الرئيسية » أخبار وطنية ودولية


الاستعطاء المشين و(السعاية) المقيتة

الثلاثاء 13-11-2018 04:46 مساء


الاستعطاء المشين و(السعاية) المقيتة

 

لقد انتشرت على القنوات الفضائية برامج الاستعطاء والاستجداء، وجميع تلك البرامج مبثوثة في البلاد العربية وموجهة إلى المحسنين المسلمين خاصة من أجل علاج مريض أو شراء كرسي متحرك لمُقْعد أو دفع مصاريف لعمليات جراحية وغيرها، ومما يزيد الأمر غيظا نشر صور للمرضى والمحتاجين وصور أطفالهم ونسائهم ولا أحد يستنكر هذه الظاهرة على حد علمي.

ولقد شاهدت برنامجا على قناة الرحمة يصور مأساة رجل محتاج إلى كرسي متحرك ومعه في التصوير زوجه وأبناؤه، وحين وجه الميكروفون إلى زوج الرجل شرعت تبكي ومن الطبيعي أن يبكي لبكائها أبناؤها خصوصا الأطفال وقد كانت في رفقة أطفال تم تحويل الميكروفون إليهم وهم يبكون ونحن لرزئهم نبكي أيضا.

وفي القناة الأولى المغربية شاهدت أيضا برامج للاستعطاء خصوصا البرنامج الذي أتى بقصة طفلة من خميس أنجرة (اسم المنطقة الحقيقي المنجرة وهي نسبة إلى مكان النجارة الذي يعود إلى الفاتحين الأولين الذي صنعوا فيها سفنا عبروا بها إلى الأندلس) تحتاج إلى عدة عمليات جراحية لأن معدتها لا تكاد تستقبل طعاما إلا لفظته، وساقوا أيضا رجلا اشتعلت فيه النيران جراء انفجار قنينة غاز بين يديه وتطاير غطائها ليكسر المصباح فتشتعل النيران فيه وفي أحب الناس إليه..

هذان مثالان على الاستجداء والاستعطاء و(السعاية)، هذان مثالان على قلة الحياء من طرف تلك القنوات الفضائية.

ألا يستحي أولئك المستعطون باسم أصحاب المعاناة وكأن المعانون بشر ليس كباقي البشر لا حق لهم في التطبيب؟

ألا يستحي أولئك باسم أصحاب المعاناة وكأن المعانون لا كرامة لهم ولا حق لهم في الطعام والشراب والسكن؟

ألا يستحي أولئك باسم أصحاب المعاناة وكأن المعانون دونيون ولا حق لهم في التعليم؟

إن ما يظهر على القنوات الفضائية شيءٌ يسيرٌ مما تعاني منه أمتنا، والخلل الكبير يوجد في الظلم الذي نمارسه جميعا، فكيف لا نكو ن ظالمين ونحن نشاهد تلك القنوات ولا نستنكر؟ كيف لا نكون ظالمين ونحن نجهل كيفية معالجة تلك المعاناة وقد علَّمنا كيف نعالجها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من ترك مالًا فَلِوَرَثَتِه، ومن ترك كَلاًّ فَعَلَيْنا)) فمن يكون الكَلّ؟ أليس الكَلُّ هو العاجز؟ أليس العاجر عن إيجاد علاج لمرضه كَلّ؟ أليس من لا يقدر على الإنفاق على عياله وعلى نفسه كَلّ؟ أليس من لا يقدر على تعليم أبنائه كَلّ؟ أليس من يعمل عملا لا يكفيه لسد حاجياته الأساسية كَلّ؟

الكَلُّ هو العاجر، والنبي صلى الله عليه وسلم جاء بلفظ عربي دلالته عدم القدرة على تجاوز المصاب والمعاناة فقال إن ذلك عليه، وكيف يكون ذلك عليه صلى الله عليه وسلم؟ يكون ذلك عليه بصفته قائدا للمسلمين وحاكما لهم ورئيسا لدولتهم، فهو بهذه الصفات جعل المسؤولية عن تجاوز معاناة الكَلّ عليه، أي على الدولة الإسلامية، وهذا من ضمن المعالجات الأساسية في النظام الاقتصادي الإسلامي، فكيف لا نسمع من علماء الاستنكار وهم أدرى الناس بهذه التعاليم النبوية؟ ألم يضع الإسلام نظاما للاقتصاد؟ بلى، ألم يضع الإسلام نظاما للتعليم وجعل الإشراف عليه ومجانتيه على عاتق الدولة؟ بلى، ألم يضع نظاما للصحة وجعل الإنفاق عليه على عاتق الدولة ومجانتيه للجميع بما فيهم غير المسلمين من الذين يحملون التابعية للدولة الإسلامية؟

