtu.be/upfd4wHdEoo
أيهم أولى بالتعديل مدونة الأسرة؟ أم مدونة المجتمع؟ أم مدونة الدولة؟

 

   تسجيل الدخول


المستخدم
كلمة المرور

إرسال البيانات؟
تفعيل الاشتراك

 
 

الأولى . أخبار متنوعة . قسم خاص بالأدب المَمْدَري . القسم الإسباني . الكتابات الاستشرافية في السياسة والفكر والأدب . ثقافة وفنون
كتب وإصدارات . تحاليل سياسية . تعاليق سياسية . بريد القراء . سجل الزوار . من نحن . اتصل بنا

المواضيع والتعليقات المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي الموقع، و إنما تمثل وجهة نظر كاتبيها. ولن يتحمل الموقع أي تبعة قانونية أو أخلاقية جرّاء نشرها.

جميع الحقوق محفوظة © 2009 - 2010 طنجة الجزيرة

تصميم وتطوير شبكة طنجة

ArAb PoRtAl