حقيقة الوطنية و القومية
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
تنشأ بين الناس كلما انحط الفكر رابطة الوطن، وذلك بحكم عيشهم في أرض واحدة والتصاقهم بها، فتأخذهم غريزة البقاء بالدفاع عن النفس، وتحملهم على الدفاع عن البلد الذي يعيشون فيه، والأرض التي يعيشون عليها، ومن هنا تأتي الرابطة الوطنية، وهي أقل الروابط قوة وأكثرها انخفاضا، وهي موجودة في الحيوان والطير كما هي موجودة في الإنسان، وتأخذ دائما المظهر العاطفي. وهي تلزم في حالة اعتداء أجنبي على الوطن بمهاجمته أو الاستيلاء عليه، ولا شأن لها في حالة سلامة الوطن من الاعتداء وإذا رد الأجنبي عن الوطن أو أخرج منه انتهى عملها، ولذلك كانت رابطة منخفضة.
وحين يكون الفكر ضيقا تنشأ بين الناس رابطة القومية، وهي الرابطة العائلية ولكن بشكل أوسع، وذلك أن الإنسان تتأصل فيه غريزة البقاء فيوجد عنده حب السيادة، وهي في الإنسان المنخفض فكريا فردية، وإذا نما وعيه يتسع حب السيادة لديه، فيرى سيادة عائلته وأسرته، ثم يتسع باتساع الأفق ونمو الإدراك فيرى سيادة قومه في وطنه أولا ثم يرى عند تتحقق سيادة قومه في وطنه سيادتهم على غيرهم، ولذلك تنشأ عن هذه الناحية مخاصمات محلية بين الأفراد في الأسرة على سيادتها، حتى إذا استقرت السيادة في هذه الأسرة لأحدها بانتصاره على غيره انتقلت إلى مخاصمات بين هذه الأسرة وبين غيرها من الأسر على السيادة، حتى تستقر السيادة على القوم لأسرة أو لمجموعة من الناس من أسر مختلفة، ثم تنشأ المخاصمات بين هؤلاء القوم وغيرهم على السيادة والارتفاع في معترك الحياة. ولذلك تغلب العصبية على أصحاب هذه الرابطة، ويغلب عليهم الهوى ونصرة بعضهم على غيرهم. ولذلك كانت رابطة غير إنسانية، وتظل هذه الرابطة عرضة للمخاصمات الداخلية إن لم تشغل عنها بالمخاصمات الخارجية.
وعلى ذلك فالرابطة الوطنية رابطة فاسدة لثلاثة أسباب : أولا-لأنها رابطة منخفضة لا تنفع لأن تربط الإنسان بالإنسان حين يسير في طريق النهوض. وثانيا-لأنها رابطة عاطفية تنشأ عن غريزة البقاء بالدفاع عن النفس والرابطة العاطفية عرضة للتغيير والتبديل، فلا تصلح للربط الدائم بين الإنسان والإنسان. وثالثا-لأنها رابطة مؤقتة توجد في حالة الدفاع، أما في حالة الاستقرار -وهي الحالة الأصلية للإنسان- فلا وجود لها ولذلك لا تصلح لأن تكون رابطة بين بني الإنسان.
وكذلك الرابطة القومية فاسدة لثلاثة أسباب : أولا-لأنها رابطة قبلية ولا تصلح لأن تربط الإنسان بالإنسان حين يسير في طريق النهوض. وثانيا-لأنها رابطة عاطفية تنشأ عن غريزة البقاء، فيوجد منها حب السيادة. وثالثا-لأنها رابطة غير إنسانية، إذ تسبب الخصومات بين الناس على السيادة. ولذلك لا تصلح لأن تكون رابطة بين بني الإنسان.
ومن الروابط الفاسدة التي قد يتوهم وجودها رابطة بين الناس الرابطة المصلحية، والرابطة الروحية التي ليس لها نظام ينبثق عنها. أما الرابطة المصلحية فهي رابطة مؤقتة ولا تصلح لأن تربط بني الإنسان، لأنها عرضة للمساومة على مصالح أكبر منها، فتفقد وجودها في حالة ترجيح المصلحة. ولأنها إذا تباينت المصلحة تنتهي، وتفصل الناس عن بعضهم ولأنها تنتهي حين تتم هذه المصالح ولذلك كانت رابطة خطرة على أهلها.
وأما الرابطة الروحية بلا نظام ينبثق عنها، فإنها تظهر في حالة التدين، ولا تظهر في معترك الحياة. ولذلك كانت رابطة جزئية غير عملية، ولا تصلح لأن تكون رابطة بين الناس في شؤون الحياة ومن هنا لم تصلح العقيدة النصرانية لأن تكون رابطة بين الشعوب الأوروبية مع أنها كلها تعتنقها، لأنها رابطة روحية لا نظام لها.
ولذلك لا تصلح جميع الروابط السابقة لأن تربط الإنسان بالإنسان في الحياة حين يسير في طريق النهوض. والرابطة الصحيحة لربط بني الإنسان في الحياة هي رابطة العقيدة العقلية التي ينبثق عنها نظام. وهذه هي الرابطة المبدئية.
ــــــــــــــــــــــــــ
أحمد العطاري