إن بناء المساجد عمل الدولة ولا يمانع الإسلام من بنائها من طرف الأفراد والجماعات، ولكنه في مجال التعليم لا يسمح للتعليم الخاص بأن يوجد لأن التعليم مسؤولية الدولة فهي التي تشرف عليه وتضع له برامج تحافظ فيها على خصوصيات الأمة وتجعل الإنفاق عليها، ولا تسمح للجمعيات أو الأفراد أن تستعطي باسم أصحاب المعاناة لأنها هي التي تسرع في المساعدة على تجاوز المحن والمعاناة لأن ذلك مسؤوليتها، وإذا وجد من يرغب في الإنفاق على التعليم والصحة وغيرهما سواء ببناء المدارس والمستشفيات أو دور العبادات فإنها لا تمانع في ذلك ولكنها تمنع أن يشرف على التعليم أحد إلا بتعيينها هي له وتفرض المجانية في كل ذلك فلا تسمح للتعليم أن يتاجر به أحد وكذلك الصحة، والمساجد لا تسمح أن تكون تابعة لجهة معينة أو مذهب معين..

إن على المتأسفين ألا يكونوا ظالمين فيضعوا الأمور في غير محلها، فوضع الشيء في غير محله هو الظلم عينه، والمعاناة التي نشاهد مسؤوليةُ تجاوُزها على عاتق الدولة وليس على عاتق المحسنين، فلم لا يتم إرجاع المسؤولية إلى أصحابها وهي الدولة؟ لم لا يطالبون بإيجاد تلك الدولة التي تفرض مجانية التعليم والتطبيب وسد حاجيات جميع المحتاجين بدون استثناء؟ لم تتخفى الدولة خلف الجمعيات والأفراد والأنشطة التي تُغَيِّب على الناس بشكل تضليلي مسؤولية الدولة؟ كيف لا نعي على هذا؟

إن الأمر لا ينسحب على الدولة المغربية فحسب بل يتعداها إلى سائر الدول في البلاد العربية والبلاد الإسلامية، فالمسلمون لهم خصوصيات خاصة تابعة لعقيدتهم وثقافتهم وحضارتهم، وهم يحيون ويعيشون في هذه الدول، ومن يشر ف على حكمهم "مسلمون"، والخلل الكبير يكمن في التَّقَرْدُن، يكمن في عدم تحكيم شرع الله، يكمن في اتباع نمط الغرب في عيشه وتبادل علاقاته، ونمط العيش الغربي نمط يمجّه العقل السليم الذي بات مشبعا بتعاليم السماء لأنها أولى بالتجسيد في واقع الحياة من غيرها لاستنادها على مشرِّع يعرف حاجة الإنسان لأنه هو الذي غرزها فيه، ولا يخطئ في معالجاته للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتعليمية وغير ذلك؛ وهو الله عزّ وجلّ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد محمد البقاش

طنجة في: 13 نونبر 2018م   

 

 

 التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


  المشاركة السابقة

إضافة تعليق سريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *
 
TO  cool  dry 
عربي  mad  ohmy 
huh  sad  smile 
wub 

طول النص يجب ان يكون
أقل من : 30000 حرف
إختبار الطول
تبقى لك :



 

   ابحث في الموقع


 

   اصدارات الجيرة


 

   مرئيات

قراءة شعرية في ثانوية الرازي بطنجة
تجاهل الآخر
حوار مع محمد محمد البقاش

 

   تسجيل الدخول


المستخدم
كلمة المرور

إرسال البيانات؟
تفعيل الاشتراك

 
 

الأولى . أخبار متنوعة . قسم خاص بالأدب المَمْدَري . القسم الإسباني . الكتابات الاستشرافية في السياسة والفكر والأدب . ثقافة وفنون
كتب وإصدارات . تحاليل سياسية . تعاليق سياسية . بريد القراء . سجل الزوار . من نحن . اتصل بنا

المواضيع والتعليقات المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي الموقع، و إنما تمثل وجهة نظر كاتبيها. ولن يتحمل الموقع أي تبعة قانونية أو أخلاقية جرّاء نشرها.

جميع الحقوق محفوظة © 2009 - 2010 طنجة الجزيرة

تصميم وتطوير شبكة طنجة

ArAb PoRtAl